Difference between revisions 291266 and 291267 on arwikisourceمطمع الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس الكتاب: مطمع الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس المؤلف: الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان ابن عبد الله القيسي، أبو نصر (المتوفى: 528هـ) المحقق: محمد علي شوابكة الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الأولى، 1983م عدد الأجزاء: 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] (مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي ملح أهل الأندلس تأليف الْوَزير الْكَاتِب أبي نصر الْفَتْح بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن خاقَان ابْن عبد الله الْقَيْسِي الإشبيلي الْمُتَوفَّى سنة 529 هـ 1135 م وَهُوَ مِمَّا لم يذكر فِي قلائد العقيان) (1/145) فارغة (1/146) (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم خطْبَة الْكتاب) أما بعد حمدا لله الَّذِي أشعرنا إلهاما وصير لنا أفهاما وَيسر لنا برود آدَاب ونشرنا للأنبعاث إِلَى إِثْبَاتهَا والانتداب وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي بَعثه رَحْمَة ونبأه منَّة ونعمة وَسلم تَسْلِيمًا فَإِنَّهُ كَانَ بالأندلس أَعْلَام فتنُوا بِسحر الْكَلَام ولقو مِنْهُ كل تَحِيَّة وَسَلام فشعشعوا الْبَدَائِع وروقوها وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها ثمَّ هووا فِي مهاوي المنايا وانطووا بايدي الرزايا وَبقيت مآثرهم غير مثبتة فِي ديوَان وَلَا مجملة فِي تصنيف أحد من (1/147) الاعيان تجتلي فِيهِ الْعُيُون وتجتني مِنْهُ زهر الْفُنُون إِلَى أَن اراد الله إِظْهَارًا أعجازها واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الْوَزير ابي الْعَاصِ حكم بن الْوَلِيد عِنْد من رحب وَأهل وأعل بمكارمه وأنهل وندبني إِلَى أَن أجمعها فِي كتاب وأدركني من التنشط إِلَى إقبال مَا ندب إِلَيْهِ وَكِتَابَة مَا حث عَلَيْهِ فأجبت رغبته وحليت بالإسعاف لبته وَذَهَبت إِلَى إبدائها وتخليد عليائها وامليت مِنْهَا فِي بعض الْأَيَّام ثَلَاثَة أَقسَام الْقسم الاول يشْتَمل على سرد غرر الوزراء وتناسق دُرَر الْكتاب والبلغاء الْقسم الثَّانِي يشْتَمل على محَاسِن أَعْلَام الْعلمَاء وأعيان الْقُضَاة والفهماء الْقسم الثَّالِث يشْتَمل على سرد محَاسِن الادباء النوابغ النجباء وسميتها مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي ملح أهل الأندلس وابقيتها لِذَوي (1/148) الْآدَاب ذكرا وَلأَهل الْإِحْسَان فخرا يساجلون بهَا أهل الْعرَاق ويحاسنون بمحاسنها الشَّمْس عِنْد الْإِشْرَاق وَالله أسأله إلهام الْمَقْصد وانفراج بَابه الموصد بمنه وَكَرمه (1/149) فارغة (1/150) الْقسم الأول الوزراء (1/151) فارغة (1/152) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم 3 - (الْحَاجِب جَعْفَر بن عُثْمَان المصحفي) تجرد للعليا وتمرد فِي طلب الدُّنْيَا حَتَّى بلغ المنى وتسوغ (1/153) ذَلِك الجنى فسما دون سَابِقَة وارتقى إِلَى رُتْبَة لم تكن لبنيته بمطابقة فالتاح فِي أفياء الْخلَافَة وارتاح إِلَيْهَا بعطفه كنشوان السلافة واستوزره الْمُسْتَنْصر وَعنهُ كَانَ يسمع بِهِ ويبصر فَأدْرك بذلك مَا اِدَّرَكَ وَنَصّ لأمانيه الحبائل والشرك واقتنى وادخر وأزرى بِمن سواهُ وسخر واستعطفه الْمَنْصُور بن ابي عَامر ونجمه (1/154) غائر لم يلح وسره مَكْتُوم لم يبح فَمَا عطف وَلَا جنى من رَوْضَة دُنْيَاهُ وَلَا قطف فَأَقَامَ فِي تَدْبِير بالأندلس مَا أَقَامَ والأندلس متغيرة والأذهان فِي تكيف سعده متحيرة فناهيك من ذكر خلد وَمن فَخر تقلد وَمن صَعب رَاض وَجَنَاح فتْنَة هاض وَلم يزل بنجاد تِلْكَ الْخلَافَة معتقلا وَفِي مطالعها متنقلا إِلَى أَن توفّي الحكم فانتفض عقده الْمُحكم وانبرت إِلَيْهِ النوائب وتسددت إِلَيْهِ من الخطوب سِهَام صوائب واتصل إِلَى الْمَنْصُور ذَلِك الْأَمر واختص بِهِ كَمَا مَال بالوليد بن يزِيد أَخُوهُ الْغمر وأناف فِي تِلْكَ الْخلَافَة كَمَا شب قبل الْيَوْم عَن طوقه عَمْرو وانتدب (1/155) للمصحفي بصدر قد كَانَ أوغره وساءه وصغره فاقتص من تِلْكَ الاساءة وأغص حَلقَة بِأَيّ مساءة فأخمله ونكبه وأرجله عَمَّا كَانَ الدَّهْر أركبه وألهب جوارحه حزنا وَنهب لَهُ مدخرا ومختزنا وَدَمرَ عَلَيْهِ مَا كَانَ حاط وأحاط بِهِ من مكروهه مَا أحَاط وَغير سِنِين فِي مهوى تِلْكَ النكبة وجوى تِلْكَ الْكُرْبَة يَنْقُلهُ الْمَنْصُور مَعَه فِي غَزَوَاته ويعتقله بَين ضيق المطبق ولهواته إِلَى أَن تكورت شمسه وفاضت بَين أثْنَاء المحن نَفسه وَمن بديع مَا حفظ لَهُ فِي نكبته قَوْله يستريح من كربته (صبرت على الْأَيَّام لما تولت ... وألزمت نَفسِي صبرها فاستمرت) (فواعجبا للقلب كَيفَ اعترافه ... وللنفس بعد الْعِزّ كَيفَ استذلت) (1/156) (وَمَا النَّفس إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلهَا الْفَتى ... فَإِن طمعت تاقت وَإِلَّا تسلت) (وَكَانَت على الْأَيَّام نَفسِي عزيزة ... فَلَمَّا رَأَتْ صبري على الذل ذلت) (فَقلت لَهَا يَا نفس موتِي كَرِيمَة ... فقد كَانَت الدُّنْيَا لنا ثمَّ ولت) وَكَانَ لَهُ أدب بارع وخاطر إِلَى نظم القريض مسارع فَمن محَاسِن انشاده الَّتِي بعثها ايناس دهره باسعاده قَوْله (لعينيك فِي قلبِي عَليّ عُيُون ... وَبَين ضلوعي للشجون فنون) (لَئِن كَانَ جسمي مخلقا فِي يَد الْهوى ... فحبك عِنْدِي فِي الْفُؤَاد مصون) (وَله وَقد أصبح عاكفا على حمياه هاتفا بإجابة دُنْيَاهُ مرتشفا ثغر الْأنس متنسما رياه وَالْملك يغازله بِطرف كحيل والسعد (1/157) قد عقد عَلَيْهِ من إكليل يصف لون مدامه وَمَا تعرف لَهُ مِنْهَا دون ندامه (صفراء تطرق فِي الزّجاج فَإِن سرت ... فِي الْجِسْم دبت مثل صل لادغ) (خفيت على شرابها فَكَأَنَّمَا ... يَجدونَ ريا من إِنَاء فارغ) وَمن شعره فِي السفرجل الَّذِي قَالَه فِيهِ مشبها وَغدا بِهِ لنائم البديع منبها قَوْله يصف سفرجلة وَيُقَال إِنَّه ارتجله (ومصفرة تختال فِي ثوب نرجس ... وتعبق عَن مسك ذكي التنفس) (لَهَا ريح مَحْبُوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلَّة السقم مكتسي) (فصفرتها من صفرتي مستعارة ... وأنفاسها فِي الطّيب أنفاس مؤنسي) (وَكَانَ لَهَا ثوب من الزغب أغبر ... على جسم مصفر من التبر أملس) (فَلَمَّا استتمت فِي الْقَضِيب شبابها ... وحاكت لَهَا الأوراق أَثوَاب سندس) (مددت يَدي باللطف أبغي اجتناءها ... لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي) (1/158) (فبزت يَدي غصبا لَهَا ثوب جسمها ... وأعريتها باللطف من كل ملبس) (وَلما تعرت فِي يَدي من برودها ... وَلم تبْق إِلَّا فِي غلالة نرجس) (ذكرت بهَا من لَا أبوح بِذكرِهِ ... فأذبلها فِي الْكَفّ حر التنفس) وَله وَقد أَعَادَهُ الْمَنْصُور إِلَى المطبق والشجون تسرع إِلَيْهِ وتسبق معزيا لنَفسِهِ مجتزيا بإسعاد أمسه (أجازي الزَّمَان على حَاله ... مجازاة نَفسِي لأنفاسها) (إِذا نفس صاعد شفها ... تَوَارَتْ بِهِ دون جلاسها) (وَإِن عكفت نكبة للزمان ... عطفت بنفسي على رَأسهَا) وَمِمَّا حفظ لَهُ فِي استعطافه واستنزاله للمنصور واستلطافه قَوْله (عَفا الله عَنْك إِلَّا رَحْمَة ... تجود بعفوك إِن أبعدا) (لَئِن جلّ ذَنْب وَلم اعْتَمدهُ ... فَأَنت أجل وَأَعْلَى يدا) (1/159) (ألم تَرَ عبدا عدا طوره ... وَمولى عَفا ورشيدا هدى) (ومفسد أَمر تلافيته ... فَعَاد فَأصْلح مَا أفسدا) (أَقلنِي أقالك من لم يزل ... يقيك وَيصرف عَنْك الردى) قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل كَاتب الْمَنْصُور سرت بأَمْره لتسليم جَسَد جَعْفَر إِلَى أَهله وَولده والحضور على إنزاله فِي ملحده فنظرته وَلَا أثر فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء يواريه غير كسَاء خلق لبَعض البوابين فَدَعَا لَهُ مُحَمَّد بن مسلمة بغاسل فَغسله وَالله على فردة بَاب اقتطع من جَانب الدَّار وَأَنا اعْتبر من تصرف الأقدار وَخَرجْنَا بنعشه إِلَى قَبره وَمَا مَعنا سوى إِمَام مَسْجده المستدعى للصَّلَاة عَلَيْهِ وَمَا تجاسر أحد منا للنَّظَر إِلَيْهِ وَإِن لي فِي شَأْنه لخبرا مَا سمع بِمثلِهِ طَالب وعظ وَلَا وَقع فِي سمع وَلَا تصور فِي لحظ وقفت لَهُ فِي طَرِيقه من قصره أَيَّام نَهْيه وَأمره اروم أَن أناوله قصَّة كَانَت بِهِ مُخْتَصَّة فوَاللَّه مَا تمكنت من الدنو مِنْهُ بحيلة لكثافة موكبه وَكَثْرَة من حف بِهِ وَأخذ النَّاس السكَك عَلَيْهِ وأفواه الطّرق داعين وجارين بَين يَدَيْهِ وساعين حَتَّى ناولت قصتي بعض كِتَابه الَّذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ الْقَصَص فَانْصَرَفت وَفِي نَفسِي مَا فِيهَا من الشرق بِحَالهِ والغصص فَلم تطل الْمدَّة حَتَّى غضب عَلَيْهِ الْمَنْصُور واعتقله وَنَقله مَعَه فِي الْغَزَوَات وَحَملَة وَاتفقَ (1/160) أَن نزلت بجليقية إِلَى جَانب خبائه فِي لَيْلَة نهى الْمَنْصُور فِيهَا عَن وقود النيرَان ليخفي على الْعَدو أَثَره وَلَا ينْكَشف إِلَيْهِ خَبره فَرَأَيْت وَالله عُثْمَان ابْنه يسفه دَقِيقًا قد خلطه بِمَاء يُقيم بِهِ أوده ويمسك بِسَبَبِهِ رمقه بِضعْف حَال وَعدم زَاد وَهُوَ يَقُول (تَأَمَّلت صرف الحادثات فَلم أزل ... أَرَاهَا توفّي عِنْد موعدها الحرا) (فَللَّه أَيَّام مَضَت بسبيلها ... فَإِنِّي لَا انسى لَهَا أبدا ذكرا) (تجافت بهَا عَنَّا الْحَوَادِث بُرْهَة و ... وأبدت لنا مِنْهَا الطلاقة والبشرا) (ليَالِي لم يدر الزَّمَان مَكَانهَا ... وَلَا نظرت مِنْهَا حوادثه شزرا) (وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا سحائب ... على كل أَرض تمطر الْخَيْر والشرا) وَكَانَ مِمَّا أعين بِهِ ابْن أبي عَامر على جَعْفَر المصحفي ميل الوزراء إِلَيْهِ وايثارهم لَهُ عَلَيْهِ وسعيهم فِي ترقيه وَأَخذهم بالعصبية فِيهِ فَإِنَّهَا وَإِن لم تكن حمية اعرابية فقد كَانَت سلفية سلطانية يَقْتَضِي الْقَوْم فِيهَا سَبِيل سلفهم وَيمْنَعُونَ بهَا ابتذال شرفهم غادروها سيرة (1/161) وخلفوها عَادَة أثيرة تشاح الْخلف فِيهَا تشاح أهل الدّيانَة وصانوا بهَا مَرَاتِبهمْ أعظم صِيَانة وَرَأَوا أَن أحدا لَا يلْحق فِيهَا غَايَة وَلَا يتلَقَّى لَهَا رأية فَلَمَّا اصْطفى الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه جَعْفَر بن عُثْمَان واصطنعه وَوَضعه من أثرته حَيْثُ وَضعه وَهُوَ نزيع بَينهم ونابغ فيهم حسدوه وذموه وخصوه بالمطالبة وعموه وَكَانَ أسْرع هَذِه الطَّائِفَة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إِلَى مهاودة الْمَنْصُور عَلَيْهِ والانحراف عَنهُ إِلَيْهِ آل أبي عَبدة وَآل شَهِيد وَآل فطيس من الْخُلَفَاء وَأَصْحَاب الردافة وأولي الشّرف والإنافة (1/162) وَكَانُوا فِي الْوَقْت أزمة الْملك وقوام الْخدمَة ومصابيح الْأمة وأغير الْخلق على جاه وَحُرْمَة فأحظوا مُحَمَّد بن أبي عَامر مشايعة ولبعض اسبابه الجامعة مُتَابعَة وشادوا بناءه وقادوا إِلَى عنصره سناءه حَتَّى بلغ الأمل والتحف يَمِينه بمناه واشتمل وَعند التئام هَذِه الْأُمُور لِابْنِ أبي عَامر استكان جَعْفَر بن عُثْمَان للحادثة وايقن بالنكبة وَزَوَال الْحَال وانتقال الرُّتْبَة وكف عَن اعْتِرَاض مُحَمَّد وشركته فِي التَّدْبِير وانقبض النَّاس من الرواح إِلَيْهِ والتبكير وانثالوا على ابْن أبي عَامر فخف موكبه وغار من سَمَاء الْعِزّ كوكبه وتوالى عَلَيْهِ سعي ابْن أبي عَامر وَطَلَبه إِلَى أَن صَار يَغْدُو إِلَى قرطبة وَيروح وَلَيْسَ بِيَدِهِ من الحجابة إِلَّا اسْمهَا وَابْن أبي عَامر مُشْتَمل على رسمها حَتَّى محاه وهتك ظله وأصحاه قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل رَأَيْته يساق إِلَى مجْلِس الوزراء للمحاسبة رَاجِلا فَأقبل يدرم وجوارحه باللواعج تضطرم وواثق الضاغط ينهره والزمع والبهر قدها ضاه وقصرا خطاه فَسَمعته يَقُول رفقا بِي فستدرك مَا تحبه وتشتهيه وَترى مَا كنت ترتجيه وَيَا لَيْت أَن الْمَوْت بيع (1/163) فأغلى الله سومه حَتَّى يردهُ من قد أَطَالَ عَلَيْهِ حومه ثمَّ قَالَ (لَا تأمنن من الزَّمَان تقلبا ... إِن الزَّمَان بأَهْله يتقلب) (وَلَقَد أَرَانِي والليوث تخافني ... وأخافني من بعد ذَاك الثَّعْلَب) (حسب الْكَرِيم مذلة ومهانة ... أَلا يزَال إِلَى لئيم يطْلب) فَلَمَّا بلغ الْمجْلس جلس فِي آخِره دون أَن يسلم على أحد أَو يُومِئ إِلَيْهِ بِعَين أَو يَد فَلَمَّا أَخذ مَجْلِسه تسرع إِلَيْهِ الْوَزير مُحَمَّد بن حَفْص بن جَابر فعنفه واستجفاه وَأنكر عَلَيْهِ ترك السَّلَام وجفاه وجعفر معرض عَنهُ إِلَى أَن كثر القَوْل مِنْهُ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا جهلت المبرة فاستجهلت معلمها وكفرت الْيَد فقصدت بالأذى وَلم ترهب مقدمها وَلَو أتيت نكرا لَكَانَ غَيْرك أدرى وَقد وَقعت فِي أَمر مَا أَظُنك تخلص مِنْهُ وَلَا يسعك السُّكُوت عَنهُ ونسيت الأيادي الجميلة والمبرات الجليلة فَلَمَّا سمع مُحَمَّد بن حَفْص ذَلِك من قَوْله قَالَ هَذَا البهت بِعَيْنِه وَأي اياديك الغر الَّتِي مننت بهَا وعنيت أَدَاء واجبها أيد كَذَا أم يَد كَذَا وَعدد أَشْيَاء أنكرها مِنْهُ أَيَّام إمارته وَتصرف (1/164) الدَّهْر طوع إِشَارَته فَقَالَ جَعْفَر هَذَا مَا لَا يعرف وَالْحق الَّذِي لَا يرد وَلَا يصرف رفعي الْقطع عَن يمناك وتبليغي لَك إِلَى مناك فأصر مُحَمَّد بن حَفْص على الْجحْد فَقَالَ جَعْفَر أنْشد الله من لَهُ علم بِمَا أذكرهُ الا اعْترف بِهِ وَلَا يُنكره وَأَنا احوج إِلَى السُّكُوت وَلَا تحجب دَعْوَتِي فِي الملكوت فَقَالَ الْوَزير أَحْمد بن عَبَّاس قد كَانَ بعض مَا ذكرته يَا أَبَا الْحسن وَغير هَذَا اولى بك وَأَنت فِيمَا أَنْت فِيهِ من محنتك وطلبك فَقَالَ أحرجني الرجل فتكلمت وأحوجني إِلَى مَا بِهِ أعلمت فَأقبل الْوَزير ابو الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور على مُحَمَّد بن حَفْص وَقَالَ أَسَأْت إِلَى الْحَاجِب وأوجبت عَلَيْهِ غير الْوَاجِب أَو مَا علمت أَن منكوب السُّلْطَان لَا يسلم على أوليائه لِأَنَّهُ إِن فعل ألزمهم الرَّد لقَوْله تَعَالَى {وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا} فَإِن فعلوا اطاف بهم من انكار السُّلْطَان مَا يخْشَى وَيخَاف لِأَنَّهُ تأنيس (1/165) لمن أوحش وتأمين لمن أَخَاف وَإِن تركُوا الرَّد اسخطوا الله فَصَارَ الْإِمْسَاك أحسن وَمثل هَذَا لَا يخفى على أبي الْحسن فانكسر مُحَمَّد ابْن حَفْص وخجل مِمَّا أَتَى بِهِ من النَّقْص وبلغه أَن أَقْوَامًا توجعوا لَهُ وتفجعوا مِمَّا وَصله فَكتب إِلَيْهِم (أحن إِلَى أنفاسكم فأظنها ... بواعث أنفاس الْحَيَاة إِلَى نَفسِي) (وَإِن زَمَانا صرت فِيهِ مُقَيّدا ... لأثقل من رضوى وأضيق من رمس) 3 - (الْوَزير ابو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْملك بن عمر بن شَهِيد) مفخر الْإِمَامَة وزهر تِلْكَ الكمامة حَاجِب النَّاصِر عبد الرَّحْمَن وحامل الوزارتين على سموهما فِي ذَلِك الزَّمَان اسْتَقل (1/166) بالوزارة على ثقلهَا وَتصرف فِيهَا كَيفَ شَاءَ على حد نظرها والتفات مقلها فَظهر على أُولَئِكَ الوزراء واشتهر مَعَ كَثْرَة النظراء وَكَانَت إِمَارَة عبد الرَّحْمَن أسعد إِمَارَة بعد عَنْهَا كل نفس بالسوء أَمارَة فَلم يطرقها صرف وَلم يرمقها بمحذور طرف ففرع النَّاس فِيهَا هضاب الْأَمَانِي ورباها ورتعت ظباؤها فِي ظلال ظباها وَهُوَ اسد على براثنه رابض وَبَطل أبدا على قَوَائِم سَيْفه قَابض يروع الرّوم طيفه ويجوس خلال تِلْكَ الديار خَوفه ويروى من نجيعهم كل آونة سَيْفه وَابْن شَهِيد ينْتج الآراء ويلقحها وينتقد تِلْكَ الأنحاء وينقحها والدولة مُشْتَمِلَة بفنائه متجملة بسنائه وَكَرمه منتشر على الآمال ويكسو الْأَوْلِيَاء بذلك الْإِجْمَال وَكَانَ لَهُ أدب تزخر لججه وتبهر حججه وَشعر رَقِيق لَا ينْقد ويكاد من اللطافة يعْقد فَمن ذَلِك قَوْله (ترى الْبَدْر مِنْهَا طالعا وكأنما ... يجول وشاحاها على لُؤْلُؤ رطب) (بعيدَة مهوى القرط مخطفة الحشا ... ومفعمة الخلخال مفعمة الْقلب) (1/167) (من اللاء لم يرحلن فَوق رواحل ... وَلَا سرن يَوْمًا فِي ركاب وَلَا ركب) (وَلَا أبرزتهن المدام لنشوة ... فتشدو كَمَا تشدو القيان على الشّرْب) وَكَانَت بَينه وَبَين الْوَزير عبد الْملك بن جهور مُتَوَلِّي الْأَمر مَعَه ومشاركة فِي التَّدْبِير إِذا حضر مَوْضِعه مُنَافَسَة لم تنفصل لَهما بهَا مداخلة وَلَا مُلَابسَة وَكِلَاهُمَا يتربص بِصَاحِبِهِ دَائِرَة السوء ويغص بِهِ غصص الْأُفق بالنوء فاجتاز يَوْمًا إِلَى ربضه وَمَال إِلَى زيارته وَلم تكن من غَرَضه فَلَمَّا استأمر عَلَيْهِ تَأَخّر خُرُوج الْأذن إِلَيْهِ فَثنى عنانه حنقا من حجابه وضجرا من حجابه وَكتب إِلَيْهِ معرضًا وَكَانَ يلقب بالحمار (أَتَيْنَاك لَا عَن حَاجَة عرضت لنا ... إِلَيْك وَلَا قلب إِلَيْك مشوق) (ولكننا زرنا بِفضل حلومنا ... حمارا تولى برنا بعقوق) فَرَاجعه ابْن جهور يغض مِنْهُ بِمَا كَانَ يشيع عَنهُ بِأَن جده أَبَا هِشَام كَانَ بيطارا بِالشَّام بقوله (1/168) (حجبناك لما زرتنا غير تائق ... بقلب عَدو فِي ثِيَاب صديق) (وَمَا كَانَ بيطار الشآم بِموضع ... يُبَاشر فِيهِ فرنا بخليق) وَمن قَوْله يتغزل (حَلَفت بِمن رمى فَأصَاب قلبِي ... وَقَلبه على جمر الصدود) (لقد أودى تذكره بمثلي ... وَلست أَشك أَن النَّفس تودي) (فقيد وَهُوَ مَوْجُود بقلبي ... فوا عجبا لموجود فقيد) 3 - (الْوَزير أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عباد) هَذِه بَقِيَّة منتماها فِي لخم ومرتماها إِلَى مفخر ضخم (1/169) وجدهم الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء ومطلعهم من جو تِلْكَ السَّمَاء وَبَنُو عباد مُلُوك أنس بهم الدَّهْر وتنفس مِنْهُم عَن أعبق الزهر وعمروا ربع الْملك وَأمرُوا بِالْحَيَاةِ والهلك ومعتضدهم أحد من أَقَامَ وأقعد وتبوأ كَاهِل الإرهاب واقتعد وافترش من عريسته وافترس من مَكَائِد فريسته وزاحم بِعُود وهز كل طود وأخمل كل ذِي زِيّ وشارة وختل بِوَحْي وَإِشَارَة ومعتمدهم كَانَ أَجود الْأَمْلَاك وَأحد نيرات تِلْكَ الأفلاك وَهُوَ الْقَائِل وَقد شغل عَن منادمة خَواص دولته بمنادمة العقائل (1/170) (لقد حننت إِلَى مَا اعْتدت من كرم ... حنين أَرض إِلَى مستأخر الْمَطَر) (فهاتها خلعا أرضي السماح بهَا ... محفوفة فِي أكف الشّرْب بالبدر) وَهُوَ الْقَائِل وَقد حن فِي طَرِيقه إِلَى فريقه (أدَار النَّوَى كم طَال فِيك تلذذي ... وَكم عقتني عَن دَار أهيف أغيد) (حَلَفت بِهِ لَو قد تعرض دونه ... كماة الاعادي فِي النسيج المسرد) (لجردت للضرب المهند فانقضى ... مرادي وَعز مَا مثل حد المهند) وَالْقَاضِي أَبُو الْقَاسِم هَذَا جدهم وَبِه سفر مجدهم وَهُوَ الَّذِي اقتنص لَهُم الْملك النافر واختصم مِنْهُ بالحظ الوافر فَإِنَّهُ أَخذ الرياسة من أَيدي جبابر وأضحى من ظلالها أَعْيَان أكَابِر عِنْدَمَا عِنْدَمَا أناخت بهَا أطماعهم واصاخت إِلَيْهَا اسماعهم وامتدت إِلَيْهَا من مستحقيها الْيَد وأتلعوا أجيادا زانها الْجيد وفغر عَلَيْهَا فَمه حَتَّى هجا بَيت العبدى وتصدى إِلَيْهَا من تحضر وتبدى فاقتعد سنامها وغاربها وَأبْعد عَنْهَا عجمها وأعاربها وفاز من الْملك بأوفر حِصَّة وعدت سمته بِهِ صفة مُخْتَصَّة فَلم يمح رسم الْقَضَاء وَلم يتسم بسمة الْملك مَعَ ذَلِك النّفُوذ والمضاء وَمَا زَالَ يحمي حوزته ويجلو غرته حَتَّى حوته الرجام وخلت مِنْهُ تِلْكَ الآجام وانتقل الْملك إِلَى ابْنه المعتضد (1/171) وَحل مِنْهُ فِي روض نمق لَهُ ونضد وَلم يعمر فِيهِ وَلم يدم ولاه وَتسَمى بالمعتضد بِاللَّه وارتمى إِلَى أبعد غايات الْجُود بِمَا أناله وأولاه لَوْلَا بَطش فِي اقْتِضَاء النُّفُوس كدر ذَلِك المنهل وعكر أثْنَاء ذَلِك صفو العل والنهل وَمَا زَالَ للأرواح قَابِضا وللوثوب عَلَيْهَا رابضا يخطف أعداءه اختطاف الطَّائِر من الوكر وينتصف مِنْهُم بالدهاء وَالْمَكْر إِلَى أَن أفْضى الْملك إِلَى ابْنه الْمُعْتَمد فاكتحل مِنْهُ طرفه الرمد وَأحمد مجده وتقلد مِنْهُ أَي باس ونجده وندى بِهِ لحق مناه وَأقَام فِي الْملك ثَلَاثًا وَعشْرين سنة لم تعدم مِنْهُ فِيهَا حَسَنَة وَلَا سيرة مستحسنة إِلَى أَن غلب على سُلْطَانه وَذهب بِهِ من أوطانه فَنقل إِلَى حَيْثُ اعتقل فَأَقَامَ كَذَلِك إِلَى أَن مَاتَ ووارته بَريَّة أغمات وَكَانَ للْقَاضِي جده أدب غض وَمذهب مبيض ونظم يرتجله كل حِين ويبعثه أعطر من الرياحين فَمن ذَلِك قَوْله يصف النيلوفر (يَا ناظرين لذا النيلوفر البهج ... وَطيب مخبره فِي الفوح والأرج) (1/172) (كَأَنَّهُ جَام در فِي تألقه ... قد أحكموا وَسطه فصا من السبج) 3 - (الوزيرابو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز كَاتب الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى وَزِير الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز وَرب السَّبق فِي وده والتبريز ومنقض الْأُمُور ومبرمها ومخمد الْفِتَن ومضرمها اعتقل بالدهي واستقل بِالْأَمر وَالنَّهْي على انتهاض بَين الْأَكفاء وَاعْتِرَاض المحو لرسومه والإعفاء فاستمر غير مراقب وَأمر مَا شَاءَ غير ممتثل للعواقب ينتضي عَزَائِمه انتضاء فَإِن ألمت من الْأَيَّام مظْلمَة أَضَاء إِلَى أَن أودى وغار مِنْهُ الْكَوْكَب الأهدى فانتقل الْأَمر إِلَى ابْنه أبي (1/173) بكر فناهيك من أبي عرف ونكر بقد اربى على الدهاة وَمَا صبا إِلَى الظبية وَلَا إِلَى المهاة واستقل بالهول يقتحمه والامر يسديه ويلحمه فَأَي ندى أَفَاضَ وَأي أَجْنِحَة بمدى هاض فانقادت إِلَيْهِ الآمال بِغَيْر خطام ووردت من نداه ببحر طام وَلم يزل بالدولة قَائِما وموقظا من بهجتها مَا كَانَ نَائِما إِلَى أَن صَار الْأَمر إِلَى الْمَأْمُون بن ذِي النُّون اسد الحروب ومسد الثغوب والدروب فاعتمد عَلَيْهِ واتكل ووكل إِلَيْهِ الْأَمر غير وكل فَمَا تعدى الوزارة إِلَى الرياسة وَلَا تردى بِغَيْر التَّدْبِير والسياسة فَتَركه مستبدا وَلم يجد من ذَلِك بدا وَكَانَ ابو بكر (1/174) هَذَا ذَا رفْعَة غير متضائلة وآراء لم تكن آفلة أدْرك بهَا مَا أحب وَقطع غارب كل منافس وَجب إِلَى أَن طَلْحَة الْعُمر وأنضاه وأغمده الَّذِي انتضاه فخلى الْأَمر إِلَى ابنيه فتبلدا فِي التَّدْبِير وَلم يفرقا بَين الْقَبِيل والدبير فغلب عَلَيْهِمَا الْقَادِر بن ذِي النُّون وجلب إِلَيْهِمَا كل خطب مَا خلا الْمنون فانجلوا بَعْدَمَا ألقوا مَا عِنْدهم وتحلوا وَكَانَ لأبي عبد الله نظم مستبدع يوضع بَين الجوانح ويودع فَمن ذَلِك مَا رَاجع بِهِ أبن عبد الْعَزِيز وَكتب إِلَيْهِ يعاتبه بِقِطْعَة أَولهَا (يَا أحسن النَّاس آدابا وأخلاقا ... وَأكْرم النَّاس أغصانا وأوراقا) (وَيَا حَيا الأَرْض لم نكبت عَن سُنَنِي ... وسقت نحوي إرعادا وإبراقا) (1/175) (وَيَا سنا الشَّمْس لم أظلت فِي بَصرِي ... وَقد وسعت بِلَاد الله إشراقا) (من أَي بَاب سعت غير الزَّمَان إِلَى ... رحيب صدرك حَتَّى قيل قد ضاقا) (قد كنت أحسبني فِي حسن رَأْيك لي ... أَنِّي أخذت على الْأَيَّام ميثاقا) (فَالْآن لم يبْق لي بعد انحرافك مَا ... آسى عَلَيْهِ وأبدي مِنْهُ إشفاقا) فَأَجَابَهُ ابْن عبد الْعَزِيز بِهَذِهِ الْقطعَة (مَا زلت أوليك إخلاصا وإشفاقا ... وأنثني عَنْك مهما غبت مشتاقا) (وَكَانَ من أملي أَن اقتنيك أَخا ... فأخفق الأمل المأمول إخفاقا) (فَقلت غرس من الإخوان أكلؤه ... حَتَّى أرى مِنْهُ إثمارا وإيراقا) (فَكَانَ لما زهت أزهاره وَدنت ... أثماره حنظلا مرا لمن ذاقا) (فلست اول إخْوَان سقيتهم ... صفوي وأعلقتهم بِالْقَلْبِ إعلاقا) (1/176) (فَمَا جزوني بإحساني وَلَا عرفُوا ... قدري وَلَا حفظوا عهدا وميثاقا) 3 - (الْوَزير الْكَاتِب أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن إِدْرِيس الْخَولَانِيّ) علم من أَعْلَام الزَّمَان وَعين من أَعْيَان الْبَيَان باهر الفصاحة طَاهِر الجناب والساحة تولى التحبير أَيَّام الْمَنْصُور والإنشاء وأشعر بدولته الأفراح والإنتشاء وَلبس الْعِزَّة مدَّتهَا ضافية الْبُرُودَة وَورد بهَا النِّعْمَة صَافِيَة الْوُرُود وامتطى من جِيَاد التَّوْجِيه أعتق من لَاحق والوجيه وَتَمَادَى طلقه وَلَا أحد يلْحقهُ إِلَى أَيَّام المظفر فَمشى على سنَنه وَتَمَادَى السعد يترنم على فننه إِلَى أَن قتل المظفر صهره (1/177) عِيسَى بن القطاع صَاحب دولته وأميرها المطاع وَكَانَ ابو مَرْوَان قديم الاصطناع لَهُ والانقطاع إِلَيْهِ فاتهم مَعَه وَكَاد أَن يَذُوق الْحمام ويجرعه إِلَّا أَن احسانه شفع وَبَيَانه منع وَدفع فحط عَن تِلْكَ الرتب وَحمل إِلَى طرطوشة على القتب فَبَقيَ هُنَالك معتقلا فِي برج من أبراجها نائي الْمُنْتَهى كَأَنَّمَا يُنَاجِي السها قد بعد ساكنه عَن الانيس فعد من النَّجْم بِمَنْزِلَة الجليس تمر الطُّيُور دونه وَلَا تجوزه وَيرى مِنْهُ الثرى وَلَا يكَاد يحوزه فَبَقيَ فِيهِ دهر أَلا يرتقي إِلَيْهِ راق وَلَا (1/178) يُرْجَى لبثه راق إِلَى أَن أخرج مِنْهُ إِلَى ثراه واستراح مِمَّا عراه فَمن بديع مَا قَالَه قَوْله يصف المعقل الَّذِي فِيهِ اعتقل (يأوي إِلَيْهِ كل أَعور ناعق ... وتهب فِيهِ كل ريح صَرْصَر) (ويكاد من يرقى إِلَيْهِ مرّة ... من عمره يشكو انْقِطَاع الْأَبْهَر) وَدخل لَيْلَة على الْمَنْصُور والمنصور قد اتكأ وارتفق وَحكى بمجلسه ذَلِك الْأُفق وَالدُّنْيَا بمجلسه ذَلِك مسوقه وَأَحَادِيث الْأَمَانِي بِهِ منسوقة فَأمره بالنزول فَنزل فِي جملَة الْأَصْحَاب وَالْقَمَر يظْهر ويحتجب فِي السَّحَاب والأفق يَبْدُو بِهِ أغر ثمَّ يعود مُبْهما وَاللَّيْل يتَرَاءَى مِنْهُ أشقر ثمَّ يعود أدهما وابو مَرْوَان قد انتشى وجال فِي ميدان الْأنس وَمَشى وَبرد خاطره قد دبجه السرُور ووشى فأقلقه ذَلِك المغيب والألتياح وأنطقه ذَلِك السرُور والارتياح فَقَالَ (أرى بدر السَّمَاء يلوح حينا ... فيبدو ثمَّ يلتحف السحابا) (وَذَلِكَ أَنه لما تبدى ... وَأبْصر وَجهك استحيا فغابا) (1/179) (مقَال لَو نمى عِنْدِي إِلَيْهِ ... لراجعني بذا حَقًا جَوَابا) وَله فِي مُدَّة اعتقاله وتردده فِي قَيده وعقاله (شحط المزار فَلَا مَزَار ونافرت ... عَيْني الهجوع فَلَا خيال يعتري) (أزرى بصبري وَهُوَ مشدود القوى ... وألان عودي وَهُوَ صلب المكسر) (وطوى سروري كُله وتلذذي ... بالعيش طي صحيفَة لم تنشر) (هَا إِنَّمَا القى الحبيب توهما ... بضمير تذكاري وَعين تذكري) (عجبا لقلبي يَوْم راعتني النَّوَى ... ودنا وداع كَيفَ لم يتفطر) 3 - (الْوَزير الْأَجَل أَبُو الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور) (1/180) وَبَنُو جهور أهل بَيت وزارة اشتهروا كاشتهار ابْن هُبَيْرَة فِي فَزَارَة وَأَبُو الحزم أمجدهم فِي المكرمات وأنجدهم فِي الملمات ركب متون الْفُتُون فراضها وَوَقع فِي بحور المحن فخاضها منبسط غير منكمش لَا طائش اللِّسَان وَلَا رعش وَقد كَانَ وزر فِي الدولة العامرية فشرفت بجلاله وَاعْتَرَفت باستقلاله فَلَمَّا انقرضت وعاقت الْفِتَن واعترضت تخلى عَن التَّدْبِير مدَّتهَا وخلى لخلافة تَدْبِير الْخلَافَة وشدتها وَجعل يقبل مَعَ أُولَئِكَ الوزراء وَيُدبر (1/181) وينهل الْأَمر مَعَهم وَيُدبر غير مظهر للانفراد وَلَا مقصر فِي ميدان ذَلِك الطراد إِلَى أَن بلغت الْفِتْنَة مداها وسوغت مَا شَاءَت رداها وَذهب من كَانَ يخد فِي الرياسة ويخب وَيسْعَى فِي الْفِتْنَة ويدب وَلما ارْتَفع ذَلِك الوبال وادبر ذَلِك الإقبال راسل أهل التَّقْوَى مستمدا بهم ومعتمدا على بَعضهم تحيلا مِنْهُ وتمويها وتداهيا على أهل الْخلَافَة وذويها وَعرض عَلَيْهِم تَقْدِيم المعتد هِشَام وأومض مِنْهُ لأهل قرطبة برق خلب يشام بعد سرعَة التياثها وتعجيل انتكاثا فأنابوا إِلَى الْإِجَابَة وَأَجَابُوا إِلَى استرعائه الوزارة (1/182) والحجابة وتوجهوا مَعَ ذَلِك الإِمَام وألموا بقرطبة أحسن إِلْمَام فَدَخَلُوهَا بعد فتن كَثِيرَة واضطرابات مستثيرة والبلد مقفر وَالْجَلد مُسْفِر فَلم يبْق غير يسير حَتَّى جبذ واضطرب أره فَخلع واختطف من الْملك وانتزع وَانْقَضَت الدولة الأموية وَارْتَفَعت الدولة العلوية وَاسْتولى على قرطبة عِنْد ذَلِك ابو الحزم ودبرها بالجد والعزم وضبطها ضبطا أَمن خائفها وَرفع طَارق تِلْكَ الْفِتْنَة وطائفها وخلا لَهُ الجو فطار وَاقْتضى اللبانات والأوطار فَعَادَت لَهُ قرطبة إِلَى أكمل حالاتها وانجلى بِهِ نوء استجلالاتها وَلم تزل بِهِ مشرقة وغصون الأمل فِيهَا مورقة إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فانتقل الْأَمر إِلَى ابْنه أبي الْوَلِيد واشتمل مِنْهُ على (1/183) طارف وَتَلِيدُ وَكَانَ لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سَارَتْ بهَا الْأَمْثَال وَعدم فِيهَا الْمِثَال وَقد اثْبتْ من شعره مَا هُوَ لَائِق وَفِي سَمَاء الْحسن رائق وَذَلِكَ قَوْله فِي تَفْضِيل الْورْد (1/184) (الْورْد أحسن مَا رات عَيْني وأذكى ... مَا سقى مَاء السَّحَاب الجائد) (خضعت نواوير الرياض لحسنه ... فتذللت تنقاد وَهِي شوارد) (وَإِذا تبدى الْورْد فِي أغصانه ... يزهو فَذا ميت وَهَذَا حَاسِد) (1/185) (وَإِذا أَتَى وَفد الرّبيع مبشرا ... بِطُلُوع صفحته فَنعم الْوَافِد) (لَيْسَ المبشر كالمبشر باسمه ... خبر عَلَيْهِ من النُّبُوَّة شَاهد) (وَإِذا تعرى الْورْد من اوراقه ... بقيت عوارفه فهن خوالد) وَله وَقد وقف على قُصُور الامويين وَقد تقوضت أبنيتها وعوضت من أنيسها بالوحوش أفنيتها (قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا ... أَيْن سكانك العزاز علينا) (فأجابت هُنَا أَقَامُوا قَلِيلا ... ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا) 3 - (الْوَزير ذُو الوزارتين أَبُو عَامر بن الْفرج) من ثنية رياسة وعترة نفاسة مَا مِنْهُم الْأَمْن (1/186) حدى بالإمارة وتردى بالوزارة واضاء فِي آفَاق الدول ونهض بَين الْخَيل والخول وَأَبُو عَامر هَذَا أحد أمجادهم ومتقلد نجادهم فاتهم أدبا ونبلا وباراهم كرما تخاله وَبلا إِلَّا أَنه بَقِي وذهبوا وَلَقي من الْأَيَّام مَا رهبوا فعاين نكرها وَشرب عكرها وجال فِي الْآفَاق واستدر أخلاف الارزاق وأجال للرِّجَال قداحا مُتَوَالِيَات الإخفاق فأخمل قدره وتوالى عَلَيْهِ جور الزَّمَان وغدره فاندفنت آثاره وعفت أخباره وَقد أثبت لَهُ بعض مَا قَالَه وحاله قد ادبرت والخطوب إِلَيْهِ قد انبرت أَخْبرنِي الْوَزير الْحَكِيم أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ وَهُوَ الَّذِي آواه وَعِنْده اسْتَقَرَّتْ نَوَاه وَعَلِيهِ كَانَ قادما وَله كَانَ منادما أَنه رغب إِلَيْهِ فِي أحد الْأَيَّام بِأَن يكون من جملَة ندمائه وَأَن لَا يحجب عَنهُ (1/187) وَتَكون منَّة من أعظم نعمائه فَأَجَابَهُ بالإسعاف واستساغ مِنْهُ مَا كَانَ يعاف لعلمه بقلته وافرط خلته فَلَمَّا كَانَ ظهر ذَلِك الْيَوْم كتب إِلَيْهِ (هَا قد أهبت بكم وكلكم هوى ... وأحقكم بالشكر مني السَّابِق) (فالشمس أَنْت وَقد أظل طُلُوعهَا ... فَاطلع وَبَين يَديك فجر صَادِق) وَكَانَ لَهُ ابْن مكبود قد أعياه علاجه وتهيأ للْفَسَاد مزاجه فَدلَّ على خمر قديمَة فَلم يعلم بهَا إِلَّا عِنْد حكم وَكَانَ وسيما وللحسن قسيما فَكتب إِلَيْهِ (أرسل بهَا مثل ودك ... أرق من مَاء خدك) (شَقِيقَة النَّفس فانضح ... بهَا جوى ابْني وَعَبْدك) وَكتب معتذرا عَمَّا جناه منذرا) (1/188) (مَا تغيبت عَنْك إِلَّا لعذر ... ودليلي فِي ذَاك حرصي عليكا) (هبك أَن الْفِرَار من عظم ذَنْب ... أتراه يكون إِلَّا اليكا) 3 - (الْوَزير أَبُو عَامر أَحْمد بن عبد الْملك بن شَهِيد الْأَشْجَعِيّ) عَالم بأقسام البلاغة ومعانيها حائز قصب السَّبق فِيهَا لَا يُشبههُ أحد من أهل زَمَانه وَلَا ينسق مَا نسق من در الْبَيَان وجمانه توغل فِي شعاب البلاغة وطرقها وَأخذ على متعاطيها مَا بَين مغْرِبهَا ومشرقها لَا يقاومه عَمْرو بن بَحر وَلَا ترَاهُ يغترف إِلَّا من بَحر من انطباع مَشى فِي طَرِيقه بأمد بَاعَ وَله الْحسب الْمَشْهُور وَالْمَكَان الَّذِي لم يعده للظهور وَهُوَ من ولد الوضاح المتقلد تِلْكَ المفاخر (1/189) والاوضاح صَاحب الضَّحَّاك يَوْم المرج وراكب ذَلِك الْهَرج وابو عَامر حفيده هَذَا من ذَلِك النّسَب ونبغ لَا يراش إِلَّا مَعَ ذَلِك الغرب وَقد أثبت لَهُ مِمَّا هُوَ بِالسحرِ لَاحق ولنور المحاسن مَا حق فَمن ذَلِك قَوْله (إِن الْكَرِيم إِذا نابته مَخْمَصَة ... أبدى إِلَى النَّاس ريا وَهُوَ ظمآن) (يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا ... وَالْوَجْه غمر بِمَاء الْبشر ملآن) وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الرضي (مَا إِن رَأَيْت كمعشر صَبَرُوا ... عزا على الأزلات والأزم) (1/190) (بسطوا الْوُجُوه وَبَين أضلعهم ... حر الجوى ومآلم الْكَلم) وَله أَيْضا (كلفت بالحب حَتَّى لَو دنا أَجلي ... لما وجدت لطعم الْمَوْت من ألم) (كلا الندى والهوى قدما ولعت بِهِ ... ويلي من الْحبّ أَو ويلي من الْكَرم) وَأَخْبرنِي الْوَزير أَبُو الْحُسَيْن بن سراج وَهُوَ بمنزل الْوَزير ابي عَامر بن شَهِيد وَكَانَ من البلاغة فِي مدى غَايَة الْبَيَان وَمن الفصاحة فِي أَعلَى مَرَاتِب التِّبْيَان وَكُنَّا نحضر مجْلِس شرابه وَلَا نغيب عَن بَابه وَكَانَ لَهُ بِبَاب الصومعة من الْجَامِع مَوضِع لَا يُفَارِقهُ اكثر نَهَاره (1/191) وَلَا يخليه من نثر درره وأزهاره فَقعدَ فِيهِ لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان فِي لمة من إخوانه وأئمة سلوانه وَقد حفوا بِهِ ليقطفوا نخب أدبه وَهُوَ يخلط لَهُم الْجد بهزل وَلَا يفرط فِي انبساط مشتهر وَلَا انقباض جزل وَإِذا بِجَارِيَة من اعيان أهل قرطبة مَعهَا من جواريها من يَسْتُرهَا ويواريها وَهِي ترتاد موضعا لمناجاة رَبهَا وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها وَهِي متنقبة خائفة مِمَّن يرقبها مترقبة وأمامها طِفْل لَهَا كَأَنَّهُ غُصْن آس أَو ظَبْي يمرح فِي كناس فَلَمَّا وَقعت عينهَا على أبي عَامر ولت سريعة وتولت مروعة خيفة أَن يشبب بهَا أَو يشهرها باسمها فَلَمَّا نظرها قَالَ قولا فضحها بِهِ وشهرها⏎ قال الواقدي: فلما ذهب الليل وأتى النهار أمرت جماعتها بصنع الطعام والحلويات وغيرها فلما صنعوا ذلك وصفوا الموائد وعليها من كل حار وبارد نزلت في السرب وقصدت اشفكياص في قلعته ووقفت بين يديه وصعقت له فقام لها اعظاما وقال لها كيف الملك يوقنا وأحواله فقالت أيها الملك انه ما نام الليل وهو متفكر في القيامة وأحوالها والجحيم ومآلها ولقد أراد اليوم المسير إلى مدينة قرقيسيا وإن يقصد الراهب المعظم قرياقوس وقد أخرته إلى أن تحضروا معه على السماط وتمضي أنت وهو إلى جرجيس حتى يرجع إلى دينه وقد جئت اليك لتحضر سماطي وضيافتي أنت وأصحابك وخواصك وتأكلوا من طعامي وتشربوا من شرابي وتمضي أنت وهو إلى جرجيس حتى يرجع إلى دينه وقد جئت اليك لتحضر سماطي وضيافتي أنت وأصحابك وخواصك وتاكلوا من طعامي وتشربوا من شرابي ومدامي والكل من فضلك وانعامك واحسانك وتجبر خاطري قال فأبى اشفيكاص مما دخل على قلبه من يوقنا إذ لم يبت عنده وخاف أن يقبضه فقال له الوزير شرجوان: أيها الملك ليس هذا برأي وإذا امتنعت نفر قلبه منك وما يدريك أيها الملك أنه ندم على ما سلف منه وقد أقر بالذنب واعترف وانك إذا أكلت على سماط ابنته ودعوتهم أنت إلى سماطك فافعل بعد ذلك فيهم ما شئت. قال: وكان هذا الكلام من شرجون لاشفكياص سرا من ابنة يوقنا فقام عند ذلك وقال لوزيره احفظ مكاني حتى أعود اليك ولم يكن له ولد يرثه في الملك قال فأخذ معه خواصه من قومه وحجابه وبني عمه ونزل في السرب والجارية أمامهم وجواريها بين يديه بالشمع وقد علم الوزير أنه ما بقي يعود إليه بعدها فلما حصل اشفكياص في قلعة زلوبيا وثب للقائه يوقنا وأصحابه وكان قد أوصاهم بما يفعلونه فلما وقعت العين على العين أقبل يوقنا إليه ليعانقه وضمه إلى صدره وقبض عليه قبضة الاسد على فريسته وفعل أصحابه كما فعل وضربوا في الحال رقابهم ولم ينتطح فيها شاتان ولم يعلم بما فعلوه أحد ثم نزلوا من فورهم من السرب ومضوا إلى زبا فوجدوا شرجوان ينتظرهم فلما رآهم تبسم وأعلن بكلمة التوحيد وقال لله درك يا عبد الله فقد شرح الله صدرك للإيمان وأرضيت الملك الديان فجزاه يوقنا خيرا وملك قلعة اشفكياص وجعل يدعو بالرجال ويعرض عليهم الإسلام فمن اسلم تركه وضمن بعضهم بعضا حتى لا ينهزم أحد منهم ويروح إلى صاحب قرقيسيا ويخبره بما صنع يوقنا وبعد أيام أشرف عليهم عبد الله بن غسان وسهيل بن عدى في ألفي فارس فأراهم يوقنا التمنع والاعراض وناشبهم القتال خمسة أيام وقد عرفوا أن ذلك منه حيلة وأرسل يعلمهم في السر أن القلعتين في يده والليلة أسلمهما اليكم وأظهر الهرب إلى قرقيسيا فلعل الله أن يفتحها على يدي فلما كان من الليل أمر شرجون أن يسلمهما إليهم ثم أن المسلمين أعلنوا بالتهليل والتكبير ووقع الصائح من كل جانب وشهروا القواضب وكان في يومه هذا قد وصل الرسول من صاحب قرقيبسيا بالهدايا والتحف إلى يوقنا يهنئه بالسلامة والخلاص من العرب والرجوع إلى دينه فقبل يوقنا الهدية وأنزل الرسول في خيام أصحابه وكانوا قد ضربوا لهم وطاقا في الجانب الشرقي فلما صار أصحابه المسلمين في قلعة أبا أظهر يوقنا الفزع والهلع وقال: وحق ديني ما هؤلاء العرب إلا شياطين ثم إنه أخذ بعض ثقل ابنته في الليل وساروا يطلبون قرقيسيا ففي ذلك قال طريف أحد بني ربيعة بن مالك وهو سائر صحبة المسلمين الصحابة رضي الله عنهم هذه الابيات: اتينا إلى أرض الفرات مع الزبا. ... ونحن نروم الروم من كل فاجر. وقد أمنا ليث الحروب وسهمها. ... همام شجاع قاتل كل كافر. وأعني بيوقنا عليه تحية. ... يناصب للاعدا حيلة غادر. وقاتل أبناء الصليب وحزبهم. ... بحد حسام ماضي الصفح باتر. وصاح على الملعون قوم زلوبيا. ... فأورده في الحال سكنى المقابر. وملكنا في القلعتين كلاهما. ... بسعد وأقبال ونصرة قادر. سيحظى غداة البحث يوم معاده. ... بروح وريحان وحور قواصر. حدثنا سيف بن عمرو التميمي قال: حدثنا الأنصاري عن الملهب عن طلحة عن محمد ابن أبي الدقيلي بن ميسور قال لما كان من أمر يوقنا واشفكياص ما ذكرناه وأرى من نفسه الهرب سار مع ابنته وأصحابه والرسول معهم يرومون قرقيسيا وهم منهزمون فوصلوها مساء ودخلوا معه على شهرياض وأعلموه بأخذ القلعتين وكيف فعل معهم العرب فأيقن بهلاكه وأخذ بلاده فقال له يوقنا: أيها السيد لا تخف فنحن نقاتل بين يديك حتى نموت وإن نزلت العرب علينا يريدون حصارنا لأرينك العجب بقتالهم ولن يصلوا اليك بسوء فوثق بقوله وخلع عليه وطيب قلبه وأنزله بدار جواره وبعث شهرياض من ليلته إلى خاله وهو يومئذ ملك أرض ربيعة براس العين فأرسل يستنصر به على العرب ويعلمه أن العرب قد أخذوا قلعتي زبا وزلوبيا وإن الرجل المعظم يوقنا ملك حلب قد هرب منهم بعد خدمته لهم وهو عندي فسار الرجل الرسول إلى دير مريع ومنه إلى المجدل إلى راس العين فوجد رسول شهر ياض الملك بأعظم تحصين قد أعد آلة الحصار وزاد في عرض خندقها ونصب خيامه ومضاربه على مغاربها وعلى طريق النقب وهو معول على لقاء عياض بن غنم ومن معه وقد جمع عنده سائر عرب الجزيرة من بني تغلب وغيرهم وقد صنع لهم سماطا واستدعى بأمرائهم وهم نوفل بن مازن والفريد بن تغلب بن عاصم والأشجع بن وائل وميسرة بن وائل وميسرة بن عاصم وخرام بن عبد الله بن الاصم وقال لهم. يا فتيان العرب لم نزل نرعى صغيركم وكبيركم وحريمكم وعبيدكم وقد أبحناكم أرضنا ترعون في حزنها وسهلها ونرضى منكم بما تؤدون الينا من أوباركم فأنتم آمنون وهؤلاء بنو عمكم قد ملكوا الشام ومعاقله وأرض مصر وما معها ولم يكفهم ذلك حتى أقبلوا الينا يريدون أن يزاحمونا على ملكنا ويخرجونا من أرضنا وقد علمتم أن القوم أن ظفروا بكم لا يبقون عليكم ولا يرضون منكم إلا أن تدخلوا في دينهم أو تقاتلوا عن دينكم وأهلكم وأموالكم فكونوا يدا واحدة لا ينفصل منكم شيء كما كان جبلة بن الأيهم وآل غسان مع الملك هرقل فإن نحن نصرنا على القوم فالأرض لنا ولكم على السواء وإن كانت الأخرى فنموت على دين واحد ويبقى ذكرنا إلى الابد قال فاجابوه إلى ذلك وتحالفوا وتعاقدوا أن يموتوا على سيف واحد فأعطاهم الاموال والعدد والسلاح وساروا معه قال ثم أن رسول صاحب قرقيسيا قدم عليه وأعطاه كتاب ابن أخته شهر ياض فلما قرأه وفهم ما فيه وإنه يطلب منه النجدة أرسل إليه يوريك