Difference between revisions 291587 and 292160 on arwikisource

{{عنوان الملعب}}
<!-- مرحبا! خذ راحتك في تجربة مهارتك في التنسيق والتحرير أسفل هذا السطر. هذه الصفحة لتجارب التعديل ، سيتم تفريغ هذه الصفحة كل 12 ساعة. -->للمطبوع ]
   
ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، فاشتدت وطأته على اليمن، وعم أذاه ساير النأس، وزاد على أبيه وأخيه في الذي، وكانت أمه من آل ذى يزن، وكان سيف بن ذي يزن قد ركب البحار، ومضى إلى قيصر يستنجلى، فأقام ببابه سبع سنين، فأبى أن ينجد، وقال: أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخلاف على الموافق، فمضى إلى كسرى أنو شروان فاستنجده ومت إليه بالقرابة، وسأله النصرة، فقال له كسرى: وما هذه القرابة التي أدليت بها إلي؟؛ فقال: أيها الملك الجبلة وهي الجلدة البيضاء ؛إذ كنت أقرب إليك منهم، فوعده أنو شروان بالنصرة على السودان وشغل بحرب الروم وغيرها من الأمم، ومات سيف بن ذي يزن، فأتى يعلى معد يكرب بن سيف، فصاح على باب الملك، فلما سئل عن حاله، قال: لي قبل الملك ميراث، فوقف بين يدي أنو شروان، فسأله عن ميراثه، فقال: أنا ابن الشيخ الذي وعده الملك بالنصرة على الحبشة، فوجه معه وهرز إصبهبذ الديلم في أهل السجون، فقال " إن فتحوا لنا، وإن هلكوا فلنا، وكلا الوجهين فتح، فحملوا في السفن في دجلة ومعهم خيولهم، وعددهم وأموالهم، حتى أتوا أبلة البصرة - وهي فرج البحر، ولم يكن حينئذ بصرة ولا كوفة، وهذه مدن إسلامية - فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضر موت بموضع يقال له مثوب، فخرجوا من السفن، وقد كان أصيب بعضهم في البحر، فأمرهم وهرز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المفر إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضر موت:
أصبح في مثوب ألف في الجنن ... من رهط ساسان ورهط مهرسن
ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دلهم قصد السبيل ذويزن
في شعر له طويل،، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة، فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير - وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس وتصاف القوم، وكان مسروق على فيل عظيم، فقال وهرز لمن كان معه من الفرس: اصدقهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملا، ثم نزل عن الجمل فركب فرسا، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حمارا، استصغارأ لأصحاب السفن، فقال وهرز " ذهب ملكمه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عيني مسروق ياقوتة حمراء معلقه - في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وهرز، ورمى القوم، وقال وهرز لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه ولا يتفرقون عنه فهو حي، وإن كان أصحابه يجتمعون عليه ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم فرأوهم يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم فحملوا عليهم وصدقوهم؛ فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا، وقد كان أنو شروان أتشرط على معد يكرب شروطأ: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها وفي ذلك يقول الشاعر:
على أن ينكحوا النسوان منهم ... ولا ينكحوا في الفارسينا
وخراج يحمله إليه فتؤج وهرز معد يكرب بتاج كان معه وبدنة من الفضة ألبسه إياها، ورتبه في ملكه على اليمن، وكتب إلى أنو شروان بالفتح، وخلف هناك جماعة من أصحابه.
وكان جميع ما ملكت الأحابش اليمن اثنتين وسبعين سنة، وكان ملك مسروق بن أبرهة إلى أن قتله وهرز ثلاث سنين، وذلك لخمس وأربعين خلت من ملك أنو شروان.
وأتت معدي كرب الوفود من العرب تهنئه بالملك، فأتاه عبد المطلب وجد أمية بن أبي الصلت، وقد ذكرنا خبر عبد المطلب ووفادته على ابن ذي يزن في هذا الكتاب فيما بعد، وما قيل من الشعر وفي مسير الفرس إلى اليمن ونصرتهم على الحبشة يقول بعض أولاد فارس:
نحن خضنا البحار حتى فككنا ... حميرا من بلية السودان
بليوث من آل ساسان شوس ... يمنعون الحريم بالمران
وببيض بواتر تتلالا ... كسنا البرق في فرى الأبدان
فقتلنا مسروق إذ تاه لما ... أن تداعت قبائل الحبشان.
وفلقنا ياقوتة بين عين ... ه بنشابة الفتى الساساني