الارمني وهو الذي بنى تل المؤزر والسن وتل عرب وعابدين والسوائد فأرسله ومعه أربعة آلاف فلما قدم الارمني ومعه أربعة آلاف فارس إلى قرقيسيا وكانوا قد قطعوا جسرهم الذي كان على الخابور وكان الجسر على أعمدة من حديد وعليها سلاسل وعلى السلاسل أرماح. وكذلك ايضا من ناحية الفرات وحفورا حول مدائنهم خندقا عميقا عريضا وحصنوا مدائنهم غاية التحصين واقاموا ينتظرون عسكر الصحابة رضي الله عنهم. ذكر فتح قرقيسياعدل ولما ملك عبد الله بن غسان القلعة الغربية حين سلمها إليه شرجون بأمر يوقنا وترك يوقنا العرب وهرب إلى قرقيسيا دلهم الراهب شرجون على الطريق نحو السرب إلى القلعة الشرقية فملكوها واحتووا على ما كان لأشفكياص فيها وبعثوا إلى عياض بن غنم وأرسلوا يعلمونه في السر بما صنع يوقنا فدعا له المسلمون وشكروه وارسل يقول لعبد الله بن غسان ولسهل بن عدي احتفظا على ما في القلعة الثانية ولا تأخذا منها قيمة الدرهم الواحد حتى يسلمه يوقنا لبنته واتركا في القلعة من يحفظها واطلبا قرقيسيا وأنزلا عليها والسلام قال فلما وصل الكتاب إليهما فعلا ما أمرهما به عياض ووليا على القلعة الغربية الأحوص بن عامر ومعه مائة فارس وعلى الشرقية زياد بن الاسود في مائة فارس ومضى عبد الله بن سهل إلى قرقيسيا فحال بينهم وبينها الفرات فدلهم بعض السكان تلك الأرض على المخاضة فعبروا في الليل واصبحوا على أرض واحدة مع أعداء الله وأرسلوا إلى ماجن والمحولة والبديل والصور وبعثوا إليهم الامان وأقروهم في منازلهم وقالوا: أن كانت لنا فقد أحسنا فيكم الصنيع وإن كانت علينا انصرفنا عنكم مشكورين على عدلنا فيكم قال فاجاب القوم إلى ذلك وباعوا عليهم الميرة. قال: حدثنا هلال بن عاصم عن يحيى بن جبير عن سوار بن زيد قال لما بعث عبد الله بن غسان إلى أهل تلك القرى وطيب قلوبهم بعث بعد أيام سهل بن اساف التميمي وكان من الصحابة الاول ومعه مائة من المسلمين ليأتوهم بالطعام والعلوفة من ناحية ماسكين فسار سهل ومن معه فلما وصلوا إلى السمسانية شن عليها الغارة واستاق أموالها فخرج عليه نوفل بن مازن في خمسمائة فارس واستخلصوا منهم ما أخذوه ووقع بينهم القتال فحملوا بأسرار صافية ونيات سامية وأفعال نامية وقلوب تنزهت بالإيمان وألسنة تنطق بذكر الرحمن ولم يزالوا في قتال إلى أن قتل من المسلمين ثلاثون وانهزم سبعة وأربعون واسر سبعة وعشرون من جملتهم سهل بن اساف بن عدى وحدثوا أصحابهم بما كان من المتنصرة ومنهم فعظم ذلك عليهم. قال الراوي: حدثني نوفل بن عامر عن سالف بن عاصم عن سالم عن الدوسي قال كنت مع سهل بن اساف حين قدمنا على السمسانية وخرج علينا نوفل بن مازن فقال: والله لقد قاتلنا قتالا شديدا ما شهدنا مثله حتى كان من أمر الهزيمة ما كان قال سالم بن عبد الله لما أسرهم نوفل بن مازن شدهم في الحبال وقرن بعضهم إلى بعض ورجلهم عن خيولهم وسار بهم يطلب راس العين فأخبروه أن الملك شهرياض على مرج الطير من جانب النقب فقصد إليه ومعه من بني عمه أربعون رجلا وساقوا أصحاب رسول الله إلى أن أوقفوهم بين يديه وحدثوه بأمرهم فأمر بضرب رقابهم وكان آخر من بقي أميرهم سهل بن أساف وكان أحسن الرجال وجها قال فشفع فيه بعض البطارقة فوهبه له وكان ذلك البطريق اسمه توتا بن لورك وهو صاحب كفرتوتا فأخذه وأتى به إلى قصره في كفرتوتا قال فنظرت إليه ابنته فسالت اباها عنه فقال: أي بنية أن المسيح قد طرح رحمة هذا الشاب في قلبي فسألت الملك فيه فوهبه لي فخذيه اليك فأخذته وأدخلته في بستان قال فلما كان بعض الايام دخلت البستان فنظرت إلى سهل بن اساف وهو يقرأ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 2] فلما سمعت قراءته أخذت بمجامع قلبها فقالت ما افصح هذا الكلام وأطيبه وألينه للافهام فقال لها هذا كلام الملك العلام الذي أنزله على سيد الانام فقالت الجارية أما محمد فهو نبيكم لا محالة فيه فمن هؤلاء الذين قال فيهم: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} قال هو صاحبه ووزيره أبو بكر الصديق رضي الله عنه: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} هو صاحب هذه الفتوح ومجهز هذه الجيوش عمر بن الخطاب: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} هو كاتبه وصهره عثمان بن عفان: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} هو أخوه ابن عمه وصاحب سيفه علي بن أبي طالب فقالت له الجارية: وكان اسمها ابريتا وكانت تكتب بقلم التوراة والانجيل وتتكلم بكلام العرب وكثيرا ما كانت تسأل علماء دينهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعطيها أحد منهم خبرا حتى وقع بيدها سهل بن أساف فقالت من هؤلاء الذين ذكرت قال هم الذين قالوا: وصدقوا وقاتلوا فحققوا وركبوا نجب السوابق فوفقوا وساروا في بادية الطلب فلم يرفقوا فحققوا وركبوا نجب السوابق فوقفوا وساروا في بادية الطلب فلم يرفقوا وكلما لاح لهم علم الافاضل تشوقوا ونودوا في سرائرهم رجال صدقوا ثم أنشد يقول. رجال من الاحباب تاهت نفوسهم. ... ينادونه خوفا ويدعونه قصدا. وقاموا بليل والظلام مغلس. ... إلى منزل الاحباب فاستعملوا الكدا. يحثون حث الشوق نحو مليكهم. ... وقصدهم الفردوس كي يرزقوا الخلدا. أولئك قوم في العبادة أخصلوا. ... فتاهوا به شوقا وماتوا به وجدا. فقالت له الجارية: لقد سمعت من نيسا راهب دير قنا أن الله ينشر دعوه نبيكم في المشرق والمغرب ويملك المشرق والمغرب وأنهم يفضلونه على الآباء والامهات والاخوة والاخوات وأنهم بعد موته يسيرون إليه وإذ ذكر يكثرون الصلاة عليه فقال لها سهل بن اساف أما علمت أنه كان في حياته يدعو لهم ويستغفر لهم ولمن دخل في دينه. وأقر به ولقد كانت زوجته عائشة رضي الله عنها تقول كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مضى الثلث الاول منها والفلك يدور بالنجوم والسماء تزهو بالكواكب والمردة تحرق بالشهب الثواقب وسرادق الله قد مد جناحه وأحال الظلام بادلهامه فبينما أنا في وادي الوتين ساكنة وبجانبي افضل مرسل وأكرم من ابتهل وتوسل وإذا به قد قبضني وبكلامه الشريف ايقظني وهو يقول ايتها العين المتكحلة بعين السبات الغافلة عن موارد الهبات هبي من منامك واعملي ليوم حمامك فقدم قام أولو الالباب ومرغوا خدودهم على الاعتاب وفي التراب قالت فقمت معه للخدمة ووقفنا نشفع للأمة إلى أن برق بارق الصباح وانفلق فلق الأصباح فقال هلمي للصلاة والاستغفار وطلب العفو من العزيز الفغار قالت فوافقته على ما أراد وبلغنا القصد والمراد فلما سكت من تسبيحه وفاح طيب ريحه رايته وهو يتنفس ويقرع بسبابته جوهر سنه فقلت يا سيد الوجود وطيب الآباء والجدود أن العرب لا تقرع سنها إلا لأمر مهم أو لشأن ملم قال تذكرت حال العصاة من أمتي والمخلصين في محبتي وذكرت قوله تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 11] فقلت يا رسول الله أما أنزل عليك قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] فوالله ليغفرن لك ولآمتك لقوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:] أنت الذي خلقت السموات والأرضين والعرش والكرسي من أنوارك وأنت الذي ربط براق القرب ببابك أنت الذي اخترقت معالم الملكوت وحملت إلى حضرة القرب والجبروت وأنت الذي أوتيت ليلة القدر وأنت صاحب البطحاء والحرم ولانت لك الاحجار وسلمت عليك الاشجار وانشق لك القمر ليلة الابدار وأنزل عليك: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ} أنت صاحب عرفات ومنى والمخصوص بالشكر والثنا وسوف يبلغك الله من أمتك المنى أما وعدك الله المقام المحمود واللواء المعقود والحوض المورود والكرم والجود وسرادق السعود على أمتك ممدود وسحاب التوفيق عليهم يجود ولواء اصحابك بجواهر قبولك منضود وعليه مرقوم عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فكيف تخاف على أمتك نزول البأس وقد فضلوا على سائر الناس بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 11] يا سيدي أنت تعلم أن أباك آدم تشفع بك فتاب الله عليه ونوح سأل بك فنجاه الله من الغرق وابراهيم مع علو قدره بك انجاه الله من النار والحرق وموسى مع تقربه ومكانته بك سأل ربه أن يشرح صدره وييسر أمره. قال الراوي: وما ذكر سهل للجارية هذه المناقب إلا لأن ترجع إلى دين الإسلام قال فلما سمعت كلامه قالت فما جزاء من يدخل في دينه ويقول بقوله فقال يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وتمحى عنه سيئاته ويكون جزاؤه الرضوان في الجنان ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} . [النساء:11] فلما سمعت الجارية ما تكلم به سهل وقع بقلبها وصغت إليه بلبها وقالت أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله ففرح سهل بإسلامها فقالت له: أكتم أمرك إلى الليل حتى أخلصك وأسير معك إلى عسكر الإسلام. قال الراوي: حدثنا صاعد بن عدي النميري عن أبيه انه سمعه وهو يحدث الناس بالمدينة وقد أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأموال رأس العين وخزائن الملك شهرياض قال: وإن الجارية مضت واستدعت بجواريها وأخذت من مال أبيها ألف دينار فلما جن الليل فتحت باب السر بعدما تجسست فرأت كل من في قصر أبيها نياما فأتت إلى سهل وحلته من وثاقه وقالت له: قم على اسم الله وبركة نبيه فقام سهل بن أساف إلى الباب وأعطته لأمة حرب ولبست هي مثلها وخرجا من الباب وإذا هما بجوادين فركبا وخرجا وسارا مقدار فرسخين عن كفرتوتا وإذا هم بحس الخيل وراءهم فقالت أن كانوا من الروم فعلى مخاطبتهم وإن كانوا من العرب المتنصرة فعليك مخاطبتهم قال فوقفوا غير كثير وإذا بالقوم عدتهم ثلاثة وعشرون فارسا وعليهم ثياب خضر وهم على خيول شهب قال فتأملهم سهل وذا هم أصحابه الذين قتلوا بحضرة الملك قال فدنا منهم سهل وسلم عليهم وقال سبحان الله ألم أشاهد قتلكم قالوا: نعم أما علمت أن الشهداء أحياء لا يموتون وإنما هي نقلة من دار إلى دار وإن الله قد بعث بأرواح الشهداء في هذه الليلة لتزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تلك الليلة ليلة النصف من شعبان فقال لهم: إني أريد المسير معكم وفي صحبتكم قالوا: إنك لا تقدر على ذلك وقد بقي من عمرك احدى وأربعون ليلة وتلحق بنا وأما هذه الجارية فقد أعد الله لها في الجنة ما أعد لأوليائه وقد بنى لها قصرا من الجوهر والياقوت الأحمر على شاطىء نهر الكوثر ستوره معلقة وبالانوار مرونقة وقبابه مزوقة وأسرته موصولة وفرشه مرفوعة واباريقه مصفوفة وزواياه محفوفة وحلله منسوجة وحواشيه بحسن الوفاء مسروجه على أبوابه مكتوب بقلم السر المكنون: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 3] فلما سمعت الجارية قولهم قالت فبم استوجبت هذا النعيم قالوا: بتوحيدك الرب العظيم وتصديقك النبي الكريم قال فصاحت صيحة فإذا هي ميتة قال سهل فنزلت فدفنتها وغاب الشهداء عني وسرت إلى المسلمين فحدثت عبد الله بن غسان وسهل بن عدى بذلك فازداد المسلمون يقينا بذلك وعاش سهل بعدها أحدا وأربعين يوما ومات. حدثنا صفوان ابن عامر عن خويلد بن ماجد عن عبد الرحمن بن النعمان عمن حدثه عن فتوح الشام وأرض ربيعة الفرس قال لما نزل عسكر المسلمين على قرقيسيا. مع عبد الله وسهل قال خندق المسلمون على أنفسهم خندقا وتركوا لهم موضعا يدخلون منه ويخرجون قال: واتصلت الأخبار بعياض بن غنم وهو بجانب الرقة وهو يتروى فيمن يبدأ بحربه بشهرياض وجنوده أو بحران والرها فقال له خالد: بن الوليد رضي الله عنه أتترك جيشا قد تهيأ واحتفل لقتالك وتمضي لسواه والرأي أن تلقي هذا العدو فإذا أنت هزمته وأوقعت الهيبة هناك فاقصد ما شئت من البلاد فإنها تفتح أن شاء الله تعالى قال فعول عياض على ذلك وإذا قد أتته جواسيسه وأخبروه أنه قد تهيأ لحربكم الملك شهرياض ونوفل وطرباطس صاحب دارا والمؤزر وصاحب جملين وأرمانوس صاحب تل سماوي وأرجو وصاحب البارعية وشهرياض صاحب ماردين ورودس صاحب حران والرها وقد صارت جريدتهم مائتي ألف وقد ضمنوا للملك لقاءكم وقالوا: لا نلقي العدو إلا بأهالينا وأولادنا وأموالنا وحريمنا حتى لا ينهزم منا أحد وقد تقدم اليكم الأرمن وبعدهم الروم وهم دون الفرات فلما سمع عياض ذلك بعث إليهم الوليد بن عقبة ووصاه بما اراد قال فقدم على بني تغلب وجمع أمراءهم وهم نوفل بن مازن وعاصم والاشجع وميسرة وحزام وقارب وقال: يا فتيان العرب اعلموا أن من نظر في العواقب أمن من المعاطب وليس أنتم أحد سننا ولا اقوى جنانا ولا أجرا في الجولان ولا أوسع ميدانا من بني غسان وليس فيكم من يشبه جبلة بن الأيهم وكان في ستين ألفا وقد نصرنا الله عليهم وقتلنا ساداتها والصواب أن ترجعوا الينا وتكونوا من حزبنا قال فأجابوه بأجمعهم إلا طائفة اياد الشمطاء فإنهم ارتحلوا إلى بلاد الروم ووصل عرب بني تغلب إلى جيش عياض بن غنم مسلمهم وكافرهم فرحب بهم وطيب قلوبهم وقال لهم: يا معاشر العرب أن الله سبحانه وتعالى قد أراد بكم خيرا بوصولكم الينا ونزوعكم عن عبدة الصليب وقد اراكم الله اعزاز دينه وشرف نبيه وقد وعدنا ووعده الحق بملك كسرى وقيصر وأخذ كنوزهما وما كان ينطق عن الهوى وقال الله في حقنا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الانبياء:10] قال فأسلم كافرهم وبقوا جميعهم مسلمين. قال الراوي: اخبرنا سيف عن خالد بن سعيد قال لما علم عياض بهروب اياد الشمطاء إلى بلاد الروم كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فأرسل عمر رضي الله عنه إلى هرقل وولده قسطنطين يقول لهم أن لم تصرفوهم عن أرضكم لأفنين كل نصراني عندنا. قال الراوي: فلما وصلت رسالة عمر إلى هرقل وولده أنفذ بهم إليه قال: وعزم عياض على لقاء الملك شهرياض وأما ما كان من شهرياض صاحب قرقيسيا فإنه جمع بطارقته وقال لهم: أعلموا أنه قد بلغني عمن تقدم من الملوك انهم كانوا يجيشون. الجيوش ولا يستغنون عن الحيل وأنا أريد في غداة غد أن أخرج إلى لقاء العرب فإذا اصطفت الصفوف فرجلوني عن جوادي واشهروا علي سلاحكم كأنكم تريدون قتلي فاقول لكم أنا معتذر إنما أردت أن أجرب خبر حميتكم لدينكم وظننت انه قد أخذكم الخوف من هؤلاء فإذا سمعتم مني ذلك فارجعوني إلى اجلالي واعظامي ثم ناوشوهم الحرب فأهرب أنا إليهم وأقول لهم إني أردت أن اسلمكم البلد فهاش القوم علي كما رأيتم وهموا بقتلي وقد جئت اليكم راغبا في صحبتكم فإذا أمنوني وغفلوا عني قتلت أميرهم في الليل وأنا أعلم أن القوم بعده يهون علي أمرهم ثم أعول على انهزامهم فقال له وزيره الارمني: وكيف تسمح بنفسك وتلقيها في اضيق المسالك وإن أنت فعلت ذلك لا نأمن عليك من العرب ويعتبنا خالك يقول لنا كيف تركتموه يمضي إلى العرب فقال عبد الله يوقنا لقد صدق السيد في قوله وكيف نتركك تمضي إليهم وأنا أدبر لك مع هؤلاء القوم تدبيرا يكون أقرب من هذا وأهون. فقال شهرياض والوزير الارمني وما هذا التدبير أيها الملك قال أن نخرج غدا بأجمعنا ونلقاهم ونريهم الجد من أنفسنا ونقاتل بحسب الطاقة ثم ننهزم إلى المدينة ونستوثق من أبوابها ونصعد على السور فربما قربوا منا فلا نقاتل فإذا فعلنا ذلك طمعت العرب فينا ودنوا منا واعلموا أن في عسكرهم جماعة من الروم ممن صبأ إلى دينهم فربما قربوا منا فإذا ارادوا ذلك كتبنا إليهم نطلب قلوبهم ونرسل رسولا في طلب الصلح ونقول ارسلوا الينا عشرة من عقلائكم حتى نرى ما تريدون منا ولعلنا نعقد معكم صلحا فإذا فعلوا ذلك وحصلوا عندنا قبضنا عليهم ونشهر سيوفنا عليهم ونقول لهم أما أن ترحلوا عنا والا ضربنا رقابهم فإن القوم إذا رأوا الجد منا طلبوا صلحنا بأصحابهم ورحلوا عنا والعرب إذا قالوا: قولا وفوا به فإن هزموا الملك شهرياض واحتووا على بلاده دخلنا بعدها تحت طاعتهم وارتحلنا عنهم إلى بلاد الروم قال: وإنما أراد يوقنا بهذا الكلام أمرين أحدهماأن يبرأ عندهم من التهمة حتى يطمئنوا إليه والثاني أن يحصل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة في المدينة فيحتال أن يكونوا تحت يده ليثور بهم فيملك بهم المدينة فقال له وزيره الارمني: وإن كان العرب يبعثون الينا صعاليكهم أو موإليهم فنقبض عليهم ونعدهم بالقتل فلا يلتفتون إلى ذلك ويقع الجد منهم في قتالنا ولا يرحلون عنا فكيف تصنع قال فأراهم يوقنا أنه غضب وحول وجهه وقال. وحق المسيح لقد دخل رعب القوم في قلوبكم ولن تفلحوا بعدها أبدا وحق ما أعتقده لقد قاتلتهم في قلعتي بجلب قتالا سارت به الركبان إلى سائر البلدان مدة سنة كاملة ولولا أن عبدا أسود من عبيدهم أسمه دامس ابو الهول وعشرين معه نصبوا حيلة علي ملكوا قلعتي لما قدروا عليها أبدا وكانوا قد نزلوا علي بجميع عسكرهم وأبطالهم. فكيف بكم وما نزل عليكم إلا شرذمة يسيرة وبلدكم حصين ليس عليه قتال إلا من موضعين من صوب الجبل ومن الغرب وما لكم عذر ومن أراد رضا المسيح والاجر قاتل عن دينه وصان أهله وحريمه من هؤلاء العرب وإن خفتم أن القوم يرسلون الينا موإليهم أو من لا له عندهم قدر ولا شأن فأنا أعرف الناس بهم وبفرسانهم وأبطالهم وموإليهم وخاصة اصحابهم فأنفذوا مع رسولكم كتابا بأسماء القوم الذين اريد منهم المقداد والنعمان وشرحبيل بن كعب ونوفل وعبد الرحمن بن مالك والاسود قيس وخالد بن جعفر وابن قيس وهمام الحرث ومالك بن نوبة وسلامة بن عامر قال فضحك الوزير الأرمني وقال: وحق ديني أن العرب لا يسمحون بهؤلاء قط إلا أن يطلبوا رهائن منكم فقال يوقنا ما أفشل رايكم وأضعف قلوبكم انفذوا إلى القوم فإن أجابوا كان ببركة السيد المسيح وإن طلبوا رهائن ارسلنا اضعفنا من أهل المدينة ومن أولادهم وألبسناهم افخر الثياب وقلنا هؤلاء أكابرنا من أهل المدينة قال شهرياض وحق القربان ما نفعل إلا ما أمرتنا. ثم إنه أمر بطارقته وأرباب دولته أن يأمروا الناس بالتأهب للحرب ففعلوا ولبسوا سلاحهم واستعدوا للقتال وأمر سهل بن عدي أصحابه بالركوب فركبت العرب وخرجت من باب الخندق واستقبلوا العدو بهمم عالية وقالوا: اللهم انصرنا عليهم كنصر نبيك يوم الأحزاب وعبوا صفوفهم ثم وعظهم وقال في آخر وعظه ها أنا حامل نحو طاغية الروم وصليبه فاتبعوني فإن فتح الله بقتله أو أخذ صليبه فالقوم لا ثبات لهم فقالوا: أيها الأمير لقد دعوتنا إلى شيء هو أحب الينا فاحمل حتى نحمل قال محمد بن عبد الله فحمل هو ومن معه على عسكر قرقيسيا وكان أمير المسلمين عبد الله ابن غسان وسهل بن عدي فلقد قاتلوا قتالا شديدا وجاهدوا في الله حق جهاده وبذلوا رماحهم وسيوفهم في أعداء الله والتقى عبد الله بن مالك الاشتر بيورنيك الأرمني فلما عاين زيه علم انه من ملوكهم فطعنه في صدره فاخرج السنان من ظهره والتقى النعمان بن المنذر بشهرياض وقد طحطح الجموع ولم يعلم النعمان بأنه صاحب البلد بل عرف أنه من الملوك فحمل عليه النعمان وهو يقول هذه الأبيات: وانا لقوم في الحروب ليوثها. ... وتنفر منا عند ذاك أسودها. نحامي عن الدين القويم نصونه. ... ونرغم آناف العدا ونذودها. لنا الفخر في كل المواطن دائما. ... بأحمدنا الهادي فذاك سعيدها. ملكنا بلاد الشام ثم ملوكها. ... إلى أن تبدي بالنكال عديدها. وسوف نقود الخيل جردا سوابقا. ... إلى شهرياض الكلب ذاك شديدها. ونملك دارا ثم جملين بعدها. ... كذا رأس عين والجيوش نقودها. ونمضي إلى حران ثم سروجهم. ... كذا الرها للمسلمين نعيدها. واني أنا النعمان ذاك ابن منذر. ... ابيد ليوث الحرب ثم أسودها. ثم أطبق عليه وفاجأه بطعنه فالقاه صريعا فلما نظر جيش قرقيسيا إلى هلاك ملكهم انحرفوا إلى مدينتهم وتحصنوا في بلدتهم وخافت أرمانوسة ودخل الرعب في قلبها ثم إنها قالت للعبد الصالح يوقنا يا عبد المسيح ما بقى لي أحد سواك يسوس ملكنا ويدبر حالنا فقال: أيتها الملكة أنا لك وبين يديك ثم إنها خلعت عليه وعلى اصحابه وقالت اعلموا أن هذه المدينة والمملكة لكم فقال يوقنا يجب علينا أن نقوم بحقها ونقاتل بين يديها ثم إنه رتبهم على الأسوار فدنا المسلمون ورجالهم وهم يرمون بالمقايع فكانت حجارتهم لا تخطىء أبدا وكان المقدم على الرجال والموالي المنذر بن عاصم ولم يكن بالحجاز ولا باليمن قاطبة أرمى منه بالمقاليع وكان من قوة ساعده إذا خرج حجره يجاوز البرج الأعظم فلم يزل يرمي فيه كل يوم فيصيب الرجل والرجلين فسمته العرب برج المنذر وكانوا قد ضايقوا أهل قرقيسيا مضايقة شديدة فقالت ارمانوسة أين ما وعدت به الملك شهرياض من تدبيرك في هؤلاء العرب فقال أنا في هذا الأمر متفكر ثم إنه صعد على السور مما يلي المسلمين ونادى يا معاشر العرب قد طال الأمر بيننا وبينكم ولا نسلم لكم إلا أن تهزموا الملك وتملكوا رأس العين ونحن لكم بعد ذلك واطلبوا منا من المال ما تريدون فقد علمنا أنكم إذا قلتم فعلتم ووفيتم قال فلما رآه عبد الله بن غسان وسهل بن عدي والصحابة ونظروا إليه علموا انه يريد أن ينصب حيلة على أهل قرقيسيا فقال سهل بن عدي يا عدو نفسه مكرت بنا وتممت منصوبك علينا بدخولك في ديننا حتى اطمأننا اليك ثم غدرت ورجعت إلى دينك الأول فأين تهرب منا او تولي عنا ونحن لك في الطلب وسوف نملك هذه المدينة بالسيوف ونضرب عنقك وهذا أيضا من تمام الحيلة فقال: يا معاشر العرب لقد نصحتكم وخدمتكم وما رأيت منكم إلا خيرا ولكن طالبتني نفسي بديني فرجعت إليه والآن فقد مضى ماضي وهذه المدينة ما لكم اليها وصول ولا تقدرون عليها لأنها حصينة وفيها رجال الحرب والقوت عندنا كثير ولكن انفذوا الينا منكم عشرة من أعز أصحابكم ممن نثق بهم يحلفون لنا ونحلف لهم إذا فتحتم راس العين سلمنا هذه المدينة اليكم ويكون الصلح بيننا بقية هذه السنة فقد بقي منها أربعة اشهر أولها شهر رمضان. فقال له عبد الله بن غسان: قد أجبناك إلى ذلك فمن هم العشرة الذين تريدهم حتى نرسلهم إليك فقال اريد المقداد بن الأسود والأسود مولى قيس وخالد بن جعفر ورواحة بن قيس وهمام بن الحرب وسلامة بن عامر وابن نعيم فهؤلاء نريدهم فإنه لا يقع الصلح إلا بهم قال فوجه عبد الله هؤلاء الذين ذكرهم له يوقنا قال: وفتح لهم. الباب فقال له عبد الله: نحن ما نسمح بأصحابنا بلا رهائن فمضى يوقنا إلى الملكة أرمانوسة وأخبرها أن القوم يريدون رهائن فقالت أرسل لهم من أولاد السوقة قال يوقنا أيتها الملكة أن الحيل في الحرب من عند العرب خرجت والملوك من شأنها إذا قالت قولا وفت به واعلمي أنه قد قال حكيم الفرس إذا كان الغدر طباع قوم فالثقة بكل أحد عجز واعلمي أن أهل بلدك فيهم رؤساء وملوك وهم يعظمون شأنك بعد الملك ولكن ينظرون اليك بعين التأنيث وينظرون الي بعين الغربة ولا هيبة لي عندهم وربما سمعوا بصلحنا مع العرب فلا يملكونا من ذلك ولا يتم لناما نريده وربما يرسلون يستنجدون علينا بمثل ملك الموصل وصاحب الهنكارية ويعظم الأمر قالت فما الذي تراه من الرأي قال الرأي أن نبعث الرؤساء رهائن عند العرب وإنما فعل ذلك يوقنا حتى لا يتعرض له متعرض في المدينة وإذا سلمهم لا يكون فيها رئيس من رؤسائهم فاجابته إلى ذلك وأنفذت الرؤساء منهم رهائن إلى عبد الله بن غسان فلما وصلوا إليه دخل العشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حصلوا في المدينة أمر بهم إلى البرج الكبير وهو المعروف ببرج المنذر وإنما فعل ذلك حتى لا يعصي من في البرج لأن فيه مال أهل البلد فلما حصلوا هناك رجع إلى الملكة ارمانوسة وقال قد حصلتهم في البرج وغدا نوقفهم باعلى البرج ونقول لهم أما أن ترحلوا عنا أو نقتلهم قالت وكيف نصنع برهائننا وإن نحن فعلنا بأصحابهم ما ذكرت يفعلوا بأصحابنا كذلك قال لها يوقنا إذا كنت تفزعين على أهل البلد فصالحي القوم قالت دبرنا بحسن رايك فقال السمع والطاعة وأنا أمضي إلى هؤلاء العشرة مع ما وصاهم به أميرهم وننظر ما الذي يطلبونه منا ثم إنه مضى إلى الصحابة وحدثهم بما عزم عليه من تسليم البلد وقال لهم: إذا سمعتم الضجة فدونكم ومن في البرج ثم رجع إلى أصحابه ورتبهم على السور ولم يترك معهم أحدا من أهل البلدة فلما أظلم الليل سار عبد الله يوقنا مع اصحابه المائتين وأعلنوا بالتهليل والتكبير وبادروا إلى الباب ففتحوه وأرسل إلى عبد الله بأن يأتي إليهم بعسكره فأتوا ووضعوا السيف في أهل البلد فما أفاق أهل قرقيسيا إلا والمسلمون قد مكنوا منهم القواضب فقصدوا البرج الأعظم عليهم العشرة الصحابة فعلمت الملكة أرمانوسة أن الحيلة قد تمت عليها من قبل يوقنا وسمعت أهل البلد ينادون الغوث الغوث فأمنهم عبد الله بن غسان وسهل بن عدي واحتووا على ما في المدينة وأخذوا جميع ما كان فيها من الأموال وما في البرج الأعظم من الذخائر فأخرجوا منه الخمس وقسموا الباقي على المسلمين وعرضوا عليهم الإسلام فمن اسلم منهم وهبوا له أهله وماله ومن أبى ضربت عليه الجزية ثم اجتمع الذين أسلموا وأتوا إلى الأمراء وقالوا: نحن قد دخلنا في دينكم فسلموا لنا كرومنا وبساتيننا فقال لهم عبد الله بن غسان وسهل بن عدي: هي بحكم الامام يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الذي يسكن فيها من أراد. ويأخذ خراجها من هي في يده فإن حكم الخراج والخمس والجزية بأمر الإمام يأخذ حاجة منه ويصرف الباقي في صالح المسلمين. قال الواقدي: وأسلمت ارمانوسة ومن كان يلوذ بها فأقرهم عبد الله في أماكنهم وأحسن إليهم غاية الاحسان وجدد لهم الامان كل ذلك ليتصل الخبر بأهل البلاد فيدخلوا في الإسلام قال عطية بن الحرث وكان ممن أدرك ذلك كان فتح قرقيسيا أول ليلة من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين من الهجرة وبنوا الكنيسة العظمى وهي بيعة جرجيس جامعا ولم يبرحوا حتى صلوا فيه وأطلقوا الرهائن وتسلم ولايتها شرحبيل بن كعب في مائة وخمسين رجلا وعولوا على المسير إلى ماكسين والتفت الأمير إلى عبد الله يوقنا وقال مر ابنتك أن ترجع إلى قلعتها فقد جاءت الوصية الينا من قبل الأمير عياض قال فرجعت والحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. ==ذكر فتح ماكسين والشمسانية==. قال: حدثني زهمان بن رقيم عن الصلت بن مجالد عن القيل بن ميسور قال لما ارتحل عبد الله عن قرقيسيا ونزل على ماكسين فتحها صلحا على أربعة آلاف درهم من نقد بلادهم وألف حمل طعام حنطة وشعير فقلقوا من ذلك فترك لهم النصف وكذلك أهل الشمسانية ثم نزل على عربان فجاؤا إليه وصالحوه بما صالح به أهل ماكسين ثم ارتحل إلى المجدل فملكها وأقام ينتظر ما يرد عليه من أخبار أميره عياض بن غنم وهو نازل على نهر البلخ فكتب إليه يعلمه بما فتح الله على يديه فلما وصل الكتاب إليه كتب إليه أن الزم مكانك حتى يأتيك أمري والسلام قال سهل بن مجاهد بن سعيد لما فتح الله على يد عبد الله بن غسان أرض الخابور صلحا واقام بالمجدل أنشد قيس بن أبي حازم البجلي هذه الأبيات: أقمنا منار الدين في كل جانب. ... وصلنا على أعدائنا بالقواضب. ودان لنا الخابور مع كل أهله. ... بفتيان صدق من كرام العرائب. هزمناهم لما التقينا بماسح. ... وثار عجاج النقع مثل السحائب. وكل همام في الحروب نخاله. ... يكر بحمل في صدور الكتائب. وجندل وفد الروم في كل جانب. ... تركناهمو في القاع نهبا لناهب. وما زال نصر الله يكنف جمعنا. ... ويحفظنا من طارقات النوائب. فلله حمد في المساء وبكرة. ... وما لاح نجم في سدوان الغياهب. ذكر فتوح قلعة ماردينعدل قال: حدثني سوار بن كثير عن يوسف بن عبد الرزاق عن الكامل عن المثني بن عامر عن جده قال لما فتحت مدائن الخابور صلحا بلغ قتل الملك شهرياض صاحب أرض ربيعة وعين وردة وراس العين فعظم عليه وكبر لديه فجمع أرباب دولته وهو نازل على أرض الطير وقال لهم: هذه ثلاث مدائن من بلادنا قد ملكت وقلعتان والعرب المتنصرة قد مضت عنا فقال له البطريق توتا: ايها الملك انه لا بد للعرب منا ولا بد لنا منهم ويعطي الله النصر لمن يشاء غير انه كان من الرأي إنك لو زوجت ابنك عمودا الملكة مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ماردين ومرين لأعانتنا قلعة المرأة. قال الراوي: وكان السبب في بناء القلعتين المذكورتين أن هذا الرجل ارسوس بن جارس كان من أهل طبرزند وكان بطلا مناعا وكان أول من بنى المملكة بأرمينية وكان منفردا بطبرزند وكان يغير في بلاد الروم حيث شاء حتى كتب أهل تلك البلاد إلى الملك الأعظم يستغيثون به من يده فارسله الملك هرقل من انطاكية إلى ديار ربيعة وقال له: ابن لك حصنا تسكن فيه فلما توسط أرض جبل ماردين نزل تحته ونظر وإذا على قلة الجبل موضع نار وكان فيه عابد من عباد الفرس وكان مشهورا عندهم بالعبادة وكانت الهدايا تقبل إليه من أقصى بلاد خراسان والعراق وكان اسمه دين فلم يمر به أرسوس حتى صادقه وكان يحمل إليه الهدايا والتحف وكان العابد لا يحتجب عنه ولم يزل معه حتى انه وقع به منفردا فقتله وغيبه فلما عدمه أهل تلك الأرض قالوا: مات دين ثم أن أرسوس بني بيت النار وجعله حصنا وكانت له ابنة يقال لها مارية فلما رأت اباها بني له مكانا وتحصن فيه بنت أيضا قلعة بازائه وحصنتها وجعلت فيها أموالها وذخائرها ورجالها وكانت كلما خطبها أحد تراه دونها لأنها من بيت المملكة. وكان بالقرب من قلعتها دير بسفح الجبل وفي الدير راهب قد انقطع فيه وكان من أجمل الناس وجها وكان اسمه فرما قال فأتت إليه زائرة فلما رأته وقعت محبته في قلبها فلم تزل تتردد إليه وتتجاسر عليه إلى أن صارت بينهما صحبة فسلمت نفسها إليه فحملت منه فلما تكامل حملها ولدت في خفية ولدا ذكرا فسلمته إلى دايتها وقالت لها انظري كيف تفعلين بهذا الغلام فإني أحبه ولا اريد قتله لأنه أن علم أبي بقصتي قتلني ثم أخرجت له ذخائر نفيسة وجعلتها في قماطه وخيطت عليها وقالت من وقع به ينفقها على تربيته ثم إنها افتقدت بدنه وإذا على خده الأيمن شامة سوداء بقدر الظفر ورأت أذنه اليمنى وفيها زيادة قال فأخذته الداية ونزلت به ليلا ومعها خادم وكان مطلعا على أسرار الملكة فأتت به إلى أسفل القلعة في الطريق الاعظم وهناك عمود من رخام وغالبه غائص في الأرض وهو قائم على رأس ذلك العمود قاعدة من الرخام فوضعت ذلك. المولود على القاعدة خوفا عليه من الوحش أن يقربه فيأكله ثم رجعت هي والخادم إلى القلعة. قال الراوي: وكان من قضاء الله وقدره أن صاحب الموصل الملك الانطاق قد بعث رسولا لشهرياض ثم أرسوس بن جارس صاحب ماردين فجاز سحرا في الطريق الذي فيه العمود فسمع بكاء الطفل فدنا منه وهو على جواده فنظر عصابة الذهب فأخذه وسلمه إلى جارية كانت معه في السفر وقال لها احتفظي على هذا المولود فلا شك أن له شأنا ثم أوصل الرسالة إلى صاحب ماردين وارتحل إلى راس العين وأعاد الجواب على الملك شهرياض وأجرى الله على لسانه بأن حدث الملك شهرياض بقصة الطفل الذي وجده على العمود فقال أعطني إياه فإنه ليس لي ولد يرثني ويخلفني في ملكي فدفعه إليه فأخذه الملك ودفعه للحواضن والدايات فربوه إلى أن ركب الخيل ونشأ وترعرع فسماه الملك عمودا وسماه الناس ولد الملك وتربى في النعمة وتعلم طريقة الملوك من ركوب الخيل والرماية والقتال والمعالجة والصراع إلى أن سما ذكره وانتشر في الناس فخره وكان لا يأوي إلى عين وردة بل أكثر زمانه في الصيد والقنص وبنى له قصرا على رأس المغارة يأوي إليه وسمي القصر باسمه عمودا وليس عند أمه مارية خبر بما فعل الزمان به وانقضت الأيام واندرجت الأعوام حتى قدم عسكر المسلمين يريد فتح أرض الجزيرة فلما شاور الملك أرباب دولته في أمر العرب اشار عليه توتا أن يزوج ولده عمودا من الملكة فإنها لا تصلح إلا له وهي بكر ولها من العمر ثلاثون سنة وقد خطبها الملوك وأبناؤهم فلم ترض بهم لأنها تراهم دونها وأنت إذا طلبتها لولدك لم يمتنع من ذلك ابوها ويفرح بمصاهرتك فأجابه إلى ذلك وبعث إلى أرسوس بن جارس هدية عظيمة وقال لتوتا كن أنت الواسطة في ذلك فسار توتا إلى ارسوس وسلم عليه ودفع إليه الهدية فقبلها وتحدث معه فيما ذكرناه فاجابه إلى ذلك وطلب منه الصداق مائة ألف دينار والبارعية وجملين وعشرين أميرا من العرب ليقتلهم قربانا للمسيح ليلة زفافها فاجابه توتا إلى ذلك فركب ارسوس إلى قلعة ابنته ودخل عليها وأعلمها بالخبر فرضيت فخرج من عندها وجمع القسوس والشمامسة وزوج ابنته لعمودا وليس عندهم خبر من أحكام القدر. قال الراوي: ورجع توتا إلى الملك شهرياض وأعلمه أن الأمر قد انبرم وأعلمه بما اشترط عليه أرسوس من القلعتين البارعية وجملين ومائة ألف ديناروعشرين أميرا من العرب ليقربهم ليلة زفافها ففرح بذلك وأنفذ الأموال وقال إذا زفت إليه سلمت إلى ابيها القلعتين ثم إنه طلب عمودا وأخبره أنه قد زوجه ابنة ارسوس بن جارس وقال له: اعلم يا بني أن من جملة الصداق عشرين من فرسان العرب فتجهز وخذ العسكر واقصد العرب. وأمر أن يخرج معه توتا الوزير ورودس صاحب حران وقال لهم: أن قدرتم أن تكبسوا العرب فافعلوا ومضوا في عشرين ألفا. قال الراوي: واتت عياضا عيونه وأخبرته بما جرى وانهم قد اقبلوا اليك وهم رودس صاحب حران وصاحب كفر توتا وعمودا ابن الملك في عشرين ألفا وهم يريدون كبسكم في الليل فاستيقظوا لأنفسكم قال فجمع عياض وجوه الصحابة واستشارهم فقال خالد بن الوليد: اكتب من وقتك إلى عبد الله بن غسان وسهل بن عدي أن يسيروا الينا من قوتهم ويعلمهم بما قصد العدو فيكونون منهم على حذر فإذا قربوا منهم يكمنون لهم حتى يعبروهم ويصير أصحابنا من ورائهم ونكمن نحن عن يمينهم وشمالهم ثم نطبق عليهم فقالوا: كلهم هذا هو الرأي المصيب وخرج خالد في ألفين وكتب في الحال إلى عبد الله وسهل يأمرهما باللحوق بعسكر خالد ويوصيهما بما يفعلان وبعث الكتاب مع سراقة بن دارم فوصل إليهما في يومه على ناقة له فلما وصل وقرأ الكتاب ارتحلوا من ساعتهم وأطلع الصحابة على الخبر فركبوا وأنفذ عبد الله عيونه يتجسسون له خبر العدو. قال الراوي: وأما خالد فإنه انفصل من عياض في ألفين ولم يأخذ بهم على الجادة بل ارسل ألفا عن يمين الطريق وأمر عليهم ابن سعدا وألفا عن يسار الطريق مع خالد وأمر سعدا أن لا يبعد عن الطريق وارسل عيونه. قال الواقدي: انه لما سار عمودا وتوتا ورودس في العشرين ألف فارس لم يزالوا سائرين إلى أن بقي بينهم وبين عسكر عياض بن غنم عشرة فراسخ فنزلوا في مكان يستريحون ويعلقون على خيلهم ويلبسون لامة الحرب. قال الواقدي: وسار جيش عبد الله بن غسان من ورائهم وسار خالد بن الوليد عن يمينهم ونجيبه بن سعد عن يسارهم وليس عند الروم خبر من ذلك فلما علم خالد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحدقوا بالقوم أرسل يعلم المسلمين أن يتأهبوا إلى وقوع الصوت قال فتأهبوا ثم أن خالدا أخذ خمسمائة من أبطال المسلمين وترك خمسمائة مع عدي بن سالم الهلالي وقال له: إذا رايت الحرب قد اشتعل نارها وتطاير شرارها فاخرج من كمينك ثم أن خالدا لما قصد جيش العدو بمن معه وتظاهر لهم رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير قال فسمعت الروم أصواتهم فلبسوا سلاحهم ولم يركب منهم سوى رودس وأصحابه وهم خمسة آلاف ولم يكن فيهم مستيقظ سواه وتوتا مشغول مع عمودا قال: وإن صاحب حران استقبل خالدا واستصغر شأنه لما رآه في شرذمة قليلة فطمع فيه واشتغلت الروم بالنظر إليهم وقالوا: رودس يكفينا أمرهم قال فبينما هم. ينظرون إذ صاح خالد بعدو الله رودس وانحط عليه انحطاط السحاب وهو يقول هذه الأبيات. وانا لقوم لا تكل سيوفنا. ... من الضرب في أعناق سوق الكتائب. سيوف دخرناها لقتل عدونا. ... واعزاز دين الله من كل خائب. قتلنا بها كل البطارق عنوة. ... جلاء لأهل الكفر من كل جانب. إلى أن ملكنا الشام قهرا وغلظة. ... وصلنا على أعدائنا بالقواضب. أنا خالد المقدام ليث عشيرتي. ... إذا همهمت أسد الوغى في المغالب. وفاجأ رودس بطعنة فالقاه على وجه الأرض فأوثقه غلامه همام وحمل في أصحابه هو ومن معه قال فهم في ذلك إذ خرج عليهم نجيبه بن سعد وعدي بن سالم وأشرف من بعدهم عبد الله ابن غسان فامتلأت الأرض بالزعقات وارتجت سائر الجهات وصدموهم على الخيل العربيات ونادوا باسم جبار الأرض والسموات وأطبقوا عليهم من كل جانب وكان التوفيق للصحابة مصاحبا فما لحقت الروم أن تركب على خيلها إلا والسيف يعمل فيهم فطحطحوهم وفرقوا مواكبهم واستوثقوا منهم أسرى وأخذوا عمودا وتوتا فكانت الأسارى أربعة آلاف والقتلى الفا وسبعمائة وستة وستين وولى الباقي الأدبار فوصلوا إلى الملك شهرياض فأعلموه بما وقع فضاقت عليه الأرض بما رحبت وعلم أن دولته قد انقرضت وإن ايامه قد اضمحلت ومضت فأحضر من بقي من أرباب دولته فاستشارهم فيما يفعل فقالوا: أيها الملك أن مقامنا على رأس العين سفه فإن بينه وبين حران والرها وسروج بعيد يطمع العرب في بلادنا بل الرأي أن نرحل ونتوسط البلاد وتكون قلاعنا اقرب منا والميرة تصل الينا من كل جانب فإن كانت لنا وانهزمت العرب أخذنا عليهم سائر الطرقات وإن كانت علينا انهزمنا إلى ماردين وقلعة مازن وكفر توتا وقصدنا جملين وتل توتا والبارعية وتل سماوي وتل القرع والصور ودجلة الجبل ونأمن على أنفسنا قال فأجابهم إلى ذلك وارتحل من برج الطير وقصد رأس العين ورتب آلة الحصار وترك في المدينة عشرة آلاف فارس مع مرتودس وكان من الفرسان المشهورة وهو متزوج بابنة الملك شهرياض فلما رتب أمره رحل إلى مرج رغبان. حدثنا أبو يعلى عن طاهر المطوعي عن أبي طالب بن مليحة عن وهبان بن بشر بن هزارد قال قرأت الفتوح من أوله إلى آخره بجامع الرصافة على أحمد بن عامر الحوفي وأحمد قرأ على سعدان بن صاحب وابن صاحب قرأ على يحيى بن سعيد المروزي ويحيى قرأ على أبي عبد الله ابن محمد الواقدي وهو يومئذ قاضي الجانب الغربي قال لما نزل الملك شهرياض على مرج رغبان بجيوشه ارتحل عياض في اثره بعدما كتب. بخبر الوقعة وفتح زبا وزلوبيا والخابور إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله الدعاء وبعث الكتاب والخمس الخمس وما أخذه من القلاع وأرسله مع حبيب بن صهبان وضم إليه مائة فارس فاسر إلى المدينة وأما عياض بن غنم ومن معه من عساكر المسلمين فإنهم تبعوا شهرياض إلى أن نزلوا مع العدو بمرج رغبان قال فنزلوا في مقابلتهم قال: واتصلت الاخبار بارسوس بن جارس صاحب ماردين بأسر عمودا فأحضر ابنته إليه وقال لها أي بنية اعلمي أن بعلك قد أسر وهو ابن الملك ونحن نخاف العار بأن يقال مارية بنت أرسوس ما كانت موافقة على ابن الملك وإنه لما تزوج بها اسر وقد حرت في أمري فقالت له مارية: يا أبت وحق المسيح لقد قلت الحق وتكلمت بالصدق فما عندك من الرأي قال لها وما عندك أنت قالت أريد أن أتنكر وأدخل إلى عسكر المسلمين وآتي أميرهم وأقول له إني قد أتيت أسلم على يديك لرؤيا رأيتها وهو أني رأيت المسيح في النوم ومعه الحواريون وكأني أشكو للمسيح ما نزل بنا منكم وكأنه يقول لي اسلمي فإن القوم على الحق وقد جئتكم لأسلم وأمللكم قلعة أبي وتتركوني أنا في قلعتي فإذا قال أميرهم فكيف تملكيننا قلعة أبيك وهي أمنع الحصون وأحصن القلاع فاقول له يرسل معي من فرسانهم مائة فارس من صناديدهم وأدخلهم في قلعتي وأجعلهم في صناديق وأرسلهم إلى قلعة أبي واسير معهم إلى والى قلعة أبي وأقول هذه الصناديق فيها أموالي واريد أن أجعلها في خزانة أبي فإذا حصل القوم عندي رميتهم في المطأمير واقول لهم لست أدعكم حتى ترسلوا إلى أميركم يرسل الي بعلي فقال لها أبوها إنك تريدين أن تلقي نفسك في الهلاك وإن العرب لا تتم عليهم الحيل لانهم هم أربابها قالت وإن طلبوا مني رهائن فإذا وقع الفداء باصحابهم طلبت الرهائن مع بعلي فقال لها دبري ما تريدين فلعل أن يكون فيه المصلحة قال فنزلت في الليل وقصدت مرج رغبان ومعها خادم وأربعة مماليك يسوقون بغلتها وعليها من الهدايا والتحف والطرف قال فلما وصلت إلى تنيس التقت بغلمان أبيها وحاجبه ومعهم أربعون أسيرا من العرب منهم عبد الله بن غسان وأمثاله قال: وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما ارتحل يطلب راس العين مع هؤلاء السادة الذين مع عبد الله بن غسان بحسب العادة في سيرهم إلى حران وسروج والرها لياتوا بالطعام والميرة للعسكر فساروا فلما توسطوا البلاد لقيهم السائس ابن نقولا وجرجيس بن شمعون وقد أقبل بميرة عظيمة لعسكر الملك شهرياض ومعهم ثلاثة آلاف غائصون في الحديد فلما رأوا قلة المسلمين طمعوا فيهم فاقبلوا وأطبقوا عليهم من كل جانب فأخذوهم قبضا بالكف وأحضروهم بين يدي الملك شهرياض فهم بقتلهم فقال له وزيره: أيها الملك ليس هذا براي لأن ولدك عمودا في يد العدو ورودس صاحب حران وتوتا صاحب الحجاب فإن أنت قتلتهم قتلوا أصحابك وولدك والصواب إنك ترسلهم إلى قلعة ماردين يعني قلعة المرأة وتسلمهم إلى. الملكة مارية ويكونون عندها فإذا طلبتهم العرب تقول لهم أنهم بقلعة ماردين وليس هم في أسرنا ونحن لا نبالي بمن هم عندهم فيكون أعظم لحرمتك وهيبتك فاستصوب رايه وأرسلهم إلى مارية مع صاحب أبيها فالتقت بهم على تنيس كما ذكرنا فأمرت الحاجب أن يوصلها إلى قلعتها ففعل ثم إنها سارت حتى أتت إلى عسكر المسلمين في حندس الليل فكان يطوف في العسكر سهل بن عدي ونجيبه بن سعد في جماعة فلما رأوها أتوا اليها وسألوها عن حالها فقالت أريد أميركم فأتوا بها إلى عياض بن غنم. فلما وقفت بين يديه قدمت له الهدايا وهمت أن تسجد له فنهاها وقال أن الله قد اعزنا بالإسلام وانقذنا من الضلال بمحمد صلى الله عليه وسلم فازال عن قلوبنا الغل والحسد واتباع الهوى وشرفنا بالتحية ونزهنا أن يسجد بعضنا لبعض وما يرغب في ذلك إلا الجبابرة من ملوك الأرض وإن الله يقول العظمة ردائي والكبرياء ازاري فمن نازعني فيهما قصمته ولا ابالي ومارية تفهم ما يقوله فلما انتهى قالت أيها الملك أن الله بهذا نصركم علينا قال لها فمن أنت قالت أنا مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ماردين وإن الذي بايديكم اسيرا هو بعلي ولا صبر عليه وهو عمودا فلما كثرت فكرتي فيه واشتد شوقي إليه رأيت المسيح في نومي والحواريين وقد أمرني باتباعكم وقد أتيت اليكم بهذه النية بأن اتبع دينكم وأسلم لكم القلعتين فلعتي وقلعة أبي على شرط أن تبقوني في قلعتي ولا تغيروا من أمري شيئا وأقيم أنا وبعلي فيها وأكون الحاكمة على أهل بلدي قال: فتبسم عياض من قولها وقال: يا مارية أما إنك ما أتيت الينا إلا لتنصبين علينا بسبب بعلك وكيف يكون هذا بعلك وهو ولدك وحديثه كذا وكذا قال فلما سمعت الجارية الحديث من عياض بن غنم امتقع لونها وتغير كونها وقالت له: يا سيدي ومن اين لك هذا وإن عمودا ولدي وهو ولد الملك شهرياض قال لها رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة وحدثني بذلك كله فقالت إني اريد أن أراه فإن كان ولدي فإن لي فيه علامة فأمر عياض بن غنم بحضوره فأتى به سعيد بن زيد فلما نظرت إليه ووقعت عينها عليه ورأت الشامة التي على خده وزيادة اذنه ورأت عصابتها وما فيها من الجواهر صاحت صيحة عظيمة أذهلت من حضر وترامت عليه والتزمته وقالت ولدي لا شك فيه وقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله قال: ونظر الغلام إلى أمه فتحرك الدم في بدنه فغشي عليه من البكاء فلما أفاق بكى بكاء شديدا هو وأمه فلما سكتا قال لهما عياض قد وجب عليكما أن توحدا الله شكرا على ما أنعم عليكما فإنه يزيد الشاكرين ورحمته قريب من المحسنين ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ليس له حد ولا قبل ولا بعد هو الاول وعليه المعول وهو الآخر وله المفاخر قال فلما سمع عمودا ما قاله عياض قال: والله ما في قولك زور ولا محال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله قال: فلما نظرت مارية أمه إليه وقد أسلم وافقته في الحال وعرجت عن طريق المحال وشهدت لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة فقال عياض بن غنم ومن حضر من المسلمين تقبل الله منكما إسلامكما ووفقكما واعلما أن الله قد طهر قلوبكما وغفر ذنوبكما فاستأنفا العمل ولكن كيف السبيل إلى هذه القلعة المنيعة. فقالت ابشر فإن أصحابكم اسروا عند حران وقد وجههم شهرياض الي لأفدي بهم منكم هذا الغلام عمودا وقد سيرتهم إلى قلعتي وها أنا أسير إليهم واحصلهم في قلعة أبي وأفك اسرهم وأملك بهم القلعة أن شاء الله تعالى فقال لها عياض لقد وفقك الله في كل حال وصرف وجهك عن المحال ولقد صعب علي اسر أصحابي ولكن قد طاب قلبي بما قلت من الصواب فدعي ولدك عندنا وارجعي إلى أبيك فإذا رأيتيه فقولي له قد تمت حيلتك علينا فإذا حصلت عند اصحابنا فافعلي ما فيه الصلاح فقالت السمع والطاعة ثم ودعت زوجها أي ولدها والمسلمين وسارت من ليلتها إلى ماردين فوجدت اباها قد نزل إلى خدمة الملك إلى مرج رغبان ووجدت الحاجب الذي كانت معه الأسرى قد أوصلهم إلى قلعة أبيها وتركهم تحت قبضته وكان هذا الحاجب من عقلاء الناس ممن قرأ التوراة والانجيل والزبور وكان راهبا في مبدأ أمره وكانت له صومعة على عمود رخام قائم طويل وصنع على رأس العمود قائمة عظيمة وعقد عليها قبة وكان يصعد اليها بسلم ابريسم معلق بأعلى القبة وله سكتان في الأرض فإذا حصل في القبة انتزع السكتين وأخذ السلم إليه فشاع خبره ونما ذكره بالعبادة والرهبانية فلما توجه إلى بلادهم وفتحت الخابور صلحا اجتمع حول ذلك العمود أمم وقالوا: يا ابانا ما الذي تشير به علينا فإن العرب قد توجهت الينا وقد فتحوا الشام واكثر العراق وحصلوا في أرضنا فما الذي نصنع قال فاطلع عليهم من القبة وقال. يا معاشر النصرانية ما زالت النعم عليكم ظاهرة وباطنة مطمئنين في البلاد وقد ذلت لكم رقاب العباد نصركم المسيح على سائر الامم ورد عنكم سائر الغمم ومهد لكم الأرض في الطول والعرض إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتردون المظالم إلى أهلها وتحكمون بالحق وتتبعون شريعتكم وتزجرون أنفسكم عن أكل الحرام واتباع الزنا فلما غيرتم غير بكم وفي انجيل يحيى وانجيل مرقص مكتوب من اتبع سنن الحق وعود لسانه طريق الصدق وفعل بأوامر ربه وألزم نفسه بما يعنيه ولم يبخس الناس اشياءهم وداوم على صلاته وعمل بأوامر شريعته ولم يتبع هواه بلغه زهده ما تمناه ومن جار وبغى وظلم وتجبر وحاد عن طريق الحق كان فناؤه عاجلا ولنفسه بيده قاتلا وخربت داره ونفد ادخاره وكان الخوف شعاره والجحيم دثاره وفي التوراة. مكتوب لا تظملوا انه لا يحب الظالمين وقد بلغني أن في القرآن مكتوبا: {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 8] فأصلحوا ذات بينكم واجعلوا تقوى الله نصب عيونكم وقاتلوا عن أهلكم وحريمكم واتبعوا شريعة نبيكم وأخرجوا إلى جهاد عدوكم فإن الجهاد اليوم أفضل من جميع العبادات المأمور بها فإنه من جاهد أعداه كانت الجنة مأواه إلا وإني نازل إلى صومعتي هذه فلا يتخلف أحد منكم ثم إنه ارسل سلمه ونزل فلما رأوه وقد نزل اقبلوا عليه بالسلام وقبلوا يديه ورجليه فاتى بهم إلى كنيسة دمائر وكنيسة باذا فصلى بهم ودعا ثم أمرهم بالجهاد وقصد دير ملوخ هو قبله من دار عبديدان الروم وكان فيه راهب فناداه باسمه وقال له: ليس هذا وقت العبادة فأنزله من صومعته وسار إلى نصيبين فخرج إلى لقائه الملك قرقياقس فترجل إليه وصافحه وسار بين يديه إلى البيعة وزار دير يعقوب وهرع إليه أهل نصيبين فوعظهم وأمرهم بالجهاد وقصدر راس العين وبلغ خبره لأرسوس بن جارس فلما أسر عبد الله بن غسان ومن معه بعثهم مع الراهب ميتا بن عبد المسيح ولقيته مارية في الطريق كما ذكرنا وأمرته بأن يسير بهم إلى قلعتها فلما ابعد عنها لقي أباها في عسكره فسأله عما هو فيه فأخبره أن الملك شهرياض ارسله بهؤلاء الأسرى. فقال له: من أنت قال ميتا بن عبد المسيح فلما سمع ارسوس قوله فرح به وقال: وحق ديني لي زمان ارقبك ولست أستغني عن رايك ولكن انطلق بهؤلاء إلى قلعتي وتول أنت حفظهم حتى يأتيك أمري وخذ خاتمي هذا فانطلق وأوصلهم إلى القلعة ووضعهم في الاعتقال: وتولى حفظهم بنفسه وجعل ينظر إلى حسن عبادتهم وجودة تلاوتهم فأقبل عليهم وقال لهم: أخبروني كم فرض عليكم في اليوم والليلة فقال عبد الله بن غسان خمس صلوات فمن أتى بها بركوعها وسجودها على الكمال لا يرد على النار قال الله تعالى في كتابه: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:23] وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "الصلاة صلة ما بين العبد وربه فيها اجابة الدعاء وقبول الاعمال وبركة الرزق وراحة الابدان وستر بينه وبين النار وثقل في الميزان وجواز على الصراط ومفتاح الجنة" وهذه الصلاة فرضت على جميع الامم فلم يؤدوها وقصروا فيها حتى فرضها الله علينا فأديناها والصلاة جامعة لجميع الطاعات فمن جملتها الجهاد وإن المصلي مجاهد عدوين نفسه والشيطان وفي الصلاة الصوم فإن المصلي لا يأكل ولا يشرب وزادت على الصيام التمسك بمناجاة ربه وفي الصلاة الحج وهو القصد إلى بيت الله الحرام والمصلي قصد رب البيت وزاد على الحج بقربه من ملكوت ربه قال الله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 1] وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "جميع المفترضات افترضها الله في الأرض إلا الصلاة فإن الله افترضها في السماء وأنا بين يديه" وقال: يا محمد هذه الصلاة افترضتها على جميع الانبياء وأما أمتك فقد سلمتها إليهم وجعلت جميع الطاعات كلها فيها. وقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل وقال لي: يا محمد قم فاصنع مثل ما أصنع فتقدم وصلى ركعتين وقال لي: يا محمد هذه صلاة الصبح وهي أول صلاة صلاها ولذلك سماها الاولى ثم صلى به مرة أخرى إذ صار ظل كل شيء مثله وقال له: هذه صلاة الظهر ثم صلى العصر أول وقتها وقال هذه صلاة العصر ثم صلى به مرة أخرى إذ صارت الشمس مصفرة ثم صلى والشمس قد غربت وقال هذه المغرب ثم صلى به عند مغيب الشفق وقال هذه عشاء الأخرى ثم صلى المرة الخامسة والفجر قد طلع وقال هذه صلاة الصبح وقال نبينا فرضت الصلاة مثنى مثنى فزيدت في الحضر وتركت صلاة السفر على حالها" فقال ميتا لعبد الله بن غسان يا أخا العرب فما معنى رفع أيديكم في الصلاة للتكبير فقال إلا ترى أن الغريق لما يجد شيئا يتعلق به لينجو من الغرق وكذلك العبد في الصلاة فهو غريق في بحار الخطايا والمعصية يرفع يديه ويقول يا رباه خد بيدي فإني غريق في بحار الخطايا والمعصية هارب منك اليك وأما معنى القراءة في الصلاة فهو عتاب بين العبد وربه وأما الركوع فمعناه أنا عبدك وقد مددت يميني اليك وأما الرفع من الركوع وقول العبد ربنا لك الحمد يعني على عتق رقبتي من الذنوب يقول الله تعالى بقول العبد أنا عبدك قد أعتقتك من الذنوب وأما معنى السجدة الاولى ووضع الجبهة على الأرض كأنه يقول منها خلقتني والرفع منها أخرجتني والسجدة الثانية وفيها تعيدني والرفعة الأخرى ومنها تخرجني تارة أخرى وأما معنى السلام على اليمين اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني كتابي بشمالي ولما حضرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته قال: "من حافظ على الصلوات الخمس كانت كمثل نهر عذب يغتسل فيه أحدكم كل يوم خمس مرات فهل يبقى من درنه شيء فكذلك الصلوات الخمس لا تبقى على العبد خطيئة". فلما سمع الراهب ميتا كلام عبد الله قال أشهد أنكم على الحق وإن دينكم حق وقولكم صدق ثم أسلم وبعده بقليل وصلت مارية لما علمت أن الصحابة في قلعة أبيها فلما صارت في أعلى القلعة ونزلت في دار أبيها باتت على قلق بسبب الصحابة فلما كان قد دخل عليها ميتا وسلم عليها فقالت له: يا ميتا مال الذي صنعت بالعرب قال استوثقت منهم حتى يرى الملك فيهم رأيه فقالت والله ما قصرت ولكن اجعلهم معنا في البيعة حتى يروا حسن عبادتنا وقراءتنا الانجيل فلعلهم أن يدخلوا في ديننا فقال السمع والطاعة ثم إنه نقلهم إلى البيعة فلما كان الليل أتت البيعة فرأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في القيود ولم يكن هناك ميتا فقالت له: يا ميتا أنت من علماء ديننا وما يخفى عليك الحق اطلعت على دين هؤلاء القوم فالحق معنا أو معهم فقال: أيتها الملكة ليس على الحق من غطاء الحق مع هؤلاء العرب والذي قد جئتني به فانجزيه من قبل أن تطلبيه فلا تقدري عليه وقد رأيت بيان صدق القوم وصدق دينهم حتى جمع الله. بينك وبين ولدك عمودا قال فلما سمعت كلام ميتا بقيت باهتة فيه فقالت له: ومن أين لك هذا قال رايته في نومي وحدثها بما كان كأنه كان حاضرا فسجدت شكرا لله فلما رفعت راسها وثبت قائمة وحلتهم من وثاقهم ودفعت إليهم السلاح وأمرت ميتا أن يكرمهم وقالت له: أنا ادبر كيف نقبض على الوالي ونملك القلعة ثم إنها سارت إلى قلعتها وولت عليها من هي به مطمئنة الفكرة وأخرجت منها من تخشى جانبه واستوثقت منها وأما ميتا فإنه جعل الصحابة في البيعة في بيت المذبح وقال لهم: إذا كانت غداة غد وأتى الوالي وأصحابه إلى الصلاة فاخرجوا عليهم فإن الله ينصركم عليهم. قال الراوي: فلما كان الصبح أقبل الوالي وخواصه ليصلوا وضربت النواقيس وأتى القس ليفتح باب المذبح ويقرب القربان 1 فلما فتح الباب خرج عبد الله بن غسان وأصحابه الاربعون وكبروا تكبيرة واحدة ارتعدت لها القلعة وما فيها وبذلوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم واحتووا على القلعة وما فيها وسمع أهل الربض التكبير فعلموا أنهم قد ملكوا القلعة فولوا على وجوههم هاربين قال فلما سمعت مارية التكبير والصياح علمت أن قلعة أبيها قد ملكت فغلقت أبواب قلعتها وأرسلت من تثق به إلى عياض بن غنم وأخبرته بما جرى فشكر الله على ذلك ووصل أكثر المنهزمين إلى الملك شهرياض وأعلموه أن قلعة ماردين ملكها العرب فصعب عليه وأيقن بتلف ملكه ووقع الرعب في قلبه وقلوب عسكره وبلغ أرسوس الخبر أن قلعته ملكت وخزائنه أخذت فكتم أمره إلى الليل وأخذ من يثق به وصار يطلب حران فوصل اليها في الليلة الثانية فلما قرب من الباب قام إليهم الحرس فصاح بهم أصحابه وقالوا: افتحوا هذا البطريق رودس يعنون بطريقهم الاول وقد تخلص من العرب ففتحوا لهم فدخل أرسوس وملك المدينة وفشا الخبر في تلك البلاد أن أرسوس صاحب ماردين قد ملك حران بالحيلة فقصد إليه جميع من يطلب الديوان فصار عنده جيش عظيم. ذكر فتوح الرها وحرانعدل قال الراوي: وكان لرودس هذا صاحب حران المقبوض عليه ولد وكان قد قبض أبوه عليه لانه خاف منه وكان شجاعا اسمه ارعوك فقبض عليه وحبسه في العمق وكان له أم اسمها ست العسكر وهي صاحبة سميساط وكانت قد مضت إلى زيارة أهلها وهي غضبانة للقبض على ولدها فلما بلغها أن أرسوس ملك حران صعب عليها وركبت من سميساط وجاءت العمق وخلت بولدها وأخبرته أن حران ملكها أرسوس فأخرجته وسلمت إليه الاموال وقالت انفق على الفرسان واجمع لك جيشا وأمض إلى هذا الرجل الذي فعل ما فعل قال فانفق المال وأتت إليه الرجال وبقي في جيش عظيم وعبر الفرات. وقصد حران وبلغ أرسوس الخبر فخرج إلى لقائه والتقى الجمعان وكان قد قدم أمام جيشه بطلا من الارمن اسمه أرجوك في ثلاثة آلاف فوقعت الهزيمة على الارمني. حدثنا عبد الله بن اسيد قال: حدثنا سالم بن ربيعة عن عدلان التميمي عن محمد بن عمر الواقدي قال لما بلغت الاخبار إلى عياض بن غنم بمسير أرجوك الارمني إلى أرسوس أحضر عياض رودس صاحب حران وأخبره بما انتهى إليه من خبر أرسوس وكيف ملك حران وإن ولده يريد أن يلقى أرسوس وإني قد عولت على قتلك إلا أن تدخل في ديننا فقال أن أنت أطلقتني سلمت اليك ما تحت يدي من القلاع ولعلى أخلص حران لأن أهلها يحبونني لاني كنت محسنا في حقهم وأنا أقول انهم إذا رأوني سلموا إلى البلد وأنا أسلمها اليكم على إنك تعطيني السويداء ونصيبين الصغرى وأنا أعطيكم الجزية كل عام قال فأجابه إلى ذلك وأمر عبد الله يوقنا أن يستخلفه فحلف وأجاب إلى ذلك فاطلقه وبعث معه يوقنا في جماعته ورد على رودس خيامه وثقله وجماعته وانسلوا من الليل من مرج رغبان طالبين حران فلما قربوا منها أرسلوا عيونهم فوجدوا العسكر نازلا خارجا منها وعسكر ولده بازائه غير أنه قد اسر أرجوك وأخذه أرسوس وإن عسكره باق على حاله وقد بعث إليهم أرسوس رسولا يدعوهم أن يكونوا من حزبه وينعم عليهم وإن ينزل بهم وبعسكره على الرها ليأخذها وتصير من تحت يده قالوا: حتى نرى لأنفسنا في ذلك. قال الراوي: فلما قدم رودس ويوقنا ونظرا إلى العسكرين والنيران تتقد قال رودس ليوقنا هذه النار القريبة لا شك أنها لعسكر ولدي فأرسل إليهم من يختبرهم فسار الرجل وعلم من هم وعاد فأخبره أن القوم معولون على أن يحلف لهم أرسوس وإن يكونوا جنده وقد تقرر الحال على أنه في غداة غد يخرج في مائة فارس من أصحابه إلى دير فرها بين الرها وحران ومن عسكر ولدك خمسون من أكابرهم ويتعاهدون هناك قال فلما سمع يوقنا ذلك تهلل وجهه فرحا وقال لرودس أبشر فقد صار القوم في قبضتنا ثم مضوا يطلبون الدير وكمنوا بالقرب منه ثم أن يوقنا أرسل غلاما له وكان نجيبا قد رباه وكان اسمه شامس وكان لبيبا فقال: يا شامس انطلق إلى صاحب الرها وهو كيلوك وقل له أن مقدمي صاحب أرجوك قد بعثني اليك لكي يكونوا من رجالك فإنك منهم وإليهم وأرسوس من الروم وإن رجالا منا يأتون إلى دير فرها وارسوس معهم حتى يحلف لهم ويحلفوا له ويريد منك أن تخرج في مائة وتكمن لنا بالقرب من الدير فإذا قدمنا فاخرج علينا قال فانطلق شامس إلى أن قدم على صاحب الرها وحدثه بما ألقى إليه صاحبه يوقنا وكان من قضاء الله وقدره أن الحيلة التي دبرها يوقنا وبعث بها إلى صاحب الرها. قد بعث بها أكابر جيش أرجوك فلما قدم شامس عليه من قبل يوقنا وحدثه بالحديث الذي ذكرنا تأكد عنده ذلك وخرج في أربعمائة من قومه في أكمل سلاح وساروا طالبين دير قرها قال: وكان يوقنا قد كمن بالقرب منهم واختلس شامس وأتى إلى يوقنا وأخبره بأنهم كامنون في المكان الفلاني وهم منكم قريب قال: وأما ما كان من أمر ارسوس فإنه لما أرسل رسوله إلى الأرمن من عسكر أرجوك أتى رودس وقال لهم: انه يحلف لهم ويحلفون انهم لا يخامرون عليه ووقع الاتفاق على أن يكون الحلف في دير فرها فلما كان آخر الليل مضوا وهم متباعدون من بعضهم خوفا من الغدر وكان خاطرهم طيبا بصاحب الرها بما قرروا عنده ثم إنه قبل خروجهم أعلموا ألفا من شجعانهم بأن ينسلوا من العسكر في خفية وإن يلحقوهم ليكونوا عونا لصاحب الرها وقالوا لهم: لا تتكلموا دون أن تروا صاحب الرها قد خرج عليه بكمينه فإذا خرجتم فازعقوا بشارة كأنكم من أصحابه حتى يطمئن اليكم فلعل أن تقبضوا عليه حتى يخلص أميرنا أرجوك قال فانسلوا من أول الليل ولم يعلم بهم أحد. قال الراوي: ولما أشرف أرسوس على الدير إذا به قد خرج عليه مائتا فارس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المقدم عليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما بعث رودس ويوقنا معه وأصحابه ساء ظنه من جانب رودس وقال لقد فرطت وأذهبنا ولي الله مع عدو الله قال خالد: أيها الأمير لا تشغل سرك من قبل رودس فإن ملوك الروم إذا قالت وفت ويرون العار في أن يقول أحدهم قولا ولا يفي به فقال: يا أبا سليمان انه لا ينبغي لنا أن نغفل عن صاحبنا ومن معه ثم إنه أرسل عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مائتي فارس وساروا طالبين حران فلقوا في طريقهم ارسوس وهو خارج إلى الدير فقبضوا عليه وعلى من كان معه وأما يوقنا فإنه قبض على كيلوك صاحب الرها وكمن إلى الليل وتوجه إلى الرها فلما قربوا منها وقد لبسوا الثياب التي كانت على صاحب الرها وألبس جماعته ثياب جماعة صاحب الرها فلما قربوا منها وكانوا قد أوقدوا لهم مشاعل فتحوا لهم الباب فدخلوا فلما حصلوا داخلها رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين فما جسر أحد من العوام أن يتكلم واحتوى يوقنا على ما كان فيها من ذخائر وتحف وخزائن كيلوك وأمواله وترك عليها من يثق به بعد ما قبض على من يخافه من رؤسائها وأكابرها وكان قد استأمنه ابن عم كيلوك فأمنه فدله على جميع ما كان لكيلوك ثم أخذه أمامه وساروا طالبين حران فوجدوا رودس قد فتحها وذلك أنه لما قبض عمرو بن معد يكرب على ارسوس سار رودس ومعه بقية عسكر المسلمين حتى وصل إلى حران ونادى الناس الذين على السور فلما عرفوه فتحوا له الباب وصقعوا وساروا معه إلى دار إمارته فملكها وأتى له عظماء البلد وهنئوه بالسلامة فقام فيهم خطيبا وقال لهم: اعلموا أن الله تعالى أنقذني وأنجاني. وقد جرى من حديثي كذا وكذا وإني عاهدت أمير القوم أن أسلم إليهم هذه المدينة ويوليني على نصيبين الصغرى والسويداء وحلفت له على ذلك وإني سوف أوفي بعهدي وأشهدكم أن كل دين يخالف دين الإسلام فهو باطل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله قال فلما سمع أهل حران ذلك قالوا: لقد أراد الله بك خيرا ونحن نوافقك على إسلامك فأسملوا إلا قليلا منهم. ذكر فتوح قلعة رأس العينعدل قال الراوي: حدثنا ربيعة بن هيثم عن عبد الله التنوخي عن عبدان بن عطية قال: ما أسلم من أهل الجزيرة الأحران فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخلوا في الإسلام قالوا: اللهم ثبتهم على دينك ولا تمكن من بلدهم عدوا وأعادوا الكنائس مساجدا وجوامع وسلموا الصحابة ما حول حران والرهان تسليما وأتى يوقنا من الرها إلى حران واجتمع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاورهم في أمر الرها وكيف يكون حكمها فقال سعيد بن زيد إنك قد أخذت هذا البلد بحيلتك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة" وقد صار كل من فيها عبيدا للمسلمين هم وأموالهم فقال يوقنا أنتم تعلمون أن أكثر الجزيرة ما ملكتموه وثم إلى الآن حصون وموانع والصواب أن تصنعوا جميلا وخيرا يعلو به ذكركم ويرتفع به فخركم فقال له سعيد: إذا كان الأمر على ما ذكرته فاتركوهم على حالهم حتى نرى ما يرى فيهم الأمير عياض بن غنم قال ففعلوا ذلك ثم أن الأخبار اتصلت بالملك شهرياض أن حران والرها وسروج والسخن وأكساس والعمق قد صارت كلها للعرب فأيقن بزوال ملكه فدخل إلى رأس العين هو ومن يثق به وصلوا في بيعة نسطوريا وهي الجامع اليوم فلما فرغوا من صلاتهم قال: يا معاشر الروم اعلموا أن العرب قد شاركونا في بلادنا وقد صار لهم معاقل يجتمعون فيها وتقود بأودهم ويصل إليهم منها الميرة والعلوفة وتجيئهم منها الأموال والخابور وفيها كلها حكمهم وما بقي بيننا وبينهم إلا هذا المصف فإن كان لنا فلا مقام للعرب بيننا وإن كان للعرب فالبلاد لهم من دوننا وقد رأيت رأيا فيه السداد فقالوا: وما هو قال أرى أن أماطلهم بالمصف ونكتب للملكين المعظمين شقر وزعفرة فلعلهما ينجدونا بعسكرهما ونكاتب الملك حرفتاس بن فارس ونكاتب الملك الانطاق صاحب نينوي وبلادها والى الحبرا بن صاحب الهكارية فإذا أرسلوا الينا عسكرهم نستعين بالمسيح ونلقي المسلمين والله يعطي نصره لمن يشاء فقالوا: هذا رأي جيد فكتب الكتب وأرسل الرسل إلى الملوك المذكورة وعاد إلى عسكره. قال الواقدي: وما منع عياض بن غنم عن حرب القوم إلا أنه رأى أن البلاد تفتح لأصحابه بدون قتال فلم يستعجل لأنه قوي ظهره بالبلاد التي فتحت وأيضا أنه كتب إلى. عبيدة بن الجراح يطلب منه خبرا يأتيه قال: ووصلت كتب الملك شهرياض إلى أصحاب الأقاليم فما منهم إلا من عين عسكرا لنصرته قال: ووصل مكتوبه إلى صاحب أخلاط وكان له بنت ذات جمال فائق وكانت من الشجاعة على جانب عظيم وكان اسمها طاريون وكان مستقرها بجبل سموه باسمها وكان كل من خطبها لا ترضى به إلا أن تلقاه في الميدان فإن قهرها كانت له زوجة قال: وإنها غلبت جميع خطابها وكان من جملة من خطبها غلام اسمه سوسى بن سلنطور صاحب جبل النساسنة وكان قد قدم إلى أخلاط بهدية من ابيه إلى أبيها فقالت هي على شرط معروف فبارزته في الميدان فقهرته وجزت ناصيته ومرت الأيام والليالي فلما بعث الملك شهرياض يستنجد الملوك وأرسل إلى صاحب أخلاط أرسل إليه أربعة آلاف فارس وأمر عليهم ابنته طاريون وقال لها أي بنية قد قدمتك على الجيش وأريد منك أن تظهري على العرب ما كنت تظهرين به على الفرسان حتى تشكري عند أمة المسيح قال: وأرسل معها ملك السناستة نجدة وهم ألف رجل وكان المقدم عليهم ولده فسار في صحبتها وكان الغلام قد كمل شأنه وحسن كماله وابتدر هلاله ولم يكن أحد في زمانه يوصف بجماله فلما نظرت طاريون إلى حسنه وجماله نظرته بعين المحبة فوقع قلبها في شبكة عشقه فسيرت رجالها مع رجاله. قال الواقدي: وأحسن ما رأيت في هذه الفتوح أنه كان لهذه الجارية ابن عم اسمه برغون وكان يحبها ولا يستطيع أن يسمع بذكرها وكان من أهل الشجاعة والشدة كان تحت يده من المعاقل حيزان والمعدن وأبزون وقف وأنطر وايدليس وأرزن وإنه سار ينجد شهرياض في ثلاثة آلاف فلما عبر جيش ابنة عمه طاريون بيدليس اهتم لها وأكرمها وأهدى لها الهدايا والتحف وسار معها إلى أن عبروا حصن كيفا وأخذوا طريقهم على الموزر ونزلوا على حصن يعرف بالهتاج على طريق النهر وكان لابن عمها عيون يطلعونه على أخبارها قال فلما نزلت على النهر أرسلت إلى الغلام سوسي الذي تحبه وهي تقول له اعلم أن المحبة الصادقة لا تكون إلا بعد العداوة المفرطة وقد ندمت على ما فات وما كان مني اليك وقد رأيت إنك بعد رجوعنا من قتال العدو ترسل إلى أبي وتطلبني منه ولكن أريد منك أن تصل الي ليلا في خفية من ابن عمي يرغون حتى تحلف إلى إنك ترسل إلى أبي وتطلبني منه وأحلف لك أني لا اريد سواك وبعثت له بهدايا مع بعض خدمها وأرسلت معه شيئا من الحلوى وأرسلت مثل ذلك لابن عمها ولكل أمير صحبها حتى لا ينكر عليها قال: وإن ذلك الخادم قد علم بما جرى وكان هذا الخادم قد ربى ابن عمها على كتفه وكان يحبه محبة شديدة فأعلمه بما وقع من حديثها مع الغلام سوسي بن سلنطور وهي تريد أن تجتمع به الليلة حتى تحلف له أنها ما تريد غيره قال فكتم يرغون أمره فلما جن الليل طلب عظماء جيشه وقال لهم: اعلموا أني ما وليت عليكم إلا وقد علم المسيح أن عقلي أوفر من عقلكم وقالوا: أيها الصاحب أعلمنا بما تريد حتى نقبل. قولك ونطيع أمرك قال: يا قوم اعلموا أننا سائرون على غرة وعن قليل ترون الخيل تنوشنا والرماح تحوشنا قالوا: وكيف ذلك قال: لان العرب لا تنام ولا ترام وقد عاد النصر إليهم واعلموا أن الملك شهرياض ليس بأعظم همة ولا أكثر جنودا من هرقل ولا من ملوك الأرض وقد ملكت العرب دولتهم وأخذوا معاقلهم وأذلوا ملوكهم وأنا أعلم أن شهرياض لاثبات له مع العرب يوم المصف وقد ملكت بلاده وهي حران والرها وسروج والبيرت والخابور وقد أخذوا ماردين وقلعة ماردين يعني قلعة المرأة وأخذوا أرسوس وابنته مارية وكأنكم بالعرب قد ملكت ديار شهرياض وعادت اليكم وملكت دياركم وسبت حريمكم واعلموا أن الحق مع العرب وأنهم إذا قالوا: قولا وفوا به ومن أسلم إليهم أمن على نفسه وأهله وماله سواء رجع إلى دينهم أو أقام على دينه واعلموا أن بقلبي النار من هذه الجارية طاريون وقد أرسلت اليها لتكون لي أهلا وأكون لها بعلا فأبت ذلك وهي تحب ابن ملك السناسنة فإن تزوجت به وصاروا يدا واحدة أخذوا معاقلنا وملكوا حصوننا ولا يكون لنا معهم مقام وقد رأيت أنني في هذه الليلة أقبض عليها ثم إنه أخبرهم بما حدثه به الخادم قالوا: أيها الملك إذا أخذتها فأي أرض تؤويك وأي حصن يحميك قال نقصد إلى عسكر العرب ونأخذ لنا منهم أمانا قالوا: إذا كنت عولت على ذلك فاعزم قال فخذوا على أنفسكم وتأهبوا للرحيل ففعلوا. قال الواقدي: فلما جن الليل تزيا يرغون ابن عمها بزي الغلام سوسي وسار إلى سرادق الجارية فلما رأته ظنت أنه سوسي فوثبت إليه قائمة وسلمت عليه وصقعت له وكانت قد أبعدت الحرس عنها والغلمان والحجاب حتى لا يطلع أحد على سرها قال ثم إنها تحققت أنه ابن عمها فاستحيت منه ووجلت فلم يمكنها إلا أن تخدمه بأعظم خدمة فقال لها يا طاريون أظننت أني لا اقف على سرك ولا أبحث عن أمرك يا ويحك أي مناسبة بين الروم والأرمن حتى إنك ملت إلى ابن ملك السناسنة وتركت مثلي ثم إنه مال عليها بشدته وقبض عليها وألقمها أكرة وكتفها وخرج بها إلى عسكره فوجد أصحابه قد لبسوا وركبوا ورموا المضارب وشالوا ثقلهم فلما وصل إليهم حملها على بغل وساروا ونظر أصحاب سوسي إلى رحيل يرغون فقال لهم: أمهلوا أنتم بالرحيل إلى أن يطلع الفجر فإن هذا طريق ضيق تزدحم فيه الخيل والبغال قال ففعلوا ذلك وجد يرغون في السير فما أصبح إلا وهو على مرج السور فنزل هناك وأما الغلام سوسي فإنه لم يمض إلى الجارية ولا سأل عنها ولا سار اليها لأنه خاف أن يكون ذلك منها مكرا به فتقبض عليه فلما أصبح أمر غلمانه بالرحيل وركب وأتى إلى سرادق الجارية طاريون فوجد قومها ينتظرون خروجها من سرادقها فدخل عليها خادمها وخرج وقال لهم: أن الملكة ما كان من أمرها ولا سبب لغيبتها قال فماج أصحابه. وأرادوا الرجوع فقال لهم صاحبها: أن عدنا إلى الملك فلا نأمن أن يرمي رقابنا ويقول كيف غفلتم حتى أخذت ابنتي من بينكم وما عندكم خبر وما أخذ الملكة إلا يرغون ابن عمها لأن في قلبه شيئا ثم إنهم ركبوا وجدوا في طلبه قال: وإن يرغون لما نزل في مرج السور واستراح وهم بالمسير إذا بالقوم قد أشرفوا عليه وهم يزعقون يا ويلك اترك الملكة من يدك قبل حلول منيتك فاستقبلهم هو ومن معه من بني عمه واقاربه فعندها قال لبني عمه اعلموا أن العرب ما نصروا على أعدائهم إلا بالصدق في دينهم وقتالهم عن دين الله واعلموا أن هؤلاء القوم الذين طلبناهم لا يبخلون لا سيما إذا علموا اننا قصدناهم وأردناهم من غير قهر لكن من طريق العقل أن دينهم أفضل من ديننا لأنهم يشيرون إلى الله بالوحدانية ونحن نسجد للصلبان والصور ونقول أن للخالق زوجة وولدا وهو واحد أحد فرد صمد وقد بلغني أنهم يقولون أنه من قتل منهم صار إلى الجنة ومن قتل منا صار إلى النار لأننا عندهم من الكفار فإن كنتم تريدون النصر على أعدائكم فأقروا الله بالوحدانية وقولو لا إله إلا الله محمد رسول الله قال فأعلنوا بكلمة التوحيد فدوت من أصواتهم بالجبال والتلال والرمال والشجر والحجر فلما سمع أعداء الله ما نطقوا به علموا أنهم دخلوا في دين الإسلام فتقدم سوسي وقد داروا بيرغون وأصحابه وقالوا له: يا ويلك يارغون أما كفاك أن تكون غادرا حتى تكون بدين النصرانية كافرا أتظن إنك برجوعك إلى دينهم ينصرونك علينا وأين العرب وما يصل صائحك إليهم إلا ونحن فرغنا منك وقتلناكم أشر قتلة عن آخركم فقولوا لمحمد ينصركم ثم إنهم حملوا على يرغون ومن معه فاستقبلوهم بنية صادقة وهمم متوافقة وأعلنوا بكلمة الحق والصلاة على سيد الخلق وبذلوا صوارمهم في العدا واوردوهم شراب الردى وقصدوا نحو أعدائهم وطلبوا بجهادهم منازل الجنة وطلقوا الدنيا ثلاثا وكانوا يمشون في ظلمات ثلاث فانقدحت نار شوقهم بزناد صدقهم فأحرق زرع الكفر: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 4] فلما أضاءت لهم الأفكار ولاحت لهم لوائح الأنوار لم يجدوا من يشار إليه بالوحدانية ويوصف بالالهية وينعت بالأزلية إلا الواحد القهار فركضوا في ميدان الاعتذار ونادوا بلسان الأقرار آمنا بالله الواحد القهار فلما سرحوا خواطر الافتكار في أسرار الاعتبار قالوا: كيف عبدنا سواه وما ثم لنا معبود إلا إياه فواخجلتنا إذا وقفنا بين يديه يوم العرض عليه فبأي عمل نلقاه وبأي بضاعة نقصد رضاه فأشار إليهم منادي الإيمان من القرآن: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 10] فلما رحلوا في عسكر الطاعة وخافوا من هول يوم الساعة وجعلوا رواحل رجائهم في ركب اقبالهم وساروا في موكب عزهم وجلالهم أشرقت شموس إسلامهم في فلك استسلامهم. وانقضت بازات أفراحهم من جو أتراحهم ومنادي جهادهم يناديهم يا أخيار: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:2] . قال الواقدي: ودارت بهم الأوغاد وشرعوا نحوهم الصعاد وأشرف يرغون وأصحابه على الهلاك وإذ باب السور قد فتح وخرج منه مائة فارس كالليوث العوابس وقد رفعوا اصواتهم بالتهليل والتكبير ونادوا يا من تعلقوا بكلمة التوحيد أبشروا بالنصر والتأييد ها نحن قد لبينا دعوتكم وخرجنا لنصرتكم وسوف نخلصكم من الأمر المهول فنحن أصحاب الرسول. قال الواقدي: وكان هذا السور حصنا من الحصون وكان قد سلمه ميتا لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد أرسل عياض بن غنم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في مائة فارس ليأتوه بالميرة وكان فيهم المقداد بن الأسود وضرار بن الأزور وسعد بن غنيم الأسدي ومعمر بن ماجد السلمي وباري بن مرة الغنوي وهلال بن عامر الأنصاري وعيينة بن رافع الجهني وخضر بن يعشور الفزاري ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم أجميعن فلما وصلوا إلى السور تلقاهم طالوت صاحب الحصن وأنزلهم وأكرمهم وأمر لهم بالطعام وأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى جاء يرغون وكان من أمره ما كان فلما سمعوهم يكبرون قالوا: هؤلاء قد دخلوا في ديننا وقد وجب علينا نصرتهم فخرجوا كما ذكرنا وحملوا على أعداء الله ونصروا يرغون ومن معه وانهزموا في الليل إلى مرج رغبان إلى الملك شهرياض فاخبروه بما جرى عليهم قال فأيقن بذهاب ملكه قال فلما أصبح يرغون أتى إلى الصحابة وشكر الله إذ نجاه ومن معه على أيديهم وقد ازدادوا إيمانا وحدث الصحابة بما كان من أمرهم وسار معهم إلى عياض بن غنم فلما جازوا على ماردين نزل إليهم ميتا وكان قد بلغه ما جرى فسلم عليهم وهناهم بالسلامة وقال ليرغون وأصحابه أن كنتم تريدون الثواب الجزيل من الملك الجليل فتمموا إسلامكم بما ألقيه عليكم فقال يرغون وكيف العلم قال ميتا انزل ههنا أنت ومن معك فإذا غربت الشمس فسيروا على بركة الله وعونه واقصدوا كفرتوتا فإذا جئتم إليهم ليلا فقولوا لاهلها نحن قد وجهنا الملك اليكم لحفظ المدينة فإذا صرتم داخلها فثوروا على اسم الله وبركة نبيه قال ففعل ذلك يرغون وجلس إلى أن جن الليل وارتحل بجيشه وثقله وودعوا الصحابة وساروا بالميرة وسار يرغون إلى أن وصل إلى كفرتوتا وكان آخر الليل والفجر بدر فلما وصل اليها أمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بذكر شعارهم حتى لا ينكر عليهم القوم وجاءت الاثقال: والبغال وسمع أهل كفرتوتا ضجة العسكر فاشرفوا عليهم من أعلى السور وسألوهم من أنتم قالوا: نحن من عسكر الملك شهرياض وقد بعثنا لنكون عونا لكم. قال الواقدي: وأعجب ما في هذه القصة أن الملك شهرياض قد بعث إليهم يعرفهم أني مرسل اليكم جيشا مع الحاجب فإذا وصلوا اليكم فافتحوا لهم الباب فإن العرب في آثارهم قال فلما وصل إليهم يرغون ومن معه وقالوا لهم: نحن من عسكر الملك فتحوا لهم ودخلوا ولم يتكلم حتى أنه نزل في دار الامارة فلما استقر به الجلوس وثق من الأبواب وصعد إلى السور وقال لاهل البلد: استريحوا لأن الملك قد وصاني بالحرس على البلد فقالوا: أيها السيد أن كتاب الملك قد جاءنا بغير ما قلته بأن لا يتولى حفظ البلد إلا الحاجب قال فلما سمع يرغون قولهم علم أن الملك يريد أن يرسل لهم جيشا فقال لهم: انصرفوا إلى منازلكم وإياكم أن يظهر منكم أحد في الليل فإني أن وقعت بأحد منكم قتلته قال فانصرفوا ولم يبق عنده سوى الوالي الذي كان من قبل توتا هو وغلمانه فقبض عليهم يرغون وضرب رقابهم وتركهم في بعض الابراج المهجورة وقال لأصحابه: كونوا على حذر فإن شهرياض يريد أن يرسل جيشا إلى هذه المدينة فإذا رأيتموهم قد وصلوا فانزلوا وافتحوا لهم درقة الباب الواحدة وكلما دخل فارس فأبعدوا به عن الباب وأنزلوه عن فرسه وخذوا عدته وكتفوه وألقوه في البرج قال فبينما هو يوصيهم إذ وصل الجيش وهم ألف فارس والمقدم عليهم صاحب الملك الكبير فصالحوا عليهم افتحوا لجيش الملك فتبادرت أصحاب يرغون ففتحوا درقة الباب الواحدة وقالوا: لا نمكن أحدا يدخل إلا واحدا واحدا مخافة من يوقنا وأصحابه فانا نخاف أن يدخلوا في جملتكم فبقي كلما دخل فارس رجلوه بعد أن يبعدوا به عن الباب ويأخذوا سلاحه وجواده ويكتفوه إلى أن أدخلوا الألف والحاجب بعدهم فلما اجتمعوا نادوا بأعلى أصواتهم الله أكبر الله أكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر قال فارتج كفرتوتا ووقع الرعب في قلوب أهلها وعلموا أنهم ملكوا بلدهم فلم يجسر أحد منهم أن يظهر في المدينة ومن ظهر قتل فلما أصبح طلب يرغون أكابر البلد ومشايخها وبطارقتها فلما حضروا قبض عليهم وأنفذ إلى عياض بن غنم يعلمه بما صنع فلما وصلت إليه الرسالة سجد لله شكرا وكان عبد الرحمن بن أبي بكر وأصحابه لما وصلوا بالميرة أخبروا المسلمين والأمير بما وقع وإن يرغون مضى إلى كفرتوتا فكان منتظرا لما يأتي إليه من خبره فلما جاء الخبر بالفتح حمد الله تعالى وتفاءل بالنصر. قال الواقدي: قال عياض بن غنم للصحابة اركبوا ودونكم والقوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأمر خالد بن الوليد أن يكون بأصحابه في الميمنة من القوم وأمر عمر ابن سالم أن يكون على يسار القوم وقال لهم: لا تخرجوا حتى تشب نار الحرب وتشتعل بالطعن والضرب فاحملوا واعتمدوا على السيوف فإنها أقرب للحتوف وليكن شعاركم التهليل والتكبير واقطعوا أجل أمنيتكم من الحياة الفانية وارغبوا في العيشة الراضية وإياكم والميل إلى دار الغرور فإنها محل النوئب والثبور: {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 3] وقفوا بهممكم وقوف قوم غذوا بحلاوة وصاله فصانوا أمرهم بالوقوف على طاعته فهاموا وتجردوا في الليل لخدمته وقاموا فأثنى عليهم إذ بحبه هاموا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 3] قال فسار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الجهات التي ذكرنا وزحف الموحدون ونشرت الرايات والبنود وتواعدوا على اللقاء في اليوم الموعود وقالوا: الهنا ما لنا سواك من نصير فأنت: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 4] قال: ووقع الصحائح في عسكر الروم أن المسلمين قد زحفوا وأشرفوا قال فتبادروا إلى القتال وتمسكوا بقول المحال ولبسوا وتدرعوا وعن الآخرة نزعوا والى الصليب تضرعوا ورفعوا رايات الطغيان وتلت عليهم الانجيل القساوسة والرهبان وفتحت لهم أبواب النيران عند ما أشركوا بالرحمن وصار على جيشهم من الكفر شبه الدخان وصار أمامهم الشيطان وعلا منهم الضجيج ووقعوا في أمر مريج فلما نظر المسلمون إلى كثرة من اجتمع من قومهم استسلموا لحكم القضا وقالوا: نرضى بما قدر وقضى فنودوا من سرائرهم قد اشترينا منكم النفوس فاصبروا لحكم الملك القدوس ولا تولوا الأدبار فقد سبق الحكم وانبرى وخط القلم في اللوح وجرى وكتب بامر الله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} [التوبة: 11] . قالوا: ما الذي اشتراه من له المنة قال أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فقالوا: نحن نريد التسليم لنصل إلى جنان النعيم فقيل لهم انهضوا إلى سوق المبيع فقد هبت بشائر الربيع وتجلى لقبض أرواحكم البصير السميع فسبحوه وسجدوا ورفعوا أصواتهم بتوحيده ومجدوا فلما أيقنوا بالوصال طلع لهم سهيل الحال وأزهرت شجرة الاحوال واستدار لهم رقيبة في فلك التيسير وناداهم: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 5] فلما سمعوا منادي الافكار يناديهم بالعشي والابكار بذلوا نفوسهم وأرضوا قدوسهم وجاهدوا واجتهدوا وحملوا واقتصدوا ونهلوا من نهر الشهادة ووردوا ولم يزالوا في حرب الاعادي وموارد الاجتهاد في مغاني ميادين الجهاد حتى خرجت الكمناء وهبت عواصف رياح الفناء فدمر ما كان شيده الكفار من البناء وانتشرت أستار ما أملوه من الاماني والمني فقتلت بينهم الصناديد وأصبحوا صرعى على وجه الصعيد وناداهم منادي التهديد: {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 8] ولم يزالوا في قتال الكفار إلى أن مضى النهار واقبل الليل بالاستتار والمسلمون يقولون ياليتنا دام لنا النهار ولا غلبتنا جيوش الاعتكار وإذ قد ظهر لهم على أطناب سرادق القتار ولا الليل سابق النهار قال فلما مضى الليل بغياهبه وأقبل الصباح بجانبه بادروا إلى الحرب والطعن والضرب ولم يمهل بعضهم بعضا دون أن وقعت الحملة على المسلمين فانهزم الجناح الأيمن وكان فيه أخلاط العرب قال: وانهزمت ميسرة العدو ووقع فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل القتال فيهم إلى أن غلبهم الليل فانفصلوا. فلما كان اليوم الثالث تولى الحرب خالد بن الوليد ورتب الناس ترتيبا جيدا وجعل في الميمنة باهلة وطبا وجعل في الميسرة عديا ونميرا وفزارة وفي الجناحين كندة وعاملة ومرة وفي القلب ابطال الأنصار من ذوي الشدة والانتصار وجعل راية الميمنة بيد عامر بن سراقة وراية الميسرة بيد ضرار بن الأزور وراية الجناح الأيمن بيد عبد الرحمن الاشتر وراية القلب بيد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فلما رتبهم قال لهم: اتقو الله الذي إليه مصيركم واعلموا أنه متكفل بتأييدكم ونصركم وإياكم أن تؤتي المسلمون من قبلكم واتبعوا سنن الذين فتحوا الشام من قبلكم فمن ولى الادبار كان مأواه النار وغضب عليه الجبار واعلموا أن الله فرض عليكم الجهاد وقتل الاعداء واعلموا أن الأحب إلى الله تعالى جل جلاله قطرتان قطرة دم جرت في سبيل الله وقطرة دمع جرت من خشية الله وهذا اليوم له من الاجر ما لا يعد فاتقوا الله عباد الله واثبتوا في هذه المواطن كما ثبتم في المواطن الكبار وإياكم والفشل فتذهب ريحكم وقوموا شريعة نبيكم واعلموا: {أن الله مع الصابرين} و {لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 12] وها أنا أنفرد بجماعة من اخوانكم إلى صليب القوم ولست براجع إلا بحطم من حوله من الكفرة والمشركين قال جل ذكره: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 4] فإذا رأيتم صليب القوم قد هوى إلى الأرض فاحملوا ولا تمهلوا قال فلما وعظهم خالد رتب كل صاحب راية في موضعه وانتخب من انتخب من أبطال المسلمين وقال للناس إذا رأيتم الصليب قد وقع فاحملوا والله ينصركم وحمل هو ومن معه وقصدوا لواء شهرياض وصليبه الأعظم فما ردهم عن حملتهم كثرة العساكر. قال الواقدي: ولقد بلغني ممن أثق به أنهم لما حملوا طحطحوا العساكر وزعزعوا الدساكر وأزالوا الابطال عن مراكزها والبطاركة عن مراتبها وما اعتمدوا إلا على السيوف واستقبلوا بها الصفوف فلما رأى شهرياض فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى التاج عن رأسه وزعق بالبطارقة والاراجية والقياصرة وقال: يا معشر الروم من بني الأصفر اعلموا أنه ما بين ذهاب دولتكم إلا هذا اليوم فإما أن تقاتلوا عن دينكم وحريمكم وملككم وذراريكم وأولادكم والا أخذت منكم فإياكم أن تولوا الأدبار فمن تولى غضب عليه المسيح وأدخله النار. قال الراوي: وبلغني أنه في ذلك اليوم وصل إليهم بتركهم الكبير المشار إليه في دينهم ومعه كل قس وشماس ورهبان بأرض الجزيرة جاء ليحرض الروم على القتال وكان هذا البترك اسمه دين الدويرم وكان يسكن بدير يقال له دير قرقوت: وإنهم وصلوا قبل أن يحمل المسلمون فوعظهم بين الصفوف وقال من انهزم منكم حرمته فلا يقبله. المسيح أبدا ثم انفصل من القوم هو ومن معه وعلوا على رابية تشرف على القوم ورفعوا الصلبان وفتحوا الاناجيل وأشركوا بالملك الجليل. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن مالك عن موسى بن أبي العام عن الأشعب عن يحيى قال: وحدثنا بشر بن عامر وكان ممن حضر وقعة مرج رغبان وكانت الواقعة يوم الثلاثاء ثالث شهر صفر سنة سبع عشرة وكان شهرياض قد أرسل إلى رأس العين وسائر بلاده فأتوا بحريمه وحريم سائر الأجناد والبطارقة وأولادهم وأقامهن يوم المصف على أبواب الخيام وقال لهن ما من امرأة إلا ترفع ولدها وتصيح باسم بعلها وأخيها إنما فعل ذلك ليثبتوا في القتال فأوقعوا الصياح من كل جانب وعملت القواضب وثبت الروم ثباتا عظيما لأجل حريمهم وأولادهم ولأجل البترك ووقف في مقابلتهم رجال من اليمن يرمونهم بالنبل وأما خالد بن الوليد فلما حمل بأصحابه وهو يريد صليب القوم سمع عياض بن غنم وهو يقول هذه الابيات: سنحمل في جمع اللئام الكواذب ... ونفري رؤوسا منهم بالقواضب. ونهزم جيش الكفر منا بهمة. ... تطول على أعلى الجبال الراسب. وننصر دين الله في كل مشهد. ... بفتيان صدق من كرام الأعارب. فيا معشر الأصحاب جدوا وجندلوا. ... وكروا على خيل كرام المناصب. فدونكم قصد الصليب وبادروا. ... لنرضى إله الخلق معطى المواهب. قال ثم قصدوا الصليب وكان اللعين شهرياض لما صف الصفوف أقام حول الصليب الاعظم اثني عشر ألف فارس كلهم لبس الزرد وترك امامهم حسكا من حديد حتى لا يصل إليهم أحد فلما حمل خالد وأصحابه وقربوا من الصليب داست خيولهم على ذلك الحدسك فانكبت على وجوهها فوقعوا عن ظهورها فانكبت عليهم الروم بغيظهم وحنقهم فأخذوهم بالاكف لأنهم وقعوا عن ظهور خيولهم من الحسك فأخذوهم عن آخرهم وارتفعت العطاعط من كل جانب وعملت المرهفات القواضب فلما نظر الأمير عياض بن غنم ما نزل بخالد ومن معه صعب عليه واشتد لديه وقال في نفسه يا ابن غنم ما يكون عذرك بين يدي الله وقد مضت هذه السادة تحت رايتك فصاح باعلى صوته يا معاشر المسلمين احملوا ولا تمهلوا ايقظوا هممكم وعجلوا واستخلصوا السادة من الاسر واطلبوا من الله النصر. قال فلما صاح عياض أوقفوا خالدا ومن معه أمام الصفوف فتأسف ابن وضاح بن مجيد بن نافور بن عمر بن سالم بن النابغة الذبياني وكان من أفصح الناس لسانا وأجرئهم جنانا وأحدهم لسانا وأعلمهم بيانا وكان حليفا لخالد بن الوليد رضي الله عنه. فبرز يومه بمرج رغبان وقال: أيها الناس أن الصبر والثبات جندان فلا يغلبان وهذا يوم يا له من يوم وما ترون من نخواتكم ومروءتكم ودينكم أن تدعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يد العدا فاستنقذوهم من الردى واتقوا الله الذي إليه مصيركم واعلموا أن ترك الأشياء النفيسة لا يليق إلا بالنفس الخسيسة أما تحققتم أن الدنيا تئول إلى الزوال والفناء والآخرة هي دار النعيم والبقاء أما علمتم أن الهمم العلية الروحانية والأشباح الجسمانية عولت على الانتقال من الدنيا الساحرة إلى دار الآخرة وقالت لا بد من الرحيل لأن البقاء في الدنيا قليل فتزودوا معاشر الأرواح فقد قرب الرواح والقصد منكم قد عرفناه ومرادكم قد فهمناه وإن سفركم سفر شاق يحتاج إلى زاد ورفاق قالوا: فما الزاد الذي نكثر منه ولا نعدل عنه قيل لهم الزاد الاقوى في وتزودوا فإن خير الزاد التقوى قالوا: أما هذا الزاد فمنا من يقدر عليه وما منا من لم يقدر عليه قيل إياكم والتعرض لهذا السفر بغير أعمال واعملوا ليوم لا بيع فيه ولا خلال فلما تزودوا أخلصوا ومن جيفة الدنيا تخلصوا خلع عليهم خلع الأنعام وتوجهم بتاج العز والاكرام وجعل لهم الفردوس منزلا وقال في حقهم: {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف: 10] واسمعوا ما قال فيهم الملك المقتدر: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} [الأحزاب: 2] قال فعندها حملوا بأسرار صافية وهمم وافية وطعنوا في صدرو الرجال ورفرفت على رؤوسهم طيور الآجال ووضعوا السيف في الروم وجعلوه عليهم يوما مشئوما قال: ولم يزل القتال بينهم بقية يومهم إلى الليل وانفصلوا عن القتال ورجع المسلمون وهم متأسفون على اسر خالد ومن معه فإنهم لما وقعوا في الأسر وانفصل الناس من القتال وجن الليل ارسلهم الملك شهرياض إلى رأس العين مع حاجبه نقيطا بن عبدوس ومعه ألف فارس وأمره أن يسير بهم في الليل ويجد بهم في السير وإن يسلمهم إلى وإلى رأس العين قال فسار بهم ولم يطلع الفجر إلا وقد وصل بهم إلى رأس العين وأرسل من يعلم الوالي بالقصة فخرج في موكبه للقائهم ووضع الصايح في رأس العين بقدومهم فما تخلف أحد وكان لهم يوم مشهود فألقاهم الوالي في الكنيسة العظمى التي هي جامع اليوم وأوثقوهم في الحديد. قال: حدثنا فاهم اليشكري عن بشار بن عدي عن سراقة بن زهير عن خزيمة بن عازم عن جده عبد الله بن عامر قال أنه لما فتح الرها وحران وسروج صلحا اجتمع يوقنا برودس ومعه اصحابه فقال اعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد فتح علينا هذه البلاد وإن رأس العين مدينة عظيمة وأهلها قد استعدوا للقتال وآلة الحصار وربما صعب أمرها وعسر فتحها على المسلمين وإني معول أن أهب نفسي لله واسير مع أصحابي فلعلي أن أحصل في داخل المدينة ولعل الله أن يفتحها على يدي فقال له سعيد بن زيد: قوى الله وسدد أمرك قال: وعول على المسير في تلك الليلة وإذا بعيون المسلمين. قد أقبلت إلى حران يخبرون أنه قد أتى عاصم بن رواحة المتنصر في خمسمائة فارس من قومه من اياد الشمطاء. وكان قد وصل مع قومه إلى قسطنطينية وقد ورد على الملك هرقل كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يبعدهم عن دياره فأبعدهم عن أرضه فتفرقوا في كل موضع وأتى منهم عاصم بن رواحة إلى هذا الملك شهرياض في خمسمائة فارس وكان الملك يحبه ولما وصل إلى البرية كتب إلى الملك يعرفه أنه خرج من بلاد القسطنطينية وأتىقاصدا إلى بلاده وخدمته وبعث الكتاب مع رجل من بني عمه اسمه رفاعة بن ماجد فوصل إلى الملك وأعطاه الكتاب ففرح الملك بقدومه وأمره أن يعجل في الحضور وأرسل إلى والي رأس العين بأن يخلي له دارا ينزل فيها إذا قدم مع أصحابه فلما سمع يوقنا ذلك الخبر من عيونه فرح وقال من أي طريق يأتون قال من طريق سروج وبقي بينكم وبينه ليلة واحدة فخرج يوقنا ومن معه وصحبهم عمرو بن معد يكرب وسعيد بن زيد ومن معهم وكمنوا لهم في موضع قد علموا أنهم لا بد لهم من العبور فيه فلما ضرب الليل سرادقات ظلامه ونصب على الخافقين أعلامه إذ أقبلت خيول القوم وسمعوا حسهم فصبروا حتى توسطوهم من كل جانب وقصد كل واحد واحدا فأخذوهم عن بكرة أبيهم ولم ينفلت منهم أحد واحتووا على أثقالهم ورحالهم ورجعوا إلى مكمنهم ونزلوا عن خيولهم. فقال لهم سعيد بن زيد: من أميركم حتى أخاطبه فأشاروا إلى عاصم بن رواحة فقال له سعيد بن زيد: يا بن رواحة أي مناسبة بينكم وبين الروم حتى لذت بهم وملت إلى جانبهم وتركت العرب العرباء فأنت منا والينا وحسبك حسبنا ونسبك نسبنا لأن أنمارا وايادا وبيعة ومضر كلها ترجع إلى نزار بن معد بن عدنان وإن الله تعالى قد أختارهم لسكنى حرمه وجوار بيته وقد كنا نعبد الأصنام ونستقسم بالأزلام ونتبع طرق الحرام حتى بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:21] وأمره بالمقام في دار الخيزران ثم دعاهم إلى عبادة الملك الديان وقال لهم: أنتم من ولد اسماعيل بن ابراهيم الخليل وقد فضلكم بارىء النسم بسكناكم البلد الحرام والبيت المعظم وزمزم والمقام فمالي أراكم على الأصنام عاكفين والأزلام حالفين وفي ثياب الكفر رافلين أما لكم عقول تردكم أما لكم بصائر تصدكم أما أنتم من ذوي الأحلام الراجحة أما أنتم من ذوي الآراء الشامخة ألهذا خلقتم أم به أمرتم نحتم الأصنام من الأحجار وسلكتم طريق الفجار وكفرتم بالواحد الجبار الذي سير البحار وأجرى الفلك الدوار وخلق الليل والنهار أما تشكرون الصانع الذي جعل النجوم طوالع وكل إليه راجع قالوا: يا محمد من أمرك أن تسب آلهتنا. وتسفه أحلامنا قال: يا قوم العلم أمرني والعقل بصرني أما علمتم أنه من نظر في المصنوعات وتدبر علم أن لها صانعا لا يتغير فالنظر في المخلوقات حكمة والتنكر في صنعه والاقرار بوحدانيته نعمة والإيمان به رحمة. قالوا: فمن تعبد قال أعبد الذي فطرني وصورني وشرح خاطري ونور بصائري وخلق المخلوقات وقدر وصنع المصنوعات وأنزل الأرزاق بقضاء وقدر ليس في مشيئته كيف ولا في أقضيته حيف يقول ولا يتلفظ ويريد ولا يظهر ويسمع ويبصر تعالى عن المكان والأين والشبيه والبين وقال: لا تتخذوا الهين اثنين أما علمت يا ابن رواحة أن ديننا هو الحق وقولنا هو الصدق وما بعث الله نبيا إلا وأمر أمته باتباع دين الإسلام قال الله تعالى في القرآن. {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران:6] وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 7] وأنت تعلم الآن أنكم في قبضتنا وأسرنا فإن آمنتم بالله وصدقتم برسالة نبيه صلى الله عليه وسلم كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإن أبيتم ضربنا أعناقكم قال فلما سمع عاصم بن رواحة ذلك من كلام سعيد ابن زيد قال: وإن نحن رجعنا إلى قولكم واتبعنا دينكم يغفر لنا ربنا ما سلف من الاشراك في ربوبيته والسجود لغيره قال سعيد نعم لأن الإسلام يهدم ما كان قبله وجميع ما كنتم فيه لا يطالبكم الله به وتخرجون من الذنوب كما خرجتم من بطون أمهاتكم إلى الدنيا ثم تلاقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:5] فلما سمع عاصم كلام سعيد قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلما نظر أصحاب عاصم إليه وقد أسلم أسملوا عن آخرهم ففرح المسلمون بذلك وقالوا: قد وجب علينا أن نطيب قلوب هؤلاء القوم ثم ساروا إلى حران وأنزلوهم وخلعوا عليهم. فقال يوقنا الآن فتحنا رأس العين ورب الكعبة فقال سعيد فكيف ذلك يا عبد الله قال سوف أريك بيان ذلك ثم إنه قال لعاصم بن رواحة في السر بينه وبينه أريد منك أن تشدني كتافا أنا وأربعين من أصحابي وتجعلنا على ظهور الجمال التي تحمل أثقالكم وتركب مع هؤلاء السادة يعني الأربعين الذين هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسيروا من ليلتكم هذه إلى رأس العين وتقولوا لواليها لما عبرنا الفرات خرج هؤلاء علينا فنصرنا المسيح عليهم فقتلنا من قتلنا واسرنا هؤلاء وأتينا بهم إليكم وإياك أن تمكنه أن يقتل واحدا منا وإذا أراد ذلك تقول له أن المصف بين يدي الملك وبين العرب ولا. ندري من يؤخذ من أصحابنا فيكون عندنا الفداء وتترك أصحابك بحران قال عاصم ولم لا نسير بأجمعنا وباصحابي كلهم فقال يوقنا أن الإسلام لم يتمكن بعد من قلوب القوم ونخاف أن أحدا منهم يغمز علينا فيفسد حالنا والثقة بكل أحد عجز فقال: والله لقد صدقت في قولك فنزل ببني عمه الخمسمائة في حران وإنما قال يوقنا ذلك ودبره ليكونوا على سبيل الرهائن قال فكتفوا يوقنا والأربعين من بني عمه وتزيا الصحابة بزي أياد الشمطاء وخرجوا من حران في الليل وطلبوا رأس العين فلما وصلوا إلى مكان يعرف بعلوا إذا بقرع حوافر الخيل فأخفوا أمرهم حتى وصلوا إليهم وإذا هم بأربعمائة عبد أسود وخمسين وهم يقرءون القرآن وبعضهم يسبح فاستقبلهم سعيد بن زيد ومن معه وكبرونا مثل تكبيرهم وقربوا منهم فإذا هم موالي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقدم عليهم دامس ابو الهول رحمة الله تعالى وكان السبب في قدومهم أنه لما بعث عياض بن غنم كتابا إلى أبي عبيدة يستنجده على القوم ويعلمه بمن قد اجتمع من الكفار بمرج رغبان فلما قرأ الكتاب أرسل دامسا ومن معه لنصرة الإسلام وكانوا بسميساط وبلادها ومنذ فتحوها استمروا بها حتى جاءهم كتاب أبي عبيدة فترك دامس على سميساط وبلادها من يثق به وجاء في العدة التي ذكرناها فلما لقيهم سعيد بن زيد سلم بعضهم على بعض وفرحوا باجتماع الشمل ونظر دامس إلى الجمال وعليها يوقنا وأصحابه فقال أظفرتم بهؤلاء في طريقكم فقال هذا يوقنا عبد الله وأصحابه قد باعوا نفوسهم لله. قال فلما سمع أبو الهول كلام سعيد سجد لله على قربوس فرسه وأتى إلى عبد الله يوقنا وسلم عليه فقال له: مرحبا بقوم طلقوا الدنيا بتاتا وزهدا وطلبوا مرضاة الله. ثم إنه قال لسعيد بن زيد يا صاحب رسول الله أشركونا معكم في هذه الحيلة قال: نعم ولكن اسحبوا هذه الجمال وأخفوا الدروع والعدد واحتزموا فوقها وسوقوا الجمال أمامكم كأنكم عبيدنا فإنه لا ينكر عليكم من رآكم قال ففعلوا كما أمرهم سعيد وأخفوا سلاحهم في وسط الجمال وأقبلوا على سوقها فلما وصلوا إلى الزليخة نزلوا هناك ولبسوا وتدرعوا ونشرت الأعلام والصلبان التي كانت مع اياد الشمطاء وداروا بيوقنا واصحابه وجعلوهم بينهم وساروا حتى قربوا من رأس العين فبعث سعيد رجلا من حلفائهم إلى والي رأس العين يبشره بقدوم عاصم بن رواحة واياد الشمطاء فلما وصل إليه الرسول خرج بالمواكب إلى لقائهم وقد اعلمه الرسول بقدوم يوقنا أسيرا ومعه أربعون من أصحابه فصاح الصائح بذلك فما بقي أحد إلا وخرج أمام الوالي والتقوا بالصحابة وهم بزي أصحاب اياد الشمطاء وقد داروا بعاصم بن رواحة وكان الوالي يحبه ويعرفه فترجل إليه وترجل عاصم وتعانقوا وأقبلت المواكب يسلم بعضها على بعض فقال الوالي كيف أخذت هؤلاء وهذا المارق يعني يوقنا فقال له: انا لما. وصلنا إلى الفرات وعدينا خرج علينا برجاله فقاتلناه وقاتلنا فنصرنا المسيح عليهم بعد ما قتلنا منهم خمسين رجلا وأخذنا هؤلاء وانهزم الباقي قال ففرح الوالي وأقبل على يوقنا يوبخه بكلام وهو لا يرد عليه والروم تشتمه وتسبه وهو لا ينظر إليهم ولا يكلمهم إلى أن دخلوا رأس العين وأمرهم أن يجعلوهم عند الأسارى في بيعة نسطوريا وقال لهم: احتفظوا بهم حتى نكاتب الملك ويرى فيهم رأيه قال فجعلوهم عند خالد واصحابه ثم أن عاصما قال للوالي أنت تعلم ما بيننا وبين هؤلاء القوم من العداوة وإن كانوا عربا مثلنا ونخاف إنك تجعل على حفظهم أحدا من الروم أو من الأرمن وإن يتحدثوا معهم باطلاقهم وتدخل المضرة على الملك وعليكم والصواب أن نجعل بعضنا في البيعة وبعضنا خارجا فإنه من أتى إلى الجهاد لا يركن إلى الراحة فإنه من تعب في الدنيا قليلا استراح في الآخرة طويلا قال فاستصوب الوالي رايه وأنزله في البيعة هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضاف يوقنا إلى خالد. قال الواقدي: فحصل ستمائة فارس من المسلمين. قال الراوي: فلما استقروا في البيعة وجن الليل قام سعيد بن زيد إلى خالد وسلم عليه وبشره بالفرج فقال: يا ابن زيد لقد علمت بذلك منذ قيل أن يوقنا قد أتى به ومعه اربعون فنظرت بنور الإيمان فعلمت صحة ذلك قال: وإن الوالي بعث إلى الملك يبشره بأخذ يوقنا ومعه أربعون من أصحابه وقدوم عاصم بن رواحة ومعه خمسمائة من أصحابه فلما بلغه الخبر أمر بالبوقات فضربت فسمعت المسلمون بذلك فقالوا: ما ضربت البوقات إلا لأمر مهم إذ اقبل عباد بن بشير وهو متنكر وأتى إلى عياض بن غنم فلما رآه قام إليه وسلم عليه وقال: يا ابن بشير بم تبشرني أقر الله عينيك فلم يرد عليه شيئا حتى خلا به وحدثه بجميع ما جرى فلما سمع عياض بشارة عباد ابن بشير سجد شكرا لله فقال عباد ايها الأمير أن سعيد بن زيد ومن معه يسلمون عليك وعلى من معك ويقول لك أنجر المصف فلعل أن يفتح على يديك فما بينك وبين فتح رأس العين إلا أن تهزم القوم وقد فتحت فقال عياض توكلنا على الله. فلما جن الليل جمع أصحاب الرايات وحدثهم وقال لهم: لا تعلموا أحد مخافة من جواسيس الروم ولا يصبح الصباح إلا وأنتم على أهبة الحرب قال فما اصبح الصباح إلا والمسلمون قد أخذوا أهبة الحرب فلما طلعت الشمس وانبسطت على الأرض علت على الخيل ركابها وحملت بأصحابها وشبت من الحرب نارها وطار شرارها وقطعت الجماجم واستعرت الملاحم وصالت أسودها وتعفرت خدودها وصبرت على شدة حالها وحانت منها أحوالها وتدانت آجالها فهم في الحرب متوافرون وفي العدد والعديد متقاربون وفي الزحف إلى الفزع مختلفون والعجاج ثائر. والدم فائر والاسلاب مطروحة للضياع ولحوم القتلى رزق للطير والسباع ولقوة العمائم تشتكي منها الاسماع والشمس تضجر منها الجسوم والنفوس والحرب قد أخذت أمرا يقطع الآجال وقد شمرت عن ساق وسروال والوطيس قد حميت جوانبها واستحيت عين مجانبها والصفوف تدانت إلى الهياج وقد غيبهم غيم العجاج وكل مقدم قد شذ منه جيشه وتكدر بعد الصفو عيشه والخيل تكر كرات وتجتمع مرات والسيوف تقطع البيض والنفوس تكاد تميز من الغيظ والغبار قد سحب ذيلا زنجيا وانسبل وأسبل على الوهاد رداء سجيا والطيور قد حامت وكأن القيامة قد قامت واستقبل المسلمون هذا الحرب الخطير والضرام المستطير فحل بالروم العقاب وسمحوا بنفوسهم ولقواء اليم العذاب ونال المسلمون ما رغبوا فيه من حسن المآب. قال الواقدي: والتقى عبد الله بن عياض بن وائل وعبد الله بن قرط بالملك شهرياض وقد عول على الهرب وكل من في جيشه قد اشتغل بنفسه عن نصرته وليس عنده سوى عشرة من غلمانه فاطبق عليه عبد الله بن قرط وعبد الله بن عياض. قال الواقدي: ولم أدر أيهما كان أسبق بالطعنة فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره فلما نظر غلمانه إلى ملكهم مجندلا ولوا على ادبارهم ونزل عبد الله فاحتز رأسه وجعله على رمحه وركب وصاح إلا وإن الملك قد قتلته فمن كان منكم يثبت للحرب فليثبت وصالت المسلمون على أعداء الله ووضعوا فيهم السيوف فقتل من قتل وانهزم الباقون بعدما اسروا منهم من أسروه وقد تركوا الاثقال على حالها والاموال والسرادقات فاحتوى عليها المسلمون. قال جديد بن ناشب الضيمري كنت مولعا إذ سكنت الحرب بعدد من قتل من الروم فاخذت مخلاة على عاتقي وملأت حجري حصى فكنت لا أمر بمقتول إلا وطرحت عليه حصاة ثم عددت الحصى فإذا هي ثمانون الفا وسبعمائة وخمسون وأما الأسرى فلا يحصيهم عدد فلما وضعت الحرب أوزارها أمر عياض بالاثقال: والأسرى إلى كفر توتا وبعثها مع الصلت بن مازن ومعه الف فارس وأمره أن لا يبرح منها حتى تفتح رأس العين قال ثم ارتحل عياض في أثر الوقعة إلى رأس عين وردة وبات ليلته يتلو القرآن وقال: ووصل المنهزمون إلى رأس العين وهم بأسوأ حال ووقع الصائح بجوانب المدينة بهزيمة الجيش وقتل الملك شهرياض فعظم عليهم وكبر لديهم واستوثق الوالي مرسيوس من المدينة والاسوار وعول على أنه في غداة غد يضرب رقاب المأسورين وكان من عادة الروم إذا قتل منهم ملك يقتلون عليه مائة أسير من أعدائهم فلما كان الغد ركب عدو الله مرسيوس الوالي وسط المدينة وأمر أن يؤتى بالأسرى وهم خالد ومن معه ليضرب رقابهم فأرادوا أن يأتوا بهم وإذا بعياض قد صبحهم. صباحا فاشغلهم عن ذلك ونزل على باب اسطاحون وهو الباب الشرقي وكان قد ضرب على الباب المذكور قبة من الديباج برسم عدو الله مرسيوس والى جانب القبة منجنيق عظيم يتعلق في حباله مائة رجل وكان صاحبه ابن عم الملك وكان اسمه مترقيس بن اشفكياص وكان ابوه هو الملك قبل شهرياض وهو صاحب الدنانير الاشفكياصية. قال: وإنما تقدم عياض بالمسلمين للقتال حتى يشغل أعداء الله عن خالد ومن معه بالمدينة فصاروا يرمون بمجانيقهم وسهامهم وكان قد وصل مع عياض غلام من أهل المدينة اسمه جميل بن سعد الداري وكان أرمى خلق الله بالنبل وكان قد وصلت له أم عجوز فلما كان ذلك قال: يا أماه اريد أن أجاهد هذا اليوم في الله حق جهاده فلعلي أن ألحق باخواني وجدي الذين قتلوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعها وسار فقالت يا بني سر والله ينصرك ويؤيدك قال ثم إنه تقدم ووقف وهو يتستر وكان قد شاع ذكره بين العرب وإنه كان ينظر إلى الطائر في الجو فيقول انني قد عولت أن أضرب هذا الطائر في موضع كذا فيضربه فيقع الطائر والضربة في المكان الذي ذكره فلما كان يوم قتال عين وردة تقدم وجعل يضرب البطارقة من أعلى السور فلا يقع سهمه إلا في فؤاد أو في حدقة حتى قتل ثلاثين بطريقا منهم من وقع إلى المدينة ومنهم من وقع إلى الخندق قال: وكشف برج الباب قال: وكان عدو الله مترقيس المتقدم ذكره صاحب المنجنيق ارمى خلق الله فجعل يعبر ويرمي فقال الناس لجميل بن سعد أيها الغلام أبعد لئلا يصل اليك حجر المنجنيق فأنا نخاف عليك منه فقال: يا قوم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في كتاب الله العزيزم: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 7] ولا بد أن أثبت لهم ثم إنه رمى رجلا من الذين يجرون الحبال فقتله وثانيا وثالثا فقتلهما قال فهربت البطارقة عن الحبال وقالوا: لا طاقة لنا بالوقوف في هذا المكان من هذا الغلام فقال مرسيوس البسوا الدروع واستتروا ففعلوا وقعدوا في الحبال ورمى بحجر فوقع في رجل من بجيلة فقتله ولم يزل حتى قتل ستة رجال قال: وإن جميل بن سعد يرمي فلا تخطىء نباله وهو يقول واشوقاه إلى الشهادة وإن أصل إلى دار العلم والشهادة فنودي من سره أن اردت ذلك فبادر إلى ذلك ولا تخف ولا تحاذر وأطلق عنان كليتك في ميدان طلبتك وإياك والتخلف عن بابنا فمن ارادنا أردناه ومن أحبنا أحببناه. فقال ها أنا أتقدم وجناني في الحقيقة لا يتالم قد بعت منك نفسي فاقبل شراها فعسى أن آتي الجنة وأراها فقيل له: قد قبلناك فامرح وأطلق لسانك بشكرنا وافرح فمن باع نفسه منا لم يكن بمغبون واسمع ما سطرناه في الكتاب المكنون. {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:16] . قال فبينما هو كذلك إذ عبر عليه عدو الله ورماه وكذلك جميل قصده بنبلة فوقعت في صدره ومرت من ظهره ونظر جميل إلى الحجر وقد قصده فعلم أنه ميت فالتفت إلى ابن عم له اسمه رافع بن خالد وقال له: بلغ العجوز سلامي وأنشدها هذه الابيات وجعل يقول: ايا رافعا إلا حملت رسالتي. ... تخبر أني قد لقيت حمامي. وإن جئت أمي رافعا وعشيرتي. ... فخصهم مني بكل سلام. وإن سألت عني العجوز فقل لها. ... قتيل حجار لا قتيل سهام. طريحا بباب الحصن لما تطايرت. ... من الحجر الصلد الاصم عظامي. ولست ابالي أن قتلت لانني. ... أرجي بقتلي في الجنان مقامي. قال: وعلم عياض بقصته فبكى رحمة لأمه وأمر به فدفن بعد ما صلى عليه وبلغ خبره إلى أمه فصبرت صبر الكرام وقالت يا بني عشت سعيدا ومت شهيدا وسلكت سبيل آبائك فرحمك الله وآنس غربتك ونفعني بك يوم القيامة ثم قرآت: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:15] . قال: حدثنا معمر بن الجون النهائي وكان ممن حضر مع جده سراقة فتح رأس العين قال لما قتل بن سعد فرحت الروم وإن عدو الله مرسيوس صاحب الامر بعد شهرياض لما رأى أن المسلمين معولون على حصاره مضى في الليل إلى بيعة نسطوريا وصلى بها وقرب القربان وكان من بغضه للمسلمين قد صور على باب البيعة صورة رجل من العرب وكتب عليه هذا نبي العرب فكل من دخل البيعة يبصق عليه وكان في داخل البيعة صورة القيامة والميزان والصراط والجنة والنار وصور عيسى وبيده الصليب أمه تحت لوائه على باب الجنة قال فلما صلى قال لعاصم بن رواحة لقد أردت الليلة أن أقرب عشرة من هؤلاء العرب الأسرى في بيت المذبح فقال له عاصم: ليس هذا برأي أيها الملك حتى ترى ما يكون من أمر العرب وهذا بين يديك قال سكت وخرج وإن عاصما لم يترك في البيعة أحدا من الروم واستوثق من أبواب البيعة ودخلت الصحابة إلى بيت المذبح فوجدوا فيه سلاحا كثيرا مما كان يجتمع من النذور فأخذوه وعولوا على أنهم في صبيحة غد إذا اشتغل أهل المدينة بالقتال ليثورون في المدينة قال: ولما دخل الليل قاموا يذكرون الله وينظرون إلى تلك الصور المصورة وصفة القيامة والصراط والجنة والنار فقال عاصم بن رواحة لسعيد بن زيد الهرب إلى دين رسول. الله صلى الله عليه وسلم يزيد في الإيمان قال: نعم ويقرب إلى مقام ابراهيم إذا كان يوم القيامة يوم الحسرة والندامة وعصفت رياح الطامة وحشرت الخلق والورى وبرزت الجحيم لمن يرى وصفت صفوف العالمين وحييت جوانب المتقين الموقنين ونشرت رايات الصادقين ورفعت أعلام المحققين ونصبت منابر الانبياء والمرسلين وتصدرت مراتب الصديقين وفرحت أرواح الموحدين وضاقت أرواح الكافرين وزهقت نفوس المشركين وقيل بعدا للقوم الظالمين وذلت الملوك والجبابرة وطأطأت رؤوس الاكاسرة والقياصرة واستبشرت الابرار ويئست الفجار وناد مناد الملك الجبار: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 1] ألم نحذركم دار البوار ألم يأتكم الانذار ألم تسمعوا ما أنزل على السيد المختار: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 3] : {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} [المرسلات:3] هذا يوم العرض هذا يوم الجزاء هذا يوم الراجفة هذا يوم الازفة هذا يوم الفصل هذا يوم العدل فإذا غص الموقف بأهله وقدم كل ذي جهل بجهله وعضت الانامل اسفا وطارت القلوب لهفا ونادى المنادي يا معاشر المجرمين امتازوا فإن المتقين قد فازوا أما سمعتم في الكتاب المكنون: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يّس:5] . فبينما هم قد كظمهم العطش ولحقهم الدهش وعظم الارق واشتد القلق وسال العرق ونادى المنادي وهم يسمعون قفوهم أنهم مسئولون قفوهم حتى يروا هيبتي ومملكتي قفوهم حتى يشاهدوا سلطاني وعظمتي قفوهم حتى يعرضوا علي قفوهم حتى أناقشهم الحساب أين من عصى وأجرم أين من طغى وظلم أنا الجبار الاعظم لا أرحم من لا يرحم أين أمة نوح اين من كان يغدو في البطالة ويروح اين أمة هود اين آل ثمود أين أمة التظليل أين أمة شعيب أين أهل الشرك والشك والريب أين أمة التوحيد أين اهل الصلاة والتمجيد أين أهل القرآن أين أمة راكب البراق أين أمة طاهر الاخلاق هلموا للعرض والحساب فقد تجلى رب الارباب لا ظلم اليوم أن الله سريع الحساب والمصطفى صلى الله عليه وسلم في كبكبة حشمته وموكب زينته على رأسه تاج الرضا مكتوب عليه بقلم الامضا: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:] وبيده لواء الحمد وبين يديه جنائب السعد وعن يمينه الانبياء وعن يساره الاولياء والملائكة وقوف بين يده وأهل الموقف ينظرون إليه وأمته يصلون عليه وقد تهللت وجوههم فرحا وقد أسبل عليه الإسلام سرباله وأوصل بهم حباله قد نادوا بهم بالتمجيد وازعجوا الموقف بالتوحيد وقد أضاء نور إيمانهم وعرضوا على ديانهم واستشهدهم على الامم فشهدوا فقبلت شهادتهم وغيبت عنهم نجوم الافلاس وأمنوا من الهول والباس ونادى مناديهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 11] وأهل الموقف ينظرون إلى جمالهم ويتعجبون من هيبة جلالهم. ويقولون لقد فاز من اتبع ملتهم وصدق شريعتهم قال مالك يوم الدين: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر:] فإذا ورد مقامه اطال فيه هناك قيامه وبسط كف ابتهاله وبالغ في طلبه وسؤاله ويقول أسألك قبول شفاعتي في العصاة من أمتي. وإذا بالنداء وعزتي وجلالي لا أخلف لك وعدا ولا أنقض لك عهدا ولأرين أهل الموقف علو شانك ورفيع مكانك ولأعطينك حتى ترضى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:] قال فازداد عاصم إيمانا فلما كان وقت السحر وثبت الصحابة على اقدام الحزم والعزم وخرجوا على أهل المدينة فاستعانوا بالله وقالوا: اللهم انصرنا كنصر نبيك يوم الاحزاب وقال خالد: إياكم أن تفترقوا فتذهب ريحكم وأتقوا الله الذي إليه مصيركم واعلموا أن الاعداء يجتمعون عليكم والنساء يرجمنكم والشباب يقاتلونكم وإياكم أن تطمعوا أحدا في بحار الحرب بل اصبروا على مر الكرب والضرب وإنما يتبين صبر الرجال عند ملاقاة الاهوال وما نحن ممن يفزع بهجوم الآجال لانا قد تحققنا أن لكل منا أجلا لا يتعداه ومن خاطر بعظيم نال عظيما وهذه اسمها عظيم والجمع فيها أعظم وهي قصور ديار بكر وربيعة وقد حصلنا في وسط مدينة القوم فإن كنتم طالبين الظفر فاصبروا ولا تعجلوا فالصبر مقرون بالظفر والعجلة مقرونة بالزلل والصبر عاقبته النصر واعلموا أن هذه البيعة هي بيعتهم المعظمة ولا بد لهم من القدوم إلى الصلاة فإذا حصل وإليهم ههنا ومقدم عساكرهم أطبقنا عليهم من كل جانب وقصمناهم بالقواضب فإنه إذا قتلت الملوك وعظماء البطارقة فما يجسر بعدهم أحد أن يرفع يده وأما العوام فلا اعتبار بهم فقال عاصم بن رواحة لله درك أيها الأمير ما أخبرك بالامور والحرب ولقد تكلمت بالصواب وأحسنت في الخطاب فليقر كل واحد منكم في مكانه وأخفوا سلاحكم في أعيابكم فإذا اشتغل القوم في صلاتهم ثرنا عليهم ومددنا أيدينا إليهم فاستصوبوا رأيه قال: وكانت الصحابة في بيت كبير في البيعة كان برسم النذور وفيه شيء من الامتعة لا يثمن لكثرته. قال الراوي: حدثنا عبد الله بن يانس عن جده فياض بن زيد وكان من جملة من ذكرناهم من الصحابة وحضر فتوح رأس العين قال هكذا كانت قصتنا وكنا قد دبرنا هذا التدبير ثم رجعنا عنه وكان من الامر المقدر أن ذلك اليوم الذي رجعنا فيه لم يقاتل فيه أحد من جند رأس العين وكان له سبب نذكره. قال الراوي: كان من قضاء الله السابق في خلقه أنه كان للوالي أخ عاقل لبيب له راي وتدبير وكان يعرف من الحكمة التي وصاه بها فهرايس أحد حكماء اليونانيين وقد عرف من علم الملاحم وكان صاحب سر شهرياض فما كان يفعل شيئا إلا بمشورته وكان قد نهاه عن قتال العرب وقال له: ما أرى لك في قتالهم خيرا والامر عليك لا. لك فلما كان من الملك ما كان وقتل جيشه ورجع الأمر إلى مرسيوس قال له أخوه الحكيم: وكان اسمه اسالوس معناه حكيم زمانه اعلم يا أخي أنه ليس ينبغي للعاقل اللبيب الفاضل الاديب أن يرمي نفسه في غير مراميها ولا ينقاد بزمام شهوة النفس فإنه من أطاع نفسه هوى في مهاوي الذل ونسب إلى الجهل فإن الشهوة عرض واتباع الهوى مرض والاستمتاع بالملذات سبب الهلكات ولا خير في لذة تؤدى إلى الفناء وتورث صاحبها العناء الشهوة حين والامل شين والاستمتاع بين والتمتع دين وحب الدنيا مين وما ندم عاقل ولا ساد جاهل ولا وفق عجول ولا أرى لملول ولا سعد خائن ولا صدق مائن ولا عظم بخيل ولا قدم ذليل ولا فحم نبيل ولا حقر جليل ولانال العبادة من زهد في الافادة ولا أمن في الآخرة من سر بالدنيا الساحرة ولا سدد من ظلم ولا حرم من حلم ولا حزم من ندم ولا خاف من تاب ولا رد من أناب ولا هجر من لزم الباب ولا ذل من اتبع الصواب واعلم أن بالسياسة تدوم الرياسة وبالعدل تدوم الدول وبالجور هلك الاول وبقلة التدبير يحصل التبذير ومن بذل جهده كملت أوصافه ومن افشى السلام فضله الانام واصلاح السريرة نعم السيرة وجمال الانسان فصاحة اللسان وزينة الرجال كرم الخلال وخير الاصحاب التقوى وشر الاخوان اتباع الهوى ولا خاب من قصد طوره ولا ارتفع من جهل قدره والتعلق بالآمال ضياع الاعمال ومعالي الاخلاق نعمت الرفاق وممارسة الحلال نجاة من الاهوال وحب العاجل يبيد الآجل وارتكاب العصيان علامة الخذلان وعلامة التوفيق تيسير الطريق والنظر في العواقب أمن من المعاطب ومن نظر إلى الدنيا بعين الفنا أدرك في الآخرة ما تمنى واعلم يا أخي إنك قد أصبحت مقيدا بحب الدنيا سابحا في بحار أهوالها متعلقا بأذيال محال آمالها وقد تزينت لك برياشها ووقفت لك على قدم احتياشها وزوت عنك جل مصائبها ونصبت لك شبكة مصايدها ووضعت لك تاج شهواتها على مفرق رأس آفاتها حتى إذا أشرت اليها بالوصال منحتك لذيذ الاتصال وأحسنت لك صحبتها شهرا ورمتك بسهام الهجر دهرا وطالبتك بما كتبت عليك مهرا حتى إذا علمت إنك غريم الانغاص غير منقاد للقصاص ألقتك في بحر الآفات وحجبتك في سجن الغفلات وصغرت أمرك عند الناس ووكلت بك سحائب الوسواس فلا تبرح تذكر الانسان بما كان فيه حتى تخرج روحه من فيه واعلم أن من جملة ما ذكر لنا عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه راى طائرا مليح الشكل حسن الريش كامل الزينة. فقال من أنت قال أنا الدنيا ظاهري مليح وباطني قبيح قال عيسى عجبت لغافل ليس بمغفول عنه ومؤمل اتمام شيء والموت يطلبه وإنما ضربت لك هذه الامثال لتتعظ بها وبما نزل بالملك شهرياض كان بالامس على السماط واليوم نزل على. الصراط بالامس كان في سلطانه وملكه يباهي واليوم صار في الحفر واهي ما أفاده الغنى أذهبه الفنا وذهب الفرح بالترح والنوم على السرير بالنوم على العفير ومعانقة الاتراب بالتعفر في التراب وبدل عن خل ودود بمجاورة الدود جار وما أجار واشتغل بالدار عن الجار بالرماد عن المهاد وانظر بأي سنان بتر وبأي آلة كيف هجر وصار قصره مهجورا وعمارته خرابا بورا وتبدل السرور بالثبور ما نفعه الجيش وكثرته ولا الخزائن وعدته أصبح والله ذليلا وبعد الكثرة قليلا فلا عمل صالح ولا عز راجح ولا ثواب ينفع ولا جميل يدفع وقد بقي مرتهنا بأعماله موثقا بأفعاله وأنت تريد أن تسلك مسلكه وتتبع سبيل ما أهلكه فما أحد ينفعك ولا عمل يتبعك اتق الله في نفسك وفي أهل ملتك وبلدتك واعقد لك مع هؤلاء العرب صلحا واقبل ما قلت لك نصحا واحقن الدماء وارحم النساء والاماء وأسلم تسلم وهؤلاء القوم ما قالوا: قولا إلا وفوا به لأن الصدق دليلهم والإيمان يقينهم ما هم ممن يطلبون الملك فينازعون عليه ولا يميلون إليه بل طلبهم الآخرة وما عندالله وبالامس وفوا لرودس صاحب حران ورجع عن دينه ودخل في دينهم وكذلك الملكة مارية بنت أرسوس وقد دخل في دينهم جبابرة ملوك الروم مثل يوقنا ويرغون وعمودا وميتا الذي هو أعلم منا بديننا وقد ملكوا الأرض في الطول والعرض وإنما يحاصر عن نفسه من له ميرة وعدد وجيش وسلاح وعدد يقدر على محاصرة البلد وهذا بلد عظيم وما فيه ما يقوم بأهله سنة أو اقل فإن لم تسلم أنت سلم أهله وسلموك إليهم برقبتك وهذه حران لهم وكفرتوتا والرها وسروج وسجستان وماردين والصور والخابور وما عدا الفرات إلى الشام إلى أرض مصر وجيوشهم قد طبقت العراق وملأت الآفاق وقد بلغني أن الملك كسرى قد عاد إلى المحاق فابعث إلى أمير هؤلاء العرب واطلب منه الصلح فإنه يعطيك وتربح نفسك ومالك وأهلك وولدك وعش في ظل القوم أن شئت على دينهم وإن شئت على دينك فإنهم لا يغضبونك قال فلما سمع مرسيوس كلام أخيه الحيكم ارسالوس غضب عليه وضربه بمقرعة كانت في يده وقال أنت ما خلقك المسيح إلا ذليلا وكيف تأمرني أن أسلم ملكي للعرب وتعرضني للعطب اخرج يا ويلك عني فإن وقعت عيني عليك بعدها قتلتك. قال فخرج من عنده وهو غضبان وأما اللعين مرسيوس فإنه أمر أرباب دولته أن يجتمعوا في كنيسة بيعة نسطوريا حتى يحلفهم فمضى شاويشه فجمعهم وجمع مشايخ البلد وكبراءها وأحضر القسوس والرهبان والشمامسة وبترك دير مقرب حتى يستحلف أهل المدينة فلما حصلوا في البيعة أغلقوا أبوابها حتى لا يدخل إليهم أحد من العوام وحصلوا كلهم فجلس الملك والبترك وشرعوا يحلفونهم وهم آمنون مطمئنون إذ خرج عليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل سيف مسلول وعزم غير محلول وصاحوا بالتهليل. والتكبير ونادوا نحن أمة التنزيل وأصحاب النبي الجليل نحن حملة القرآن وصوام رمضان قد أخذ الله منكم بذنوبكم وهتك ستوركم وعصفت عليكم المحن أين الصلبان وعبادتها اين الصور وحشمتها أين تقريب القربان اين تدبير الرهبان ادعوا أربابكم ينصرونكم هيهات والله ذهب باطلكم وهلك بالشرك جاهلكم واضمحلت ايامكم وذهبت دولتكم ووضعوا فيهم السيوف وعجلوا بهم الحتوف وقتلوا البطارقة بالنية الصادقة فماتوا عن آخرهم فلما رأت الروم ما نزل بهم ضجوا وبأصواتهم عجوا فقال خالد: أولياء الله جودوا الضرب في أعداء الله وأهريقوا دماء من أشرك بالله قال فقتلت الطرامخة وذوو الحشمة الشامخة فلما بلغ الخبر العوام انهزموا عن الأسوار لما حل بقومهم البوار ودهمتهم الأقدار فذهب دامس إلى الأبواب ففتحها فدخل المسلمون بالتهليل والتكبير ولم يزل القتل يعمل في رأس العين وقد وردوا موارد الحين وناح عليهم غراب البين وأيدت شريعة سيد الكونين. قال الواقدي: ولم يؤخذ من ديار بكر بالسيف إلا رأس العين قال: وأخرج الخمس من المال وأرسله إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتب له كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عياض بن غنم الأشعري إلى أمير المؤمنين عمر بن الحطاب رضي الله عنه سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه أما بعد فإن الله قد فتح علينا يسير ما كان عسيرا وكان لعدة الفتيان شعاع يخطف العيان فلما تضايقوا أمامي وازدحموا قدامي عاينت جيشا كثيفا وسدا منيفا قد اقبلوا من ألافواج وتتابعوا كالامواج وتناصروا من كل صوب واشتهروا في كل ثوب والحديد يتالق كالحريق وقد تطايرت السيوف فللا والأرماح كعوبا وانقضت المدة وقد وضعت الحرب أوزارها وانطفأت نارها بعد ما قتل المسلمون أهل الطغيان الفاسقين ونصر الله الكفارة وخذلت العتاة وولت الأعداء الأدبار وأراحنا الله من مضرتهم وطهرت البلاد من كفرهم وكان زعيمهم الخائن وملكهم أول مخذول وأهون مقتول وبعد ذلك فتحنا رأس العين ونحن بعد ذلك معولون على ديار بكر والله المعين وبه نستعين والسلام عليك وعلى جميع المسلمين واقرأ سلامنا على قبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ثم طوى الكتاب وختمه وسلمه مع الخمس لعبد الله بن جعفر الطيار وضم إليه مائة فارس من المهاجرين والأنصار فسار عبد الله ومن معه وأقام المسلمون على رأس عين شهرا وعمل بيعة نسطوريا جامعا وصلوا فيه وبنوا الكنائس مساجد وترك عرفجة بن مازن العامري عليها واليا ومعه مائة فارس وأخذ مال الرها وكفر توتا فأخرج منه الخمس وأرسله بعد عبد الله بن جعفر مع سلامة بن الأحوص ومعه خمسون فارسا. ذكر فتح دارا وبيرحا وباعماءعدل قال: ورحل عياض بن غنم من رأس العين ونزل على كفرتوتا واقبل إليه الغلام يرغون فرحب به وولاه على المدينه وعرض الإسلام على الجارية طاريون فأسلمت وزوجها بابن عمها وبنى البيعة جامعا وارتحل منها إلى دارا فنزل عليها وخرج إليه أهلها واعتقبوا لهم منه صلحا وكان جملة ما صالح عليه أهل دارا عشرين الف مثقال ذهبا وثلاثين ألف مثقال فضة وإن لا يبقوا سلاحا فاجابوا إلى ذلك وبنى كنيستهم جامعا وما أسلم منهم إلا القليل وأقرهم على أداء الجزية وارتحل عن دارا وقصد بيرحا فصالح أهلها على ربع ما صالح عليه أهل دارا ورحل عنها وكانت بنو اسرائيل تعظمها وتقصد اليها بالنذور وكان بانيها حزقيا بن تورخ بن بازيا أحد أنبياء بني اسرائيل فخرجوا إلى عياض وصالحهم على قدر ما صالح به أهل دارا غير أن مقدمهم قال انني لم أزل أملك البلد حتى يأتيني الموت ومن أراد أن يدخل في دينكم من أهل بلادنا فلا مانع يمنعه فقال له عياض: ما اسمك قال اسمي طرياطس فقال: يا طرياطس انا نحكمكم على العدل فما فتح الله علينا إلا باتباع الحق وسلوك طريق الصدق والعدل في الرعية وانا نتجنب البغي والظلم وما قصدنا قاصد إلا وجدنا وأنتم منذ خرجتم الينا ووردتم علينا فنحن نجيبكم إلى سؤالكم ونصالحكم على ما صالحنا عليه أهل دارا فقال طرياطس وتصالحون أهل معرين على ما صالحتم عليه أهل بيرحا فأجابهم عياض إلى ذلك ونزل على باعما ودير قال: وإنما أجابه عياض إلى ذلك وألان له العريكة حتى يبلغ الخير أهل ديار بكر فيجيبون طائعين ويسلمون له من غير منازعة. وكان قد بلغه تحصن بلادهم وامتناع قلاعهم قال فدخل طرياطس وأخرج المال من خزائنه ولم يأخذ من أهل بلده شيئا ودفعه لعياض فقبله منه وكتب له كتاب الصلح وشرط عليهم الجزية كما فعل أهل دارا من العام القابل فلما تم ذلك دخل المسلمون إليه وبنوا جامعا فلما بلغ أهل نصيبين حسن سيرتهم وعدلهم وجودة أحكامهم أسلم أكثرهم وكان في جملة من أسلم أصحاب النذور وأخربوه وبنو جامعا وأقام عياض على نصيبين شهرا فلما أراد الرحيل جاءه طرياطس وقال قد زدتم في أعيننا بما رأينا من صلاتكم وعبادتكم فاسلم وحسن إسلامه ولم يزل ملكا حتى مات في خلافة عثمان ونزل في مسجد كندة اسامة بن عامر الكندي وعشرة من بني عمه وارتحل عياض ونزل تحت قلعة المرأة وفيها مارية وولدها عمودا فانزلوا له الاقامة والضيافة وسار إلى أن نزل على آمد لسبع خلون من شهر جمادى الاولى. ذكر فتوح ميافارقين وآمد⏎ ⏎ ⏎ (وناظرة تَحت طي القناع ... دَعَاهَا إِلَى الله وَالْخَيْر دَاع) (سعت خُفْيَة تبتغي منزلا ... لوصل التبتل والانقطاع) (وجالت بموضعنا جَوْلَة ... فَحل الرّبيع بِتِلْكَ الْبِقَاع) (1/192) (أتتنا تبختر فِي مشيها ... فَجلت بواد كثير السبَاع) (وريعت حذارا على طفلها ... فناديت يَا هَذِه لَا تراعي) (غزالك تفرق مِنْهُ الليوث ... وتنصاع مِنْهُ كماة المصاع) (فَوَلَّتْ وللمسك من ذيلها ... على الأَرْض خطّ كَظهر الشجاع) وَله يتغزل (اصباح شيم أم برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا) (هَب من مرقده منكسرا ... مسبلا للكم مرخ للردا) (يمسح النعسة من عَيْني رشا ... صائد فِي كل يَوْم أسدا) (أوردته لطفا آيَاته ... صفوة الْعَيْش وارعته ددا) (فَهُوَ من دلّ عراه زبدة ... من مريج لم يخالط زبدا) (قلت هَب لي يَا حَبِيبِي قبْلَة ... تشف من غمك تبريح الصدى) (فانثنى يَهْتَز من مَنْكِبه ... مائلا لطفا وَأَعْطَانِي اليدا) (كلما كلمني قبلته ... فَهُوَ إِمَّا