(1/201)

وهرز الديلميئ لما رآه ... رابط الجأش ثابت الأركان
وحوينا بلاد قحطان قسرا ... ثم سرنا إلى فرى غمدان
فنعمنا فيه بكل سرور و ... منناعلى بني قحطان
وفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:
فكم لكم من يد يزكو الثناء بها ... ونعمة ذكرها باق على الزمن
إن تفعلوها فليست بكر أنعمكم ... ولا يد كأياديكم على اليمن
أيام جلى أنو شروان جدكم ... غيابة الذل عن سيف بن ذي يزن
إذ لا تزال خيول الفرس دافعة ... بالضرب والطعن عن صنعا وعن عدن
أنتم بنو المنعم المجميع وخن بنو ... من فاز منكم بفضل الطول والمنن
وفود العرب تهنئ معد يكرب
قال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنيه بعود الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغمدان وهو مضمخ بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مفرقه، بين يديه، وعلى يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك وأبناء المقاول.
عبد المطلب يهنى الملك
فتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن الله جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - محلا رفيعا، صعبا منيعا، شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موضع وموطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب وربيعها الذي تخصب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي تلتجئ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل " حرم الله، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معدي كرب بن سيف: ابن أختنا؟؛ قال: نعم، قال: أدنوه مني، فادني، " ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحبأ وأهلا، ونأقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكأ ربحلا، يعطي عطاء جزلا، قد سمع مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
أبو زمعة يهنئه
ثم قام أبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... في لجة البحر أحوالا وأحوال
حتئ أتنى ببني الأحرار يحملهم ... تخالهم في سواد الليل أجبال
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثال
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبال
تلك المكأرم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبدء ظهور، وحبا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان فأغنى عن إعادته ووصفه.
مقتل معد يكرب

(1/202)

قال المسعودي: وأقام معد يكرب بن سيف بن ذي يزن ملكا على اليمن، واصطنع عبيدا من الحبشة حرابة يمشون بين يديه بالحراب، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغمدان بمدينه صنعاء، فلما صار إلى رحبتها عطفت عليه الحرابة من الحبشة، فقتلوه بحرابهم، وكان ملكه أربع سنين، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكا وملكوا ثلاثة الاف سنة ومائة وتسعين سنة.
رواية عبيد بن شرية
قال المسعودي: وأما عبيد بن شرية الجرهمي حين وفد على معاوية، وسأله عن أخبار اليمن وملوكها وتواريخ سنيها، فإنه ذكر أن أول ملوك اليمن على حسب ما قدمنا في هذا الباب سبأ بن شجب بن يعرب بن قحطان، ملك مائة سنة وأربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده الحارث بن شداد بن ملظاط بن عمرو، مائة وخمسا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو أبرهة ذو المنار، مائة وثلاثا وثلائين سنة.
ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، مائة وأربعا وستين سنة. ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، خمسا وأربعين سنة.
ثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ذو الصرح، سنة.
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، سبع سنين.
ثم ملك سلمان بن داود عليهما السلام، ثلاثا وعشرين سنة، على حسب ما قدمنا من أمر بلقيس.
ثم ملك بعده رحبعم بن سليمان، سنة.
ثم رجع الملك إلى حمير، فملك من بعد رحبعم بن سليمان ناشر النعم بن يعفر بن عمرو في الأذعار، خمسا وثلاثين سنة، وقد قيل في تسميته ذا الأذعار خبر تأباه العقول، وتنكر النفوس كون مثله في العالم، ويجوز كون ذلك في المقدر وأنه إنما سمن الأذعار لأنه وصل إلى قوم في أقاصي مفاوز اليمن وأرض حضرموت مشوهي الخلقة عجيبي الصورة وجوههم في صدورهم، فلما رأى أهل اليمن ذلك أذدرهم ما شاهدوا من ذلك، وجزعت منه نفوسهم، فسمي ذا الأذعار، وقيل غير ذلك، والله أعلم بكيفيته.
ثم ملك بعده عمرو بن شمر بن إفريقس، ثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع الأقران بن عمرو، وهو تبع الأكبر، مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع خمسا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع وهو تبع أبو يكرب أسعد بن ملكيكرب أربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده كلال بن مثوب، أربعا وسبعين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع ثلثمائة سنة وستا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده مرثد، سبعا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح، ثلاثا وسبعين سنة.
ثم ملك بعده ذو شناتر بن زرعة، ويقال يوسف، ويقال: بلى أسمى عريب بن قطن، تسعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده لخنيعة، ويعرف بذي الشناتر، أربعا وثمانين سنة.
فذلك ألف وتسعمائة سنة وسبع وعشرون سنة، وإنما ذكرنا ما حكيناه عن عبيد بن شرية في ترتيب ملوكهم، وتباين تواريخ سنيهم، لنأتي على جميع ما قيل في ذلك من التنازع، والله ولي التوفيق.
ملك فارس باليمن
ولما قتلت الحبشة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن - على حسب ما قدمنا - في الرحبة بحرابهم كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم، ممن كان ضمهم وهرز إلى معد يكرب فركب وأتى على من كان هنالك من الحبشة، وضبط البلد، وكتب بذلك إلى وهرز وهو بباب أنو شروان الملك، وذلك بالمدائن من أرض العراق، فأعلم وهرز بذلك الملك، فسيره في البر في أربعة آلاف من الأساورة، وأمره بإصلاح اليمن. وأن لا يبقى على أحد من بقايا الحبشة، ولا على جعد قطط قد شرك السودان في نسبه، فأتى وهرز اليمن، ونزل صنعاء، فلم يترك بها أحد من السودان ولا من أنسابهم، وملك أنو شروان وهرز على اليمن إلى أن هلك بصنعاء ثم ملك بعده النوشجان بن وهرز إلى أن هلك بها ثم ملك بعده رجل من فارس يقال له سبحان، ثم ملك بعده خرزاد ستة أشهر، ثم ملك بعده ابن سبحان، ثم ملك بعده المرزبان وكان من أهل بيت مملكة فارس، ثم ملك بعده خرخسرو، وكان مولده باليمن، ثم ملك بعده بآذان ساسان.
ملك اليمن في أبناء إبراهيم