قَالَ قولا رددا) (1/193) (كَاد أَن يرجع من لثمي لَهُ ... وارتشاف الثغر مِنْهُ ادردا) (وَإِذا استنجزت يَوْمًا وعده ... أمطل الْوَعْد وَقَالَ اصبر غَدا) (شربت أعطافه مَاء الصِّبَا ... وسقاه الْحسن حَتَّى عربدا) (فَإِذا بت بِهِ فِي رَوْضَة ... أغيد يقرو نباتا أغيدا) (قَامَ فِي اللَّيْل بجيد اتلع ... ينفض اللمة من دمع الندى) (وَمَكَان عَازِب عَن جيرة ... اصدقاء وهم عين العدا) (ذِي نَبَات طيب أعرافه ... كعذار الشّعْر فِي خد بدا) (تحسب الهضبة مِنْهُ جبلا ... وحدور المَاء مِنْهُ أبردا) وَبَات لَيْلَة بِإِحْدَى كنائس قرطبة وَقد فرشت بأضغاث آس وعرشت بسرور واستئناس وقرع النواقيس يبهج سَمعه وبرق الحميا يسرج لمعه والقس قد برز فِي عَبده الْمَسِيح متوشحا (1/194) بالزنانير أبدع توشيح قد هجروا الأفراح واطرحوا النعم كل اطراح (لَا يَعْمِدُونَ إِلَى مَاء بآنية ... إِلَّا إغترافا من الغدران بِالرَّاحِ) وَأقَام بَينهم يعملها حميا كَأَنَّمَا يرشف من كأسها شفة لميا وَهِي تنفح لَهُ بأطيب عرف كلما رشفها أعذب رشف ثمَّ ارتجل بَعْدَمَا ارتحل فَقَالَ (ولرب حَان قد شممت بديره ... خمر الصِّبَا مزجت بِصَرْف عصيره) (فِي فتية جعلُوا السرُور شعارهم ... متصاغرون تخشعا لكبيره) (والقس مِمَّا شَاءَ طول مقامنا ... يَدْعُو بِعُود حولنا بزبوره) (يهدي لنا بِالرَّاحِ كل مصفر ... كالخشف خفره التماح خفيره) (يتَنَاوَل الظرفاء فِيهِ وشربهم ... لسلافه وَالْأكل من خنزيره) (1/195) وَقَالَ يرثي القَاضِي ابْن ذكْوَان نجيب ذَلِك الأوان فِي الْفِتْنَة وَقد افتن فِي الْآدَاب وَسن فِيهَا سنة ابْن دأب وَمَا فَارق ربع الشَّبَاب شرخه وَلَا استمجد فِي الكهولة عفاره وَلَا مرخه وَكَانَ لأبي عَامر هَذَا قسيم نَفسه ونسيم أنسه (ظننا الَّذِي نَادَى محقا بِمَوْتِهِ ... لعظم الَّذِي انجى من الرزء كَاذِبًا) (وخلنا الصَّباح الطلق لَيْلًا وَإِنَّمَا ... هبطنا خداريا من الْحزن كاربا) (ثكلنا الدجى لما اسْتَقل وإننا ... فقدناك يَا خير الْبَريَّة ناعبا) (وَمَا ذهبت إِن حصل الْمَرْء نَفسه ... ولكنما الْإِسْلَام أدبر ذَاهِبًا) (وَلما ابى إِلَّا التَّحَمُّل رائحا ... منحناه أَعْنَاق الْكِرَام ركائبا) (1/196) (يسير بِهِ النعش الْأَعَز وَحَوله ... أباعد راحو للمصاب اقاربا) (عَلَيْهِ حفيف للملائك اقبلت ... تصافح شَيخا ذَاكر الله تَائِبًا) (تخال لفيف النَّاس حول ضريحه ... خليط قطا وافى الشَّرِيعَة هَارِبا) (إِذا مَا امتروا سحب الدُّمُوع تفرعت ... فروع البكا عَن بارق الْحزن لاهبا) (فَمن ذَا لفصل القَوْل يسطع نوره ... إِذا نَحن ناوينا الالد المناوبا) (وَمن ذَا ربيع الْمُسلمين يقوتهم ... إِذا النَّاس شاموها بروقا كواذبا) (فيا لهف قلبِي آه ذَابَتْ حشاشتي ... مضى شَيخنَا الدفاع عَنَّا النوائبا) (وَمَات الَّذِي غَابَ السرُور لمَوْته ... فَلَيْسَ وَإِن طَال السرى مِنْهُ آيبا) (وَكَانَ عَظِيما يطْرق الْجمع عِنْده ... ويعنو لَهُ رب الكتيبة هائبا) (وَذَا مقول عضب الغرارين صارم ... يروح بِهِ عَن حومة الدّين ضَارِبًا) (ابا حَاتِم صَبر الأديب فإنني ... رايت جميل الصَّبْر أحلى عواقبا) (1/197) (وَمَا زلت قدما ترهب الدَّهْر سطوة ... وصعبا بِهِ يعيي الخطوب المصاعبا) (سأستعتب الايام فِيك لَعَلَّهَا ... لصِحَّة ذَاك الْجِسْم تطلب طَالبا) (لَئِن أفلت شمس المكارم عَنْكُم ... لقد أسأرت بَدْرًا لَهَا وكوكبا) ودبت إِلَيْهِ ايام العلويين عقارب بَرِئت بهَا من أباعد وأقارب واجهة بهَا صرف قطوب وانبرت إِلَيْهِ مِنْهَا خطوب نبا لَهَا جنبه عَن المضجع وَبَقِي بهَا يأرق وَلَا يهجع إِلَى أَن علقته من الاعتقال حباله وعقلته فِي عقال أذهب مَاله فَأَقَامَ مرتهنا وَلَقي وَهنا وَقَالَ (قريب بمحتل الهوان مجيد ... يجود ويشكو حزنه فيجيد) (نعى صبره عِنْد الإِمَام فيا لَهُ ... عَدو لأبناء الْكِرَام حسود) (وَمَا ضره إِلَّا مزاح ورقة ... ثنته سَفِيه الذّكر وَهُوَ رشيد) (جنى مَا جنى فِي قبَّة الْملك غَيره ... وطوق مِنْهُ بالعظيمة جيد) (وَمَا فِي إِلَّا الشّعْر أثْبته الْهوى ... فَسَار بِهِ فِي الْعَالمين فريد) (1/198) (افوه بِمَا لم آته متعرضا ... لحسن الْمعَانِي تَارَة فأزيد) (فَإِن طَال ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الْكَلَام سعيد) (وَهل كنت فِي العشاق أول عَاقل ... هوت بحجاه أعين وخدود) (وَإِن طَال ذكري بالمجون فَإِنَّهَا ... عظائم لم يصبر لَهُنَّ جليد) (فِرَاق وسجن واشتياق وذلة ... وجبار حفاظ عَليّ عتيد) (فَمن مبلغ الفتيان إِنِّي بعدهمْ ... مُقيم بدار الظَّالِمين وحيد) (مُقيم بدار ساكنوها من الْأَذَى ... قيام على جمر الْحمام قعُود) (وَيسمع للجنان فِي جنباتها ... بسيط كترجيع الصدى ونشيد) (وَلست بِذِي قيد يرن وَإِنَّمَا ... على اللحظ من سخط الإِمَام قيود) (وَقلت لصداح الْحمام وَقد بَكَى ... على الْقصر إلفا والدموع تجود) (الا أَيهَا الباكي على من تحبه ... كِلَانَا معنى بالخلاء فريد) (وَهل أَنْت دَان من محب نأى بِهِ ... عَن الالف سُلْطَان عَلَيْهِ شَدِيد) (فَصَفَّقَ عَن ريش الجناحين وَاقِفًا ... على الْقرب حَتَّى مَا عَلَيْهِ مزِيد) (وَمَا زَالَ يبكيني وأبكيه جاهدا ... وللشوق من دون الضلوع وقود) (إِلَى أَن بَكَى الجدران من طول شجون ... وأجهش بَاب جانباه حَدِيد) (أطاعت أَمِير الْمُؤمنِينَ كتائب ... تصرف فِي الْأَمْوَال كَيفَ تُرِيدُ) (1/199) (فللشمس عَنْهَا بِالنَّهَارِ تَأَخّر ... وللبدر شحنا بالظلام صدود) (الا إِنَّهَا الايام تلعب بالفتى ... نحوس تهادى تَارَة وسعود) (وَمَا كنت ذَا أيد فأذعن ذَا قوى ... من الدَّهْر مبد صرفه ومعيد) (وراضت صعابي سطوة علوِيَّة ... لَهَا بارق نَحْو الندى ورعود) (تَقول الَّتِي من بَيتهَا كف مركبي ... أقْربك دَان أم نواك بعيد) (فَقلت لَهَا أَمْرِي إِلَى من سمت بِهِ ... إِلَى الْمجد اباء لَهُ وجدود) وَلَزِمتهُ آخر عمره عِلّة دَامَت بن سِنِين وَلم تُفَارِقهُ حَتَّى تركت أعضاءه قد حنين وأحسب أَن الله أَرَادَ بهَا تمحيصه وإطلاقه من ذَنْب كَانَ قنيصه فطهره تَطْهِيرا وَجعل ذَلِك على الْعَفو لَهُ ظهيرا فَإِنَّهَا أقعدته حَتَّى حمل فِي المحفة وعادته حَتَّى غَدَتْ لرونقه مشتفة وعَلى ذَلِك فَلم يعطل لِسَانه وَلم يبطل إحسانه وَمَا زَالَ يستريح إِلَى القَوْل ويزيح مَا كَانَ يجده من الغول وَآخر شعر (1/200) قَالَه قَوْله (وَلما رَأَيْت الْعَيْش لوى بِرَأْسِهِ ... وأيقنت أَن الْمَوْت لَا شكّ لَا حَقي) (تمنيت أَنِّي سَاكن فِي عباءة ... بِأَعْلَى مهب الرّيح فِي رَأس شَاهِق) (أرد سقيط الظل فِي فضل عيشتي ... وحيدا وأحسو المَاء ثني المعالق) (خليلي من رام الْمنية مرّة ... فقد رمتها خمسين قولة صَادِق) (كَأَنِّي وَقد حَان ارتحالي لم أفز ... قَدِيما من الدُّنْيَا بلمحة بارق) (فَمن مبلغ عني ابْن حزم وَكَانَ لي ... يدا فِي ملماتي وَعند مضايقي) (عَلَيْك سَلام الله إِنِّي مفارق ... وحسبك زادا من حبيب مفارق) (فَلَا تنس تأبيني إِذا مَا ذَكرتني ... وتذكار أيامي وَفضل خلائقي) (وحرك لَهُ بِاللَّه مهما ذَكرتني ... إِذا غيبوني كل سهم غرانق) (عَسى هامتي فِي الْقَبْر يتسمع بعضه ... بترجيع شاد أَو بتطريب طَارق) (فلي فِي ادكاري بعد موتِي رَاحَة ... فَلَا تمنعوها لي علالة راهق) (وَإِنِّي لأرجو الله فِيمَا تقدّمت ... ذُنُوبِي بِهِ مِمَّا درى من حقائق) (1/201) 3 - (الْوَزير الْكَاتِب أَبُو الْمُغيرَة عبد الْوَهَّاب بن حزم) وَبَنُو حزم فتية علم وأدب وثنية مجد وَحسب وَأَبُو الْمُغيرَة هَذَا فِي الْكِتَابَة أوحد لَا ينعَت وَلَا يحد وَهُوَ فَارس الْمِضْمَار حامي ذَلِك الذمار وَبَطل الرعيل واسد ذَلِك الغيل نسق المعجزات وَسبق فِي المعضلات الموجزات إِذا كتب وشى المهارق ودبج وَركب من بَحر البلاغة الثبج وَكَانَ هُوَ وَأَبُو عَامر بن شَهِيد خليلي صفاء وحليفي وَفَاء لَا ينفصلان فِي رواح وَلَا مقيل وَلَا يفترقان كمالك وَعقيل فَكَانَا بقرطبة رافعي ألوية الصبوة وعامري أندية السلوة إِلَى أَن اتخذ أَبُو عَامر فِي حبالة الردى وعلق وَغدا رهنة فِيهَا قد غلق فَانْفَرد أَبُو الْمُغيرَة بذلك الميدان واسترد من سبقه مَا فَاتَهُ مُنْذُ زمَان فَلم تذكر لَهُ مَعَ أبي عَامر حَسَنَة وَلَا سرت لَهُ فقرة وَإِن كَانَت مستحسنة لتعذر ذَلِك وامتناعه بشفوف ابي عَامر (1/202) وامتداد بَاعه وَأما شعر أبي الْمُغيرَة فمرتبط بنثره ومختلط زهره بدره وَقد اثْبتْ لَهُ مِنْهَا فنونا تجن بهَا الأفهام جنونا فَمن ذَلِك قَوْله (ظعنت وَفِي احداجها من شكلها ... عين فضحن بحسنهن العينا) (مَا أنصفت فِي جنب توضح إذقرت ... ضيف الوداد بلابلا وشجونا) (اضحى الغرام قطين ربع فُؤَاده ... إِذْ لم يجد بالرقمتين قطينا) وَله أَيْضا (لما رَأَيْت الْهلَال منطويا ... فِي غرَّة الْفجْر قَارن الزهرة) (شبهته والعيان يشْهد لي ... بصولجان انثنى لضرب كرة) 3 - (الْوَزير ابو عَامر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مسلمة) (1/203) بَيت شرف باذخ ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ وزروا للخلفاء وانتجعتهم الأدباء واتبعتم العظماء وانتسبت لَهُم النعماء وتنفست عَن نور بهجتهم الظلماء وَأَبُو عَامر هَذَا هُوَ جوهرهم المنتخل وجوادهم الَّذِي لَا يبخل زعيمهم الْمُعظم وسلك مفخرهم المنظم وَكَانَ فَتى المدام ومستفتى الندام وَأكْثر من النَّعْت للراح وَالْوَصْف وآثر الأفراح والقصف وَأرى قينات السرُور مجلوة وآيات الْحسن متلوة وَله كتاب سَمَّاهُ بحديقة الارتياح فِي وصف حَقِيقَة الراح واختص بالمعتضد اختصاصا جرعه رداه وصرعه فِي مداه فقد كَانَ فِي المعتضد من عدم تحفظه بالارواح وتهاونه باللوام فِي ذَلِك واللواح فاطمأن إِلَيْهِ أَبُو عَامر واغتر وَأنس إِلَى مَا بِسم من مؤانسته وافتر حَتَّى أمكنته فِي اغتياله فرْصَة وَلم يعلق فِيهَا حِصَّة وَلم يُطلق عَلَيْهِ إِلَّا أَنه زلت بِهِ قدمه فَسقط فِي الْبحيرَة وانكفا وَلم يعلم بِهِ إِلَّا بَعْدَمَا طفا فَاخْرُج وَقد قضى وأدرج مِنْهُ (1/204) فِي الْكَفَن حسام الْمجد منتضى فَمن محاسنه قَوْله يصف السوسن وَهُوَ مِمَّا أبدع فِيهِ وَأحسن (وسوسن راق مرآه ومخبره ... وَجل فِي أعين النظار منظره) (كَأَنَّهُ أكؤس البلور قد صنعت ... مسندسات تَعَالَى الله مظهره) (وَبَينهَا ألسن قد طوقت ذَهَبا ... من بَينهَا قَائِم بِالْملكِ يؤثره) وَله أَيْضا (حج الحجيج منى ففازوا بالمنى ... وَتَفَرَّقَتْ عَن خيفه الأشهاد) (وَلنَا بِوَجْهِك حجَّة مبرورة ... فِي كل يَوْم تَقْتَضِي وتعاد) وَاجْتمعَ بجنة بِخَارِج اشبيلية مَعَ اخوان لَهُ علية فَبينا هم يديرون الراح وَيَشْرَبُونَ من كأسها الأفراح والجو صَاح إِذا بالأفق قد غيم وَأرْسل الديم بَعْدَمَا كسا الجو بمطارف اللاذ وأشعر الغصون زهر قباذ وَالشَّمْس منتقبة بالسحاب والرعد يبكيها (1/205) بزمزمة كالانتحاب فَقَالَ (يَوْم كَأَنَّهُ سَحَابَة ... لبست عمامات الصوامت) (حجبت بِهِ شمس الضُّحَى ... بمثال أَجْنِحَة الفواخت) (والغيث يبكي فقدها والبرق يضْحك ضحك شامت) (والرعد يخْطب مفصحا ... والجو كالمخزون سَاكِت) وَخرج إِلَى تِلْكَ الخميلة وَالربيع قد نشر رداه ونثر على معاطف الغصون نداه فَأَقَامَ بهَا وَقَالَ (وخميلة رقم الزَّمَان أديمها ... بمفضض ومقسم ومشوب) (رشفت قبيل الصُّبْح ريق غمامة ... رشف الْمُحب مراشف المحبوب) (وطردت فِي أكنافها ملك الصِّبَا ... وَقَعَدت واستوزرت كل أديب) (وأدرت فِيهَا اللَّهْو حق مَدَاره ... مَعَ كل وضاح الجبين مهوب) (1/206) 3 - (الْوَزير الْكَاتِب أَبُو حَفْص أَحْمد بن برد) هَذِه ثنية غذيت بالأدب وربت فِي اسمى الرتب مَا مِنْهُم إِلَّا شَاعِر كَاتب ولازم لباب السُّلْطَان راتب لم يزل فِي الدولة العامرية بسبق يذكر وَحقّ لَا يُنكر وَأَبُو حَفْص هَذَا بديع الْإِحْسَان بليغ الْقَلَم وَاللِّسَان مليح الْكِتَابَة فصيح الخطابة وَله رِسَالَة السَّيْف والقلم وَهُوَ أول من قَالَ بِالْفرقِ بَينهمَا وشعره مثقف المباني مرهف كالحسام الْيَمَانِيّ وَقد أثبت مِنْهُ مَا يُلْهِيك سَمَاعا ويريك الْإِحْسَان لماعا فَمن ذَلِك قَوْله يصف البهار (تَأمل فقد شقّ البهار كمائما ... وأبرز عَن نواره الخضل الندي) (1/207) (مداهن تبر فِي أنامل فضَّة ... على أَذْرع مخروطة من زبرجد) وَله يصف معشوقا أهيف الْقد ممشوقا أبدى صفحة ورد وبدا فِي ثوب لازورد (لما بدا فِي لازور ... دي الْحَرِير وَقد بهر) (كَبرت من فرط الْجمال ... ل وَقلت وَقلت مَا هَذَا بشر) (فَأَجَابَنِي لَا تنكرن ... ثوب السَّمَاء على الْقَمَر) وَله ايضا عَفا الله عَنهُ (قلبِي وقلبك لَا محَالة وَاحِد ... شهِدت بذلك بَيْننَا الألحاظ) (فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ... إِن الحسود بِمثل ذَاك يعاظ) وَله ايضا إِلَى من ودعه وأودع فُؤَاده من الْهوى مَا أودعهُ (يَا من حرمت لذاذتي بمسيرة ... هذي النَّوَى قد صعرت لي خدها) (1/208) (زود جفوني من جمالك نظرة ... وَالله يعلم إِن رَايَتك بعْدهَا) 3 - (الْوَزير الْكَاتِب أَبُو جَعْفَر اللمائي) إِمَام من أَئِمَّة الْكِتَابَة ومفجر ينبوعها وَالظَّاهِر على مصنوعها بمطبوعها إِذا كتب نثر الدُّرَر فِي المهارق ونمت فِيهَا أنفاسه كالمسك فِي المهارق وانطوى ذكره على انتشار إحسانه وَقصر أمره مَعَ امتداد لِسَانه فَلم تطل لدوحته فروع وَلَا اتَّصل لَهَا فِي نهر الْإِحْسَان كروع فاندفنت محاسنه من الإهمال فِي قبر وانكسرت الآمال بِعَدَمِ بدائعه كسرا بعد جبر وَكَانَ كَاتب عَليّ بن حمود الْعلوِي وَذكر أَنه كَانَ يرتجل بَين يَدَيْهِ وَلَا يروي فَيَأْتِي على البديه مِمَّا يتقبله الْمَرْوِيّ ويبديه فَمن ذَلِك مَا كتب بِهِ معتنيا من بعض رسائله (1/209) روض الْعلم فِي فنائك مونق وغصن الْأَدَب بمائك مُورق وَقد قذف بَحر الْهِنْد درره وَبعث روض نجد زهره فأهدى ذَلِك على يَدي فلَان الْجَارِي فِي حَمده على مباني قَصده وَمن شعره قَوْله (ألما فديتكما نستلم ... منَازِل سلمى على ذِي سلم) (منَازِل كنت بهَا نازلا ... زمَان الصِّبَا بَين جيد وفم) (أما يجدن الثرى عاطرا ... إِذا مَا الرِّيَاح تنفسن ثمَّ) وَكتب أَيْضا غُصْن اياديك عِنْدِي ناضر وَروض شكرك لدي زَاهِر وريح اخلاصي لَك صبا وزمن املي فِيك صبا فَأَنا (1/210) شَارِب مَاء اخائك متفيء ظلّ وفائك جَان ثَمَر فرع طَابَ أكله وأجناني الْبر قَدِيما اصله فسقاني إِكْرَاما برقة ورواني افضالا ودقة وَأَنت الطالع فِي فجاجه السالك لمنهاجه سهم فِي كنَانَة الْمجد صائب وَنجم فِي سَمَاء الْعِزّ ثاقب إِن ابتغت العدا نوره أحرق وَإِن رميتم بِهِ أصبت الحدق وَفُلَان اخْتَلَّ مَا عهدته من أمره وطما عَلَيْهِ مَا عَلمته من بحره فَإِن سبح فِيهِ غرق وَإِن شرب مِنْهُ شَرق فَإِن مددت يَد اعتناء نجيته وَإِن لحظته بِعَين احتفاء أحييته 3 - (الوزيرأبو عَبدة حسان بن مَالك بن أبي عَبدة) من بَيت جلالة وعترة اصالة كَانُوا مَعَ عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل وتوغلوا مَعَه فِي متشعبات تِلْكَ المداخل وَسعوا فِي الْخلَافَة حَتَّى حضر مبايعها وَكثر مشايعها وجدوا فِي الْهُدْنَة وانعقادها وأخمدوا نَار (1/211) الْفِتْنَة عِنْد اتقادها فأبرمت عراها وارتبطت أولاها وأخراها فظهرت الْبيعَة واتضحت وأعلنت الطَّاعَة وأفصحت وصاروا تَاج مفرقها ومنهاج طرقها وَأَبُو عَبدة هَذَا مِمَّن بلغ الوزارة وأدركها وَحل مطْلعهَا وفلكها مَعَ اشتهار فِي اللُّغَة والأداب وانخراط فِي سلك الشُّعَرَاء وَالْكتاب وابداع لما ألف وانتهاض بِمَا تكلّف وَدخل على الْمَنْصُور وَبَين يَدَيْهِ كتاب ابْن السّري وَهُوَ بِهِ كلف وَعَلِيهِ معتكف فَخرج من عِنْده وَعمل على مِثَاله كتابا سَمَّاهُ بِكِتَاب ربيعَة وَعقيل جرد لَهُ من ذهنه أَي سيف صقيل وأتى بِهِ منتسخا مصورا فِي ذَلِك الْيَوْم من الْجُمُعَة الْأُخْرَى وأبرزه وَالْحسن يتبسم عَنهُ ويتعرى فسر بِهِ الْمَنْصُور وأعجب وَلم يغب عَن بَصَره سَاعَة وَلم يحتجب وَكَانَ لأبي عَبدة بعد هَذِه الْمدَّة حِين أدجت الْفِتْنَة لَيْلهَا وأزجت أبلها وخيلها اغتراب كاغتراب الْحَارِث بن مضاض واضطراب بَين القوافي والمواضي كالحية النضناض ثمَّ اشْتهر بعد وافتر لَهُ (1/212) السعد وَفِي تِلْكَ الْمدَّة يَقُول يتشوق إِلَى أَهله (سقى بَلَدا أَهلِي بِهِ وأقاربي ... غواد بأثقال الحيا وروائح) (وهبت عَلَيْهِم بالْعَشي وبالضحى ... نواسم برد والظلال فوائح) (تذكرتهم والنأي قد حَال دونهم ... وَلم أنس لَكِن أوقد الْقلب لافح) (وَمِمَّا شجاني هَاتِف فَوق أيكة ... ينوح وَلم يعلم بِمَا هُوَ نائح) (فَقلت اتئد يَكْفِيك أَنِّي نازح ... وَأَن الَّذِي أهواه عني نازح) (ولي صبية مثل الْفِرَاخ بقفرة ... مضى حاضناها فاطحتها الطوائح) (إِذا عصفت ريح اقامت رؤوسها ... فَلم يلقها إِلَّا طيور بوارح) (فَمن لصغار بعد فقد أَبِيهِم ... سوى سانح فِي الدَّهْر لَو عَن سانح) واستوزره المستظهر عبد الرَّحْمَن بن هِشَام الْمُسَمّى بالخلافة أَيَّام الْفِتْنَة فَلم يرض بِالْحَال وَلم يمض فِي ذَلِك الانتحال وتثاقل عَن الْحُضُور فِي كل وَقت وتغافل فِي ترك الْغرُور (1/213) بذلك المقت وَكَانَ المستظهر يستبد بِأَكْثَرَ تِلْكَ الْأُمُور دونه وينفرد مغيبا عَنهُ شؤونه فَكتب إِلَيْهِ (إِذا غبت لم أحضر وَإِن جِئْت لم أسل ... فسيان مني مشْهد ومغيب) (فَأَصْبَحت تيميا وَمَا كنت قبلهَا ... لتيم وَلَكِن الشبيه نسيب) وَمن شعره فِي المهرجان (أرى المهرجان قد استبشر ... غَدَاة بَكَى المزن واستعبرا) (وسربلت الأَرْض أفواهها ... وجللت السندس الأخضرا) (وهز الرِّيَاح صنابيرها ... فضوعت الْمسك والعنبرا) (تهادى بِهِ النَّاس ألطافه ... وسام الْمقل بِهِ المكثرا) وَله أَيْضا (رَأَتْ طالعا للشيب بَين ذوائبي ... فَعَادَت بأسراب الدُّمُوع السواكب) (وَقَالَت أشيب قلت صبح تجاربي ... أنار على أعقاب ليل نوائبي) (1/214) وَلما مَاتَ قَالَ الْوَزير أَبُو عَامر بن شَهِيد يرثيه رحمهمَا الله تَعَالَى (أَفِي كل عَام مصرع لعَظيم ... أصَاب المنايا حادثي وقديمي) (وَكَيف اهتدائي فِي الخطوب إِذا دجت ... وَقد فقدت عَيْنَايَ ضوء نُجُوم) (مضى السّلف الوضاح إِلَّا بَقِيَّة ... كغرة مسود الْقَمِيص بهيم) (فَإِن ركبت مني اللَّيَالِي هضيمة ... فقبلي مَا كَانَ اهتضام تَمِيم) (أَبَا عَبدة إِنَّا غدرناك عِنْدَمَا ... رَجعْنَا وغادرناك غير ذميم) (أنخذل من كُنَّا نرود بأرضه ... ونكرع مِنْهُ فِي إِنَاء عُلُوم) (ويجلو الْعَمى عَنَّا بأنوار رَأْيه ... إِذا أظلمت ظلماء ذَات غموم) (كَأَنَّك لم تلقح برِيح من الحجى ... عقائم أفكار بِغَيْر عقيم) (وَلم نعتمد مغناك غدوا وَلم نزر ... رواحا لفصل الحكم دَار حَكِيم) 3 - (الوزيرالفقيه ابو أَيُّوب بن أبي أُميَّة وَاحِد الأندلس الَّذِي طوقها فخارا وطبقها بأوانه افتخارا مَا شِئْت من وقار لَا تحيل الْحَرَكَة سكونه وَمِقْدَار يتَمَنَّى مخبر أَن يكونه (1/215) إِذا لَاحَ رَأَيْت الْمجد مجتمعا وَإِن فَاه أضحى كل شَيْء مستمعا تكتحل مِنْهُ مقل الْمجد وتنتحل الْمَعَالِي أَفعاله انتحال ذِي كلف بهَا وَوجد لَو تَفَرَّقت فِي الْخلق سجاياه لحمدت الشيم واستسقيت بمحياه لما استمسكت الديم ودعي للْقَضَاء فَمَا رَضِي وأعفي عَنهُ فَكَأَنَّهُ استقضي لَدَيْهِ تثبت الْحَقَائِق وتنبت العلائق وَبَين يَدَيْهِ يسْلك عين الجدد ويدع اللدد اللدد وَله ادب إِذا حَاضر بِهِ فَلَا الْبَحْر إِذا عصف وَلَا أَبُو عُثْمَان ابْنه إِذا صنف مَعَ حلاوة مؤانسة تستهوي الجليس وتهوي حَيْثُ شَاءَت بالنفوس وَأما تحبيره وإنشاؤه ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه وَقد أثبت لَهُ بدعا يثنى إِلَيْهَا الْإِحْسَان جيدا وأخدعا فَمن ذَلِك قَوْله فِي منزل حلّه متنزها (يَا منزل الْأنس أهواه وآلفه ... حَقًا لقد جمعت فِي صحنك الْبدع) (لله مَا اصطنعت نعماك عِنْدِي فِي ... يَوْم نعمت بِهِ والشمل مُجْتَمع) (1/216) وَحل منية صهره الْوَزير أبي مَرْوَان بن الدب بعدوة اشبيلية المطلة على النَّهر الْمُشْتَملَة على بَدَائِع الزهر وَهُوَ معرس ببنته فَأَقَامَ فِيهَا أَيَّامًا متأنسا ولجذوة السرُور مقتبسا فأولاه من التحف وَأهْدى إِلَيْهِ من الطّرف مَا غمر كَثْرَة وبهر نفاسة واثره فَلَمَّا ارتحل وَقد اكتحل من حسن ذَلِك الْموضع بِمَا اكتحل كتب إِلَيْهِ (قل للوزير وَأَيْنَ الشُّكْر من منن ... جَاءَت على سنَن تترى وتتصل) (غشيت مغناك وَالرَّوْض الأنيق بِهِ ... يندى وَصوب الحيا يهمي وينهمل) (وجال طرفِي فِي ارجائه مرحا ... وفْق اخْتِيَاري يستعلي ويستفل) (يَدْعُو بلفتته حَيْثُ ارتمى زهر ... عَلَيْهِ من منثني أفنانه كلل) (مَحل أنس نعمنا فِيهِ آونة ... من الزَّمَان وواتانا بِهِ الأمل) وَحل بعد ذَلِك متنزها بهَا على عَادَته فاحتفل فِي مُوالَاة ذَلِك الْبر وإعادته فَلَمَّا رَحل كتب إِلَيْهِ (1/217) (يَا دَار أمنك الزَّمَان ... صروفه ونوائبه) (وَجَرت سعودك بِالَّذِي ... يهوي نزيلك دائبه) (فلنعم مثوى الضَّيْف أَنْت ... إِذا تحاموا جَانِبه) (خطر سأرت بِهِ الديار ... وأذعنت لَك ناصبه وَله فِيهِ أَيْضا (أمسك دارين حياك النسيم بِهِ ... أم عنبر الشحر أم هذي الْبَسَاتِين) (بشاطئ النَّهر حَيْثُ النُّور مؤتلق ... والراح تعبق أم تِلْكَ الرياحين) وصنع ولد ابْن عبد الغفور رِسَالَة سَمَّاهَا ب الساجعة حذا بهَا حَذْو أبي الْعَلَاء المعري فِي الصاهل والشاحج وَبعث بهَا إِلَيْهِ فعرضها عَلَيْهِ فأقامت عِنْده أَيَّامًا ثمَّ استدعاها مِنْهُ فصرفها إِلَيْهِ وَكتب مَعهَا يَقُول من النثر بكر زففتها أعزّك الله نَحْوك وهززت (1/218) بمقدمها سناك وسروك فَلم ألفظها عَن شبع وَلَا جهلت ارتفاعها عَمَّا يجتلي من نوعها ويستمع وَلَكِن لما أنسته من أنسك بانتجاعها وحرصك على ارتجاعها دفعت فِي صدر الولوع وَتركت بَينهَا وَبَين مجاثمها تِلْكَ الربوع حَيْثُ الادب غض وَمَاء البلاغة مرفض فأسعد أعزّك الله بكرتها وسلها عَن أفانين معرتها بِمَا تقطفه من ثمارك وتغرفه من بحارك وترتاح لَهُ ولإخوانه من نتائج افكارك وَإِنَّهَا لشنشنة اعرفها فِيكُم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السَّبق فِيهَا مُنْذُ كم إِن شَاءَ الله تَعَالَى 3 - (الوزيرابو الْقَاسِم بن عبد الغفور فَتى زكا فرعا وأصلا وَأحكم البلاغة معنى وفصلا وجرد من ذهنه على الْأَعْرَاض نصلا قدها بِهِ وفراها وقدح زند الْمَعَالِي (1/219) حَتَّى أوراها مَعَ صون يرتديه وَلَا يكَاد يبديه وشبيبة ألحقته بالكهول واقفرت مِنْهُ ربعهَا المأهول وَشرف ارتداه وَسلف اقتفى اثره الْكَرِيم واقتداه وَله شعر بديع السرد مفوف الْبرد وَقد أثبت لَهُ مِنْهُ مَا ألفيت وبالدلالة عَلَيْهِ اكتفيت فَمن ذَلِك قَوْله (تركت التصابي للصَّوَاب وَأَهله ... وَبَين الطلى للبيض والسمر للسمر) (مدامي مدادي والكؤوس محابري ... وندماي اقلامي ومنقلتي سَفَرِي) وَله أَيْضا (لَا تنكروا أننا فِي رحْلَة أبدا ... نحث فِي نفنف طورا وَفِي هدف) (فدهرنا سدفة وَنحن أنجمها ... وَلَيْسَ يُنكر مجْرى النَّجْم فِي السدف) (لَو أَسْفر الدَّهْر لي اقصرت عَن سفر ... وملت عَن كلفي بِهَذِهِ الكلف) وَله من قصيدة (رويدك يَا بدر التَّمام فإنني ... أرى العيس حسرى وَالْكَوَاكِب ظلعا) (1/220) (كَأَن أَدِيم الصُّبْح قد قد أنجما ... وغودر درع اللَّيْل فِيهَا مرقعا) (فَإِنِّي وَإِن كَانَ الشَّبَاب محببا ... إِلَيّ وَفِي قلبِي أجل وأوقعا) (لآنف من حسن بشعري مفترى ... وآنف من حسن بشعري قنعا) 3 - (الوزيرأبو مَرْوَان عبد الْملك بن مثنى) كثير القعاقع قَلِيل البراقع يذهب إِلَى التقعير ويرغب فِي التوعير كتب إِلَى ابْن عكاشة وَقد مر على قلعة رَبَاح يُعلمهُ بِعَدَمِ الراح (1/221) (يَا فريدا دون ثَان ... وهلالا فِي العيان) (عدم الراح فَصَارَت ... مثل دهن البلسان) فَبعث إِلَيْهِ مِنْهَا وَكتب إِلَيْهِ (يَا فريدا لَا يجارى ... بَين أَبنَاء الزَّمَان) (جَاءَ من شعرك روض ... جاده صوب الْبَيَان) (فبعثناها سلافا ... كسجاياك الحسان) 3 - (الوزيرأبو يحيى رفيع الدولة بن صمادح من ثنية إِمَارَة وَإِلَى عَلَيْهَا السعد حجه واعتماره انتجعوا انتجاع الأنواء واستطعموا فِي الْمحل واللأواء وَأَبُو يحيى هَذَا (1/222) فجر ذَلِك الصَّباح وضوء ذَلِك الْمِصْبَاح التحف بالصون وارتدى وَرَاح على الانقباض واغتدى فَمَا تَلقاهُ إِلَّا سالكا جددا وَلَا ترَاهُ إِلَّا لابسا سؤددا وَله أدب كالروض إِذا أَزْهَر وَالصُّبْح إِذا أَسْفر وَقفه على النسيب وَصَرفه إِلَى المحبوبة والحبيب فَمن ذَلِك قَوْله (يَا عَابِد الرَّحْمَن كم لَيْلَة ... أرقتني وجدا وَلم تشعر) (إِذْ كنت كالغصن ثنته الصِّبَا ... وصحن ذَاك الخد لم يشْعر) وَقَوله أَيْضا (مَا لي وللبدر لم يسمح بزورته ... لَعَلَّه ترك الْإِجْمَال أَو هجرا) (إِن كَانَ ذَاك لذنب مَا شَعرت بِهِ ... فَأكْرم النَّاس من يعْفُو إِذا قدرا) وَقَوله ايضا (وأهيف لَا يلوي على عتب عَاتب ... وَيَقْضِي علينا بالظنون الكواذب) (يحكم فِينَا أمره فنطيعه ... ونحسب مِنْهُ الحكم ضَرْبَة لازب) (1/223) وَقَوله أَيْضا (وعلقته حُلْو الشَّمَائِل مَاجِنًا ... خنث الْكَلَام مرنح الأعطاف) (مَا زلت أنصفه وَأوجب حَقه ... لكنه يَأْبَى عَن الْإِنْصَاف) وَقَوله أَيْضا (حبيب مَتى ينأى عَن الْعين شخصه ... يكَاد فُؤَادِي أَن يطير من الْبَين) (ويسكن مَا بَين الضلوع إِذا بدا ... كَأَن عَليّ قلبِي تمائم من عين) وَقَوله أَيْضا (افدي أَبَا عَمْرو وَإِن كَانَ جانيا ... عَليّ ذنوبا لَا تعدد بالبهت) (فَمَا كَانَ ذَاك الود إِلَّا كبارق ... أَضَاء لعَيْنِي ثمَّ أظلم فِي الْوَقْت) وَكتب إِلَيّ يهنئني بقدوم من سفر (1/224) (قدمت أَبَا نصر على حَال وَحْشَة ... فَجَاءَت بك الآمال واتصل الْأنس) (وقرت بك العينان واتصل المنى ... وفازت على يأس ببغيتها النَّفس) (فأهلا وسهلا بالوزارة كلهَا ... وَمن رَأْيه فِي كل مظْلمَة شمس) 3 - (الوزيرأبو الْوَلِيد بن حزم) وَاحِد دونه الْجمع وَهُوَ للجلالة بصر وَسمع رَوْضَة علاهُ رائقة السنا ودوحة بهاه طيبَة الجنى لم يتزر بِغَيْر الصون وَلم يشْتَهر بِفساد بعد الْكَوْن مَعَ نفس بَرِئت من الْكبر وخلصت خلوص التبر مَعَ عفاف التحف بِهِ برودا وَمَا ارتشف بِهِ ثغرا برودا فعفت مواطنه وَمَا استرابت ظواهره وَلَا بواطنه وَأما شعره فَفِي قالب الْإِحْسَان أفرغ وعَلى وَجه الِاسْتِحْسَان يلقى ويبلغ وَكتب إِلَيْهِ ابْن زهر (أأبا الْوَلِيد وَأَنت سيد مذْحج ... هلا فَككت أَسِير قَبْضَة وعده) (وحياة من أمد الْحَيَاة بوصله ... وذهابها حتما بأيسر صده) (لأقاتلنك إِن قطعت بمرهف ... من جفْنه وبصعدة من قده) (1/225) فَرَاجعه أَبُو الْوَلِيد (لبيْك يَا أَسد الْبَريَّة كلهَا ... من صَادِق عَبث المطال بوعده) (يمْضِي بِأَمْرك سَاءَ أَو سر القضا ... ويفل حد النائبات بحده) (إيه ووافقت الصِّبَا فِي معرض ... ذهب المشيب بهزله وبجده) (فطفقت أسأله عَن الظبي الَّذِي ... راقت لحاظ الْأسد زرقة خَدّه) (فاستعجمت شحا عَلَيْهِ وَرَحْمَة ... لفؤاد مَوْلَاهُ ومهجة عَبده) (يَا قَاتل الابطال دُونك مرهفا ... من جفْنه أَو صعدة من قده) (فلألقينك إِن رجعت بِذِمَّة ... من عَهده وشفاعة من عِنْده) (حَتَّى يرد علاك طعمة وَصله ... وحشاي أَن سامحت نهزة صده) وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا أَبُو الْوَلِيد (أأبا الْعَلَاء وَتلك دَعْوَة عابث ... ولعلها سَبَب إِلَى أَن تعتبا) (داويت قلبِي من هَوَاك لعِلَّة ... فَأبى وَلست اسوم قلبِي مَا أَبى) (أتصامما عَمَّا اقول ووثبة ... عَمَّا أُرِيد فمرحبا بك مرْحَبًا) (1/226) (أتجزع من دمعي وَأَنت أسلته ... وَمن نَار أحشائي وَأَنت لهيبها) (وتزعم أَن النَّفس غَيْرك علقت ... وَأَنت وَلَا من عَلَيْك حبيبها) (إِذا طلعت شمس عَليّ بسلوة ... أثار الْهوى بَين الضلوع غُرُوبهَا) وَله أَيْضا (وعلقته من حَيْثُ لم يدر مَا الْهوى ... غريرا فَلَا وصل لَدَيْهِ وَلَا هجر) (يمِيل بعطفيه النسيم صبَابَة ... ويرنو إِلَى مَا فَوق لباته الْبَدْر) (وَفِي لحظه سحر وَلم يرد بابلا ... وَفِي فَمه خمر وَلم يدر مَا الْخمر) (يرْجم فِي الظَّن من غير رِيبَة ... ويوهمه دمعي فَيسْأَل مَا الْأَمر) (وَمن شيم العشاق أَو خدع الْهوى ... قُلُوب براها الشوق أدمعها حمر) (فَلَمَّا صفا أَو كَاد إِلَّا تعلة ... تصدى لَهَا الواشي وأحكمها الدَّهْر) (ونادته افلاذي على عَادَة الْهوى ... فَصم كَأَن الصَّوْت فِي أُذُنه وقر) (فَأَعْرَضت صفحا عَنهُ أَو شرقا بِهِ ... وداريت حَتَّى شكّ فِي سري الْجَهْر) (فَقَالُوا سلو عَن أَو ملل عرا ... وَيَا بئس مَا ظنُّوا وَلَو خذل الصَّبْر) (وَمَا عرفت إِلَّا الْوَفَاء سجيتي ... وَإِن أَنْكَرُوا ظلما فَلم يقم الْعذر) وَله أَيْضا (مُحَمَّد كم أغالط فِيك نَفسِي ... فَلَا أَدْرِي أأسلو أم أهيم) (1/227) (فأخفض عَنْك طرفِي خوف واش ... يعرض بِي فيشمت أَو يلوم) (وَكم من سلوة هجمت وكادت ... وَلَكِن الْهوى خلق عَظِيم) (وَكَيف بهَا وَقد وقف الْهوى بِي ... مَوَاقِف يستطير بهَا الْحَلِيم) (وَكم تَأتي تلاطفه الْأَمَانِي ... فيأبى لَا يسير وَلَا يُقيم) (وَكنت هَمَمْت لَو لم تصطفيني ... جفون لَا يبل بهَا سقيم) (فَمن شغف تراقبك الدراري ... وَيَأْخُذ من معاطفك النسيم) وَله ايضا (وَكم لَيْلَة ظافرت فِي ظلها المنى ... وَقد طرفت من أعين الرقباء) (وَفِي ساعدي حُلْو الشَّمَائِل مترف ... يدين بيأس تَارَة ورجاء) (أطارحه خوف العتاب وَرُبمَا ... تغاضب فاسترضيته ببكاء) (وَقد عابثته الراح حَتَّى رمت بِهِ ... لَقِي بَين ثنيي بردتي وردائي) (وَفِي لَحْظَة من سُورَة الكأس فَتْرَة ... تمت إِلَى الحاظه بولاء) (على حَاجَة فِي الْحبّ لَو شِئْت نلتها ... وَلَكِن حمتني عفتي وسنائي) (1/228) وَله أَيْضا (إِنَّا إِذا رفعت سَمَاء عجاجة ... وَالْحَرب تقعد بالردى وَتقوم) (وتمرد الْأَبْطَال فِي جنباتها ... وَالْمَوْت من فَوق النُّفُوس يحوم) (برقتْ لَهُم منا الحتوف كَأَنَّمَا ... نَحن الْأَهِلّة والسهام نُجُوم) وَله أَيْضا (لله أَيَّام على وَادي الْقرى ... سلفت لنا والدهر ذُو ألوان) (والراح تَأْخُذ من معاطف أغيد ... أَخذ الصِّبَا من عطف غُصْن البان) (حَتَّى إِذا ضرب الظلام رواقه ... وخشيت فِيهِ طوارق الْحدثَان) (قمنا نؤمل غير ذَلِك منزلا ... والراح تقصر خطْوَة فتدان) (ويروم قَول أبي الْوَلِيد وَرُبمَا ... أخفت مكانة لامه الواوان) (والبدر يرمقني بمقلة حَاسِد ... لَو يَسْتَطِيع لَكَانَ حَيْثُ يراني) (1/229) وَله أَيْضا (وهويته حُلْو الشَّمَائِل مترفا ... نشوان يعثر فِي فضول التيه) (أطوي الْهوى شحا عَلَيْهِ وَرَحْمَة ... والدمع ينشر كل مَا أطويه) (وَلكم صدرت فعارضتني نشوة ... من ورد وجنته وخمرة فِيهِ) وَله أَيْضا (إِلَيْك أَبَا حَفْص وَمن عَن ملالة ... ثنيت عناني والحبيب حبيب) (مقَالا يطير الْجَمْر عَن جنباته ... وَمن تَحْتَهُ قلب عَلَيْك يذوب) (مَضَت لَك فِي أفياء ظِلِّي قولة ... لَهَا بَين أحناء الضلوع دَبِيب) (وَلَكِن أَبى إِلَّا إِلَيْك إلتفافة ... فَزَاد عَلَيْهِ من هَوَاك رَقِيب) (وَكم بَيْننَا لَو كنت تحمد مَا مضى ... إِذا الْعَيْش غض وَالزَّمَان قشيب) (وَتَحْت جنَاح الْغَيْم أحشاء رَوْضَة ... بهَا لخفوق العاصفات وجيب) (وللزهر فِي ظلّ الرياض تَبَسم ... وللطير مِنْهَا فِي الغصون نحيب) (1/230) تمّ الْقسم الأول (الْقسم الثَّانِي من كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي ملح اهل الاندلس وَهُوَ يشْتَمل على محَاسِن أَعْلَام الْعلمَاء وأعيان الْقُضَاة والفهماء رَحِمهم الله وَهُوَ مِمَّا لم يذكر فِي قلائد العقيان) (1/231) فارغة (1/232) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (الْفَقِيه الْعَالم أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن حبيب السّلمِيّ) أَي شرف لأهل الاندلس ومفخر وَأي مرهف على ملحد أزرى بِالْإِسْلَامِ أَو سخر خلدت مِنْهُ الأندلس فَقِيها عَالما أعَاد مجاهل (1/233) جهلها معالما وَأقَام فِيهَا للعلوم سوقا نافقة وَنشر مِنْهَا ألوية خافقة وجلا عَن الالباب صدا الكسل وشحذها شحذ الصوارم والأسل وَتصرف فِي فنون الْعُلُوم وَعرف كل مَعْلُوم وَسمع بالأندلس وتفقه حَتَّى صَار اعْلَم من بهَا وأفقه وَلَقي أنجاب مَالك وسلك من مناظراتهم أوعر المسالك حَتَّى أجمع عَلَيْهِ الإتفاق وَوَقع على تفضيله الإصفاق وَيُقَال إِنَّه لَقِي مَالِكًا آخر عمره وروى عَنهُ عَن سعيد بن الْمسيب ان سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام كَانَ يركب الرّيح من اصطخر إِلَى بَيت الْمُقَدّس فيتغدى بهَا ثمَّ يعود فيتعشى باصطخر وَله فِي الْفِقْه كتاب الْوَاضِحَة وَمن أَحَادِيثه غرائب قد تحتل بهَا للزمان نحور وترائب وَقَالَ مُحَمَّد بن لبَابَة فَقِيه الأندلس عِيسَى بن دِينَار وعالمها (1/234) عبد الْملك بن حبيب وراويها يحيى بن يحيى وَكَانَ عبد الْملك قد جمع إِلَى علم الْفِقْه والْحَدِيث علم اللُّغَة وَالْإِعْرَاب وَتصرف فِي فنون الأداب وَكَانَ لَهُ شعر يتَكَلَّم بِهِ سحرًا وَيرى ينبوعه بذلك منفجرا وَتُوفِّي بالأندلس فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة بَعْدَمَا دوخ الأَرْض وَقطع طولهَا وَالْعرض وجال فِي اكنافها وانْتهى إِلَى أطرافها وَمن شعره قَوْله (صَلَاح أَمْرِي وَالَّذِي أَبْتَغِي ... هَين على الرَّحْمَن فِي قدرته) (ألف من الْحمر وأقلل بهَا ... لعالم أربى على بغيته) (1/235) وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن سعيد الزجالي رِسَالَة وَوَصلهَا بِهَذِهِ الأبيات (كَيفَ يُطيق الشّعْر من أَصبَحت ... حَالَته الْيَوْم كَحال الْغَرق) (وَالشعر لَا يسلس إِلَّا على ... فرَاغ قلب واتساع الْخلق) (فاقنع بِهَذَا القَوْل من شَاعِر ... يرض من الْحَظ بِأَدْنَى الْعُنُق) (فضلك قد بَان عَلَيْهَا كَمَا ... بَان لأهل الأَرْض ضوء الشَّفق) (أما ذمام الود مني لكم ... فَهُوَ من المحتوم فِيمَا سبق) وَلم يكن لَهُ علم بِالْحَدِيثِ يعرف بِهِ صَحِيحه من معتله وَلَا يفرق بَين مستقيمه ومختله وَكَانَ غَرَضه الْإِجَازَة وَأكْثر رواياته غير مستجازة قَالَ ابْن وضاح قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَتَى صَاحبكُم (1/236) الاندلسي يَعْنِي عبد الْملك هَذَا بغرارة مَمْلُوءَة فَقَالَ لي هَذَا علمك قلت لَهُ نعم مَا قَرَأَ عَليّ مِنْهُ حرفا وَلَا قرأته عَلَيْهِ وَحكي أَنه قَالَ فِي دُخُوله الْمشرق وَحضر مجْلِس بعض الأكابر فازدراه من رَآهُ (لَا تنظرن إِلَى جسمي وقلته ... وَانْظُر لصدري وَمَا يحوي من السّنَن) (فَرب ذِي منظر من غير معرفَة ... وَرب من تزدريه الْعين ذُو فطن) (وَرب لؤلؤة فِي عين مزبلة ... لم يلق بَال لَهَا إِلَّا إِلَى زمن) (الْفَقِيه القَاضِي أَبُو الْحسن مُنْذر بن سعيد البلوطي رَحمَه الله تَعَالَى) آيَة حَرَكَة فِي سُكُون وبركة لم تكن معدة وَلَا تكون وَآيَة (1/237) سفاهة فِي تحلم وجهامة ورع فِي طي تَبَسم إِذا جد وجد وَإِذا هزل نزل وَفِي كلتا الْحَالَتَيْنِ لم ينزل للورع عَن مرقب وَلَا اكْتسب إِثْمًا وَلَا احتقب ولي قَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة ايام عبد الرَّحْمَن ناهيك من عدل أظهر وَمن فضل أشهر وَمن جور قبض وَمن حق رفع وَمن بَاطِل خفض وَكَانَ مهيبا صليبا صَارِمًا غير جبان وَلَا عَاجز وَلَا مراقب لأحد من خلق الله فِي اسْتِخْرَاج حق وَرفع ظلم وَاسْتمرّ فِي الْقَضَاء إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر لدين الله ثمَّ ولي ابْنه الحكم فأقره وَفِي خِلَافَته توفّي بعد أَن استعفى مرَارًا فَمَا أعفي لم تحفظ عَلَيْهِ مُدَّة ولَايَته قَضِيَّة جور وَلَا عدت عَلَيْهِ فِي حكومته زلَّة وَكَانَ غزير الْعلم كثير الادب متكلما بِالْحَقِّ متبينا بِالصّدقِ وَله كتب مؤلفة فِي السّنة وَالْقُرْآن والورع وَالرَّدّ على أهل الْأَهْوَاء والبدع وَكَانَ خَطِيبًا بليغا وشاعرا محسنا ولد سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ عِنْد ولَايَة الْمُنْذر بن مُحَمَّد وَتُوفِّي يَوْم (1/238) الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة وَمن شعره فِي الزّهْد قَوْله (كم تصابى وَقد علاك المشيب ... وتعامى عمدا وَأَنت اللبيب) (كَيفَ تلهو وَقد أَتَاك نَذِير ... أَن سَيَأْتِي الْحمام مِنْك قريب) (ياسفيها قد حَان مِنْهُ رحيل ... بعد ذَاك الرحيل يَوْم عصيب) (إِن للْمَوْت سكرة فارتقبها ... لَا يداويك أَن أتتك طَبِيب) (كم تواني حَتَّى تصير رهينا ... ثمَّ تَأْتِيك دَعْوَة فتجيب) (بِأُمُور الْمعَاد انت عليم ... فاعملن جاهدا لَهَا يَا أريب) (وتذكر يَوْمًا تحاسب فِيهِ ... إِن من يذكر فَسَوف ينيب) (لَيْسَ من سَاعَة من الدَّهْر إِلَّا ... للمنايا عَلَيْك فِيهَا رَقِيب) وَذكر أَن أول سَببه فِي التَّعَلُّق بالناصر لدين الله ومعرفته بِهِ وزلفاه أَن النَّاصِر لما احتفل لدُخُول ملك الرّوم صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة بقصر قرطبة الاحتفال الَّذِي اشْتهر ذكره وانبهر أمره (1/239) أحب أَن يقوم الخطباء وَالشعرَاء بَين يَدَيْهِ بِذكر جلالة مقعدة وَوصف مَا تهَيَّأ لَهُ من توطد الْخلَافَة وَرمى الْمُلُوك بآمالها وَتقدم إِلَى الْأَمِير الحكم ابْنه باعداد من يقوم لذَلِك من الخطباء ويقدمه أَمَام نشيد الشُّعَرَاء فَتقدم الحكم إِلَى ابي عَليّ الْبَغْدَادِيّ ضيف الْخلَافَة وأمير الْكَلَام وبحر اللُّغَة أَن يُقَام فَقَامَ رَحمَه الله وَأثْنى على الله وَصلى على النَّبِي ثمَّ انْقَطع وبهت فَمَا وصل إِلَّا قطع ووقف ساكتا متفكرا وتشوف لَا نَاسِيا وَلَا متذكرا فَلَمَّا رأى ذَلِك مُنْذر بن سعيد قَامَ من ذَاته بِدَرَجَة من مرقاته فوصل افْتِتَاح أبي عَليّ الْبَغْدَادِيّ بِكَلَام عَجِيب ونادى من الاحسان فِي ذَلِك الْمقَام كل مُجيب وَقَالَ أما بعد فَإِن لكل حَادِثَة مقَاما وَلكُل (1/240) مقَام مقَال وَلَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الضلال وَإِنِّي قُمْت فِي مقَام كريم بَين يَدي ملك عَظِيم فاصغوا إِلَيّ بأسماعكم وألقنوا عَليّ بأفئدتكم معاشر الْمَلأ إِن من الْحق أَن يُقَال للمحق صدقت وللمبطل كذبت وَإِن الْجَلِيل تَعَالَى فِي سمائه وتقدس بصفاته واسمائه أَمر كليمه مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ أَن يذكر قومه بنعم الله عز وَجل عِنْدهم وَأَنا أذكركم نعم الله تَعَالَى عَلَيْكُم وتلافيه لكم بخلافة أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّتِي أمنت سربكم وَرفعت خوفكم وكنتم قَلِيلا فكثركم ومستضعفين فقواكم ومستذلين فنصركم ولاه الله رعايتكم وَأسْندَ إِلَيْهِ إمامتكم أَيَّام ضربت الْفِتْنَة سرادقها على الْآفَاق وأحاطت بكم تشعل النِّفَاق حَتَّى صرتم فِي مثل حدقة الْبَعِير مَعَ ضيق الْحَال ونكد الْعَيْش والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدَّة والرخاء وانتقلتم بيمن سياسته إِلَى كنف الْعَافِيَة بعد استيطان الْبلَاء ناشدتكم الله يَا معشر الْمَلأ ألم تكن الدِّمَاء مسفوكة فَأَمَّنَهَا وَالْأَمْوَال منتهبة فأحرزها وحصنها الم تكن الْبِلَاد خرابا فعمرها وثغور الْمُسلمين مهتضمة فحماها ونصرها فاذكروا آلَاء الله (1/241) عَلَيْكُم بخلافته وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته حَتَّى أذهب الله عَنْكُم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عَدوكُمْ بطوية خَالِصَة وبصيرة ثَابِتَة وافرة فقد فتح الله عَلَيْكُم ابواب البركات وتواترت عَلَيْكُم أَسبَاب الفتوحات وَصَارَت وُفُود الرّوم وافدة عَلَيْكُم وأمال الأقصين والأدنين إِلَيْكُم يأْتونَ من كل فج عميق وبلد سحيق لأخذ حَبل بَينه وَبَيْنكُم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَلنْ يخلف الله وعده وَلِهَذَا الْأَمر مَا بعده وَتلك أَسبَاب ظَاهِرَة تدل على امور باطنة دليلها قَائِم وجفنها غير نَائِم (وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم (1/242) أمنا} وَلَيْسَ فِي تَصْدِيق مَا وعد الله عز وَجل ارتياب وَلكُل نبأ مُسْتَقر وَلكُل أجل كتاب فاحمدوا الله أَيهَا النَّاس على آلائه وَسَلُوهُ الْمَزِيد من نعمائه فقد أَصْبَحْتُم بيمن خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله بالعصمة والسداد وألهمه بخالص التَّوْفِيق سَبِيل الرشاد أحسن النَّاس حَالا وأنعمهم بَالا واعزهم قرارا وأمنعهم دَارا وأكثفهم جمعا وأجملهم صنعا لَا تهاجون وَلَا تذارون وَأَنْتُم بِحَمْد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صَلَاح أحوالكم بالمناصحة لامامكم والتزام الطَّاعَة لخليفتكم وَابْن عَم نَبِيكُم فَإِن من نزع يَده من الطَّاعَة وسعى فِي فرقة الْجَمَاعَة ومرق من الدّين فقد خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين وَقد علمْتُم مَا أحَاط بكم فِي جزيرتكم هَذِه من ضروب الْمُشْركين وصنوف الْمُلْحِدِينَ (1/243) والساعين فِي شقّ عصاكم وتفريق ملاكم وهتك حرمتكم وتوهين دَعْوَة نَبِيكُم وعَلى جَمِيع النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أَقُول قولي هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأنْشد يَقُول (مقَال كَحَد السَّيْف وسط المحافل ... فرقت بِهِ مَا بَين حق وباطل) (بقلب ذكي ترتمي جنباته ... كبارق رعد عِنْد رعش الأنامل) (فَمَا دحضت رجْلي وَلَا زل مقولي ... وَلَا طاش عَقْلِي يَوْم تِلْكَ الزلازل) (بِخَير إِمَام كَانَ أَو هُوَ كَائِن ... لمقتبل أَو فِي العصور الْأَوَائِل) (وَقد حدقت نحوي عُيُون أخالها ... كَمثل سِهَام اثبتت فِي الْمقَاتل) (ترى النَّاس أَفْوَاجًا يؤمُّونَ دَاره ... وَكلهمْ مَا بَين رَاض وآمل) (وُفُود مُلُوك الرّوم وسط فنائه ... مَخَافَة بَأْس أَو رَجَاء لنائل) (فعش سالما أقْصَى حَيَاة معمر ... فَأَنت غياث كل حاف وناعل) (1/244) فَقَالَ العلج بِهَذَا وَالله كَبْش الدولة وَخرج النَّاس يتحدثون عَن حسن مقَامه وثبات جنانه وبلاغة لِسَانه وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله أَشد تَعَجبا مِنْهُ وَأَقْبل على ابْنه الحكم وَلم يكن يثبت مَعْرفَته فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ الحكم هَذَا مُنْذر بن سعيد البلوطي فَقَالَ وَالله لقد أحسن مَا أنشأ وَلَئِن أبقاني الله تَعَالَى لأرفعن من ذكره فضع يدك يَا حكم عَلَيْهِ واستخلصه وذكرني بِشَأْنِهِ فَمَا للصنيعة مَذْهَب عَنهُ فَلَمَّا ابتنى النَّاصِر الْجَامِع بالزهراء ولاه الصَّلَاة فِيهِ وَالْخطْبَة ثمَّ توفّي مُحَمَّد بن أبي عِيسَى القَاضِي فولاه قَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة وَأقرهُ على الصَّلَاة بالزهراء وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر كلفا بعمارة الأَرْض وَإِقَامَة معالمها وانبساط مياهها واستجلابها من أبعد بقاعها وتخليد الْآثَار الدَّالَّة على قُوَّة ملكه وَعزة سُلْطَانه وعلو همته فأفضى بِهِ الإغراق فِي ذَلِك إِلَى ابتناء مَدِينَة الزهراء الْبناء الشَّائِع ذكره الذائع خَبره (1/245) الْمُنْتَشِر فِي الأَرْض أَثَره واستفرغ وَسعه فِي تنجيدها وإتقان قُصُورهَا وزخرفة مصانعها فانهمك فِي ذَلِك حَتَّى عطل شُهُود الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع الَّذِي اتَّخذهُ فَأَرَادَ القَاضِي مُنْذر بن سعيد رَحمَه الله وَجه الله فِي أَن يعظه ويقرعه فِي التأنيب ويغض مِنْهُ بِمَا يتَنَاوَلهُ من الموعظة بفصل الخطابة والتذكير بالإنابة فابتدأ أول خطبَته بقوله تَعَالَى {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين فَاتَّقُوا الله وأطيعون وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تعلمُونَ أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم} وَوصل ذَلِك بِكَلَام جزل وَقَول فصل جاش بِهِ صَدره وَقذف بِهِ على لِسَانه بحره وأفضى فِي ذَلِك إِلَى ذمّ المشيد والاستغراق فِي زخرفته والإسراف فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِ فَجرى فِي ذَلِك طلقا وتلافيه قَوْله تَعَالَى {أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بَنو رِيبَة فِي قُلُوبهم إِلَّا ان تقطع قُلُوبهم وَالله عليم حَكِيم} وأتى بِمَا (1/246) شاكل الْمَعْنى من التخويف بِالْمَوْتِ والتحذير مِنْهُ وَالدُّعَاء إِلَى الله عز وَجل فِي الزّهْد فِي هَذِه الدُّنْيَا الفانية والحض على اعتزالها والتبيين لظَاهِر مَعَانِيهَا وَالتَّرْغِيب فِي الْآخِرَة ومغانيها وَالتَّقْصِير عَن طلب اللَّذَّات وَنهي النَّفس عَن اتِّبَاع الشَّهَوَات وتلا من الْقُرْآن الْعَظِيم مَا يُوَافقهُ وجلب من الحَدِيث والأثر مَا يشاكله ويطابقه حَتَّى بَكَى النَّاس وخشعوا وضجوا وَتَضَرَّعُوا وأعلنوا الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى فِي التَّوْبَة والابتهال فِي الْمَغْفِرَة فَعلم الْخَلِيفَة أَنه هُوَ الْمَقْصُود بِهِ وَالْمُعْتَمد بِسَبَبِهِ فاستجدى وَبكى وَنَدم على مَا سلف مِنْهُ من فرطه واستعان بِاللَّه من سخطه واستعصمه برحمته إِلَّا أَنه وجد على مُنْذر بن سعيد لغلظ مَا قرعه بِهِ فَشَكا ذَلِك إِلَى وَلَده الحكم بعد انْصِرَافه وَقَالَ وَالله لقد تعمدني مُنْذر بخطبته (1/247) وأسرف فِي ترويعي وأفرط فِي تقريعي وَلم يحسن السياسة فِي وعظي وصيانتي عَن توبيخه واستشاط غيظا عَلَيْهِ وَأقسم أَن لَا يُصَلِّي خَلفه الْجُمُعَة أبدا فَقَالَ لَهُ الحكم وَمَا الَّذِي يمنعك من عزل مُنْذر ابْن سعيد والاستبدال مِنْهُ بِغَيْرِهِ فزجره وانتهره وَقَالَ لَهُ أمثل مُنْذر بن سعيد فِي فَضله وورعه وَعلمه وحلمه لَا أم لَك يعْزل فِي إرضاء نفس ناكبة عَن الرشد سالكة غير الْقَصْد هَذَا مَا لَا يكون وَإِنِّي لاستحيي من الله تَعَالَى أَن أجعَل بيني وَبَينه شَفِيعًا فِي صَلَاة الْجُمُعَة مثل مُنْذر بن سعيد وَلكنه وَقد نَفسِي وَكَاد أَن يذهبها وَالله لَوَدِدْت أَنِّي أجد سَبِيلا إِلَى كَفَّارَة يَمِيني بملكي بل يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَيَاته وحياتنا فَمَا أظننا نتعاض مِنْهُ أبدا وعزله قوم من إخوانه لتكنيته لرجل كَانَ يسبه فَقَالَ (1/248) (لَا تعجبوا من أنني كنيته ... من بعد مَا قد سبنا وآذانا) (فَالله قد كنى ابا لَهب وَمَا ... كناه إِلَّا خزية وَهَوَانًا) وَمن قَوْله فِي الزّهْد (ثَلَاث وَسِتُّونَ قد جزتها ... فَمَاذَا تؤمل أَو تنْتَظر) (وَحل عَلَيْك نَذِير المشيب ... فَمَا ترعوي أَو فَمَا تزدجر) (تمر لياليك مرا حثيثا ... وَأَنت على مَا أرى مُسْتَمر) (فَلَو كنت تعقل مَا يَنْقَضِي ... من الْعُمر لاعتضت خيرا بشر) (فَمَا لَك لَا تستعد إِذا ... لدار الْمقَام وَدَار الْمقر) (أترغب عَن فَجْأَة للمنون ... وَتعلم أَن لَيْسَ مِنْهَا مفر) (فإمَّا إِلَى جنَّة أزلفت ... وَإِمَّا إِلَى سقر تستعر) وقحط النَّاس فِي بعض السنين آخر مُدَّة النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمر القَاضِي مُنْذر بن سعيد بالبروز إِلَى الاسْتِسْقَاء بِالنَّاسِ فتأهب لذَلِك وَصَامَ بَين يَدَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام تنفلا وإنابة واستجداء وَرَهْبَة (1/249) وَاجْتمعَ النَّاس لَهُ فِي مصلى الربض بقرطبة بارزين إِلَى الله تَعَالَى فِي جمع عَظِيم وَصعد الْخَلِيفَة النَّاصِر فِي أَعلَى مصانع الْقصر المشرفة ليشارك النَّاس فِي الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى والضراعة فَلَمَّا سرح طرفه فِي مَلأ النَّاس وَقد شخصوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ قَالَ يَا ايها النَّاس وكررها مُشِيرا بِيَدِهِ فِي نواصيهم ثمَّ قَالَ {سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم} {أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد إِن يَشَأْ يذهبكم وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد وَمَا ذَلِك على الله بعزيز} فَضَجَّ النَّاس بِالدُّعَاءِ وَارْتَفَعت الْأَصْوَات بالاستغفار والتضرع إِلَى الله تَعَالَى بالسؤال وَالرَّغْبَة فِي إرْسَال الْغَيْث وَوصل الْحَال وَمضى على تَمام خطبَته فأفزع النُّفُوس بوعظه وانبعث الاخلاص (1/250) بتذكيره فَمَا أتم خطبَته حَتَّى بللهم الْغَيْث وَذكروا أَن رَسُول الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله جَاءَهُ غَدَاة ذَلِك الْيَوْم فحركه لِلْخُرُوجِ وَذكر عزمه عَلَيْهِ وَالسَّابِقُونَ متسابقون إِلَى الْمصلى فَقَالَ للرسول وَكَانَ من خَواص حلفاء الصفاء إِلَيْهِ فيا لَيْت شعري مَا الَّذِي يصنعه الْخَلِيفَة سيدنَا فَقَالَ لَهُ مَا رَأينَا قطّ أخشع مِنْهُ فِي يَوْمنَا هَذَا إِنَّه لمنتبذ حائر مُنْفَرد بِنَفسِهِ لابس أخشن الثِّيَاب مفترش التُّرَاب قد رمى بِهِ على رَأسه ولحيته وَبكى واعترف بذنوبه وَهُوَ يَقُول هَذِه ناصيتي بِيَدِك أتراك تعذب الرّعية وَأَنت أحكم الْحَاكِمين لن يفوتك شَيْء مني قَالَ فتهلل وَجه القَاضِي مُنْذر بن سعيد عِنْدَمَا سمع من قَوْله وَقَالَ يَا غُلَام احْمِلْ الممطر مَعَك فقد اذن الله تَعَالَى بالسقيا إِذا خشع جَبَّار الأَرْض فقد رحم جَبَّار السَّمَاء وَكَانَ كَمَا قَالَ فَلم ينْصَرف النَّاس إِلَّا عَن السقيا (1/251) قَالَ وَكَانَ القَاضِي مُنْذر بن سعيد من ذَوي الصلابة فِي أَحْكَامه والمهابة فِي أقضيته وَقُوَّة الْقلب فِي الْقيام بِالْحَقِّ فِي جَمِيع مَا يجْرِي على يَدَيْهِ لَا يهاب فِي ذَلِك الْأَمِير الْأَعْظَم فَمن دونه وَمن مَشْهُور مَا جرى لَهُ فِي ذَلِك قصَّته الْمَشْهُور فِي أَيْتَام أخي نجدة حدث بهَا جمَاعَة من أهل الْعلم وَالرِّوَايَة وَهِي أَن الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد احْتَاجَ إِلَى شِرَاء دَار بقرطبة لحظية من نِسَائِهِ تكرم عَلَيْهِ فَوَقع استحسانه على دَار كَانَت لأَوْلَاد زَكَرِيَّا أخي نجدة وَكَانَت بِقرب النشارين فِي الربض الشَّرْقِي مُنْفَصِلَة عَن دوره يتَّصل بهَا حمام الْعَامَّة لَهُ غلَّة وَاسِعَة وَكَانَ أَوْلَاد زَكَرِيَّا أخي نجدة أيتاما فِي حجر القَاضِي فارسل الْخَلِيفَة لَهُ من قَومهَا بِعَدَد مَا طابت بِهِ نَفسه وَأرْسل أُنَاسًا أَمرهم بمداخله وَصِيّ الْأَيْتَام فِي بيعهَا عَلَيْهِم فَذكر أَنه لَا يجوز إِلَّا بِأَمْر القَاضِي إِذْ لم يجز بيع الأَصْل إِلَّا عَن رَأْيه ومشورته فَأرْسل الْخَلِيفَة إِلَى القَاضِي مُنْذر فِي بيع هَذِه الدَّار فَقَالَ (1/252) لرَسُوله البيع على الْأَيْتَام لَا يَصح إِلَّا لوجوه مِنْهَا الْحَاجة وَمِنْهَا الوهي الشَّديد وَمن الْغِبْطَة فَأَما الْحَاجة فَلَا حَاجَة لهَؤُلَاء الايتام إِلَى البيع وَأما الوهي فَلَيْسَ فِيهَا وَأما الْغِبْطَة فَهَذَا مَكَانهَا فَإِن أَعْطَاهُم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا مَا تستبين بِهِ الْغِبْطَة أمرت وصيهم بِالْبيعِ وَإِلَّا فَلَا فَنقل جَوَابه هَذَا إِلَى الْخَلِيفَة فأظهر الزّهْد فِي شِرَاء الدَّار طَمَعا أَن يتوخى رغبته فِيهَا وَخَافَ القَاضِي أَن تنبعث مِنْهُ عَزِيمَة تلْحق الْأَوْلَاد سورتها فَأمر وَصِيّ الايتام بِنَقْض الدَّار وَبيع انقاضها فَفعل ذَلِك وَبَاعَ الأنقاض وَكَانَت لَهَا قيمَة أَكثر مِمَّا قومت بِهِ للسُّلْطَان فاتصل الْخَبَر بِهِ فعز عَلَيْهِ خرابها وَأمر بتوقيف الْوَصِيّ على مَا أحدثه فِيهَا فأحال الْوَصِيّ على القَاضِي أَنه أمره بذلك فَأرْسل عِنْد ذَلِك للْقَاضِي مُنْذر بن سعيد وَقَالَ لَهُ أَنْت أمرت بِنَقْض دَار أخي نجدة فَقَالَ لَهُ نعم قَالَ لَهُ وَمَا دعَاك إِلَى ذَلِك قَالَ أخذت فِيهَا يَقُول الله تبَارك وَتَعَالَى (أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين يعْملُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَن أعيبها وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل (1/253) سفينة غصبا} مقوموك لم يقدروها إِلَّا بِكَذَا وَبِذَلِك تعلق وهمك فقد نض فِي أنقاضها أَكثر من ذَلِك وَبقيت القاعة وَالْحمام فضلا وَنظر الله تَعَالَى للأيتام فَصَبر الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن على مَا أَتَى من ذَلِك فَقَالَ نَحن أول من انْقَادَ إِلَى الْحق فجزاك الله تَعَالَى عَنَّا وَعَن أمانتك خيرا قَالَ وَكَانَ على متانته وجزالته حسن الْخلق كثير الدعابة فَرُبمَا سَاءَ ظن من لَا يعرفهُ حَتَّى إِذا رام أَن يُصِيب من دينه شَعْرَة ثار لَهُ ثورة الاسد الضاري فَمن ذَلِك مَا حدث بِهِ سعيد ابْنه قَالَ قعدنا لَيْلَة من ليَالِي شهر رَمَضَان الْمُعظم مَعَ أَبينَا للإفطار بداره البرانية فَإِذا بسائل يَقُول يَا أهل هَذِه الدَّار الصَّالح أَهلهَا اطعمونا من عشائكم أطْعمكُم الله تَعَالَى من ثمار الْجنَّة هَذِه اللَّيْلَة وَيكثر من ذَلِك فَقَالَ القَاضِي أَن اسْتُجِيبَ لهَذَا السَّائِل فِيكُم فَلَيْسَ يصبح منا وَاحِد (1/254) وَحكى عَنهُ قَاسم بن أَحْمد الْجُهَنِيّ أَنه ركب يَوْمًا لحيازة أَرض محبسة فِي ركب من وُجُوه الْفُقَهَاء وَأهل الْعَدَالَة فيهم أَبُو إِبْرَاهِيم اللؤْلُؤِي ونظراؤه قَالَ فسرنا نقفوه وَهُوَ أمامنا وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه وذووه عَلَيْهِم السكينَة وَالْوَقار وَكَانَت الْقُضَاة حِينَئِذٍ لَا تراكب وَلَا تماشى فَعرض لَهُ فِي بعض الطَّرِيق كلاب مَعَ مستوحمة وَهِي تلعق هنها وتدور حولهَا فَوقف وَصرف وَجهه إِلَيْنَا وَقَالَ ترَوْنَ يَا اصحابنا مَا أبر الْكلاب بالهن الَّذِي تلعقه وتكرمه وَنحن لَا نَفْعل ذَلِك ثمَّ لوى عنان دَابَّته وَقد اضحكنا وَبَقينَا متعجبين من هزله وَحضر عِنْد الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يَوْمًا فِي خلْوَة لَهُ فِي بُسْتَان الزهراء على بركَة مَاء طافحة وسط رَوْضَة نافحة فِي يَوْم شَدِيد الوهج وَذَلِكَ إِثْر منصرفة من صَلَاة الْجُمُعَة فَشَكا إِلَى الْخَلِيفَة من وهج الْحر الْجهد وَبث مِنْهُ مَا تجَاوز الْحَد فَأمره بخلع ثِيَابه وَالتَّخْفِيف عَن جِسْمه فَفعل وَلم يطف ذَلِك مَا بِهِ فَقَالَ لَهُ (1/255) الصَّوَاب أَن تنغمس فِي وسط الصهريج انغماسه يبرد بهَا جسمك وَلَيْسَ مَعَ الْخَلِيفَة إلاّ الْحَاجِب جَعْفَر الْخَادِم الصقلبي أَمِين الْخَلِيفَة الحكم لَا رَابِع لَهُم فَكَأَنَّهُ استحيا من ذَلِك وانقبض عَنهُ وقارا وأقصر عَنهُ إقصارا فَأمر الْخَلِيفَة حَاجِبه جعفرا بسبقه إِلَى النُّزُول فِي الصهريج ليسهل الْأَمر فِيهِ على القَاضِي فبادر جَعْفَر لذَلِك وَألقى بِنَفسِهِ فِي الصهريج وَكَانَ يحسن السباحة فَجعل يجول يَمِينا وَشمَالًا فَلم يسع القَاضِي إِلَّا إِنْفَاذ أَمر الْخَلِيفَة فَقَامَ وَألقى بِنَفسِهِ خلف جَعْفَر ولاذ بالقعود فِي درج الصهريج وتدرج فِيهِ بعض تدريج وَلم ينبسط فِي السباحة وجعفر يمر مصعدا ومصوبا فَدَسَّهُ الحكم على القَاضِي وَحمله على مساجلته فِي العوم وَهُوَ يعجزه فِي اخلاده إِلَى الْقعُود ويعابثه بإلقاء المَاء عَلَيْهِ وَالْإِشَارَة بالجذب إِلَيْهِ وَهُوَ لَا ينبعث مَعَه وَلَا يُفَارق مَوْضِعه إِلَى أَن كلمة الحكم وَقَالَ لَهُ مَا لَك لَا تساعد الْحَاجِب فِي فعله وتقعد مَعَه وتتقبل صنعه فَمن أَجلك نزل وبسببك تبذل فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحَاجِب (1/256) سلمه الله لَا هوجل مَعَه وَأَنا بِهَذَا الهوجل الَّذِي معي يعقلني ويمنعني من أَن أجول مَعَه مجاله فاستفرغ الحكم ضحكا من نادرته ولطف تعريضه بِجَعْفَر وخجل جَعْفَر فِي قَوْله وسبه سبّ الْأَشْرَاف وخرجا من المَاء وَأمر لَهما الْخَلِيفَة بخلع ووصلهما بصلات سنية تشاكل كل وَاحِد مِنْهُمَا وَذكر أَن الْخَلِيفَة الحكم قَالَ لَهُ يَوْمًا لقد بَلغنِي أَنَّك لَا تجتهد للأيتام وَأَنَّك تقدم لَهُم أوصياء سوء يَأْكُلُون أَمْوَالهم قَالَ نعم وَإِن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفوا عَنْهُن قَالَ وَكَيف تقدم مثل هَؤُلَاءِ قَالَ لست أجد غَيرهم وَلَكِن أحلني على اللؤْلُؤِي وَأبي إِبْرَاهِيم وَمثل هَؤُلَاءِ فَإِن أَبَوا أجبرتهم بِالسَّوْطِ والسجن ثمَّ لَا تسمع إِلَّا خيرا وَمن أَخْبَار مُنْذر بن سعيد المحفوظة لَهُ مَعَ الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن فِي انكاره عَلَيْهِ الْإِسْرَاف فِي الْبناء أَن عبد الرَّحْمَن كَانَ قد اتخذ لسطح القبيبة الصُّغْرَى الَّتِي كَانَت مائلة على الصرح الممرد الْمَشْهُور شَأْنه بقصر الزهراء قراميد ذهب وَفِضة أنْفق عَلَيْهَا مَالا جسيما وَجعل سقفها صفراء فاقعة إِلَى بَيْضَاء ناصعة تسلب (1/257) الْأَبْصَار بمطارح أنوارها المشعشعة وَجعل فِيهَا إِثْر تَمامهَا لأهل مَمْلَكَته مشهدا فَقَالَ لِقَرَابَتِهِ وَمن حَضَره من الوزراء وَأهل الْخدمَة مفتخرا عَلَيْهِم بِمَا صنعه من ذَلِك مَعَ مَا يتَّصل بِهِ من الْبَدَائِع الفتانة هَل رَأَيْتُمْ قبلي أَو سَمِعْتُمْ من فعل مثل فعلي هَذَا أَو قدر عَلَيْهِ فَقَالُوا لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّك لأوحد فِي شَأْنك كُله لَا سَبَقَك فِي مبتدعاتك هَذِه ملك رَأَيْنَاهُ وَلَا انْتهى إِلَيْنَا خَبره فأبهجه قَوْلهم وبينما هُوَ كَذَلِك سارا ضَاحِكا إِذْ دخل عَلَيْهِ القَاضِي مُنْذر بن سعيد واجما ناكس الرَّأْس فَلَمَّا أَخذ مَجْلِسه قَالَ لَهُ كَالَّذي قَالَ لوزرائه من ذكر السّقف واقتداره على إبداعه فَأَقْبَلت دموع القَاضِي تنحدر على لحيته وَقَالَ لَهُ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ظَنَنْت أَن الشَّيْطَان أَخْزَاهُ الله يبلغ مِنْك هَذَا الْمبلغ وَلَا أَن تمكنه من قيادك هَذَا التَّمْكِين مَعَ مَا أَتَاك الله وفضلك على الْعَالمين حَتَّى ينزلك منَازِل الْكَافرين قَالَ فاقشعر عبد الرَّحْمَن من قَوْله وَقَالَ أنظر مَا تَقول وَكَيف أنزلني مَنَازِلهمْ قَالَ نعم أَلَيْسَ الله تبَارك وَتَعَالَى يَقُول (ولوا أَن يكون (1/258) النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عَلَيْهَا يتكئون} قَالَ فَوَجَمَ الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن ونكس راسه مَلِيًّا ودموعه تجْرِي على لحيته خشوعا لله تبَارك وَتَعَالَى وندما ثمَّ أقبل على مُنْذر وَقَالَ لَهُ جَزَاك الله تَعَالَى يَا قَاضِي خيرا عَنَّا وَعَن الْمُسلمين وَالدّين وَكثر فِي النَّاس أمثالك فَالَّذِي قلت وَالله الْحق وَقَامَ من مَجْلِسه ذَلِك هُوَ يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَأمر بِنَقْض سقف الْقبَّة وَأعَاد قرمدها تُرَابا (الْفَقِيه الْأَجَل القَاضِي أَبُو عبد لله مُحَمَّد بن أبي عِيسَى) من بني يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ وَهَذِه ثنية علم وعقل وَصِحَّة ضبط وَنقل كَانَ علم الأندلس وعالمها الندس ولي الْقَضَاء (1/259) بقرطبة بعد رحْلَة رَحلهَا إِلَى الْمشرق وَجمع فِيهَا من الرِّوَايَات وَالسَّمَاع كل مفترق وجال فِي آفَاق ذَلِك الْأُفق لَا يسْتَقرّ فِي بلد وَلَا يستوطن فِي جلد ثمَّ كرّ إِلَى الأندلس فَسَمت رتبته وتحلت بالأماني لبته وَتصرف فِي ولايات أَحْمد فِيهَا مَنَابه واتصلت بِسَبَبِهَا بالخليفة اسبابه وولاه الْقَضَاء بقرطبة فتولاه بسياسة محمودة ورياسة فِي الدّين مبرمة القوى مجهودة وَالْتزم فِيهَا الصرامة فِي تَنْفِيذ الْحُقُوق والحزامة فِي إِقَامَة الْحُدُود والكشف عَن الْبَينَات فِي السِّرّ والصدع بِالْحَقِّ فِي الْجَهْر لم يستلمه مخادع وَلم يكده مخاتل وَلم يهب ذَا حُرْمَة وَلَا داهن ذَا مرتبَة وَلَا اغضى لأحد من أَسبَاب السُّلْطَان وَأَهله حَتَّى تحاموا جَانِبه فَلم يَجْسُر أحد مِنْهُم عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ نصيب وافر من الادب وحظ من البلاغة إِذا نظم وَإِذا كتب وَمن ملح شعره مَا قَالَه عِنْد أوبته من غربته (كَأَن لم يَك بَين وَلم تَكُ فرقة ... إِذا كَانَ من بعد الْفِرَاق تلاق) (كَأَن لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... وَلم تمر كف الشوق مَاء مآق) (وَلم أزر الْأَعْرَاب فِي جنب أَرضهم ... بِذَات اللوى من رامة وبراق) (1/260) (وَلم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ... وكأس سَقَاهَا فِي الأزاهر سَاق) وَله ايضا (مَاذَا أكابد من ورق مغردة ... على قضيب بِذَات الْجزع مياس) (رددن شجوا شجا قلب الخلي فَهَل ... فِي عِبْرَة ذرفت فِي الْحبّ من باس) (ذكرنه الزَّمن الْمَاضِي بقرطبة ... بَين الْأَحِبَّة فِي أَمن وإيناس) (هم الصبابة لَوْلَا همة شرفت ... فصيرت قلبه كالجندل القاسي) وَله أَخْبَار تدل رقة الْعرَاق والتغذي بِمَاء تِلْكَ الْآفَاق فَمِنْهَا أَنه خرج إِلَى حُضُور جَنَازَة بمقابر قُرَيْش وَرجل من بني حدير كَانَ يواخيه لَهُ منزل فعزم عَلَيْهِ فِي الْميل إِلَيْهِ وعَلى أَخِيه فَنزلَا عَلَيْهِ فأحضر لَهما طَعَاما وَأمر جَارِيَة لَهُ بِالْغنَاءِ فغنت تَقول (طابت بِطيب لثاتك الأقداح ... وزها بحمرة خدك التفاح) (1/261) (وَإِذا الرّبيع تنسمت أرواحه ... طابت بِطيب نسيمك الْأَرْوَاح) (وَإِذا الحنادس ألبست ظلماؤها ... فضياء وَجهك فِي الدجى مِصْبَاح) فكتبها القَاضِي فِي ظهر يَده وَخرج من عِنْده قَالَ يُونُس بن عبد الله فَلَقَد رَأَيْته يكبر للصَّلَاة على الْجِنَازَة والأبيات مَكْتُوبَة على ظهر كَفه وَكَانَ يلقب بالمقربلة فَرفعت إِلَيْهِ إمرأة متظلمة كتابا تتظلم فِيهِ من الْمَعْرُوف بالقباحة خَال ولي الْعَهْد الحكم تذكر أَنه غصبهَا حَقًا لَهَا يجاوره فِي ضيعته ورسمت الْكتاب بِعَيْبِهِ وذمه وَالدُّعَاء عَلَيْهِ كل ذَلِك تسميه بلقبه فَلم يفك القَاضِي كتابها لضَعْفه واضطرابه فَأخذ القَاضِي مظلمتها من لسانها وكرم المشكو بِهِ لعظمته بِأَن أخر الْإِرْسَال فِيهِ وَكتب إِلَيْهِ على ظهر كتابها يحِيل عَلَيْهِ (1/262) فِيمَا تضمنه من الشكوى ويحضه على إنصافها وارسلها بِالْكتاب إِلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَهُ إجابه تَحت الْفَصْل الَّذِي كتبه إِلَيْهِ يحِيل على وَكيله ويتبرأ من إساءته إِلَى الْمَرْأَة دون بَيِّنَة يكلفها وَلَا يَمِين ويعدد على القَاضِي فِيمَا قابله بِهِ فسَاء ذَلِك القَاضِي وَعز عَلَيْهِ إهماله ذَلِك من نَفسه فَلَمَّا ركب إِلَى الزهراء وَخرج من عِنْد الْخَلِيفَة وَقصد إِلَى القباحة وَنزل عَلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا عدده وَأقسم لَهُ أَنه لم يسْتَوْف الْكتاب الْمَرْفُوع إِلَيْهِ وَلَا وقف عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي لَا تكترث لهَذَا فقلما نجا مِنْهُ أحد إِنِّي أعرفك أَن لقبي المقربلة ولقب وَالِدي مرتكش ولجدي وَالله لقب لست أعرفهُ وَأخي أَبُو عِيسَى يعرفهُ وَهُوَ غَائِب فَإِذا وصل كتبت بِهِ إِلَيْك فَضَحِك القباحة من قَوْله واثنى عَلَيْهِ على طيب خلقه وَجَاء فِي بعض الايام من بادية حمل دَقِيق عَلَيْهِ قفص دَجَاج وَكَانَ على بَابه الْمَعْتُوه الْمَعْرُوف بِابْن شمس الضُّحَى وَكَانَ فِي ولَايَة القَاضِي من صغره إِلَى أَن شاخ وَبلغ السن الطَّوِيل وَإِلَى أَن مَاتَ أسفه مَا يكون وَكَانَ من شَأْنه مواظبة دَار الْقُضَاة فِي كل وَقت شاكيا أوصابه فَلَمَّا رأى الدَّجَاج قَالَ يَا قَاضِي أَعْطِنِي دجَاجَة مِنْهُنَّ لَا (1/263) بُد وَالله أَن تُعْطِينِي دجَاجَة مِنْهُنَّ وَكَانَ لَا يقدر على رده إِذا علق بإرادته وَإِلَّا جَاءَ من حمقه بالعجب العجاب فَأمر القَاضِي فَأعْطِي دجَاجَة فَأَخذهَا وَمر بهَا فَرحا يفخر بعطية القَاضِي فَمر بدرب بني ابي زيد شَرْقي الْمَسْجِد الْجَامِع فَإِذا بِرَجُل متفقة يلقب بديك الْبَادِيَة جَالس على بَاب دَاره يطْلب فكاهة فَقَالَ للمعتوه من أَيْن لَك هَذِه الدَّجَاجَة يَا فلَان فَقَالَ أعطانيها القَاضِي وَالله السَّاعَة فَأَخذهَا من يَده وَجعل يجسها فَقَالَ خُذْهَا إِلَيْك القَاضِي أعطاكها مقربلة وَلَا خير لَك فِيهَا فَانْصَرف إِلَيْهِ عَاجلا وَقل لَهُ إِنَّهَا مقربلة فيبدلها بسمينة فالشيء عِنْده كثير فَرجع إِلَيْهِ الْمَعْتُوه بهَا وأصابه فِي جمَاعَة وَقَالَ لَهُ يَا قَاضِي هَذِه الدَّجَاجَة مقربلة فأبدلها لي بسمينة فَعرف القَاضِي هَذِه الدَّاخِلَة وَقَالَ لَهُ هَاتِهَا حَتَّى أَرَاهَا فَأَخذهَا وجسها وَقَالَ لَهُ صدقت فَمن ايْنَ عرفت أَنَّهَا مقربلة بَعْدَمَا مضيت بهَا فَقَالَ لَهُ قَالَهَا لي ذَلِك الْفَقِيه الَّذِي عِنْد درب بني أبي زيد قَالَ لَهُ وَمَا صفته فوصف لَهُ صفة اسْتدلَّ بهَا على أَنه الملقب بديك الْبَادِيَة فَأمر فأبدلت لَهُ بِأُخْرَى وَقَالَ لَهُ أرجع إِلَى ذَلِك الرجل فأعرضها عَلَيْهِ وَقل لَهُ قد أبدلها القَاضِي وسله أَن يعطيك الديك الَّذِي سيق لَهُ (1/264) من الْبَادِيَة أمس فَإِنَّهُ لَا يصلح لهَذِهِ الدَّجَاجَة غَيره فيأتيك مِنْهُ نسل حسن فَانْقَلَبَ الْمَعْتُوه إِلَى ذَلِك الرجل وَأَتَاهُ وَهُوَ فِي جمَاعَة والدجاجة مَعَه وَقَالَ لَهُ قد أبدل القَاضِي الدَّجَاجَة وَلَكِن أَعْطِنِي أَنْت ديك الْبَادِيَة الَّذِي أَتَاك أمس فَيكون زوجا لهَذِهِ الدَّجَاجَة فانتهره الزيدي وَتغَير لَونه فازداد الْمَعْتُوه علوقا بِهِ وحنقا عَلَيْهِ وَجعل يبكي ويلطم وَجهه وَيحلف أَن لَا يَزُول إِلَّا بالديك وَكَانَ يَأْتِي مِنْهُ عِنْد الْمَنْع مَا لَا صَبر عَلَيْهِ فاضطر الزيدي إِلَى أَن دخل فَاخْرُج لَهُ ديكا من دَاره افتداء مِنْهُ فَأَخذه وَانْطَلق عَنهُ وَقَالَ أَصْحَاب القَاضِي مُحَمَّد بن أبي عِيسَى ركبنَا لبَعض الْأَمر فِي موكب حافل من وُجُوه النَّاس إِذْ عرض لنا فَتى متأدب قد خرج من بعض الْأَزِقَّة سَكرَان يتمايل فَلَمَّا رأى القَاضِي هابه وَأَرَادَ الإنصراف فخانته رِجْلَاهُ فاستند إِلَى الْحَائِط واطرق فَلَمَّا قرب القَاضِي رفع رَأسه ثمَّ أنشأ يَقُول (أَلا أَيهَا القَاضِي الَّذِي عَم عدله ... فأضحى بِهِ فِي الْعَالمين فريدا) (قَرَأت كتاب الله تسعين مرّة ... فَلم أر فِيهِ للشراب حدودا) (1/265) (فَإِن شِئْت أَن تجلد فدونك منكبا ... صبورا على ريب الزَّمَان جليدا) (وَإِن شِئْت أَن تَعْفُو تكن لَك منَّة ... تروح بهَا فِي الْعَالمين فريدا) (وَإِن أَنْت تخْتَار الْحَدِيد فَإِن لي ... لِسَانا على هجو الزَّمَان حديدا) فَلَمَّا سمع القَاضِي شعره وميز أدبه أعرض عَنهُ وَترك الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَمضى لشأنه وَالله تَعَالَى أعلم (الْفَقِيه أَبُو عبد الله بن أبي زمنين) فَقِيه متبتل وزاهد لَا منحرف إِلَى الدُّنْيَا وَلَا متنقل هجرها هجر المنحرف وَحل أوطانه فِيهَا مَحل الْمُعْتَرف لعلمه بارتحاله عَنْهَا وتقويضه وإبداله مِنْهَا وتعويضه فَنظر بِقَلْبِه لَا بِعَيْنِه وانتظر (1/266) يَوْم فِرَاقه وَبَينه وَلم يكن لَهُ بعد ذَلِك بهَا اشْتِغَال وَلَا فِي شعاب تِلْكَ المسالك إيغال وَله تواليف فِي الْوَعْظ والزهد وأخبار الصَّالِحين تدل على تخليته عَن الدُّنْيَا واتراكه والتفلت من حبائل الاغترار وإشراكه وشعره يدل على التأهب للإرتحال ويستدل بِهِ على ذَلِك الإنتحال فَمن ذَلِك قَوْله (الْمَوْت فِي كل حِين ينشر الكفنا ... وَنحن فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بِنَا) (لَا تطمئِن إِلَى الدُّنْيَا وبهجتها ... وَإِن توشحت من أثوابها الحسنا) (أَيْن الْأَحِبَّة وَالْجِيرَان مَا فعلوا ... أَيْن الَّذين هم كَانُوا لنا سكنا) (سقاهم الدَّهْر كأسا غير صَافِيَة ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا) (تبْكي الْمنَازل مِنْهُم كل منسجم ... بالمكرمات وترثي الْبر والمننا) (حسب الْحمام لَو أبقاهم وأمهلهم ... أَلا يظنّ على معلوة حسنا) (1/267) (الْفَقِيه أَبُو مَرْوَان عبد الْملك الطبني) وَمن ثنية شرف وَحسب وَمن أهل حَدِيث وأدب إِمَام فِي اللُّغَة مُتَقَدم فارع لأعلى رتب الشّعْر متسنم لَهُ رِوَايَة بالأندلس ورحلة إِلَى الْمشرق ثمَّ عَاد وَقد توج بالمعارف المفرق وَأقَام بقرطبة علما من أعلامها ومتسنما لترفعها وإعظامها تؤثره الدول وتصطفيه أملاكها الأول وَمَا زَالَ فِيهَا مُقيما وَلَا برح عَن طَرِيق أمانيها مُسْتَقِيمًا إِلَى أَن اغتيل فِي إِحْدَى اللَّيَالِي بقضية يطول شرحها وَلَا يَنْقَضِي برحها فَأصْبح مقتولا فِي فرَاشه مذهولا كل أحد من انبساط الخطوب إِلَيْهِ على انكماشه وَقد أثبت من محاسنه مَا يعجب السَّامع وتصغي إِلَيْهِ المسامع فَمن ذَلِك قَوْله (وضاعف مَا بِالْقَلْبِ يَوْم رحيلهم ... على مَا بِهِ مِنْهُم حنين الاباعر) (1/268) (واصبر عَن أحباب قلب ترحلوا ... أَلا إِن قلبِي سَائِر غير صابر) وَلما رَجَعَ إِلَى قرطبة وَجلسَ ليرى مَا احتقبه من الْعُلُوم اجْتمع إِلَيْهِ فِي الْمجْلس خلق عَظِيم فَلَمَّا رأى تِلْكَ الْكَثْرَة وَمَا لَهُ عِنْدهم من الأثرة قَالَ (إِنِّي إِذا حضرتني ألف محبرة ... يكتبن حَدثنِي طورا وَأَخْبرنِي) (نادت بعقوتي الاقلام بمعلنة ... هذي المفاخر لَا قعبان من لبن) وَكتب إِلَى ذِي الوزارتين الْكَاتِب أبي الْوَلِيد بن زيدون (أَبَا الْوَلِيد وَمَا شطت بِنَا الدَّار ... وَقل منا ومنك الْيَوْم زوار) (وبيننا كل مَا تدريه من ذمم ... وللصبا ورق خضر وأنوار) (وكل عتب واعتاب جرى فَلهُ ... بَدَائِع حلوة عِنْدِي وآثار) (فاذكر أَخَاك بِخَير كلما لعبت ... بِهِ اللَّيَالِي فَإِن الدَّهْر دوار) (1/269) (الْفَقِيه الْعَالم أَبُو عمر أَحْمد بن عبد ربه رَحمَه الله تَعَالَى) عَالم سَاد بِالْعلمِ وَرَأس واقتبس بِهِ من الخطوة مَا اقتبس وَشهر بالأندلس حَتَّى سَار إِلَى الْمشرق ذكره واستطار شرر الذكاء فكره وَكَانَت لَهُ عناية بِالْعلمِ وثقة وَرِوَايَة لَهُ متسقة وَأما الْأَدَب فَهُوَ كَانَ حجَّته وَبِه غمرت الأفهام لجته مَعَ صِيَانة وورع وديانة ورد ماءها فكرع وَله التَّأْلِيف الْمَشْهُور الَّذِي سَمَّاهُ ب العقد وحماه عَن عثرات النَّقْد لِأَنَّهُ أبرزه مثقف الْقَنَاة مرهف الشباة تقصر عَنهُ ثواقب الالباب وتبصر السحر مِنْهُ فِي كل بَاب وَله شعر انْتهى منتهاه وَتجَاوز سماك الْإِحْسَان وسهاه أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن حزم أَنه مر بقصر من قُصُور قرطبة لبَعض الرؤساء فَسمع مِنْهُ غناء أذهب لبه وألهب قبله فَبَيْنَمَا هُوَ وَاقِف تَحت الْقصر إِذْ رش بِمَاء من أعاليه فاستدعى رقْعَة وَكتب إِلَى صَاحب الْقصر بِهَذِهِ الْقطعَة (1/270) (يَا من يضن بِصَوْت الطَّائِر الغرد ... مَا كنت احسب هَذَا الْبُخْل فِي أحد) (لَو أَن أسماع أهل الأَرْض قاطبة ... أصغت إِلَى الصَّوْت لم ينقص وَلم يزدْ) (فَلَا تضن على سَمْعِي وَمن بِهِ ... صَوتا يجول مجَال الرّوح فِي الْجَسَد) (أما النَّبِيذ فَإِنِّي لست أشربه ... وَلست آتِيك إِلَّا كسوتي بيَدي) وعزم فتي كَانَ يتألفه وخامره كلفه على الرحيل فِي غده فأذهبت عزمته قوى جلده فَلَمَّا اصبح عاقته السَّمَاء بالأنواء وساقته مكْرها إِلَى الثواء فاستراح أَبُو عمر من كمده وأنفسح لَهُ من التواصيل ضائق أمده فَكتب إِلَى الْمَذْكُور العازم على البكور (هلا ابتكرت لبين أَنْت مبتكر ... هَيْهَات يَأْبَى عَلَيْك الله وَالْقدر) (مَا زلت أبْكِي حذار الْبَين ملتهبا ... حَتَّى رثى لي فِيك الرّيح والمطر) (1/271) (يَا بردة من حيامزن على كبد ... نيرانها بغليل الشوق تستعر) (آلَيْت أَن لَا أرى شمسا وَلَا قمرا ... حَتَّى أَرَاك فَأَنت الشَّمْس وَالْقَمَر) وَمن شعره الَّذِي صرح بِهِ تَصْرِيح الصب وبرح فِيهِ من وقائع اسْم الْحبّ قَوْله (الْجِسْم فِي بلد وَالروح فِي بلد ... يَا وَحْشَة الرّوح بل يَا غربَة الْجَسَد) (إِن تبك عَيْنَاك لي يَا من كلفت بِهِ ... من رَحْمَة فهما سهماك فِي كَبِدِي) وَمن قَوْله (ودعتني بِزَفْرَةٍ واعتناق ... ثمَّ قَالَت مَتى يكون التلاق) (وبدت لي فاشرق الصُّبْح مِنْهَا ... بَين تِلْكَ الْجُيُوب والأطواق) (يَا سقيم الجفون من غير سقم ... بَين عَيْنَيْك مصرع العشاق) (إِن يَوْم الْفِرَاق أفظع يَوْم ... لَيْتَني مت قبل يَوْم الْفِرَاق) وَله أَيْضا (يَا ذَا الَّذِي خطّ الْجمال بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا) (مَا صَحَّ عِنْدِي أَن لحظك صارم ... حَتَّى لبست بعارضيك حمائلا) (1/272) أخيرني بعض الْعلية أَن الْخَطِيب أَبَا الْوَلِيد بن عباد حج فَلَمَّا أنصرف تطلع إِلَى لِقَاء المتنبي واستشرف وَرَأى أَن لقيَاهُ فَائِدَة يكتسبها وحلة فَخر لَا يحتسبها فَصَارَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي مَسْجِد عَمْرو بن الْعَاصِ ففاوضه قَلِيلا ثمَّ قَالَ انشدني لمليح الأندلس وَيَعْنِي أبن عبد ربه فأنشده (يَا لؤلؤا يسبي الْعُقُول أنيقا ... ورشا بتقطيع الْقُلُوب رَفِيقًا) (مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ ... درا يعود من الْحيَاء عقيقا) (وَإِذا نظرت إِلَى محَاسِن وَجهه ... أَبْصرت وَجهك فِي سناه غريقا) (يَا من تقطع خصره من رقة ... مَا بَال قَلْبك لَا يكون رَقِيقا) فَلَمَّا اكمل إنشاده استعاده مِنْهُ وَقَالَ يَا ابْن عبد ربه لقد تَأْتِيك الْعرَاق حبوا وَله أَيْضا (ومعذر نقش الْجمال بخده ... حسنا لَهُ بِدَم الْقُلُوب مضرجا) (لما تَيَقّن أَن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا) وَله أَيْضا رَحمَه الله (1/273) (وساحبة فضل الذيول كَأَنَّهَا ... قضيب من الريحان فَوق كثيب) (إِذا مَا بَدَت من خدرها قاصاحبي ... أطعني وَخذ من وَصلهَا بِنَصِيب) وَله أَيْضا (هيج الشوق دواعي سقمي ... وكسا الْجِسْم ثِيَاب الْأَلَم) (أَيهَا الْبَين اقلني مرّة ... فَإِذا عدت فقد حل دمي) (يَا خلي الذرع نم فِي غِبْطَة ... إِن من فارقته لم ينم) (وَلَقَد هاج بقلبي سقما ... حب من لَو شَاءَ داوى سقمي) وَبلغ سنّ عَوْف بن محلم واعترف بذلك اعْتِرَاف متألم عِنْدَمَا وهت شدته وبليت جدته وَهُوَ آخر شعر قَالَ ثمَّ عثر فِي أذيال الردى وَمَا استقال (كلاني لما بِي عاذلي كفاني ... طويت زماني بُرْهَة وطواني) (بليت وأبلتني اللَّيَالِي وَكرها ... وصرفان للأيام معتوران) (وَمَا لي لَا أبلي لسَبْعين حجَّة ... وَعشر أَتَت من بعْدهَا سنتَانِ) (فَلَا تسألاني عَن تباريح علتي ... ودونكما مني الَّذِي تريان) (1/274) (وَإِنِّي بحول الله راج لفضله ... ولي من ضَمَان الله خير ضَمَان) (وَلست أُبَالِي من تباريح علتي ... إِذا كَانَ عَقْلِي بَاقِيا ولساني) وَفِي أَيَّام إقلاعه عَن صبوته وارتجاعه عَن تِلْكَ الْغَفْلَة وأوبته وانثنائه عَن الصِّبَا والمجون إِلَى صفاء تَوْبَته محص أشعاره فِي الْغَزل بِمَا ينافيها وقص من قوادمها وخوافيها باشعار فِي الزّهْد على أعاريضها وقوافيها مِنْهَا الْقطعَة الَّتِي أَولهَا (هلا ابتكرت لبين أَنْت مبتكر ... ) محصها بقوله (يَا قَادِرًا لَيْسَ بِعَفْو حِين يقتدر ... مَاذَا الَّذِي بعد شيب الراس تنْتَظر) (عاين بقلبك إِن الْعين غافلة ... عَن الْحَقِيقَة وَاعْلَم أَنَّهَا سقر) (سَوْدَاء تزفر بِمن غيظ إِذا سعرت ... للظالمين فَلَا تبقي وَلَا تذر) (لَو لم يكن لَك غير الْمَوْت موعظة ... لَكَانَ فِيهِ عَن اللَّذَّات مزدجر) (أَنْت الْمَقُول لَهُ مَا قلت مبتدئا ... هلا ابتكرت لبين انت مبتكر) (1/275) (الْفَقِيه أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن الزبيدِيّ) إِمَام اللُّغَة وَالْإِعْرَاب وكعبة الْآدَاب أوضح مِنْهَا كل إِبْهَام وفضح دون الْجَهْل بهَا مَحل الأوهام وَكَانَ أحد ذَوي الإعجاز وأسعد أهل الِاخْتِصَار والإيجاز نجم والاندلس فِي إقبالها والأنفس أول تهممها بِالْعلمِ واهتبالها فنفقت لَهُ عِنْدهم البضاعة واتفقت على تفضيله الْجَمَاعَة وأشاد الحكم بِذكرِهِ فأورى بذلك زناد فكرة وَله اخْتِصَار الْعين للخليل وَهُوَ مَعْدُوم النظير والمثيل ولحن الْعَامَّة وطبقات النَّحْوِيين وَكتاب الْوَاضِح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أَتَى بعده فاضح وَله شعر مَصْنُوع ومطبوع كَأَنَّمَا يتفجر من خاطره ينبوع وَقد اثْبتْ لَهُ مِنْهُ مَا يقترح وَلَا يطْرَح فَمن ذَلِك قَوْله (1/276) (كَيفَ بِالدّينِ القويم ... لَك من أم تَمِيم) (وَلَقَد كَانَ شِفَاء ... من جوى الْقلب السقيم) (يشرق الْحسن عَلَيْهَا ... فِي دجى اللَّيْل البهيم) وَكتب مراجعا (أغرقتني فِي بحور فكر ... فكدت مِنْهَا أَمُوت غما) (كلفتني عامضا عويصا ... أرجم فِيهِ الظنون رجما) (مَا زلت أسرو السجوف عَنهُ ... كأنني كاشف لظلما) (أقرب من لَيْلَة وأنأى ... مستبصرا تَارَة وأعمى) (حَتَّى بدا مشرق الْمحيا ... لما اعتلى طالعا وتما) (لله من منطق وجيز ... قد جلّ قدرا ودق فهما) (أخلصت لله فِيهِ قولا ... سلمت لله فِيهِ حكما) (إِذْ قلت قَول امْرِئ حَكِيم ... مراقب للإله علما) (الله رَبِّي ولي نَفسِي ... فِي كل بؤس وكل نعمي) وَكتب إِلَى أبي مُسلم بن فَهد وَكَانَ كثير التكبر عَظِيم التجبر متعثرا لِسَانه مقفرا من المعالم جنانه (1/277) (ابا مُسلم إِن الْفَتى بفؤاده ... ومقوله لَا بالمراكب واللبس) (وَلَيْسَ وَرَاء بِالْمَرْءِ يُغني قلامة ... إِذا كَانَ مَقْصُورا على قصر النَّفس) (وَلَيْسَ يُفِيد الْعلم والحلم والحجى ... أَبَا مُسلم طول الْقعُود على الْكُرْسِيّ) واستدعاه الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ فَعجل إِلَيْهِ واسرع وَفرع لَدَيْهِ من ربى الآمال مَا فرع فَلَمَّا طَالَتْ نَوَاه واستطالت عَلَيْهِ لوعته وجواه وحن إِلَى مُسْتَقِرَّة بإشبيلية ومثواه اسْتَأْذن الحكم فِي اللحوق بهَا فلومه ولواه فَكتب إِلَى من كَانَ يألفه ويهواه (وَيحك يَا سلم لَا تراعي ... لَا بُد للبين من مساع) (لَا تحسبيني صبرت إِلَّا ... كصبر ميت على النزاع) (مَا خلق الله من عَذَاب ... اشد من وَقْفَة الْوَدَاع) (مَا بَينهَا وَالْحمام فرق ... لَوْلَا المناحات والنواعي) (1/278) (إِن يفْتَرق شملنا وشيكا ... من بعد مَا كَانَ فِي اجْتِمَاع) (فَكل شَمل إِلَى افْتِرَاق ... وكل شعب إِلَى انصداع) (وكل قرب إِلَى بعاد ... وكل وصل إِلَى انْقِطَاع) (الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن حزم) فَفِيهِ مستنبط وَنبيه بقياسه مُرْتَبِط مَا تكلم تقليدا وَلَا تعدى اختراعا وتوليدا مَا تمنت بِهِ الأندلس أَن تكون كالعراق وَلَا حنت الْأَنْفس مَعَه إِلَى تِلْكَ الأفاق اقام بوطنه وَمَا برح عَن عطنه فَلم يشرب مَاء الْفُرَات وَلم يقف عيشة الثمرات وَلكنه اربى على من من ذَلِك غذي وأزرى على من هُنَالك قد نعل وحذي تفرد (1/279) بِالْقِيَاسِ واقتبس نَار المعارف أَي اقتباس فناظر بِمَا نطق بِهِ وقاس وصنف وَحبر حَتَّى أفنى الانقاس ونبذ الدُّنْيَا وَقد تصدت لَهُ بأفتن محيا وأهدت إِلَيْهِ أعبق عرف وريا وخلع الوزارة وَقد كسته ملاها وألبسته حلاها وتجرد للْعلم وَطَلَبه وجد فِي اقتناء نخبه وَله تآليف كَثِيرَة وتصانيف أثيرة مِنْهَا الإيصال إِلَى فهم كتاب الْخِصَال وَكتاب الْأَحْكَام لأصول الْأَحْكَام وَكتاب الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل وَكتاب مَرَاتِب الْعُلُوم وَغير ذَلِك مِمَّا لم يظْهر مثله من هُنَالك مَعَ سرعَة الْحِفْظ وعفاف اللِّسَان واللحظ وَفِيه يَقُول خلف بن هَارُون (يَخُوض إِلَى الْمجد والمكرمات ... بحار الخطوب وأهوالها) (وَإِن ذكرت للعلا غَايَة ... ترقى إِلَيْهَا وأهوى لَهَا) وَله فِي الْأَدَب سبق لَا يُنكر وبديهة لَا يعلم أَنه روى فِيهَا وَلَا فكر وَقد أثبت من شعره مَا يعلم أَنه أوحد وَمَا مثله فِيهِ أحد فَمن ذَلِك قَوْله (1/280) (وَذي عذل فِيمَن سباني حسنه ... يُطِيل ملامي فِي الْهوى وَيَقُول) (أَمن حسن وَجه لَاحَ لم تَرَ غَيره ... وَلم تدر كَيفَ الْجِسْم أَنْت قَتِيل) (فَقلت لَهُ أسرفت فِي اللوم فاتئد ... فعندي رد لَو أَشَاء طَوِيل) (الم تَرَ أَنِّي ظاهري وأنني ... على مَا بدا حَتَّى يقوم دَلِيل) وَله أَيْضا (هَل الدَّهْر إِلَّا مَا عرفنَا وأنكرنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى) (إِذا مكنت فِيهِ مَسَرَّة سَاعَة ... تولت كمر الطّرف واستخلفت حزنا) (إِلَى تبعات فِي الْمعَاد وموقف ... نود إِلَيْهِ أننا لم نَكُنْ كُنَّا) (حصلنا على هم وإثم وحسرة ... وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا نلذ بِهِ عَنَّا) (حنين لما ولى وشغل بِمَا أَتَى ... وهم بهَا يغشى فعينك لَا تهنا) (كَأَن الَّذِي كُنَّا نسر بِكَوْنِهِ ... إِذا حققته النَّفس لفظ بِلَا معنى) وَله أَيْضا (ولي نَحْو أكناف الْعرَاق صبَابَة ... وَلَا غرو أَن يستوحش الكلف الصب) (فَإِن ينزل الرَّحْمَن رحلي بَينهم ... فَحِينَئِذٍ يَبْدُو التأسف وَالْكرب) (1/281) (هُنَالك تَدْرِي أَن للْعَبد قصَّة ... وَإِن كساد الْعلم آفته الْقرب) وَله أَيْضا (لَا تشمتن حاسدي إِن نكبة عرضت ... فالدهر لَيْسَ على حَال بمترك) (ذُو الْفضل