(1/203)

قال المسعودي: فهؤلاء جميع من ملك اليمن من قحطان والحبشة والفرس، وقد ملك اليمن رجل من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يعد من ملوك اليمن واسمه هنيبة بن أميم بن بدل بن مدين بن إبراهيم لخليل عليه السلام، وكان له شأن عظيم في ملك اليمن؛وطالت أي أمه ، وذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
هنيبة الذي زادت قواه ... على زيد أن إذ حان الزول
تمكن قائما وبنى طريقا ... إلى زيدان أعيط لا ينال
ويقال: إ نه منتبه بن أميم بن بدل بن لسان بن إبراهيم الخليل.
عاصمة اليمن
وقد كانت ملوك اليمن تنزل بمحينة ظفار، مثل آل ذي سحر وآل ذي الكلاع وآل ذي أصبح وآل ذي يزن، إلا اليسير منهم فإنهم نزلوا غيرها وكان على باب ظفار مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:
يوم شيدت ظفار قيل: لمن أنت؟ ... فقالت: لحمير الأخيار
ثم سيلت: من بعد ذأك؟ فقالت: ... إن ملكي للأحبش الأشرار
ثم سيلت من بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لفارس الأحرار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي إلى قريش التجار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لحمير وصحار
وقليلا ما يلبث القوم فيها ... منذ شيدت مشيدها للبوار
من أسود يلقيهم البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الديار
وهذا خبر عن ملوك تداولوها، أخبروا عن ملكهم قبل كونه، فتداولتها هذه الملوك على حسب ما وصفناه، وينتظر في المستقبل من الزمان ما ذكرنا من وقود النيران في أعالي الديار، وعند أهل اليمن ديارهم سيغلب عليها الأحابش في آخر الزمان بعد هنات وكوائن وأحداث وبعث النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اليمن عمال كسرى، ثم غلب الإسلام فظفر بحمد الله.
وقد أتينا على أخبار من ذكرن من الملوك، وسيرهم، ومطافاتهم في البلاد وحروبهم، وأبنيتهم في سائر مطافاتهم، في الكتاب الأوسط،فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
مساحة اليمن وحدوده
وبلد اليمن طويل عريض: حده مما يلي مكة إلى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل، ومن صنعاء إلى عدن - وهو أخر عمل اليمن تسع مراحل، والمرحلة من خمسة فراسخ إلى ستة، والحد الثاني من وأدى وحا إلى ما بين مفاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة، ويلي الوجه الثالث بحر اليمن على ما ذكرنا أنه بحر القلزم والصين والهند، فجميع ذلك عشرون مرحلة في ست عشرة مرحلة.
وأسماء ملوك اليمن كذي يزن وذي نواس وذي منار وغير ذلك مضافه إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغير ذلك، وهي سمات لهم تميزهم عن غيرهم، وتبين كل واحد منهم عن غيره من ملوكهم.
وإذ قد ذكرنا جوامع من أخبار اليمن وملوكها فلنذكر الآن ملوك الحيرة من بني نصر وغيرهم، للحوقهم باليمن، ثم نعقب ذلك بملوك الشام وغيرهم من الملوك، إن شاء الله تعالى.
ذكر ملوك الحيرة من بنى نصر وغيرهم
جذيمة ابوضاح ومقتله
ولما هلك جذيمة الوضاح وأتت عليه الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، وقد كان ملك من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيق، بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، وقد كانت الزباء تملكت بعد أبيها، وأطمعت جذيمة في نفسمها إلى أن قتلته، وأقام جذيمة ملكا في زمن ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة؛ فكان ملكه مائة وثمان عشرة سنة، وكان يكنى بأبي مالك، وفيه يقول بعض شعراء الجاهلية وهو سويد بن أبي كاهل اليشكري:
أن أذق حتفي فقبلي ذاقه ... طسم عاد وجديس ذوالشنع
وأبو مالك القيل الذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع
مالك بن فهم