طورا ترَاهُ تَحت ميقعة ... وَتارَة قد يرى تاجا على ملك) وَله ايضا (لَئِن أَصبَحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عنْدكُمْ أبدا مُقيم) (وَلَكِن للعيان لطيف معنى ... لذا سَأَلَ المعاينة الكليم) (1/282) (الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي) كَانَ فصيح اللِّسَان جزيل الْبَيَان وَكَانَ أنوفا منقبضا عَن السُّلْطَان لم يتشبث بدنيا وَلم ينْكث لَهُ مبرم عليا دَعَاهُ الْأَمِير مُحَمَّد إِلَى الْقَضَاء فَلم يجب وَلم يظْهر رَجَاءَهُ المحتجب وَقَالَ أَبيت عَن أَمَانَة هَذِه الدّيانَة كَمَا أَبَت السَّمَوَات وَالْأَرْض عَن حمل الْأَمَانَة إباية إشفاق لَا إباية عصيان ونفاق وَكَانَ الْأَمِير قد أَمر الوزراء بإجباره أَو حمل السَّيْف إِن تَمَادى على تأبيه وإصراره فَلَمَّا بلغه قَوْله هَذَا أَعْفَاهُ وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ علم النّسَب واللغة وَالْأَدب وَرِوَايَة الحَدِيث وَكَانَ مَأْمُونا ثِقَة وَكَانَت الْقُلُوب بعلى محبته متفقة وَله رحْلَة دخل فِيهَا الْعرَاق ثمَّ عَاد إِلَى هَذِه الْآفَاق وعندما اطمأنت دَاره (1/283) وَبلغ اقصى مناه مَدَاره قَالَ (كَأَن لم يَك بَين وَلم تَكُ فرقة ... إِذا كَانَ من بعد الْفِرَاق تلاق) (كَأَن لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... وَلم تمر كف الشوق مَاء مآق) (وَلم ازر الْأَعْرَاب فِي جنب أَرضهم ... بِجنب اللوى من رامة وبراق) (وَلم اصطبح فِي البيد من قهوة النَّوَى ... كؤوسا سقانيها الْفِرَاق دهاق) (الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الفرضي القَاضِي) كَانَ حَافِظًا عَالما كلفا بالرواية رَحل فِي طلبَهَا وتبحر فِي المعارف بِسَبَبِهَا مَعَ حَظّ من الْأَدَب كثير واختصاص بنظيم مِنْهُ ونثير (1/284) حج وبرع فِي الزهادة والورع فَتعلق باستار الْكَعْبَة يسْأَل الله الشَّهَادَة ثمَّ فكر فِي الْقَتْل ومرارته وَالسيف وحرارته فَأَرَادَ أَن يرجع وَيسْتَقْبل الله فاستحيا وآثر نعيم الْآخِرَة على شقاء الدُّنْيَا فأصيب فِي تِلْكَ الْفِتَن مكلوما وَقتل مَظْلُوما أَخْبرنِي من رَآهُ فِي جملَة الْقَتْلَى وَهُوَ بآخر رَمق فَسَمعهُ يَقُول بِصَوْت ضَعِيف لَا يكلم أحد فِي سَبِيل الله وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وجرحه يثعب اللَّوْن لون دم وَالرِّيح ريح مسك كَأَنَّهُ يُعِيد الحَدِيث على نَفسه ثمَّ قضى وَمِمَّا قَالَ فِي طَرِيقه يتشوق إِلَى فريقه (1/285) (مَضَت لي شهور مُنْذُ غبتم ثَلَاثَة ... وَمَا خلتني أبقى إِذا غبتم شهرا) (وَمَالِي حَيَاة بعدكم استلذها ... وَلَو كَانَ هَذَا لم أكن فِي الْهوى حرا) (وَلم يسلني طول التنائي عَلَيْكُم ... بلَى زادني وجدا وجدد لي ذكرا) (يمثلكم لي طول شوقي إِلَيْكُم ... ويدنيكم حَتَّى أناجيكم سرا) (سأستعتب الدَّهْر المفرق بَيْننَا ... وَهل نافعي أَن صرت أستعتب الدهرا) (أعلل نَفسِي بالمنى فِي لقائكم ... وأستسهل الْبر الَّذِي جبت والبحرا) (ويؤنسني طي المراحل عَنْكُم ... أروح على أَرض وأغدو على أُخْرَى) (وتالله مَا فارقتكم عَن قلى لكم ... وَلكنهَا الاقدار تجْرِي كَمَا تجْرِي) (رعتكم من الرَّحْمَن عين بَصِيرَة ... وَلَا كشفت أَيدي النَّوَى عَنْكُم سترا) وَله أَيْضا (إِن الَّذِي أَصبَحت طوع يَمِينه ... إِن لم يكن قمرا فَلَيْسَ بِدُونِهِ) (ذلي لَهُ فِي الْحبّ من سُلْطَانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه) (الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مَسَرَّة) كَانَ على طَريقَة فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة سبق فِيهَا وانتسق (1/286) فِي سلك محتذيها وَكَانَت لَهُ إشارات غامضة وعبارات عَن منَازِل الْمُلْحِدِينَ غير داحضة وَوجدت لَهُ مقالات ردية واستنباطات مردية نسب بهَا إِلَيْهِ رهق وَظهر لَهُ فِيهِ مزحل عَن الرشد ومزهق فتتبعت مصنفاته بالحرق واتسع فِي استباحتها الْخرق وغدت مهجورة على التالين محجورة وَكَانَ لَهُ تنميق فِي البلاغة وتدقيق لمعانيها وتزويق لأغراضها وتشييد لمبانيها وَمن شعره مَا كتب بِهِ إِلَى أبي بكر باللؤلؤي يستدعيه فِي يَوْم مطروطين (اقبل فَإِن الْيَوْم يَوْم دجن ... إِلَى مَكَان كالضمير مكني) (لَعَلَّنَا نحكم فِيهِ أشهى فن ... فَأَنت فِي ذَا الْيَوْم أمشى مني) (1/287) (الْفَقِيه أَبُو بكر بن الْقُوطِيَّة صَاحب الْأَفْعَال فِي اللُّغَة والعربية) مِمَّن لَهُ سلف وثنية كلهَا شرف وَأَبُو بكر هَذَا أحد الْمُجْتَهدين فِي الطّلب والمشتهرين بِالْعلمِ وَالْأَدب والمنتدبين للْعلم والتصنيف والمرتبين لَهُ بِحسن التَّرْتِيب والتأليف وَكَانَ لَهُ شعر بنية وَأَكْثَره أَوْصَاف وتشبيه فَمن ذَلِك قَوْله فِي زمن الرّبيع (ضحك الثرى وبدالك استبشارة ... فاخضر شَاربه وطر عذاره) (ورنت حدائقة وزرر نبته ... وتعطرت أنواره وثماره) (واهتز ذابل كل مَاء قراره ... لما أَتَى متطلعا آذاره) (وتعممت صلع الربى بنباته ... وترنمت من عجمة أطياره) (1/288) (الْفَقِيه القَاضِي الْأَجَل يُونُس بن عبد الله بن مغيث قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة) فَاضل ورع مبرز فِي النساك والزهاد دَائِم الأرق فِي التخشع والسهاد مَعَ التحقق بِالْعلمِ وَالتَّمَيُّز بفضله والتحيز إِلَى فِئَة الْوَرع وَأَهله وَله تصانيف فِي الزّهْد والتصوف مِنْهَا كتاب المنقطعين إِلَى الله وَكتاب الْمُجْتَهدين وأشعار فِي هَذَا الْمَعْنى مِنْهَا قَوْله (فَرَرْت إِلَيْك من ظلمي لنَفْسي ... وأوحشني الْعباد وَأَنت أنسي) (قصدت إِلَيْك مُنْقَطِعًا غَرِيبا ... لتؤنس وَحْدَتي فِي قَعْر رمسي) (وللعظمى من الْحَاجَات عِنْدِي ... قصدت وَأَنت تعلم سر نَفسِي) وَلما أَرَادَ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه غَزْو الرّوم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة تقدم إِلَى وَالِده أبي مُحَمَّد بالكون فِي (1/289) صحبته ومسايرته فِي غزوته فَاعْتَذر بِعُذْر يجده وألم لَا ينجده فَقَالَ لَهُ الحكم إِن ضمن لي أَن يؤلف فِي أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي فِي أشعار بني الْعَبَّاس أعفيته من الْغُزَاة وجازيته أفضل المجازاه فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ على أَن يؤلفه بِالْقصرِ فَزعم أَنه رجل مزور وَأَن ذَلِك الْموضع مُمْتَنع على من يلم بِهِ ويزور فألفه بدار الْملك المطلة على النَّهر وأكمله فِيمَا دون شهر وَتُوفِّي والمستنصر بعد فِي غزاته وَمن شعره قَوْله (أَتَوا حَسبه إِذْ قيل جد نحوله ... فَلم يبْق من لحم عَلَيْهِ وَلَا عظم) (فعادوا قَمِيصًا فِي فرَاش فَلم يرَوا ... وَلَا لمسوا شَيْئا يدل على جسم) (طواه الْهوى فِي ثوب سقم من الضنى ... وَلَيْسَ بمحسوس بِعَين وَلَا وهم) وَله أَيْضا رَحمَه الله (1/290) (ديار عَلَيْهَا من بشاشة أَهلهَا ... بقايا تسر النَّفس أنسا ومنظرا) (ربوع كساها المزن من خلع الحيا ... برودا وحلاها من النُّور جوهرا) (تسرك طورا ثمَّ تشجوك تَارَة ... فترتاح تأنيسا وتشجى تذكرا) (الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن سيدة) إِمَام فِي اللُّغَة والعربية وَهَمَّام فِي الفئة الأدبية وَله فِي ذَلِك أوضاع للأفهام من أخلاقها استدرار واسترضاع حررها تحريرا وَأعَاد طرف الذكاء بهَا قريرا وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْمُوفق صَاحب دانيه (1/291) وَبهَا أَدْرَاك أمانيه وَوجد تجرده للْعلم وفراغه وَتفرد بِتِلْكَ الإراغة وَلَا سِيمَا كِتَابه الْمُسَمّى بالمحكم فَإِنَّهُ أبدع كتاب وَأحكم وَلما مَاتَ الْمُوفق رائش جنَاحه ومثبت غرره وأوضاحه خَافَ من ابْنه إقبال الدولة وأطاف بِهِ مَكْرُوها بعض من كَانَ حوله فناشته للطلب حيات مساورة ففر إِلَى بعض الْأَعْمَال الْمُجَاورَة وَكتب إِلَيْهِ مِنْهَا مستعطفا (أَلا هَل إِلَى تَقْبِيل راحتك الْيُمْنَى ... سَبِيل فَإِن الْأَمْن فِي ذَاك واليمنا) (فتنضى هموم طلحته خطوبها ... وَلَا غاربا يبْقين وَلَا متْنا) (غَرِيب نأى أهلوه عَنهُ وشفه ... هواهم فأمسى لَا يقر وَلَا يهنا) (فيا ملك الْأَمْلَاك اني محلأ ... عَن الْورْد لَا عَنهُ أذاد وَلَا أدنى) (تحققت مَكْرُوها فَأَقْبَلت شاكيا ... لعمري أماذون لعبدك أَن يعْنى) (1/292) (وَإِن تتأكد فِي دمي لَك نِيَّة ... فَإِنِّي سيف لَا أحب لَهُ جفنا) (إِذا مَا غَدا من حر سَيْفك بَارِدًا ... فَقدما غَدا من برد نعماكم سخنا) (وَهل هِيَ إِلَّا سَاعَة ثمَّ بعْدهَا ... ستقرع مَا عمرت من نَدم سنا) (وَمَا لي من دهري حَيَاة ألذها ... فتعتدها نعمى عَليّ وتمتنا) (إِذا ميتَة أرضتك عَنَّا فهاتها ... حبيب إِلَيْنَا مَا رضيت بِهِ عَنَّا (الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد غَانِم بن الْوَلِيد المَخْزُومِي المالقي) عَالم متفرس وفقيه مدرس وأستاذ مجود وَإِمَام لأهل الأندلس مجود وَأما الْأَدَب فَكَانَ جلّ شرعته وَرَأس بغيته مَعَ فضل وَحسن طَريقَة وجد فِي جَمِيع أُمُوره وَحَقِيقَة وَله شعر (صير فُؤَادك للمحبوب منزلَة ... سم الْخياط مجَال للمحبين) (1/293) (وَلَا تسَامح بغيضا فِي معاشرة ... فقلما تسع الدُّنْيَا بغيضين) وَله أَيْضا (الصَّبْر أولى بوقار الْفَتى ... من قلق يهتك ستر الْوَقار) (من لزم الصَّبْر على حَاله ... كَانَ على أَيَّامه بِالْخِيَارِ) (الْفَقِيه الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ أَبُو عمر يُوسُف بن عبد الله بن عبد الْبر) إِمَام الأندلس وعالمها الَّذِي التاحت بِهِ معالمها صحّح الْمَتْن والسند وميز الْمُرْسل من الْمسند وَفرق بَين الْمَوْصُول والقاطع وكسا الْملَّة مِنْهُ نور سَاطِع حصر الروَاة وأحصى الضُّعَفَاء مِنْهُم والثقات وجد فِي تَصْحِيح السقيم وجدد مِنْهُ مَا كَانَ كالكهف والرقيم مَعَ (1/294) معاناة الْعِلَل وإرهاف ذَلِك الْعِلَل والتثقيف للمؤتلف والتنببيه على الْمُخْتَلف وَشرح المقفل واستدراك الْمُغَفَّل وَله فنون هِيَ للشريعة رتاج وَفِي مفرق الْملَّة تَاج أشهرت للْحَدِيث ظبى وفرعت لمعرفته ربى وهبت لتفهمه شمالا وصبا وَكَانَ ثِقَة وَكَانَت الْأَنْفس على تفضيله متفقه وَأما أدبه فَلَا تعبر لجته وَلَا تدحض حجَّته وَله شعر لم أجد مِنْهُ إِلَّا مَا نفث بِهِ أَنفه وَأوصى فِيهِ من تخلفه فَمن ذَلِك قَوْله وَقد دخل إشبيلية فَلم يلق فِيهَا مبرة وَلم ير من أَهلهَا تهلل أسرة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى أخلقه مقَامه وأطبقه اغتمامه فارتجل وَقَالَ (تنكر من كُنَّا نسر بِقُرْبِهِ ... وَصَارَ زعاقا بَعْدَمَا كَانَ سلسلا) (وَحقّ لِجَار لم يُوَافقهُ جَاره ... وَلَا لاءمته الدَّار أَن يتحولا) (1/295) (بليت بحمص وَالْمقَام ببلدة ... طَويلا لعمري مخلق يُورث البلى) (إِذا هان حر عِنْد قوم أَتَاهُم ... وَلم ينأ عَنْهُم كَانَ أعمى وأجهلا) (وَلم تضرب الْأَمْثَال إِلَّا لعالم ... وَمَا عُوقِبَ الْإِنْسَان إِلَّا ليعقلا) وَله أَيْضا يُوصي ابْنه بمقصورة (تجاف عَن الدُّنْيَا وهون لقدرها ... ووف سَبِيل الدّين بالعروة الوثقى) (وسارع بتقوى الله سرا وجهرة ... فَلَا ذمَّة أقوى هديت من التَّقْوَى) (وَلَا تنس شكر الله فِي كل نعْمَة ... يمن بهَا فالشكر مستجلب النعمى) (فدع عَنْك مَا لَا حَظّ فِيهِ لعاقل ... فَإِن طَرِيق الْحق أَبْلَج لَا يخفى) (وشح بأيام بَقينَ قَلَائِل ... وَعمر قصير لَا يَدُوم وَلَا يبْقى) (ألم تَرَ أَن الْعُمر يمْضِي موليا ... فجدته تبلى ومدته تفنى) (نَخُوض ونلهو غَفلَة وجهالة ... وننشر أعمالا وأعمارنا تطوى) (تواصلنا فِيهِ الْحَوَادِث بالردى ... وتنتابنا فِيهِ النوائب بالبلوى) (عجبت لنَفس تبصر الْحق بَينا ... لَدَيْهَا وتأبى أَن تفارق مَا تهوى) (وتسعى لما فِيهِ عَلَيْهَا مضرَّة ... وَقد علمت أَن سَوف تجزى بِمَا تسْعَى) (ذُنُوبِي أخشاها وَلست بآيس ... وربى أهل أَن يخَاف وَأَن يُرْجَى) (وَإِن كَانَ رَبِّي غافرا ذَنْب من يشا ... فَإِنِّي لَا أَدْرِي أأكرم أم أخزى) (1/296) (الْفَقِيه الْأَجَل الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ) علم الْأَعْلَام الطَّاهِر الأثواب الباهر الْأَلْبَاب الَّذِي أنسى ذكاء إِيَاس وَترك التَّقْلِيد للْقِيَاس وأنتج الْفَرْع من الأَصْل وَغدا فِي يَد الْإِسْلَام أمضى من النصل سقى الله بِهِ الأندلس بَعْدَمَا أجدبت من المعارف وَمد عَلَيْهَا مِنْهُ الظل الوارف وَكَسَاهَا رونق نبله وسقاها ريق وبله وَكَانَ أَبوهُ بإشبيلية بَدْرًا فِي فلكها وصدرا فِي مجْلِس ملكهَا واصطفاه مُعْتَمد بني عباد اصطفاه الْمَأْمُون لِابْنِ أبي دؤاد (1/297) وَوَلَاء الولايات الشَّرِيفَة وبواه الْمَرَاتِب المنيفة فَلَمَّا أقفرت حمص من ملكهم وخلت وألقتهم مِنْهَا وتخلت رَحل بِهِ إِلَى الْمشرق وَحل فِيهِ مَحل الْخَائِف الْفرق فجال فِي أكنافه وأجال قداح الرَّجَاء فِي اسْتِقْبَال الْعِزّ واستئنافه فَلم يسْتَردّ ذَاهِبًا وَلم يجد كمعتمد باذلا لَهُ وواهبا فَعَاد إِلَى الرِّوَايَة وَالسَّمَاع وَمَا اسْتَفَادَ من آمال تِلْكَ الأطماع وَأَبُو بكر إِذْ ذَاك فِي ثرى الذكاء قضيب مَا دوح وَفِي روض الشَّبَاب زهر مَا صوح فألزمه مجَالِس الْعلم رائحا وغاديا ولازمه سائقا إِلَيْهَا وحاديا حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بِهِ مجالسه واطردت لَهُ مقايسه فجد فِي طلبه واستجد بِهِ أَبوهُ متمزق أربه فأدركه حمامة ووارته هُنَاكَ رجامه وَبَقِي أَبُو بكر متفردا وللطاب متجردا حَتَّى أصبح فِي الْعلم وحيدا وَلم تَجِد عَنهُ رياسته محيدا فكر إِلَى الأندلس فَحلهَا والنفوس إلية متطلعة ولأنبائه متسمعة فناهيك من (1/298) حضوة لَقِي وَمن عزة سقِِي وَمن رفْعَة سما إِلَيْهَا ورقي وحسبك من مفاخر قلدها وَمن محَاسِن أنس نبتها فِيهَا وخلدها وَقد أثبت من بديع نظمه مَا يهز أعطافا وترده الإفهام نطاقا فَمن ذَلِك قَوْله يتشوق إِلَى بَغْدَاد ويخاطب فِيهَا أهل الوداد (أمنك سرى وَاللَّيْل يخدع بِالْفَجْرِ ... خيال حبيب قد حوى قصب الْفَخر) (جلا ظلم الظلماء مشرق نوره ... وَلم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر) (وَلم يرض بِالْأَرْضِ البسيطة مسحبا ... فَصَارَ على الجوزاء إِلَى فلك يسري) (وحث مطايا قد مطاها بعزة ... فأوطأها قسرا على قنة النسْر) (فَصَارَت ثقالا بالجلالة فَوْقهَا ... وسارت عجالا تتقي ألم الزّجر) (1/299) (وَجَرت على ذيل المجرة ذيلها ... فَمن ثمَّ يَبْدُو مَا هُنَالك لمن يسري) (وَمَرَّتْ على الجوزاء تُوضَع فَوْقهَا ... فآثر مَا مرت بِهِ كلف الْبَدْر) (وساقت أريج الْخلد من جنَّة الْعلَا ... فدع عَنْك رملا بالأنيعم يستذري) (فَمَا حذرت قيسا وَلَا خيل عَامر ... وَلَا أضمرت خوفًا لِقَاء بني ضمر) (سقى الله مصرا وَالْعراق وَأَهْلهَا ... وبغداد والشامين منهمل الْقطر) (الْفَقِيه أَبُو بكر بن أبي الدوس رَحمَه الله) من أبدع النَّاس خطا وأصحهم نقلا وضبطا اشْتهر بالإقراء وَاقْتصر بذلك على الْأُمَرَاء وَلم ينحط لسواهم ومطل النَّاس بذلك (1/300) ولواهم وَكَانَ كثير التَّحَوُّل عَظِيم التجول لَا يسْتَقرّ فِي بلد وَلَا يستظهر على حرمانه بجلد فقذفته النَّوَى وطردته عَن كل ثوا ثمَّ اسْتَقر آخر عمره بأغمات وَبهَا مَاتَ وَكَانَ لَهُ شعر بديع يصونه أبدا وَلَا يمد بِهِ يدا أَخْبرنِي من دخل عَلَيْهِ بالمرية فَرَآهُ فِي غَايَة إملاق وَفِي ثِيَاب أَخْلَاق وَقد توارى فِي منزله توارى المذنب وَقعد عَن النَّاس قعُود مجتنب فَلَمَّا علم مَا هُوَ فِيهِ وَعلم ترفعه عَمَّن يجتديه عاتيه فِي ذَلِك الاعتزال وَآخذه حَتَّى استنزله بفيض الاستنزال وَقَالَ لَهُ هلا كتبت إِلَى المعتصم فَمَا فِي ذَلِك مَا يصم فَكتب إِلَيْهِ (إِلَيْك أَبَا يحيى مددت يَد المنى ... وقدما غَدَتْ عَن جود غَيْرك تقبض) (1/301) (وَكَانَت كنور الْعين يلمع بالدجى ... فَلَمَّا دَعَاهُ الصُّبْح لباه ينْهض) (الْفَقِيه القَاضِي أَبُو الْفضل جَعْفَر بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْأَلَم) كهل الطَّرِيقَة وفتى الْحَقِيقَة تدرع الصيانة وبرع فِي الْوَرع والديانة وتماسك عَن الدُّنْيَا عفافا وَمَا تماسك التماسا بِأَهْلِهَا والتفافا فاعتقل النهى وتنقل فِي مراتبها حَتَّى اسْتَقر فِيهَا فِي السها وعطل أَيَّام الشَّبَاب ومطل فِيهَا سعاد وَزَيْنَب والرباب إِلَّا سَاعَات وَقفهَا على المدام وعطفها إِلَى الندام حَتَّى تخلى عَن ذَلِك واترك وَأدْركَ من المعلومات مَا أدْرك وتعرى من الشُّبُهَات وسرى إِلَى الرشد مستيقضا من تِلْكَ السنات وَله تصرف فِي شَتَّى الْفُنُون وَتقدم فِي (1/302) معرفَة الْمَفْرُوض والمسنون وَأما الْأَدَب فَلم يجاره فِي ميدانه أحد وَلم يستول على إحسانه فِيهِ حصر وَلَا حد وجده أَبُو الْحجَّاج الأعلم هُوَ خلد مِنْهُ مَا خلد وَمِنْه تقلد مَا تقلد وَقد أثبت لأبي الْفضل هَذَا مَا يسقيك مَاء الْإِحْسَان زلالا ويريك سحر الْبَيَان حَلَالا فَمن ذَلِك مَا كتب بِهِ إِلَيّ وَقد مَرَرْت على شنتمرية بَعْدَمَا رَحل عَنَّا وانتقل واعتقل من نوانا وبيننا مَا اعتقل فشنتمرية هَذِه دَاره وَبهَا كمل هلاله وابداره وَبهَا استقضى وشيم وضاؤه وانتضي فالتقينا بهَا على ظهر وتعاطينا ذكر ذَلِك الدَّهْر فجددت من شوقه مَا كَانَ قد شب عَن طوقه فرامني على الْإِقَامَة وسامني على ذَلِك بِكُل كَرَامَة فأبيت إِلَّا النَّوَى وانثنيت عَن الثوا بذلك المثوى فودعني وَدفع إِلَيّ تِلْكَ الْقطعَة حِين شيعني (بشراي أطلعت السُّعُود على ... آفَاق أنسي بدرها كملا) (وكسا أَدِيم الأَرْض مِنْهُ سنا ... فَسكت بسائطها لَهُ حللا) (1/303) (إيه أَبَا نصر وَكم زمن ... قصر ادكارك عِنْدِي الأملا) (هَل تذكرُونَ والعهد يخجلني ... هَل تذكرُونَ أيامنا الأولا) (أَيَّام نعثر فِي أعنتنا ... ونجر من أبرادنا حللا) (وَنحل روض الْأنس مؤتنقا ... وَتحل شمس مرادنا الحملا) (ونرى ليالينا مساعفة ... تَدْعُو إِلَيْنَا رفقنا الجفلى) (زمن نقُول على تذكره ... مَا تمّ حَتَّى قيل قد رحى) (عرضت لزورتكم وَمَا عرضت ... إِلَّا لتمحق كل مَا فعلا) ووافيته عَشِيَّة من العشايا أَيَّام ائتلافنا وعودنا إِلَى مجْلِس الطّلب واختلافنا فرأيته مستشرقا متطلعا يرتاد موضعا يُقيم بِهِ لثغور الْأنس مرتشفا ولثديه مرتضعا فحين مقلني تقلدني إِلَيْهِ واعتقلني وملنا إِلَى رَوْضَة قد سندس الرّبيع بساطها ودبج درانك أوساطها وأشعرت النُّفُوس فِيهَا بسرورها وانبساطها فَأَقَمْنَا بهَا نتعاطى كؤوس أَخْبَار ونتهادى أَحَادِيث جهابذة وأحبار إِلَى أَن نثر زعفران الْعشي وأذهب الْأنس خوف الْعَالم الوحشي فَقُمْت وَقَامَ وعوج الرعب من ألسنتنا مَا كَانَ استقام وَقَالَ (1/304) (وَعَشِيَّة كالسيف إِلَّا حِدة ... بسط الرّبيع بهَا لنعلي خَدّه) (عاطيت كأس الْأنس فِيهَا وَاحِدًا ... مَا ضرَّة أَن كَانَ جمعا وَحده) وتنزه يَوْمًا بحديقة من حدائق الحضرة قد اطرد نهرها وتوقد زهرها وَالرِّيح يسطقه فينظم بلبه المَاء ويتبسم بِهِ فتختاله كصفحة خضرَة السَّمَاء فَقَالَ (انْظُر إِلَى الأزهار كَيفَ تطلعت ... بسماوة الرَّوْض المجود نجوما) (وتساقطت فَكَأَن مسترقا دنا ... للسمع فانقضت عَلَيْهِ رجوما) (وَإِلَى مسيل المَاء قد رقمت بِهِ ... صنع الرِّيَاح من الْحباب رقوما) (ترمي الرِّيَاح لَهَا نثيرا زهره ... فتمده فِي شاطئيه رقيما) وَله يصف قلم يراعة وبرع فِي صفته أعظم براعة (ومهفهف ذلق صَلِيب المكسر ... سَبَب لنيل الْمطلب المتعذر) (متألق تنبيك صفرَة لَونه ... بقديم صحبته لآل الْأَصْفَر) (مَا ضرَّة إِن كَانَ كَعْب يراعه ... وبحكمه اطردت كعوب السمهري) (1/305) وَله عِنْدَمَا شَارف الكهولة واستأنف قطع صرة كَانَت مَوْصُولَة (أما أَنا فقد أرعويت عَن الصِّبَا ... وعضضت من نَدم عَلَيْهِ بناني) (وأطعت نصاحي وَرب نصيحة ... جَاءُوا بهَا فلججت فِي الْعِصْيَان) (أَيَّام أسحب من ذيول شبيبتي ... مرحا وأعثر فِي فضول عناني) (وَأجل كأسي أَن ترى مَوْضُوعَة ... فعلى يَدي أَو فِي يَدي نَدْمَانِي) (أَيَّام أَحْيَا بالغواني والغنا ... وأموات بَين الراح وَالريحَان) (فِي فتية فرضوا اتِّصَال هواهم ... فمناهم دن من الأدنان) (هزت علاهم أريحيات الصِّبَا ... فَهِيَ النسيم وهم غصون البان) (من كل مخلوع الأعنة لم يبل ... فِي غيه بتصارف الْأَزْمَان) وَله حِين أقلع وأناب وودع ذَلِك الجناب وتزهد وتنسك وَتمسك من طَاعَة الله بِمَا تمسك وثاب يَوْمًا يتجرد من أمله وينفرد فِيهِ بِعَمَلِهِ (الْمَوْت يشغل ذكره ... عَن كل مَعْلُوم سواهُ) (فاعمر لَهُ ربع ادكا ... رك بالعشية والغداه) (1/306) (واكحل بِهِ طرف اعتبارك ... طول أَيَّام الْحَيَاة) (قبل ارتكاض النَّفس مَا ... بَين الترائب واللهاه) (فَيُقَال هَذَا جَعْفَر ... رهن بِمَا كسبت يَدَاهُ) (عصفت بِهِ ريح الْمنون ... فصيرته كَمَا ترَاهُ) (فضعوه فِي أَكْفَانه ... وَدعوهُ يجني مَا جناه) (وتمتعوا بمتاعه ال ... مخزون واحووا مَا حواه) (يَا مصرعا مستبشعا ... بلغ الْكتاب بِهِ مداه) (لقِيت فِيهِ بِشَارَة ... تشفي فُؤَادِي من جواه) (وَلَقِيت بعْدك خير من ... نباه رَبِّي واجتباه) (فِي دَار خفض مَا اشتهت ... نفس الْمُقِيم بِمَا أَتَاهُ) وَله من النثر يصف فرسا انْظُر إِلَيْهِ سليم الْأَدِيم كريم الْقَدِيم كَأَنَّمَا نَشأ بَين الغبراء واليحموم نجم إِذا بدا وَوهم إِذا عدا يسْتَقْبل بغزال ويستدبر برال ويتحلى بشيات تقسيمات الْجمال وَله يصف سرجا من النثر بزَّة جِيَاد ومركب أجواد جميل (1/307) الظَّاهِر رحيب مَا بَين القادمة وَالْآخر كَأَنَّمَا قد من الخدود أديمه واختص باتقان الحبك تقويمه وَله فِي وصف لجام من النثر متناسب الأشلاء صَحِيح الانتماء إِلَى ثريا السَّمَاء فكله نكال وسائره جمال وَله وصف رمح من النثر مطرد الكعوب صَحِيح اتِّصَال الْغَالِب والمغلوب أَخ يَنُوب كلما استنيب ويصيب وَله فِي وصف الْقَمِيص من النثر كافوري الْأَدِيم بابلي الرسوم تباشر مِنْهُ الجسوم مَا يُبَاشر الرَّوْض من النسيم وَله فِي وصف الْبَغْل من النثر مقرف النّسَب مستخبر الشّرف آمن الكبب ان ركب امْتنع اعتماله أَو ركب اسْتَقل بِهِ أَخْوَاله وَله فِي وصف حمَار (من النثر) وثيق المفاصل عَتيق النهضة إِذا ونت المراسل تمّ الْقسم الثَّانِي من الْكتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس بِحَمْد الله تَعَالَى وعونه وَحسن توفيقه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه (1/308) (الْقسم الثَّالِث من كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي الْأَعْيَان من الأدباء وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَهُوَ مِمَّا يذكر فِي قلائد العقيان) (1/309) صفحة فارغه (1/310) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (الأديب الشَّاعِر النبيه أَبُو عمر يُوسُف بن هَارُون الْمَعْرُوف بالرمادي) شَاعِر مفلق انفرج لَهُ من الصِّنَاعَة المغلق وومض لَهُ برقها المؤتلق وسال بِهِ طبعه كَالْمَاءِ المندفق فأجمع على تفضيله الْمُخْتَلف والتنق فَتَارَة يحزن وَأُخْرَى يسهل وَفِي كلتيهما بالبديع يعل وينهل فاشتهر عِنْد الْعَامَّة والخاصة بانطباعه فِي الْفَرِيقَيْنِ وإبداعه فِي (1/311) الطَّرِيقَيْنِ وَكَانَ هُوَ وَأَبُو الطّيب متعاصرين وعَلى الصِّنَاعَة متغايرين وَكِلَاهُمَا من كِنْدَة وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا من اقتدح فِي الْإِحْسَان زنده وَمَا قصر عَنهُ إِحْسَان وَلَا جَازَ بَينهمَا تَفْضِيل إِنْسَان وَتَمَادَى بِأبي عمر طلق الْعُمر حَتَّى أفرده صَاحبه ونديمه وهريق شبابه واستشن أديمه فَفَارَقَ تِلْكَ الْأَيَّام وبهجتها وَأدْركَ الْفِتْنَة فَخَاضَ لجتها وَأقَام فرقا من هيجانها شرقا بأشجانها وَلَحِقتهُ مِنْهَا فاقة نهكته وبعدت عَنهُ الْإِفَاقَة حَتَّى أهلكته وَقد أثبت من محاسنه مَا يُعْجِبك سرده وَلَا يمكنك نَقده فَمن ذَلِك قَوْله (شطت نواهم بشمس فِي هوادجهم ... لَوْلَا تلألؤها فِي ليلهن عشوا) (شكت محاسنها عَيْني وَقد غدرت ... لِأَنَّهَا بضمير الْقلب تنجمش) (شعر وَوجه تباري فِي افتخارهما ... بِحسن هَذَا وَذَاكَ الرّوم والحبش) (شَككت فِي سقمي مِنْهَا أَفِي فرشي ... مِنْهَا نكست وَإِلَّا الطيف والفرش) (1/312) وَله أَيْضا (فِي أَي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل) (إِن قلت فِي عَيْني فثم مدامعي ... أَو قلت فِي قلبِي فثم غليلي) (لَكِن جعلت لَهُ المسامع مسكنا ... وحجبته عَن عذل كل عذول) (وَثَلَاث شيبات نَزَلْنَ بمفرقي ... فَعلمت أَن نزولهن رحيلي) (طلعت ثَلَاث فِي طُلُوع ثَلَاثَة ... واش وَوجه مراقب وثقيل) (فعذلتني عَن صبوتي فلئن ذللت ... فقد سَمِعت بذلة المعذول) (إِن كنت ودعت التصابي عَن قلى ... وبدت برأسي حجَّة لعذول) (فقد اغتدي وَالصُّبْح فِي توريسه ... تقضي الْعُيُون لَهُ بِوَجْه عليل) (بأقب لون الآبنوس مفضض ... فِي غرَّة مِنْهُ وَفِي تحجيل) (مُسْتَغْرق لصفات زيد الْخَيل وَال ... غنوي والمربي والضليل) (1/313) (يزهى بتحلية اللجام كَمَا زهى ... ملك محلى الرَّأْس بالإكليل) (فَلهُ الملاحظ من حبيب هَاجر ... للصب أَو متكبر لذليل) وَمِنْهَا (وكأنما فل الخطوب بحازم ... فل الْجِيَاد بحدة المفلول) (حَتَّى إِذا صدنَا الوحوش فَلم نَدع ... مِنْهُنَّ غير معالم وطلول) (قَامَت قوائمه لنا بِطَعَامِنَا ... غضا وَقَامَ الْعرف بالمنديل) وَمِنْهَا (ومكبل لم يجترم جرما وَلَا ... دَانَتْ سحائبه بِغَيْر كبول) (متدرع بالوشي إِلَّا أَن مد ... رعه يحاك عَلَيْهِ غير طَوِيل) (فَكَأَن بلقيساً عَلَيْهَا وشيها ... فِي الصرح رَافِعَة لفضل ذيول) (1/314) (متقلب كتقلب المرتاع يقسم ... لَحْظَة فِي الجول بعد الجول) (حَتَّى إِذا مَا السرب عَن لطرفه ... أَو مَا نجا فيتيه خل سبيلي) (أَرْسلتهُ فِي إثرهن كأنهن ... عصين لي أمرا وَكَانَ رَسُولي) (ولت سرَاعًا ثمَّ شدّ وَرَاءَهَا ... فَكَأَنَّهُ بَطل وَرَاء رعيل) (عجلت فأدركها ردى فِي إثْرهَا ... إِن الردى قيد لكل عجول) (فَقضى على سبعين ضار خطمه ... هُوَ عقدَة التَّعْبِير فِي التَّمْثِيل) وَمِنْهَا (حَتَّى إِذا حمل السَّحَاب بجيده ... لم تحتمله فَرَائض الْمَحْمُول) وَله أَيْضا يتغزل (أومى لتقبيل الْبسَاط خنوعا ... فَوضعت خدي فِي التُّرَاب خضوعا) (مَا كَانَ مذْهبه الخنوع لعَبْدِهِ ... إِلَّا زِيَادَة قلبه تقطيعا) (قُولُوا لمن أَخذ الْفُؤَاد مُسلما ... يمنن عَليّ بردة مصدوعا) (العَبْد قد يعْصى وأحلف أنني ... مَا كنت إِلَّا سَامِعًا ومطيعا) (مولَايَ يحيى فِي حَيَاة كاسمة ... وَأَنا أَمُوت صبَابَة وولوعا) (1/315) (لاتنكروا غيث الدُّمُوع فَكل مَا ... ينْحل من جسمي يكون دموعا) وَكَانَ كلفا بفتى نَصْرَانِيّ استسهل لِبَاس زناره وَالْخُلُود مَعَه فِي ناره وخلع بروده لمسوحه وتسوغ الْأَخْذ عَن مسيحه وَرَاح فِي بيعَته وَغدا من شيعته وَلم يشرب نصِيبه حَتَّى حط عَلَيْهِ صليبه فَقَالَ (أدرها مثل ريقك ثمَّ صلب ... كعادتكم على وهمي وكاسي) (فَيَقْضِي مَا أمرت بِهِ اجتلابا ... لمسروري وَزَاد خنوع راسي) وَله أَيْضا فِي مثله (وَرَأَيْت فَوق النَّحْر درعا ... فاقعا من زعفران) (فزجرته لونا سقامي ... بالنوى والزجر شاني) (يَا من نأى عني كَمَا ... تنأى الْعُيُون الفرقدان) (فَأرى بعيني الفرقدين ... وَلَا أرَاهُ وَلَا يراني) (1/316) (لَا قدرت لَك أوبة ... حَتَّى يؤوب القارظان) (هَل ثمَّ الا الْمَوْت فَردا ... لَا تكون منيتان) وَله أَيْضا رَحمَه الله (أشْرب الكأس يَا نصير وهات ... إِن هَذَا النَّهَار من حسناتي) (بِأبي غرَّة ترى الشَّخْص فِيهَا ... فِي صفاء أصفى من الْمرْآة) (ينْزح النَّاس نَحْوهَا بازدحام ... كازدحام الحجيج فِي عَرَفَات) (هَاتِهَا يَا نصير إِنَّا اجْتَمَعنَا ... بقلوب فِي الدّين مختلفات) (إِنَّمَا نَحن فِي مجَالِس لَهو ... نشرب الراح ثمَّ أَنْت مواتي) (فَإِذا مَا انْقَضتْ دنانة ذَا اللَّهْو ... اعتمدنا مَوَاضِع الصَّلَوَات) (لَو مضى الدَّهْر دون رَاح وقصف ... لعددنا هَذَا من السَّيِّئَات) وشاعت عَنهُ أشعار فِي دولة الْخلَافَة وَأَهْلهَا سدد إِلَيْهِم صائبات نبلها وسقاهم كؤوس نهلها أوغرت عَلَيْهِ الصُّدُور ونفرت عَلَيْهِ المنايا وَلَكِن لم يساعدها الْمَقْدُور فسجنه الْخَلِيفَة دهرا وأسلكه من النكبة وعرا فاستعطفه أثْنَاء ذَلِك واستلطفه وأجناه كل (1/317) زهر من الاحسان وأقطفه فَمَا أصغى إِلَيْهِ وَلَا ألغى موجوته عَلَيْهِ وَله فِي السجْن أشعار صرح فِيهَا ببثه وأفصح فِيهَا عَن جلّ الْخطب لفقد صبره ونكثه فَمن ذَلِك قَوْله لَك الْأَمْن من شجو يزِيد تشوقي (فوافوابنا الزهراء فِي حَال خَالع ... الْأَئِمَّة لاستيغالهم فِي التَّوَثُّق) (وحولي من أهل التأدب مأتم ... وَلَا جؤذر إِلَّا بِثَوْب مشقق) (فَلَو أَن فِي عَيْني الْحمام كروضها ... وَإِن كَانَ فِي ألوانه غير مُشفق) (ونادى حمامي مهجتي لتغافلت ... فَهَلا أجابت وَهُوَ عِنْدِي لمحنق) (أعيني إِن كَانَت لدمعي فضلَة ... تثبت صبري سَاعَة فتدفقي) (فَلَو ساعدت قَالَت أَمن قلَّة الأسى ... تنقت دموعي أم من الْبَحْر تستقي) وَمِنْهَا (تكلفني أَن أَعتب الدَّهْر أَنَّهَا ... لجاهلة من لي بأعتاب محنق) (وَقَالَت تظن الدَّهْر يجمع بَيْننَا ... فَقلت لَهَا من لي بِظَنّ مُحَقّق) (ولكنني فِيمَا زجرت بمقلة ... زجرت اجْتِمَاع الشمل بعد التَّفَرُّق) (1/318) (فقد كَانَت الأشفار فِي مثل بَعدنَا ... فَلَمَّا الْتَقت بالطيف قَالَت سنلتقي) (أباكية يَوْمًا وَلم يَأْتِ وقته ... سينفد قبل الْيَوْم دمعك فارفقي) (ومذ لم تريني أَنْت فِي ثوب ضائع ... لعمري لقد حفت بعي ممزق) وَقَالَ أَيْضا فِي السجْن (نسائلها هلا كَفاك نحوله ... ونصبته أَو دمعة وهموله) (تكنفه همان شجو وصبوة ... فَبلغ واشية المنى وعذوله) (فَإِن تستبن فِي وَجهه هم سجنه ... فقد غَابَ فِي الأحشاء عَنْك دخيله) (معنى بكتمان الحبيب وحبه ... فَإِن يقتل الكتمان فَهُوَ قتيله) وَمِنْهَا (وأقبلن من نَحْو الحبيب كَأَنَّمَا ... تحاشد نحوي جفْنه ونصوله) (دَعونِي أَشمّ بِالْبَابِ برق أحبتي ... قواما فَلم يسمع بِذَاكَ وَكيله) (يعم فَلَا يألوا حصارا لَعَلَّه ... سيودي فيودي بثه وأليله) (فَلَو كَانَ فِي هَذَا الْحصار سميه ... لأنساه طول السَّبع فِي الْيَوْم طوله) (لقد راعني سجني فشط ولودنا ... من السجْن لم يسهل عَليّ دُخُوله) (يعز على الْورْد النَّضِير حُلُوله ... وَلم يَك عِنْد المستهام نُزُوله) (1/319) وَله أَيْضا (على كبري تهمي السَّحَاب وتذرف ... وَمن جزعي تبْكي الْحمام وتهتف) (كَأَن السَّحَاب الواكفات غواسلي ... وَتلك على فقدي نوائح هتف) (أَلا ظعنت ليلى وَبَان قطينها ... ولكنني بَاقٍ فلوموا وعنفوا) (وآنست فِي وَجه الصَّباح لبينها ... نحولا كَأَن الصُّبْح مثلي مدنف) (وَأقرب عهد رشفة بلت الحشا ... فَعَاد شتاء بَارِدًا وَهُوَ صيف) (وَكَانَت على خوف فَوَلَّتْ كَأَنَّهَا ... من الردف فِي الْقَيْد الخلاخل ترسف) وَله أَيْضا (مقلتي ضرجتك بالتوريد ... فدعي لي قلبِي وَمِنْهَا استفيدي) (هَذِه الْعين ذنبها مَا ذكرنَا ... أَي ذَنْب لقلبي المعمود) (لَو تردت بِحجَّة الْعين مَاذَا ... لم تعاقب بالدمع والتسهيد) (بلغ الياسمين فِي الْقدر أَن قد ... لف من خدها بورد نضيد) (كل شَيْء أَتُوب عَنهُ وَلَا تَوْبَة ... لي من هوى الحسان الغيد) (من لعان مِنْهُنَّ غير طليق ... وَسَقِيم مِنْهُنَّ غير معود) (شهِدت أدمعي بوجدي وزورن ... لشاني إِذا خانه مجلودي) (أَيهَا اللائمي على الْحبّ مهلا ... هَل تلام الْحمام فِي التغريد) (1/320) وَله أَيْضا (فقدت دموعي يوسفا فِي حسنه ... فَغَدَوْت يعقوبا بِشدَّة وجده) (وعميت مِمَّا قد لقِيت من البكا ... حَتَّى مسحت على الجفون بِبرْدِهِ) وَله أَيْضا (قبلته قُدَّام قسيسه ... شربت كاسات بتقديسه) (يقرع قلبِي عِنْد ذكرى لَهُ ... من فرط شوقي قرع ناقوسه) وسجن مَعَه غُلَام من أَوْلَاد العبيد فِيهِ مجَال وَفِي نفس متأملة من لوعته أَو جال فَكتب يُخَاطب الْمُوكل بِبَاب السجْن بِقِطْعَة مِنْهَا (حبيسك مِمَّن أتلف الْحبّ قلبه ... ويلذع قلبِي حرقة دونهَا الْجَمْر) (هِلَال وَفِي غير السَّمَاء طلوعه ... وريم وَلَكِن لَيْسَ مَسْكَنه القفر) \ (تَأَمَّلت عَيْنَيْهِ فخامرني السكر ... وَلَا شكّ فِي أَن الْعُيُون هِيَ الْخمر) (أناطقه كَيْمَا يَقُول وَإِنَّمَا ... أناطقه عمدا لينثر الدّرّ) (أَنا عَبده وَهُوَ المليك كَمَا اسْمه ... فلي مِنْهُ شطر كَامِل وَله الشّطْر) (1/321) (الأديب أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن هانىء) علق خطير وَروض أدب مطير غاص فِي طلب الْغَرِيب حَتَّى أخرج دره الْمكنون وبهرج بافتنانه كل الْفُنُون وَله نظم تتمنى الثريا أَن تتوج بِهِ وتتقلد وَيَوَد الْبَدْر أَن يكْتب فِيهِ مَا اخترع وَولد زهت بِهِ الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت فحسد الْمغرب فِيهِ الْمشرق وغص بِهِ من الْعرَاق وشرق غير أَنه نبت بِهِ أكنافها وشمخت عَلَيْهِ أنافها وبرئت مِنْهُ وزوى الْخَيْر فِيهَا عَنهُ لِأَنَّهُ سلك مَسْلَك المعري وتجرد من التدين وعري وَأبْدى (1/322) الغلو وتعدى الْحق المجلو فمجته الْأَنْفس وأزعجته الأندلس فَخرج على غير اخْتِيَار وَمَا عرج على هَذِه الديار إِلَى أَن وصل الزاب واتصل بِجَعْفَر بن الأندلسية مأوى تِلْكَ الجنسية فناهيك من سعد ورد عَلَيْهِ فكرع وَمن بَاب ولج فِيهِ وَمَا قرع فَاسْتَرْجع عِنْده شبابه وانتجع وبله وربابه وتلقاه بتأهيل ورحب وسقاه صوب تِلْكَ السحب وأفرط فِي مدحه لَهُ فِي الغلو وَزَاد وَفرغ عِنْده تِلْكَ المزاد وَلم يتورع وَلَا ثناه ذُو ورع وعَلى هَذِه الهنة فَلهُ بَدَائِع يتحير فِيهَا ويحار ويخال لرقتها أَنَّهَا أسحار فَإِنَّهُ اعْتمد التَّهْذِيب والتحرير وَاتبع فِيهَا الفرزدق مَعَ جرير وَأما تشبيهاته فخرق فِيهَا الْمُعْتَاد وَمَا شَاءَ مِنْهَا اقتاد وَقد أثبت لَهُ مَا تحن لَهُ الأسماع وَلَا تتمكن مِنْهَا الأطماع ذَلِك قَوْله (1/323) (أليلتنا إِذْ أرْسلت واردا وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء فِي أذنها شنفا) (وَبَات لنا سَاق يقوم على الدجى ... بشمعة صبح لَا تقط وَلَا تطفا) (اغن غضيض خفف اللين قده ... وثقلت الصَّهْبَاء أجفانه الوطفا) (وَلم يبْق إرعاش المدام لَهُ يدا ... وَلم يبْق إعنات التثني لَهُ عطفا) (نزيف نضاه السكر إِلَّا ارتجاحه ... إِذا كل عَنْهَا الْخضر حملهَا الردفا) (يَقُولُونَ حقف فَوْقه خيزرانة ... أما يعْرفُونَ الخيزرانة والحقفا) (جعلنَا حشايانا ثِيَاب مدامنا ... وقدت لنا الأزهار من جلدهَا لحفا) (فَمن كبد توحي إِلَى كبد هوى ... وَمن شفه تومي إِلَى شفة رشفا) وَمِنْهَا (كَأَن السماكين اللَّذين تراهما ... على لبدتيه ضامنان لَهُ حتفا) (فَذا رامح يهوي إِلَيْهِ سنانة ... وَذَا أعزل قد عض أنمله لهفا) (كَأَن سهيلا فِي مطالع أفقه ... مفارق إلْف لم يجد بعده إلفا) (كَأَن بني نعش ونعشاً مطافل ... بوجرة قد أضللن فِي مهمة خشفا) (كَأَن سهاها عاشق بَين عود ... فآونة يَبْدُو وآونة يخفى) (1/324) (كَأَن قدامى النسْر والنسر وَاقع ... قصصن فَلم تسم الخوافي بِهِ ضعفا) (كَأَن أَخَاهُ حِين حوم طائرا ... أَتَى دون نصف الْبَدْر فاختطف النصفا) (كَأَن ظلام اللَّيْل إِذْ مَال ميله ... صريع مدام بَات يشْربهَا صرفا) (كَأَن عمودا الصُّبْح خاقَان معشر ... من التّرْك نَادَى بالنجاشي فاستخفى) (كَأَن لِوَاء الشَّمْس غرَّة جَعْفَر ... رأى الْقرن فازدادت طلاقته ضعفا) وَله أَيْضا (فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصَّباح المسفر) (وجنيتم ثَمَر الوقائع يانعا ... بالنصر من علق الْحَدِيد الْأَحْمَر) (أبني العوالي السمهرية وَالسُّيُوف ... المشرفية والعديد الْأَكْثَر) (من مِنْكُم الْملك المطاع كَأَنَّهُ ... تَحت السوابغ تبع فِي حمير) (1/325) (جَيش تقدمه الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الْأَخْضَر) (وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مِمَّا يشق من العجاج الأكدر) (لحق الْقبُول مَعَ الدبور وَسَار فِي ... جمع الهرقل وعزمة الْإِسْكَنْدَر) (فِي فتية صدأ الْحَدِيد لباسهم ... فِي عبقري البيد جنَّة عبقر) (وَكَفاهُ من حب السماحة أَنه ... مِنْهُ بِموضع مقلة من محجر) (نعماؤه من رَحْمَة ولباسه ... من جنَّة وعطاؤه من كوثر) وَله أَيْضا من قصيدة فِي جَعْفَر بن عَليّ (1/326) (أَلا أَيهَا الْوَادي الْمُقَدّس بالندى ... وَأهل الندى قلبِي إِلَيْك مشوق) (وَيَا أَيهَا الْقصر المنيف قبابه ... على الزاب لَا يسدد إِلَيْك طَرِيق) (وَيَا ملك الزاب الرفيع عماده ... بقيت لجمع الْمجد وَهُوَ فريق) (فَمَا أنس لَا أنس الْأَمِير إِذا غَدا ... يروع بحورا ملكه ويروق) (وَلَا الْجُود يجْرِي من صفيحة وَجهه ... إِذا كَانَ من ذَاك الجبين شروق) (وهزته للمجد حَتَّى كَأَنَّمَا ... جرت فِي سجاياه الْعَذَاب رحيق) (أما وَأبي تِلْكَ الشَّمَائِل إِنَّهَا ... دَلِيل على أَن النجار عَتيق) (فَكيف بصبر النَّفس عَنهُ ودونه ... من الأَرْض مغبر الفجاج عميق) (فَكُن كَيفَ شَاءَ النَّاس أَو شِئْت دَائِما ... فَلَيْسَ لهَذَا الْملك غَيْرك فَوق) (وَلَا تشكر الدُّنْيَا على نيل رُتْبَة ... فَمَا نلتها إِلَّا وَأَنت حقيق) وَله من قصيدة (خليلي ايْنَ الزاب مني وجعفر ... وجنة عدن بنت عَنْهَا وكوثر) (فقبلي نأى عَن جنَّة الْخلد آدم ... فَمَا راقه من جَانب الأَرْض منظر) (1/327) (لقد سرني أَنِّي أَمر بِبَالِهِ ... فيخبرني عَنهُ بذلك مخبر) (وَقد سَاءَنِي أَنِّي أرَاهُ ببلدة ... بهَا منسك مِنْهُ عَظِيم ومشعر) (وَقد كَانَ لي مِنْهُ شَفِيع مُشَفع ... بِهِ يمحص الله الذُّنُوب وَيغْفر) (أَتَى النَّاس أَفْوَاجًا إِلَيْك كَأَنَّمَا ... من الزاب بَيت أَو من الزاب محشر) (فَأَنت لمن قد مزق الله شَمله ... ومعشره والأهل أهل ومعشر) وَله أَيْضا (أَلا طرقتنا والنجوم ركود ... وَفِي الْحَيّ أيقاظ وَهن هجود) (وَقد أعجل الْفجْر الملمع خطوها ... وَفِي أخريات اللَّيْل مِنْهُ عَمُود) (سرت عاطلا غَضَبي على الدّرّ وَحده ... وَلم يدر نحر مَا داهاه وجيد) (فَمَا بَرحت إِلَّا وَمن سلك أدمعي ... قلائد فِي لباتها وعقود) (وَيَا حسنها فِي يَوْم نضت سوالفا ... تريع إِلَى أترابها وتحيد) (ألم يأتها أَنا كبرنا عَن الصِّبَا ... وَأَنا بلينا وَالزَّمَان جَدِيد) (وَلَا كالليالي مَا لَهُنَّ مواثق ... وَلَا كالغواني مَا لَهُنَّ عهود) وَمِنْهَا (وَلَا كالمعز ابْن النَّبِي خَليفَة ... لَهُ الله بالفخر الْمُبين شَهِيد) (1/328) وَله أَيْضا (قد مَرَرْنَا على مغانيك تِلْكَ ... فَرَأَيْنَا بهَا مشابه مِنْك) (عارضتها المها الخواذل سربا ... عِنْد أجراعها فَلم تسل عَنْك) (لَا يرع للمها بذلك سرب ... أشبهتك فِي الْوَصْف إِن لم تكنك) (كن عذيري فقد رَأَيْت معاجي ... يَوْم تبْكي بالجزع ولهى وأبكي) (بحنين مرجع وتشك ... وأنين موجع كتشكي) وَله قصيدة يمدح بهَا جَعْفَر بن عَليّ بن رمان (قفا فلأمر مَا سرينا وَلَا نسري ... وَإِلَّا نرى مشي القطا الْوَارِد الكدر) (قفا نتبين أَيْن ذَا الْبَرْق مِنْهُم ... وَمن أَيْن تَأتي الرّيح طيبَة النشر) (لَعَلَّ ثرى الْوَادي الَّذِي كنت مرّة ... أزورهم فِيهِ تضوع للسَّفر) (وإلافما وَاد يسيل بعنبر ... وَإِلَّا فَمَا تدير الركاب وَلَا نَدْرِي) (1/329) (أكل كناس بالصريم تظنه ... كناس الظباء الدعج والشدن العفر) (وَهل عجبوا أَنِّي أسائل عَنْهُم ... وهم بَين أحناء الجوانح والصدر) (وَهل علمُوا أَنِّي أيمم أَرضهم ... وَمَالِي بهَا غير التعسف من خبر) (ولي سكن تَأتي الْحَوَادِث دونه ... فيبعد عَن عَيْني وَيقرب من فكري) (إِذا ذكرته النَّفس جَاشَتْ بِذكرِهِ ... كَمَا عثر الساقي بجام من الْخمر) (فَلَا تسألاني عَن زماني الَّذِي خلا ... فوا لعصر إِنِّي بعد يحيى لفي خسر) (وآليت لَا أعطي الزَّمَان مقادتي ... إِلَى مثل يحيى ثمَّ أغضي على الْوتر) (حنيني إِلَيْهِ ظَاعِنًا ومخيما ... وَلَيْسَ حنين الطير إِلَّا إِلَى الوكر) وَله من قصيدة (فتكات طرفك أم سيوف أَبِيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فِيك) (أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... لَا أَنْت راحمه وَلَا أهلوك) (يَا بنت ذِي السَّيْف الطَّوِيل نجاده ... أكذا يجوز الحكم فِي ناديك) (عَيْنَاك أم مغناك موعدنا وَفِي ... وَادي الْكرَى أَلْقَاك أم واديك) وَقَالَ أَيْضا (أحبب بهاتيك القباب قبابنا ... لَا بالحداة وَلَا الركاب ركابا) (1/330) (فِيهَا قُلُوب العاشقين تخالها ... عنما بأيدي الْبيض أَو عنابا) (وَالله لَوْلَا أَن يعنفني الْهوى ... وَيَقُول بعض العاذلين تصابى) (لكسرت دملجها بِضيق عناقها ... ورشفت من فِيهَا البرود رضابا) (بنتم فلولا أَن أغير لمتي ... عَبَثا وألقاكم عَليّ غضابا) (لخضبت شيباً فِي مفارق لمتي ... ومحوت محو النقس عَنهُ شبَابًا) (وخضبت مبيض الْحداد عَلَيْكُم ... لَو أنني أجد الْبيَاض خضابا) (وَإِذا أردْت على المشيب وفادة ... فاحثت مطيك دونه الأحقابا) (فلتأخذن من الزَّمَان حمامة ... ولتبعثن إِلَى الزَّمَان غرابا) وَمِنْهَا (قد طيب الأقطار طيب ثنائه ... من أجل ذَا تَجِد الثغور عذَابا) (لم تدنني أَرض إِلَيْك وَإِنَّمَا ... جِئْت السَّمَاء ففتحت أبوابا) (1/331) (وَرَأَيْت حَولي وَفد كل قَبيلَة ... حَتَّى توهمت الْعرَاق الزابا) (أَرضًا وطِئت الدّرّ من رضراضها ... والمسك تربا والرياض جنابا) (وَرَأَيْت أجبل أرْضهَا منقادة ... فحسبتها مدت إِلَيْك رقابا) (سد الإِمَام بهَا الثغور وَقبلهَا ... هزم النَّبِي بقومك الأحزابا) (الأديب أَبُو عمر أَحْمد بن فرج الجياني) مُحرز الخصل مبرز فِي كل معنى وَفصل متميز بِالْإِحْسَانِ متحيز إِلَى فِئَة الْبَيَان ذكي الْخلد مَعَ قُوَّة الْعَارِضَة والْمنَّة الناهضة حضر مجْلِس بعض الْقُضَاة حَتَّى إِن أَهله لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي إِلَّا رمزا وَلَا يخاطبون إِلَّا إِيمَاء فَلَا تسمع لَهُم ركزا فَكلم فِيهِ خصما لَهُ كلَاما (1/332) استطال بِهِ عَلَيْهِ لفضل بَيَانه وطلاقة لِسَانه فَفَارَقَ عَادَة الْمجْلس فِي رفض الأنفة وخفض الْحجَّة المؤتنفة وهز عطفه وحسر عَن ساعده وَأَشَارَ بِيَدِهِ مَادًّا بهَا لوجه خَصمه خَارِجا عَن حد الْمجْلس ورسمه فهم الأعوان بتقويمه وتثقيفه ووزعهم وَهبة مِنْهُ وخشية حَتَّى تنَاوله القَاضِي بِنَفسِهِ وَقَالَ لَهُ مهلا عافاك الله اخْفِضْ صَوْتك واقبض يدك وَلَا تفارق مركزك وَلَا تعد حَقك وأقصر من أسبابك وإدلالك بأدابك فَقَالَ لَهُ مهلا يَا قَاضِي أَمن المخدرات أَنا فاخفض صوتي واستريدي وأغطي معاصمي لديك أم من الْأَنْبِيَاء أَنْت فَلَا يجْهر بالْقَوْل عنْدك وَذَلِكَ لم يَجعله الله إِلَّا لرَسُوله لقَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون} وَلست بِهِ وَلَا كَرَامَة وَقد ذكر الله أَن النُّفُوس تجَادل فِي الْقِيَامَة فِي موقف الهول الَّذِي لَا يعد لَهُ مقَام وَلَا يشبه انتقامه انتقام (1/333) فَقَالَ تَعَالَى {يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا} إِلَى قَوْله تَعَالَى {وهم لَا يظْلمُونَ} لقد تعديت طورك وعلوت فِي منزلتك وَإِنَّمَا الْبَيَان بِعِبَارَة اللِّسَان وبالنطق يستبين الْحق من الْبَاطِل وَلَا بُد فِي الْخِصَام من إفصاح الْكَلَام وَقَامَ وَانْصَرف فبهت القَاضِي وَلم يحر جَوَابا وَكَانَ فِي الدولة صَدرا من أعيانها وناسق دُرَر تبيانها نفق فِي سوقها وصنف وقرط محاسنها وشنف وَله الْكتاب الرَّائِق الْمُسَمّى بالحدائق وأدركه فِي الدولة سعي ورفض لَهُ فِيهَا الرَّعْي واعتقله الْخَلِيفَة وأوثقه فِي مَكَان أَخِيه فَلم يُومِض لَهُ عَفْو وَلم يشب كدر حَالَة صفو حَتَّى قضى معتقلا ونعى للنائبات نعيا مثكلا وَله فِي السجْن أشعار كَثِيرَة وأقوال مبدعات منيرة فَمن ذَلِك مَا أنْشدهُ أَبُو مُحَمَّد بن حزم يصف خيالا طرقه بَعْدَمَا (1/334) أسهره الوجد وأرقه (بِأَيِّهِمَا أَنا فِي الشُّكْر بَادِي ... بشكر الطيف أم شكر الرقاد) (سرى وازداد فِي أملي وَلَكِن ... عففت فَلم أجد مِنْهُ مرادي) (وَمَا فِي النّوم من حرج وَلَكِن ... جريت من العفاف على اعتيادي) وَله أَيْضا (وطائعة الْوِصَال عففت عَنْهَا ... وَمَا الشَّيْطَان فِيهَا بالمطاع) (بَدَت فِي اللَّيْل سافرة فباتت ... دياجي اللَّيْل سافرة القناع) (وَمَا من لَحْظَة إِلَّا وفيهَا ... إِلَى فتن الْقُلُوب لَهَا دواعي) (فملكت النهى جمحات شوقي ... لأجري بالعفاف على طباعي) (وَبت بهَا مبيت الطِّفْل يظما ... فيمنعه الْفِطَام من الرَّضَاع) (1/335) كَذَاك الرَّوْض لَيْسَ بِهِ لمثلي ... سوى نظر وشم من مَتَاع) (وَلست من السوائم مهملات ... فَاتخذ الرياض من المراعي) وَله أَيْضا (للروض حسن فقف عَلَيْهِ ... واصرف عنان الْهوى إِلَيْهِ) (أما ترى نرجسا نضيرا ... يرنو إِلَيْهِ بمقلتيه) (نشر حَبِيبِي على رباه ... وصفرتي فَوق وجنتيه) وَله أَيْضا (بمهلكة يستهلك الْحَمد عفوها ... وَيتْرك شَمل الْعَزْم وَهُوَ مبدد) (ترى عاصف الْأَرْوَاح فِيهَا كَأَنَّهُ ... من الأين يمشي ظالع أَو مُقَيّد) (الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحداد) شَاعِر مادح وعَلى أيك الندى صادح لم ينطقه إِلَّا معن أَو (1/336) صمادح فَلم يرم مثواهما وَلم ينتجع سواهُمَا وَاقْتصر على المرية وَاخْتصرَ قطع المهامة وخوض الْبَريَّة فعكف فِيهَا ينثر درره فِي ذَلِك المنتدى ويرتشف أبدا ثغور ذَلِك الندى مَعَ تميزه بِالْعلمِ وتحيزه إِلَى فِئَة الْوَقار والحلم وانتمائه إِلَى آيَة سلف ومذهبه مَذَاهِب أهل الشّرف وَكَانَ لَهُ لسن ورواء حسن يَشْهَدَانِ لَهُ بالنباهة ويقلدان كَاهِله مَا شَاءَ من الوجاهة وَقد أثبت لَهُ بعض مَا قذفه من درره وفاه بِهِ من محَاسِن غرره فَمن ذَلِك قَوْله (إِلَى الْمَوْت رَجْعِيّ بعد حِين فَإِن أمت ... فقد خلدت خلد الزَّمَان مناقبي) (وذكري فِي الْآفَاق طَار كَأَنَّهُ ... بِكُل لِسَان طيب عذراء كاعب) (فَفِي أَي علم لم تبرز سوابقي ... وَفِي أَي فن لم تبرز كتائبي) وَحضر مجْلِس المعتصم بِحُضُور ابْن اللبانة فَأَنْشد فِيهِ (1/337) قصيدا أبرز بِهِ من عرى الإجسان مَا لم ينفصم وَاسْتمرّ فِيهَا يستكمل بدائعها وقوافيها فَإِذا هُوَ قد أغار على قصيدة ابْن الْحداد الَّذِي أَوله (عجى بالحمى حَيْثُ الخماص الْعين ... ) فَقَالَ ابْن الْحداد مرتجلا (حاشا لعدلك يَا ابْن معن أَن يرى ... فِي سلك غَيْرِي دري الْمكنون) (وإليكها تَشْكُو استلاب مطيها ... عج بالحمى حَيْثُ الخماص الْعين) (فاحكم لَهَا واقطع لِسَانا لَا يدا ... فلسان من سرق القريض يَمِين) وَله أَيْضا (يَا غَائِبا خطرات الْقلب محضره ... الصَّبْر بعْدك شَيْء لست أقدره) (تركت قلبِي واشواقي تفطره ... ودمع عَيْني وأحداقي تحدره) (لَو كنت تبصر فِي تدمير حالتنا ... إِذن لأشفقت مِمَّا كنت تبصره) (فالعين دُونك لَا تحلى بلذتها ... والدهر بعْدك لَا يصفو تكدره) (1/338) (أُخْفِي اشتياقي وَمَا أطويه من أَسف ... على المرية والأنفاس تظهره) وَله أَيْضا (إِن المدامع والزفير ... قد أعلنا مَا فِي الضَّمِير) (فعلام أُخْفِي ظَاهرا ... سقمي عَليّ بِهِ ظهير) (هَب لي الرضى من ساخط ... قلبِي بساحته الْأَسير) وَله أَيْضا (أَيهَا الْوَاصِل هجري ... أَنا فِي هجران صبري) (لَيْت شعري أَي نفع ... لَك فِي إدمان ضري) وَله أَيْضا (يَا مشبه الْملك الْجَعْدِي تسميه ... ومخجل الْقَمَر البدري أنوارا) وَله أَيْضا (تطالبني نَفسِي بِمَا فِيهِ صونها ... فأعصي ويسطو شوقها فأطيعها) (وَوَاللَّه مَا يخفى عَليّ ضلالها ... وَلكنهَا تهوى فَلَا أستطيعها (1/339) وَله أَيْضا (استودع الرَّحْمَن مستودعي ... شوقا كَمثل النَّار فِي أضلعي) (أترك من أَهْوى وأمضي كَذَا ... وَالله مَا أمضي وقلبي معي) (وَلَا نأى شخصك عَن ناظري ... حينا وَلَا نطقك عَن مسمعي) وَقَالَ أَيْضا (لَعَلَّك بالوادي الْمُقَدّس شاطىء ... فكالعنبر الْهِنْدِيّ مَا أَنا واطىء) (وَإِنِّي فِي رياك وَاجِد ريحهم ... فَروح الْهوى بَين الجوانح ناشىء) (ولي فِي السرى من نارهم ومنارهم ... هداه حداة والنجوم طوافىء) (لذَلِك مَا حنت ركابي وحمحمت ... عرابي وَأوحى سَيرهَا المتباطىء) (وَيَا حبذا من آل لبنى مَوَاطِن ... وَيَا حبذا من أَرض لبنى مواطىء) (وَلَا تحسبوا غيدا حوتها مقاصر ... فَتلك قُلُوب ضمنتها جآجىء) (وَفِي الكلل اللَّاتِي لعزة ظَبْيَة ... تحف بهَا زرق العوالي الكوالىء) (أفاتكة الألحاظ ناسكة الْهوى ... ورعت وَلَكِن لحظ عَيْنَيْك خاطىء) (وَآل الْهوى جرحي وَلَكِن دِمَاءَهُمْ ... دموع هوَام والجروح مآقيء) (1/340) (وَكَيف أعاني كلم طرفك فِي الحشا ... وَلَيْسَ لتمزيق المهند رافىء) (وَمن أَيْن أَرْجُو برْء نَفسِي من الْهوى ... وماكل ذِي سقم من السقم بارىء) وَله أَيْضا (بخافقة القرطين قَلْبك خافق ... وَعَن خرس القلبين دمعك نَاطِق) (وَفِي مشرق الصدغين للبدر مغرب ... وللفكر حالات وللعين شارق) (وَبَين حَصى الْيَاقُوت مَاء وسامة ... محلاة عَنهُ الظباء السوابق) (وحشو قباب الرقم أحوى مقرطق ... كَمَا آس روض عطفه والقراطق) (غزال ربيب فِي المقاصر كانس ... وخوط لَبِيب بالغرائر وارق) (الأديب الأسعد بن بليطة) سرد الْبَدَائِع أحسن السرد وافترس الْمَعَالِي كالأسد الْورْد وأبرز (1/341) دُرَر المحاسن من صدفها وَحَازَ من بَحر الإجادة وشرفها ومدح ملوكا طوقهم من مدائحه قلائد وزف إِلَيْهِم مِنْهَا خرائد وجلاها عَلَيْهِم كواعب بالألباب لواعب فأسالت العوارف وَمَا تقلص لَهُ من الحظوة ظلّ وارف وَقد أثبت لَهُ مَا يعْتَرف بِحقِّهِ وَيعرف مِقْدَار سبقه فَمن ذَلِك قَوْله (برامة ريم زارني بعد مَا شطا ... تقنصته بالحلم فِي الشط فاشتطا) (رعى من أفانين الْهوى ثَمَر الحشا ... جنيا وَلم يرع العهود وَلَا الشرطا) (خيال لمرقوم غرير برامة ... تأوبني بالرقمتين لَدَى الأرطى) (فأكسبني من خدها رَوْضَة الجنى ... وألدغني من صدغها حَيَّة رقطا) (وباتت ذراعاها نجادا لعاتقي ... إِذا مَا التقاها الْحَيّ غنى لَهَا لَغطا) (وسل اهتصاري غصنها من مخصر ... طواه اضصنى طي الطوامير فامتطا) (وَقد غَابَ كحل اللَّيْل فِي دمع فجرة ... إِلَى أَن تبدى الصُّبْح فِي اللمة الشمطا) (1/342) وَمِنْهَا فِي وصف الديك (وَقَامَ لَهَا ينعي الدجى ذُو شَقِيقَة ... يُدِير لنا من بَين أجفانه سقطا) إِذا صَاح أصغي سَمعه لأذانه ... وبادر ضربا من قوادمه الإبطا) (كَأَن أنو شرْوَان أَعْلَاهُ تاجه ... وناطت عَلَيْهِ كف مَارِيَة القرطا) (سبى حلَّة الطاووس حسن لباسها ... وَلم يكفه حَتَّى سبى المشية البطا) وَمن غزلها (غلامية جَاءَت وَقد جعل الدجى ... لخاتم فِيهَا فص غَالِيَة خطا) (فَقلت أحاجيها بِمَا فِي جفونها ... وَمَا فِي الشفا اللعس من حسنها الْمُعْطى) (محيرة الْعَينَيْنِ من غير سكرة ... مَتى شربت ألحاظ عَيْنَيْك اسفنطا) (أرى نكهة المسواك فِي حمرَة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا) (عَسى قزَح قبلته فإخالة ... على الشّفة اللمياء قد جَاءَ مختطا) وَله أَيْضا (لَو كنت شاهدنا عَشِيَّة أمسنا ... والمزن يبكينا بعيني مذنب) (1/343) (وَالشَّمْس قد مدت أَدِيم شعاعها ... فِي الأَرْض تجنح غير أَن لم تغرب) وَله أَيْضا (وتلذ تعذيبي كَأَنَّك خلتني ... عودا فَلَيْسَ يطيب مَا لم يحرق) وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن زيدون (تظنوني كالعود حَقًا وَإِنَّمَا تطيب لكم أنفاسه حِين يحرق) (الأديب أَبُو بكر عبَادَة بن مَاء السَّمَاء) من فحول الشُّعَرَاء وأئمتهم الكبراء كَانَ منتجعا بِشعرِهِ متوجعا من صروف دهره وَكَانَت لَهُ همة أَطَالَت همه وَأَكْثَرت كمده وغمه (1/344) وَله من قصيدة فِي يحيى بن عَليّ بن حمود أَمِير الْمُؤمنِينَ (يؤرقني اللَّيْل الَّذِي أَنْت نَائِمَة ... فتجهل مَا ألْقى وطرفك عَالِمَة) (وَفِي الهودج المرقوم وَجه طوى الحشا ... عَن الْحسن فِيهِ الْحسن قد حَار راقمه) (إِذا شَاءَ وَقفا أرسل الْحسن فَرعه ... يضلهم عَن مَنْهَج الْقَصْد فاحمه) (أظلما رَأَوْا تَقْلِيده الدّرّ أم زروا ... بِتِلْكَ الآلىء انهن تمائمة) (الأديب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَائِشَة) اشْتهر صونا وعفافا وَلم يخْطب بعقيلة حظوة زفافا فآثر انقباضا (1/345) وسكونا وَاعْتمد إِلَيْهَا ركونا إِلَى أَن أنهضه أَمِير الْمُسلمين إِلَى بساطه فَهَب من مرقد خموله وشب لبلوغ مأمولة فَبَدَا مِنْهُ فِي الْحَال انزواء فِي تُسنم تِلْكَ الرسوم والتواء وقعود عَن مَرَاتِب الْأَعْلَام وجمود لَا يحمد فِيهِ وَلَا يلام إِلَّا أَن أَمِير الْمُسلمين أيده الله تَعَالَى ألْقى عَلَيْهِ مِنْهُ محبَّة جلبت إلبه مسرى الظُّهُور ومهبه وَكَانَ لَهُ أدب وَاسع المدى يَانِع كالزهر بلله الندى ونظم مشرق الصفحة عبق النفحة إِلَّا أَنه قَلِيلا مَا كَانَ يحل ربعه ويذيل لَهُ طبعة وَقد اثْبتْ لَهُ مِنْهُ مَا يدع الْأَلْبَاب حائرة والقلوب إلية طائرة فَمن ذَلِك قَوْله فِي لَيْلَة سمحت لَهُ بفتى كَانَ يهواه ونفحت لَهُ هبة وصل بردت جواه (لله ليل بَات عِنْدِي بِهِ ... طوع يَدي من مهجتي فِي يَدَيْهِ) (وَبت أسقيه كؤوس الطلا ... وَلم أزل أسهر شوقا إِلَيْهِ) (عاطيته حَمْرَاء ممزوجة ... كَأَنَّهَا تعصر من وجنتيه) (1/346) وَله فِيهِ وَقد طرزت غلالة خَدّه وَركب من عارضة سِنَان على صعدة قده (إِذا كنت تهوى خَدّه وَهُوَ رَوْضَة ... بِهِ الْورْد غض والأقاح مفلج) (فزد كلفا فِيهِ وفرط صبَابَة ... فقد زيد فِيهِ من عذار بنفسج) وَخرج من بلنسية إِلَى منية الْوَزير الْأَجَل أبي بكر بن عبد الْعَزِيز وَهِي من أبدع منَازِل الدُّنْيَا وَقد مدت عَلَيْهَا أدواحها الأفيا وأهدت إِلَيْهَا أزهارها الْعرف والريا وَالنّهر قد غص بِمِائَة وَالرَّوْض قد خص بِمثل أنجم سمائه وَكَانَت لبني عبد الْعَزِيز فِيهَا أطراب تهَيَّأ لَهُم فِيهَا من الْأَيَّام آرَاب فلبسوا فِيهَا الْأنس حَتَّى أبلوه ونشروا فِيهَا السرُور وطووه أَيَّام كَانُوا بذلك الْأُفق طلوعا لم تضم عَلَيْهِم النوائب ضلوعا فَقعدَ أَبُو عبد الله مَعَ لمة من الأدباء تَحت دوحة من أدواحها فَهبت ريح أنس من أرواحها سطت بأعصارها وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها فَقَالَ (ودوحة قد علت سَمَاء ... تطلع أزهارها نجوما) (هفا نسيم الصِّبَا عَلَيْهَا ... فَأرْسلت فَوْقنَا رجوما) (كَأَنَّمَا الجو غَار لما ... بَدَت فأغرى بهَا النسيما) (1/347) وَكَانَ فِي زمن عطلته وَوقت اصفراره وعلته ومقاساته من الْعَيْش أنكده وَمن التخوف أجهده كثيرا مَا ينشرح بِجَزِيرَة شقر ويستريح ويستطيب تِلْكَ الرّيح ويجول فِي أجارع واديها وينتقل من نواديها إِلَى بواديها فَإِنَّهَا صَحِيحَة الْهَوَاء قَليلَة الأدواء خضلة العشب والأزاهر قد أحَاط بهَا نهرها كَمَا تحيط بالمعاصم الأساور والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحة وَالرَّوْض قد عطر جوانبه بريحة وَأَبُو إِسْحَاق بن خفاجة هُوَ كَانَ منزع نَفسه ومصرع أنسه بِهِ نفح لَهُ بالمنى عبق وشذا وَمسح عَن عُيُون مسراته القذى وَغدا على مَا كَانَ وَرَاح وَجرى متهافتا فِي ميدان ذَلِك المراح قريب عهد بالفطام ودهره ينقاد فِي خطام فَلَمَّا اشتعل رَأسه شيبا وزرت عَلَيْهِ الكهولة جيبا أقصر عَن تِلْكَ الهنات واستيقظ من تِلْكَ (1/348) السنات وشب عَن ذَلِك الطوق وَاقْتصر على الحنين والشوق وقنع بِأَدْنَى تَحِيَّة وَمَا يستشعره بِوَصْف تِلْكَ العهاد من أريحية فَقَالَ (الا خلياني والأسى والقوافيا ... ارددها شجوي وأجهش باكيا) (أآمن شخصا للمسرة باديا ... وأندب رسما للشبيبة بَالِيًا) (تولى الصِّبَا الا توالي فكرة ... قدحت بهَا زندا وَمَا زلت واريا) (وَقد بَان حُلْو الْعَيْش إِلَّا تعله ... تُحَدِّثنِي عَنْهَا الْأَمَانِي خَالِيا) (وَيَا برد هَذَا المَاء هَل مِنْك قَطْرَة ... تهل فيستسقى غمامك صاديا) (وهيهات حَالَتْ دون حزوى وَأَهْلهَا ... لَيَال وَأَيَّام تخال لياليا) (فَقل فِي كَبِير عَاده صائد الظبا ... إلَيْهِنَّ مهتاجاً وَقد كَانَ ساليا) (فيا رَاكِبًا يسْتَعْمل الخطو قَاصِدا ... الاعج بشقر رائحا أَو مغاديا) (وقف حَيْثُ سَالَ النَّهر ينساب أرقما ... وهب نسيم الأيك ينفث راقيا) (1/349) (وَقل لأثيلات هُنَاكَ وأجرع ... سقيت أثيلات وحييت وَاديا) (الأديب أَبُو عَامر بن عقال) كَانَ لَهُ ببني قَاسم تعلق وَفِي سَمَاء دولتهم تألق فَلَمَّا خوت نجومهم وعفت رسومهم انحط عَن ذَلِك الْخُصُوص وَسقط سُقُوط الطَّائِر المقصوص وَتصرف بَين وجود وَعدم وتحرف قَاعِدا حينا وحينا على قدم وَفِي خلال حَاله وأثناء انتحاله لم يدع حَظه من الحبيب وَلَا ثني لَحْظَة عَن الغزال الربيب وَلم يزل يطير وَيَقَع والدهر يخْفض حَالَة وَيرْفَع إِلَى أَن رقاه الْأَمِير إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن (1/350) تاشفين أسمى ربوة وَأَقْعَدَهُ أبهى حظوة فَأدْرك عِنْده رُتْبَة أَعْلَام التحبير والإنشاء وَترك الدَّهْر قلق الحشا وتسنم منزلَة لَا يتسنمها إِلَّا من تطهر من درنه وَجمع إحسانه فِي ميدان حرنه والحظوظ أَقسَام لَا تسام وَالدُّنْيَا انارة واعتام وصفاء يتلوه قتام وَقد أثبت لَهُ بعض مَا انتقيته وَالَّذِي أَخَذته مباين لما أبقيته فَمن ذَلِك قَوْله (يَا وَيْح أجسام الْأَنَام ... لما تطِيق من الْأَذَى) (خلقت لتقوى بالغذاء ... وسقمها ذَاك الغذا) (وتنال أَيَّام السَّلامَة ... بِالْحَيَاةِ تلذذا) (فَإِذا انْقَضى زمن الصِّبَا ... وَرمى المشيب فأنفذا) (وجد السقام إِلَى المفاصل ... والجوانح منفذا) (1/351) حذا فِي هَذِه القصيدة حَذْو الصابي حَيْثُ يَقُول (وجع المفاصل وَهُوَ أيسر ... مَا لقِيت من الْأَذَى) (رد الَّذِي استحسنته ... وَالنَّاس من حظي كَذَا) وَله يعْتَذر من تَأْخِير زِيَارَة اعتمدها ومواصلة اعتقدها فعاقته عَنْهَا حوادث لوته وعدته عَن ذَلِك وثنته وَهُوَ قَوْله (بَيْنَمَا كنت راجيا للقائه ... والتشفي بالبشر من تلقائه) (وترقبت فِي سَمَاء نزاعي ... قمر الْأنس طالعا من سمائه) (فتدلهت وانزويت حَيَاء ... مِنْهُ والعذر لِسَانه) وَله فصل كتب بِهِ عَن الْأَمِير إِبْرَاهِيم يصف إجَازَة أَمِير الْمُسلمين الْبَحْر سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَفِي السَّاعَة الثَّانِيَة من يَوْم الْجُمُعَة كَانَ جَوَازه أيده الله تَعَالَى من مرسى جَزِيرَة (1/352) طريف على بَحر سَاكن قد ذل بعد استصعابه وَسَهل بعد أَن رأى الشامخ من هضابه وَصَارَ حَيَّة مَيتا وهذرة صمتا وجبالة لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا وَضعف تعاطيه وَعقد السّلم بَين موجه وشاطيه فَعبر آمنا من سطواته متملكا لصهواته على جواد يقطع الجروف سبحا ويكاد يسْبق الرّيح لمحا لم يحمل لجاما وَلَا سرجا وَلَا عهد غير اللجة الخضراء مرجا عنانة فِي رجله وهدب الْعين يَحْكِي بعض شكله فَللَّه دره من جواد لَهُ جسم وَلَيْسَ لَهُ فؤاد يخرق الْهَوَاء وَلَا يرهبه ويركض المَاء وَلَا يشربه (الأديب أَبُو الْقَاسِم المنيشي) أحد أَبنَاء الحضرة المتصرفين فِي أشبه الْأَعْمَال المتعرفين مَا (1/353) يَأْتِيهِ الْعمَّال لم يفرع ربوة ظُهُور وَلم يقرع بَاب ملك مَشْهُور ونكب عَن المقطع الجزل إِلَى الْغَرَض الفسل وَلَيْسَ من شَرط كتابي هَذَا إِثْبَات بذاءه وَلَا أَن يقف حذاءه وَقد أثبت لَهُ مَا هُوَ عِنْدِي نَافق ولغرضي مُوَافق فَمن ذَلِك قَوْله (يَا رَوْضَة باتت الأنداء تخدمها ... أَتَى النسيم وَهَذَا أول السحر) (إِن كَانَ قدك غصنا فالثراء بِهِ ... مثل الكمائم قد زرت على الزهر) (إربا ببرديك عَن ورد وَعَن زهر ... واغن بقرطيك عَن شمس وَعَن قمر) (يَا قَاتل الله لحظي كم شقيت بِهِ ... من حَيْثُ كَانَ نعيم النَّاس بِالنّظرِ) وَله يصف زرزورا (أمنبر ذَاك أم قضيب ... يفرغه مصقع خطيب) (1/354) (يختال فِي بردتي شباب ... لم يتوضح بهَا مشيب) (كَأَنَّمَا ضخمت عَلَيْهِ ... أبراده مسكه وَطيب) (أخرس لمنه فصيح ... أبله لكنه لَبِيب) (جهم على أَنه وسيم ... صَعب على أَنه أريب) وَله من رثاء فِي والدتي رَحمَه الله عَلَيْهَا (يَا ناصحي غير مفتات وَبِي شجن ... على النصائح والنصاح مفتات) (لَا أستجيب وَلَو ناديت من كثب ... قد وقرتني تعلات وعلات) (إِن كَانَ رَأْيك فِي بري وتكرمتي ... بِحَيْثُ قد ظَهرت فِيهِ عَلَامَات) (لَا ترض لي غير شجو لَا أفارقه ... فَذَاك أختاره وَالنَّاس أشتات) (يَا ذَا الوزارة من مثنى وَوَاحِدَة ... لله مَا اصطنعت مِنْك الوزارات) (لله مِنْك أَبَا نصر أَخُو جلد ... إِذا ألمت ملمات مهمات) وَمِنْهَا (أستودع الله نورا ضمه كفن ... كَمَا تواري بدور التم هالات) (1/355) (قَضَت وليت شَبَابِي كَانَ موضعهَا ... هَيْهَات لَو قضيت تِلْكَ اللبانات) (مَضَت وَلَيْسَ لكم من دونهَا أحد ... هلا وَقد أعذرت فِيهَا المروءات) (الأديب أَبُو الْحسن البرقي) بلنسي الدَّار نَفِيس الْمِقْدَار لم أعلم لَهُ بشرف وَلم أسمع لَهُ عَن سلف ورد إشبيلية سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فاتصل بِابْن زهر فناهيك من حَظّ مسك أذفر وَمن وَجه صبح أَسْفر أدْرك بِهِ الرغائب وتملك بِسَبَبِهِ الْحَاضِر وَالْغَائِب وَكَانَ مجلو المؤانسة حُلْو المجالسة وَقد أثبت لَهُ بعض مَا وجدته لَهُ فِي الغلمان (1/356) وأنشدته فِي ذَلِك الزَّمَان (إِن ذكرت الْعَتِيق هاجك شوق ... رب شوق يهيجه الإذكار) (يَا خليلي حدثاني عَن الركاب ... سحيرا أأنجدوا أم أَغَارُوا) (شغلونا عَن الْوَدَاع وولوا ... مَا عَلَيْهِم لَو ودعوا ثمَّ سَارُوا) (أَنا أهواهم على كل حَال ... عدلوا فِي هواهم أم جاروا) وعلق بإشبيلية فَتى يعرف بِابْن الْمَكْر صَار بِهِ طريحا بَين أَيدي الْفِكر وَمَا زَالَ يقاسي هَوَاهُ ويكابد جواه حَتَّى اكتسى خَدّه بالعذار وانمحت عَنهُ بهجة آذار فَقَالَ (الْآن لما صوحت وجناته ... شوكاوأضحت سلوة العشاق) (وَاسْتَوْحَشْت تِلْكَ المحاسن واكتست ... أنوار وَجهك واهن الْأَخْلَاق) (أمسيت تبذل لي الْوِصَال تصنعا ... خلق اللَّئِيم وشيمة المذاق) (1/357) (هلا وصلت إِذْ الشَّمَائِل قهوة ... وَإِذ الْمحيا رَوْضَة الأحداق) (فلكم أطلت غرام قلب موجع ... كم قد ألب إِلَيْك بالأشواق) (مَا كنت إِلَّا الْبَدْر لَيْلَة تمه ... حَتَّى قَضَت لَك لَيْلَة بمحاق) (لَاحَ العذار فَقلت وجد نازح ... إِن ابْن دأيه مُؤذن بِفِرَاق) وَله فِيهِ مناقضا لهَذَا الْغَرَض مُعَارضا للوعة سلوة الَّذِي عرض (أجيل الطّرف فِي خد نضير ... يردد ناظري نَظَرِي إِلَيْهِ) (إِذا رمدت بحمرته جفوني ... شفاها مِنْهُ أَخْضَر عارضيه) (الأديب أَبُو الْحسن عَليّ بن جودي) برز فِي الْفَهم وأحرز مِنْهُ أوفر سهم وَله أدب وَاسع مداه يَانِع كالروض بلله نداه إِلَّا أَنه سَهَا فأسرف وزها بِمَا لَا (1/358) يعرف وتصدى إِلَى الدّين بالإفتراء وَلم يراقب الله فِي ذَلِك الإجتراء واشتهرت عَنهُ أَقْوَال سدد إِلَى الْملَّة نضالها وأيد بهَا ضلالها فعظمت بِهِ المحنة وتكيفت لَهُ فِي كل نفس إحْنَة وَمَا زَالَ يتدرج فِيهَا وينتقل حَتَّى عثر وَمَا كَاد يسْتَقلّ فَمر لَا يلوي على تِلْكَ النواحي وفر لَا ينثني إِلَى اللوائم واللواحي وَمَا زَالَ يركب الْأَهْوَاء ويخوضها ويذلل النُّفُوس بهَا ويروضها حَتَّى أسمحت بعض الإسماح وكفت عَن ذَلِك الجماح فاستقر عِنْد ابْن مَالك فآواه ومهد لَهُ مثواه وَجعله فِي جملَة من اخْتصَّ من المبطلين واستخلص من المعطلين فكثيرا مَا يصطفيهم وَلَا يدْرِي أيدخرهم أم يقتنيهم وَقد أثبت لأبي الْحسن هَذَا (سل الركب عَن نجد فَإِن تَحِيَّة ... لساكن نجد قد تحملهَا الركب) (1/359) (وَإِلَّا فَمَا بَال الْمطِي على الوجى ... خفافا وَمَا للريح مرجعهارطب) وَله أَيْضا (أحن إِلَى ريح الشمَال فَإِنَّهَا ... تذكرنا نجدا وَمَا ذكرنَا نجدا) (تمر على ربع أَقَامَ بِهِ الْهوى ... وَبدل من أهليه جاثمة ربدا) وَله أَيْضا (إِذا ارتحلت غربية فاعرضا لَهَا ... فبالغرب من نهوى لَهُ الْبَلَد الغربا) (لقد سَاءَنِي أَنِّي بعيد وأننا ... بأرضين شَتَّى لَا مزارا وَلَا قربا) (يفجعنا إِمَّا بعاد مبرح ... وَإِمَّا أُمُور باعثات لنا كربا) وَله أَيْضا (لقد هيج النيرَان يَا أم مَالك ... بتدمير ذكرى ساعدتها المدامع) (1/360) (عَشِيَّة لَا أَرْجُو لقاءك عِنْدهَا ... وَلَا أَنا إِن يدنو مَعَ اللَّيْل طامع) وَله أَيْضا (حننت إِلَى الْبَرْق الْيَمَانِيّ وَإِنَّمَا ... نعالج شوقا مَا هُنَالك هانيا) (فيا رَاكِبًا يطوي الْبِلَاد تحملن ... تحيتنا إِن كنت تلجأ لاقيا) (ليالينا بالجزع جزع محجر ... سقى الله يَا فيحاء تِلْكَ اللياليا) (وَمَا ضرّ صحبي وَقْفَة بمحجر ... أحيي بهَا تِلْكَ الرسوم البواليا) وَله أَيْضا (خليلي من نجد فَإِن بنجدهم ... مصيفاً لبيت العامري ومربعا) (الا رجعا عَنْهَا الحَدِيث فإنني ... لأغبط من ليلى الحَدِيث المرجعا) (عَزِيز علينا يَا ابْنه الْقَوْم أننا ... غَرِيبَانِ شَتَّى لَا نطيق التجمعا) (فريق هوى منا يمَان ومشئم ... يحاول يأسا أَو يحاول مطمعا) (كأنا خلقنَا للنوى وكأنما ... حرَام على الْأَيَّام أَن تتجمعا) (1/361) فارغة (1/362) فارغة (1/363) فارغة (1/364) فارغة (1/365) فارغة (1/366) فارغة (1/367) فارغة (1/368) (الأديب أَبُو جَعْفَر بن النَّبِي) رَافع راية القريض وَصَاحب آيَة التَّصْرِيح فِيهِ والتعريض أَقَامَ شرائعه وَأظْهر بدائعه إِذا نظم أزرى بنظم الْعُقُود واتى بأحن من رقم البرود وَكَانَ أليف غلْمَان وحليف كفر لَا إِيمَان وَمَا نطق متشرعاً وَلَا رَمق متورعاً وَلَا أعتقد حشرا وَلَا صدق بعثا وَلَا نشرا تنسك مَجْنُونا وفتكاً باسم التقى وَقد هتكه هتكاً لَا يُبَالِي كَيفَ ذهب وَلَا بِمَا تمذهب، وَكَانَت لَهُ أهاجي جرع بهَا صابا (1/369) وَدرع مِنْهَا أوصابا وَقد أثبت لَهُ مَا يرتشف ريقا وَيشْرب تَحْقِيقا فَمن ذَلِك قَوْله يتغزل (من لي بغرة فاتن يختال فِي ... حلل الْجمال إِذا بدا وحليه) (لَو شمت فيومضح النَّهَار شعاعها ... مَا عَاد جنح اللَّيْل بعد مضيه) (شَرقَتْ لآلي الْحسن حَتَّى خلصت ... ذهبيه فِي الخد من فضيه) (فِي صفحتيه من الْجمال أزاهر ... غذيت بوسمي الحيا ووليه) (سلت محاسنه لقتل محبه ... من سحر عَيْنَيْهِ حسام سميه) وَله فِيهِ (وَكَيف لَا يزْدَاد قلبِي ... من جوى الشوق خبالا) (وَإِذا قلت عَليّ ... بهر النَّاس جمالا) (1/370) (هُوَ كالغصن وكالبدر ... قواما واعتدالا) (أشرق الْبَدْر كمالا ... وانثنى الْغُصْن اختيالا) ا (إِن من رام سلوي ... عَنهُ قد رام محالا) (لست أسلو عَن هَوَاهُ ... كَانَ رشدا أَو ضلالا) (قل لمن قصر فِيهِ ... عذل نَفسِي أَو أطالا) (دون أَن تدْرك هَذَا ... تسلب الْأُفق الهلالا) وَكنت بميروقة وَقد حلهَا متسما بِالْعبَادَة وَهُوَ أسرى إِلَى الْفُجُور من خيال أبي عبَادَة وَقد لبس أسمالا وَأنس النَّاس مِنْهُ أقوالا لَا أفعالا سُجُوده هجود واقراره بِاللَّه جحود وَكَانَت لَهُ رابطة لم يكن للوازمها مرتبطا وَلَا بسكناها مغتبطا سَمَّاهَا بالعقيق وسمى فَتى كَانَ يعشقه بالحمى وَكَانَ لايتصرف إِلَّا فِي صِفَاته وَلَا يقف إِلَّا بعرفاته وَلَا يؤرقه إِلَّا جواه وَلَا يشوقه إِلَّا هَوَاهُ فَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا لأزوره وَأرى زوره فَإِذا أَنا بِأحد دَعَاهُ محبوبه ورواة (1/371) تَشْبِيه قَالَ لَهُ كنت البارحة بحماه وَذكر لَهُ خَبرا ورى بِهِ عني وعماه فَقَالَ (تنفس بالحمى مطلول أَرض ... فأودع نشره نشرا شمالا) (فصبحت الْعُيُون إِلَيّ كسلى ... تجرر فِيهِ أردانا خضالا) (أَقُول وَقد شممت الترب مسكا ... بنفحتها يَمِينا أَو شمالا) (نسيم جَاءَ يبْعَث مِنْك طيبا ... ويشكوا من محبتك اعتلالا) وَلما تقرر عِنْد نَاصِر الدولة من أمره مَا تقرر وَتردد على سَمعه انتهاكه وتكرر أخرجه من بَلَده ونفاه وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إِلَى الْمشرق وَهُوَ جَار فَلَمَّا صَار من ميروقة على ثَلَاث مجار نشات لَهُ ريح صرفته عَن وجهته إِلَى فقد مهجته فَلَمَّا لحق بميروقة أَرَادَ نَاصِر الدولة استباحته وابراء الدّين مِنْهُ وإراحته (1/372) ثمَّ آثر صفحة وأخمد ذَلِك الحنق ولفحه وَأقَام أَيَّامًا ينْتَظر ريحًا علها تزجيه ويستهديها لتخلصه وتنجيه وَفِي أثْنَاء بلوته لم يتجاسر على اتيانه أحد من أخوته فَقَالَ يخاطبهم (أحبتنا الألى عتبوا علينا ... فأقصرنا وَقد أزف الْوَدَاع) (لقد كُنْتُم لنا جذلاوأنسا ... فَهَل فِي الْعَيْش بعدكم انْتِفَاع) (أَقُول وَقد صدرنا بعد يَوْم ... أشوق بالسفينه أم نزاع) (إِذا طارت بِنَا حامت عَلَيْكُم ... كَأَن قُلُوبنَا فِيهَا شراع) وَله يتغزل (بني الْعَرَب الصميم إِلَّا رعيتم ... مآثركم بآثار السماح) (رفعتم نَاركُمْ فعشا إِلَيْهَا ... بوهن فَارس الْحَيّ الوقاح) (1/373) (فَهَل فِي الْقَعْب فضل تنضحوه ... بِهِ من مَحْض ألبان اللقَاح) (لَعَلَّ الرُّسُل شابته الثنايا ... بشهد من ندى نور الأقاح) وَله أَيْضا (وكأنما رشأ الْحمى لما بدا ... لَك فِي مضلعه الْحَدِيد الْمعلم) (غضب الْغَمَام قسية فأراكها ... من حسن معطفه قويم الأسهم) وَله أَيْضا (نظرت إِلَيْهِ فاتقاني بمقلة ... ترد إِلَى نحري صُدُور رماح) (حميت الجفون النّوم يَا رشأ الْحمى ... وأظلمت أيامي وَأَنت صباحي) وَله أَيْضا (قَالُوا تصيب طيور الجو أسهمه ... إِذا رَمَاهَا فَقُلْنَا عندنَا الْخَبَر) (تعلمت قوسها من قَوس حَاجِبه ... وأيد السهْم من ألحاظه الْحور) (يروح فِي بردة كالنقس حالكة ... كَمَا أَضَاء بجنح اللَّيْلَة الْقَمَر) (وَرُبمَا راق فِي خضراء مورقة ... كَمَا تفتح فِي أوراقه الزهر) (1/374) الأديب أَبُو الْحسن بن لِسَان) شَاعِر سمح متقلد بِالْإِحْسَانِ متشح أم الْمُلُوك والرؤساء ويمم تِلْكَ الْعِزَّة القعساء فانتجع مواقع خَيرهمْ واقتطع مَا شَاءَ من ميرهم وتمادت أَيَّامه إِلَى هَذَا الأوان فجالت بِهِ فِي ميدان الهوان فكسد نفَاقه وارتدت آفاقه وتوالى عَلَيْهِ حرمانه وإخفاقه وأدركته وَقد حنته سنونه وانتظرته منونهومحاسنها كعهدها فِي الأتقاد وَبعدهَا من الانتقاد وَقد أثبت لَهُ مَا يعذب جنى وقطافا ويستعذب استنزالا واستلطافا فَمن ذَلِك قَوْله يستنجد الْأَمِير الْأَجَل أَبَا إِسْحَاق ابْن أَمِير الْمُسلمين (قل للأمير ابْن الْأَمِير بل الَّذِي ... أبدا بِهِ فِي المكرمات وَفِي الندى) (والمجتنى بالرزق وَهِي بنفسج ... ورد الْجراح مضعفا ومنضدا) (1/375) (جاءتك آمال العفاة ظوامئا ... فَاجْعَلْ لَهَا من مَاء جودك موردا) (وانثر على المداح سبيك إِنَّهُم ... نثروا المدائح لؤلؤا وزبرجدا) (فَالنَّاس إِن ظلمُوا فَأَنت هُوَ الْحمى ... وَالنَّاس إِن ضلوا فَأَنت هُوَ الْهدى) أَخْبرنِي وَزِير السُّلْطَان أَن هَذِه الْقطعَة لما ارْتَفَعت اعتنت بجملة الشُّعَرَاء وشفعت فأنجز لَهُم الْمَوْعُود وأورق لَهُم ذَلِك الْعود وَكثر اللَّغط فِي تعاظيمها واستجادة نظيمها وَحصل لَهُ بهَا ذكر وانصقل لَهُ بِسَبَبِهَا فكر وَله من قِطْعَة يصف بهَا سَيْفا (كل نهر توقدت شفرتاه ... كاتقاد الشهَاب فِي الظلماء) (فَهُوَ مَاء قد ركبت فَوق نَار ... أَو كنار قد ركبت فَوق مَاء) وَكتب الي معزيا عَن والدتي والى الله تَعَالَى عَلَيْهَا الرَّحْمَة (على مثله من مصاب وَجب ... على من أضيب بِهِ الْمُنْتَخب) (1/376) (وقلب فروق وخلب خفوق ... وَنَفس تشب وهم نصب) (فقد خَشَعت للتقى هضبة ... ذوائبها فِي صميم الْعَرَب) (من الجاعلات محاريبها ... هوادجها أبدا والقتب) (من القائمات بِظِل الدجى ... وَلَا من تسامر إِلَّا الشهب) (فكم رَكْعَة أَثَرهَا فِي الدجى ... تناجي بهَا رَبهَا من كثب) (وَكم سكبت فِي آوان السُّجُود ... مدامع كالغيث لما انسكب) (وَقد خلفت ولدا باسلا ... فصيحا إِذا مَا قرا أَو كتب) (تفل السيوف بأقلامه ... وَيكسر صم القنا بالقصب) وَكَانَ الْقَائِد أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن يحيى بن إِبْرَاهِيم أعزه الله أجل من جال فِي خلد واستطال على جلد رشأ يحيى الصب باحتشامه وَيسْتَرد الْبَدْر بلثامه ويزري بالغصن تثنيه ويثمر الْحسن لَو دنت قطوفه لمجتنيه مَعَ لوذعية تخالها جريالا وسجية يختال فِيهَا الْفضل اختيالا وَكَانَ قد بعد أنسنا بحمص (1/377) وانتصى من تِلْكَ القمص وَكَانَ بثغر الأشبونة أدام الله حراستها فسده وَلم ينفرج لنا من الْأنس بعده مَا يسد مسده إِلَى أَن صدر فأسرع إِلَيْنَا وابتدر فالتقينا وبتناها لَيْلَة نَام عَنْهَا الدَّهْر وغفل وَقَامَ لنا بِمَا شِئْنَا فِيهَا وتكفل فَبينا نَحن نفض ختامها وننفض عَنَّا غُبَار الوحشة وقتامها إِذْ أَنا بِابْن لِسَان هَذَا وَقد دخل أُذُنه علينا فأمرناه بالنزول والتقينا بترحيب وأنزلناه بمَكَان من المسرة رحيب وسقيناه صغَارًا وكبارا وأرينا إعظاما وإكبارا فَلَمَّا شرب طرب وَكلما كرعها التحف السلوة وتدرعها وَمَا زَالَ يشرب أقداحا وينشد فِينَا أمداحا ويفدي بِنَفسِهِ ويستهدي الاستزادة من أنسه فهتكنا الظلام بِمَا أهداه من البديع واجتلينا محاسنه كالصريع وانصلت ليلته عَن أتم مَسَرَّة وأعم مبرة وارتحل عُثْمَان أعزه الله تَعَالَى إِلَى ثغره وَأقَام بُرْهَة من دهره فمشيت بهَا إِلَيْهِ مجددا عهدا ومتضلعا من مؤانسته شَهدا فَكتب ابْن لِسَان هَذِه الْقطعَة من قصيدة يذهب إِلَى (1/378) شكره ويجتهد فِي تَجْدِيد ذكره (مَا شام إِنْسَان إِنْسَان كعثمان ... وَلَا لبغيته من حسن إِحْسَان) (بدر السِّيَادَة يَبْدُو فِي مطالعه ... من المحاسن محفوفا بشهبان) (لَهُ التَّمام وَمَا بالأفق من قمر ... متمم دون أَن يرْمى بِنُقْصَان) (بِهِ الشبيبه تزهى من نضارتها ... كَمَا تساقط طل فَوق بُسْتَان) (مصفر الْحسن للأبصار ناصعة ... كَأَنَّهُ فضَّة شيبت بعقيان) (نبئت عَنهُ بأنباء إِذا نفحت ... تعطلت نفحات الْمسك والبان) (قَامَت عَلَيْهِ براهين تصدقها ... كالشكل قَامَ عَلَيْهِ كل برهَان) (قد زَادهَا ابْن عبيد الله من وضح ... مَا زَادَت الشَّمْس نور الْفجْر للراني) (بِاللَّه بلغه تسليمي إِذا بلغت ... تِلْكَ الركاب وَعجل غير ليان) (وليت أَنِّي لَو شاهدت أنسكما ... على كؤوس وطاسات وكيزان) (فألفظ الْكَلم المنثور بَيْنكُمَا ... كَأَنَّمَا هُوَ من در ومرجان) (لله دَرك يَا ذَا الخطتين لقد ... خططت بالمدح فِيهِ كل ديوَان) (كلاكما الْبَحْر فِي جود وَفِي كرم ... أَو الغمامة تقشيع لظمآن) (1/379) (إِن كَانَ فَارس هيجاء ومعترك ... فَأَنت فَارس إفصاح وتبيان) (فاذكر أَبَا نصر الْمَعْمُور منزله ... بالرفد مَا شِئْت مَا مثنى ووحدان) (قصائدا لأخي ود وَإِن نزحت ... بك الركاب إِلَى اقصى خُرَاسَان) (الأديب ابو بكر عبد الْمُعْطِي بن مُحَمَّد بن الْمعِين) بَيت شعر ونباهة وَأَبُو بكر مِمَّن تنبه خاطره للبدائع أَي انتباهة وَله أدب باهر ونظم كَمَا سفرت أزاهر وَقد أثبت لَهُ جمالا يبلغ آمالا فَمن ذَلِك قَوْله وَقد اجْتَمَعنَا لَيْلَة لم يضْرب لَهَا وعد وَلم يغرب عَنْهَا سعد وَهُوَ قعدي قد شب عَن طوق الْأنس فِي الندي وَمَا قَالَ خَالِي عَمْرو وَلَا عدي والكهولة قد قَبضته وأقعدته عَن ذَلِك وَمَا أنهضته (إِمَام النثر والمنظوم فتح ... جَمِيع النَّاس ليل وَهُوَ صبح) (لَهُ قلم جليل لَا يجارى ... يقر يفضله سيف ورمح) (1/380) (يباري المزن مَا سحت سماحا ... وَإِن شحت فَلَيْسَ لَدَيْهِ شح) وَكَانَ مرتسما فِي عَسْكَر قرطبة وَكَانَ ابْن سراج يَأْتِي بِكُل مَا يَبْغِي خيفة من لِسَانه ومحافظة على إحسانه فَلَمَّا خرج إِلَى أقليش خرج مَعَه وَجعل يُسَايِر من شيعَة فَلَمَّا حصلوا بفحص سرادق وَهُوَ مَوضِع توديع المفارق للمفارق قرب مِنْهُ أَبُو الْحُسَيْن بن سراج لوداعه وأنشده فِي تفرق الشمل وانصداعه (هم رحلوا عَنَّا لأمر لَهُم عَنَّا ... فَمَا أحد مِنْهُم على أحد حنا) (وَمَا رحلوا حَتَّى استقادوا نفوسنا ... كَأَنَّهُمْ كَانُوا أَحَق بهَا منا) (فيا سَاكِني نجد لتبعد داركم ... ظننا بكم ظنا فأخلفتم الظنا) (غدرتم وَلم أغدر وخنتم وَلم أخن ... وقلتم وَلم أَعتب وجرتم وَمَا جرنا) (وأقسمتم أَن لَا تخونون فِي الْهوى ... فقد وذمام الْحبّ خنتم وَمَا خنا) (ترى تجمع الْأَيَّام بيني وَبَيْنكُم ... ويجمعنا دهر نعود كَمَا كُنَّا) فَلَمَّا استتم إنشاده لحق بالسلطان وَاعْتذر إِلَيْهِ بمريض خَلفه وَهُوَ يخَاف تلفه فَأذن لَهُ بالانصراف وَكتب إِلَى ابي الْحُسَيْن بن سراج (1/381) (أما والهدايا مَا رحلنا وَلَا حلنا ... وَإِن عَن من دون الترحل مَا عَنَّا) (تركنَا ثَوَاب الْغَزْو وَالْقَصْد للعدا ... على مضض منا وعدنا كَمَا كُنَّا) (وَلَيْسَ لنا عَنْكُم على الْبَين سلوة ... وَإِن كَانَ أَنْتُم عنْدكُمْ سلوة عَنَّا) وجمعتنا عَشِيَّة بربض الزجالي بقرطبة ومعنا لمه من الأخوان وَهُوَ فِي جُمْلَتهمْ مناهض لأعيانهم وجلتهم بِفضل أدبه وَكَثْرَة نسبه فَجعل يرتجل ويروي وينثر محَاسِن الْآدَاب ويطوي ويمتعنا بِتِلْكَ الْأَخْبَار ويقطعنا مِنْهَا جَانب اعْتِبَار ويطلعنا على إقبال الْأَيَّام وعَلى الإدبار ثمَّ قَالَ (أيا ابْن عبيد الله يَا ابْن الأكارم ... لقد بخلت يمناك صوب الغمائم) (لَك الْقَلَم الْأَعْلَى الَّذِي عطل القنا ... وفل ظبات المرهفات الصوارم) (وأخلاقك الزهر الأزاهر بالربى ... ترف بشؤبوب الغيوث السواجم) (بقيت لتشييد المكارم والعلى ... تظاهرها بالسالف المتقادم) وَاجْتمعَ عِنْد أَبِيه لمة من أهل الْأَدَب وَذَوي الْمنَازل والرتب فِي عَشِيَّة غيم أعقب مَطَرا وَخط فِيهِ الْبَرْق أسطرا وَالْبرد يتساقط كدر (1/382) من نظام ويتراءى كثنايا غادة ذَات ابتسام وَهُوَ غُلَام مَا نضا برد شبابه وَلَا انتضى مرهف آدابه فَقَالَ معرضًا بهم ومتعرضا لتحَقّق أدبهم (كَأَن الْهَوَاء غَدِير جمد ... بِحَيْثُ البروق تذيب الْبرد) (خيوط وَقد عقدت فِي الْهَوَاء ... وراحة ريح تحل العقد) وَشرب فِي دَار ابْن الأعلم فِي يَوْم لم ير الدَّهْر فِيهِ إساءة وليل نسخ نور أنسه مساءه وَمَعَهُمْ جملَة من الشُّعَرَاء وَجَمَاعَة من الوزراء مِنْهُم أَبنَاء القبطرنة فَوَقع بَينهم عتاب وتعذال وامتهان فِي ميدان المشاجرة وابتذال آل بِهِ إِلَى تَجْرِيد السَّيْف وتكدير مَا صفا بذلك الْخيف فسكنوه بالاستنزال وثنوه عَن ذَلِك النزال ووالوا الكؤوس فِي وداده وَكفوا بذلك بعض احتداده حَتَّى مَالَتْ بِهِ نشوته وحالت بَينه وَبَين حتفه سلوته فَقَالَ (قل للوزيرين أَنِّي مخلص لَهما ... فِي السِّرّ والجهر من عوديهما عودي) (وَشَاهد الصدْق لي مَا فِي ضميرها ... فَلَيْسَ يخلص ود غير مودود) وَحضر مَعَهم فِي مجْلِس سواهُ انْتَشَر بِهِ من المحاسن مَا كَانَ طواه فبنيا هم يَأْخُذُونَ بأطراف الْأَحَادِيث ويغدرون فِي تِلْكَ الدماثيث إِذْ قعد إِلَيْهِم رجل طَوِيل اللِّحْيَة قصير الادراك قَلِيل (1/383) التخلي والاتراك فَكل عاين سخفه فحاول وَصفه فَمَا وَافق أحدهم الْمَعْنى وَمَا كَانَ فِيهِ ممطر وَلَا مغنى فَقَالَ (ولحية فِي طولهَا ميل ... قصر عَن ادراكها الطول) وَقَالَ تهنئة بنيروز (هُوَ النيروز أمك للتهاني ... وللبشرى بمقتبل الزَّمَان) (فهناك الْمُهَيْمِن مَا حباه ... ويحبوه على ناء ودان) (فَإِن تَكُ سَابِقًا فِي كل فضل ... كَمَا سبق المبرز فِي الرِّهَان) (سبقت فَمَا تضاهى فِي سناء ... أشف بِهِ الشجاع على الجبان) (حللت من العلى أَعلَى مَحل ... تقاصر عَن علاهُ الفرقدان) (فَظَاهر بالمكارم والمعالي ... مُظَاهرَة المهند للسنان) (لهمت بِكُل مكرمَة وبر ... إِذا مَا هام غَيْرك بالغواني) (وسدت الْعَالمين نهى وعليا ... مذاعا فِي الاقاصي والاداني) (وحلما راجحا بهضاب رضوى ... وعزما مثل بارقة الْيَمَان) (وجودا فائضا فِي كل حِين ... إِذا ضن الحيا والمرزمان) (1/384) (ونثرا معجزا فِي كل فن ... ونظما غض من نظم الجمان) (فَمن عبد الحميد وَمن عَليّ ... وَمن سَالم أَو الْحسن بن هاني) (وَمن أَوْس بن حَارِثَة وَقس ... وَقيس وَابْنه والأحمران) (فدمت مهنأ فِي كل حِين ... عَزِيز الْجَار مألوف المغاني) (1/385) تمّ الْقسم الثَّالِث من كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي مفاخر أهل الأندلس وبتمامه كمل الْكتاب بعون الله الْملك الْوَهَّاب فِي ثَالِث شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ على يَد كَاتبه عَليّ بن أَحْمد الدماصي اللَّهُمَّ أَغفر لَهُ وَلمن علمه ولوالديهما وَلكُل الْمُسلمين (1/386) All content in the above text box is licensed under the Creative Commons Attribution-ShareAlike license Version 4 and was originally sourced from https://ar.wikisource.org/w/index.php?diff=prev&oldid=291267.
![]() ![]() This site is not affiliated with or endorsed in any way by the Wikimedia Foundation or any of its affiliates. In fact, we fucking despise them.
|