(1/204)

وكان الملك قبل جذيمة أباه، وهو أول من ملك الحيرة، والله أعلم، وكان يقال له مالك بن فهم بن دوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمرو بن عامر مزيقياء، فسار بنو جفنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة على ما ذكرنا.
عمرو بن عدي
ثم ملك بعد جذيمة ابن أخته عمر وبن عدي بن نصر بن ربيعه بن الحارث بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم، وهو أول من نزل من الملوك الحيرة واتخذها منزلا ودار ملك، وإليه تنسب الملوك النصرانية، وهم ملوك الحيرة؛فكان ملك عمرو عدي ابن أخت جذيمة مائة سنة.
قصة عمرة بن عدي
قال المسعودي: وقد ذكر غير واحد ممن عني بأخبار العرب وأي أمه ا أن جذيمة أول من ملك من قضاعة، وهو جذيمة بن مالك بن فهم التنوخي، وأنه قال ذات يوم لندمائه: لقد ذكر لي عن غلام من لخم، في أخواله من إياد، له ظرف وأدب، فلو بعثت إليه فوليته كأسي والقيام على رأسي لكان الرأي، قالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه، ففعل، فلما قدم عليه قال: من أنت؟ قال: أنا عدي بن نصر بن ربيعه، فولاه مجلسه، فعشقته قاش ابنة مالك أخت الملك، فقالت: يا عدي، إذا سقيت القوم فامزج لهم، وغدق للملك، فإذا أخذت الخمر منه فاخطبني منه فإنه يزوجك، فأشهد القوم إن فعل، ففعل الغلام ذلك وخطبها وزوجها به، فأشهد عليه، وانصرف الغلام إليها فأنبأها، فقالت: عرس بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا متضرجا بالخلوق، فقال !له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟. قال: اثار العرس، وقال: وأي عرس؟. قال: عرس رقاش فنخر وأكب على الأرض، ورفع علي جراميزه، وهرب وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول:
حدثيني رقاش ل اتكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين.
أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
؛ فأجابته رقاش تقول:
إنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون
فنقلها جذيمة إليه، وحضنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلاما فسمته عمرا، ووشحته، حتى إذا ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة، ثم أزارته خاله، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مكلئة قد أكمأت، فبسط له في روضة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده! إلى فيه
قصة نديمي جذيمة
فالتزمه جذيمة وحباه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الافاق زمانا، فلم يسمع له بخبر فكف عنه إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قينة يقال لها أم عمرو، فنصبت لهما قدرا، وأصلحت لهما طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتى جلس مزجر الكلب، ومد يده، فناولته القينة طعاما، فأكل، فلم يغن عنه شيئا، فمد يده، فقالت القينة: إن تعط العبد كراعا طلب ذراعا، فأرسلتها مثلا، ثم ناولت صاحبيها من شرابها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدى!:
علت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لاتصبحينا

(1/205)

فقال له الرجلان: من أنت؟ فقال: إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي؛ فقاما إليه فلثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصرا من لمته، وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص من ابن أخته، قدرده الله إليه، فخرجا به، حتى إذا وقفا على باب الملك بشراه به فسر به وصرفه إلى أمه ، وقال لهما: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا، قال: ذلك لكما، فهما ندمانا جذيمة المعروفان، وإياهما عني متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد بن المغيرة يوم البطاح:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
وإن أم عمرو عمدت إليه، فبعثت معه حفدة يقومون عليه في الحمام، حتى إذا خرج ألبسته من طرائف ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقا من ذهب لنذر كان عليها، ثم أمرته بزيارة خالة، فالما رأى خاله لحيته والطوق في عنقه قال: شب عمرو عن الطوق، وأقام عمرو مع جذيمة خاله قد حمل عنه عامة أمره.
بين الزباء وجذيمة
وإن الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا في سليح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية وجعلته أنقابا بين مدائنها، وكانت تغزو بالجنود قبائل فخطبها جذيمة الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يرغب فيه، فإذا شئت فاشخص إلي، وكانت بكرا، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضي، وخاللهم قصير بن سعد تابع كان له من لخم، فأمره أن لا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حبالها، فعصاه وأطاعهم وسار حتى إذا كان ببقة - من دون هيت إلى الأنبار - جمعهم وشاورهم فأمروه بالشخوص إليها لما علموا من رأيه في ذلك، وقال القصير: تنصرف ودمك في وجهك،، فقال جذيمة ببقة قضي الأمر، فأرسلها مثلا، وقال قصير بن سعد حين رآه قد عزم، لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلا، وظعن جذيمة، حتى إذا عاين مدينتها - وهي بمكان دون الخانوقة - ونظر إلى الكتائب من دونها، فهاله ما رأى، فقال: أي قصير، ما الرأي؟ فقال قصير: إني تركت الرأي ببقة، فقال عند ذلك: أشر علي، فقال: إن لقيتك الكتائب فحيتك بتحية الملك وانصرفوا أمامك فالمرأة صادقة، وإن هم أخذوا بجنبيك ووقفوا دونك فالقوم منعطفون عليك فيما بينهم وبين جنوهم، فاركب العصا فإنها لا تحرك ولا تسبق، يعني فرسا كانت جنبت معه، فط ستقبله القوم وأحاطوا به، فلم يري العصا، فعدد إليها قصير فركبها وحمل وانطلق، فالتفت جذيمة فإذا هو بالعصا عليها قصير أمام خيلهم حتى توارت به، فقال جذيمة: ما ضل من تجري به العصا، فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كبعثاتها أي عفلها وتنظفت باستها، وقالت: يا جذيمة، أي متاع عروس ترى؟ قال: أرى متاع امة غير ذات خفر، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة ما أناس، ثم أجلسته على نطع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رواهشه واستنزفته، حتى إذا ضعفت قواه ضرب بيده فقطرت قطرة من دمه على دعامة من زخام، وقد قيل لها: إنه إن وقع من دمه قطرة في غير طست طلب بدمه، فقالت: أي جذيمة؛لا تضيعن من دمك شيئا، فإني إنما بعثت إليك لأنه بلغني أن لدمك شفاء من الخبل، فقال جذيمة: وما يحزنك من دم أضاعه أهله إ؛ وفي ذلك يقول البعيث:
من الدأرميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل

(1/206)

واستصفت دمه، وجعلته في برنية، وقال بعضهم: دخل عليها جذيمة في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها، فقالت للإماء: خذن بيد سيدكن، ثم دعت بنطع فأجلسته عليه فعرف الشر وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت شعر استها من وراء؛فقالت: أشوار عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمه بظراء، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس، ثم أمرت برواهشة فقطعت، فجعل دمه يشخب في النطع كراهة أن يفسد مقعدها، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله.
عمرو بن عدي يأخذ بثأر خاله
ونجا قصير، فأورد الخبر على عمرو بن عبد الجن التنوخي بالحيرة، فأشفق لذلك، فقال له قصير: اطلب بثأر ابن عمك، وإلا سبتك العرب، فلم يحفل بذلك، فخرج قصير إلى عمرو بن عدي، فقال له: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب ثأر خالك؟. فضمن له ذلك، فصرف وجوه الجنود إليه، ومناهم بالمال والحال، فانصرف إليه منهم بشر كثير، فالتقى هو والتنوخي، فلما خافوا الفناء تابعه التنوخي، وتم الأمر لعمرو بن عدى، فقال له قصير: انظر ما وعدتني به في الزباء، فقال عمرو: وكيف لنا بها وهي أمنع من عقاب الجو؟؛ فقال: أما إذ أبيت فإني جادع أنفي وأذني ومحتال لقتلها جهدي، فأعني وخلاك ذم، فقال له عمرو: أنت أبصر، وعلئ معونتك، فجدع أنفه، فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، ثم انطلق حتى دخل على الزباء، فقالت: من أنت؟ فقال: أنا قصير، لا ورب المشارق ما كان على وجه الأرض بشر كان أنصح لجذيمة ولا أغش لك مني، حتى جدع عمرو بن عدي أنفي وأذني، فعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه مني معك، فقالت: أي قصير، نقبل منزلتك ونصرفك في بضائعنا، فأعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة، فاستخف ما فيه بأمر عمرو بن عدي، وانصرف به إليها، فلما رأت ما جاءها به فرحت بذلك، وزادته ما لا إلى ما جاء به، وقال: إنه ليس من ملك إلا وهم يتخنون في مدائنهم أنقابا تكون لهم عددا، فقالت له: أما إني قد فعلت ذلك، قد نقبت سربا وبنيته من تحت سريري هذا حتى أخرج من تحت الفرات إلى سرير أختي رحيلة ففرح بذلك قصير، ثم ظعن حتى أتى عمرا، فركب عمرو في الذي رجل على ألف بعير في الصناديق، حتى صار إليها، فتقدم قصير وسبق الأبعرة، فقال لها: اصعدي حائط مدينتك. وانظري إلى مالك، وتقدمي إلى بوابك فلا يتعرض لشيء من أموالنا، فإني قد جئت بمال صامت. وكانت قد أمنته، فلم تكن تخافه وصعدت وفعلت ما أمرها، فلمال نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانأ باردا شديدا ... ام الرجال جثما قعودا
ودخلت الإبل المدينة، حتى إذا بقي آخرها جملا عيل صبر البواب، فطعن بمنخسة كانت في يدى خاصرة رجل فضرط، فقال البواب: بشتابشتا، وهي بالنبطية أي: في الجوالق شر، وثار الرجال من الجوالق ضربا بأسيافهم، فخرجت الزباء هاربة إلى سربها، فأبصرت قصيرا عند نفقها مصلتا سيفه، فانصرفت راجعة، وتلقاها عمرو بن عدي، فضربها وقال بعضهم: مصت خاتمها، وكان فيه سم ساعة، !وقالت: بيدي لا بيد عمرو، وخربت المدينة، وسبيت الفراري، فقالت الشعراء في أمرها وأمر قصير فأكثرت ؛ فمن ذلك قول المتلمس:
ومن طلب الأوتار ماحز أنفه ... قصير، ورام الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
ومن ذلك قول عدي بن زيد التميمي يصف ذلك من أمرهم:
ألا يأيها الملك المرجى ... ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبقة الأمراء يوما ... جذيمة عام ينجوهم ثببنا
وطاوع أمرهم، وعصا قصيراوكان يقول لو وقع اليقينا
لخطبته التي غدرت وخانت ... وهن فوات غائلة، لحينا
مع أشعار كثيرة قيلت في ذلك.
وكانت الزباء لا تأتي حصنا إلا ضفرت شعر استها من خلفه، ثم تقاعست فتقلعه، حتى فعلت ذلك بمارد - حصن دومة الجندل - وبالأبلق - حصن تيماء - حصنين منيعين، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق فذهب مثلا، وهما الحصنان اللذان تذكرهما العرب في أشعارها كثيرا، قال الأعشى في ذلك:

(1/207)

بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
وجذيمة الوضاح الذي يقول فيه:
ماست مودعة الحديث فمنجد منهم وغائما
أن تاه إحدى ذو رعين لنا وأحوى ذو أباعر
والملك كان لذي نوا ... س حوله من ذي بحائر
بالسابغات وبالقنا ... والبيض تبرق والمغافر
أزمان عملاق وفيهم منهم باد وحاضر
وإنما سمي جذيمة الأبرش الوضاح لأنه كان به برص، فكنى عنه إعظاما له قال المسعودي: هذا بدء خبر بني عدي، وقد قدمنا أن مدة ملكه كانت مائة سنة.
بقية ملوك الحيرة
وملك بعده ولده امرؤالقيس بن عمروبن عدي ستين سنة.
وملك بعده عمر وبن أمرىء القيس، وهو محرق العرب خمسا وعشرين سنة، وكانت أمه مارية البرية أخت ثعلبة بن عمرو من ملوك غسان.
وملك النعمان بن أمرىء القيس قاتل الفرس خمسا وستين سنة، وكانت أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد، ويقال: من إياد.
وملك المنزر بن النعمان ابن أمرىء القيس خمسأ وعشرين سنة، وكانت أمه الفراسية بنت مالك بن المنزر، من آل نصر.
وملك النعمان بن المنزر فارس حليمة، وهو الذي بنى الخورنق وكرعس الكراديس خمسا وثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت زيد مناة من ال غسان.
وملك الأسود بن النعمان؛ عشرين سنة، وكانت أمه هند بنت الهيجمانة، من آلى نصر.
وملك المنزر بن الأسود بن النعمان بن المنزر أربعا وثلاثين سنة، وكانت أمه ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط بن هيت بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعه بن نزار، وإنما سميت ماء السماء لحسنها وجمالها.
ثم ملك بعده عمرو بن المنزر، أربعا وعشرين سنة، وكانت أمه حليمة بنت الحارث من آل معد يكرب.
وملك المنزر بن عمرو بن المنزر، ستين سنة، وكانت أمه أخت عمرو بن قابوس من آل نصر.
ثم ملك قابوس بن المنزر ثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت الحارث، من آل معاوية بن معد يكرب.
وملك النعمان بن المنزر، وهو الذي يقال له: أبيت اللعين! اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه سلمى بنت وائل بن عطية من كلب.
بين النابغة والنعمان
وذكر عدة من الأخباريين أن النابغة استأذن على النعمان يوما، فقال له الحاجب: إن الملك على شرابه، قال النابغة: فهو وقت الملق، تقبله الأفئدة، وهو جذل للرحيق والسماع، فإن تلج تلق المجد عن غرر مواهبه، فأنت قسيم ما أفدت، قال له الحاجب: ما تفي عنايتي بدون شكرك، فكيف أرغب فيما وصفت وعون ما طلبت رهبة التعدي؟. فهل من سبب؟ قال النابغة: ومن عندي؟ قال الحاجب: خالد بن جعفر الكلابي نديمه، فقال النابغة: هل لك إلى أن تؤدي إلى خالد عني ما أقول لك؟؛ قال: وما هو؟ قال: تقول إن من قدرك وفاء الدرك بك وناحيتي من الشكر ما قد علمت، فلما صار خالد إلى بعض ما تبعثه موارد الشراب عليه نهض، فاعترضه الحاجب، فقال: ليهنك أبا البسام حادث النعيم، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، وكان خالد رفيقا، يأتي الأشياء بلطف وحسن بصيرة، فدخل مبتسما، وهو يقول:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
واللات لكأني أنظر إلى أملاك ذي رعين، وقد مدت لهم قضبان المجد إلى معالم أحسابكم، ومناقب أنسابكم، في حلبة أنت - أبيت اللعن! - غرتها فجئت سابقا متمهلأ، وجاءوا لم يلم لهم سعي، قال النعمان: لأنت في وصفك أبلغ إحسانا من النابغة في نظام قافيته، فقال خالد: ما أبلغ فيك حسنأ إلا وهو دون قدرك استحقاقا للشرف الباهر، ولو كان النابغة حاضرأ لقال وقلنا، فأمر النعمان بإدخاله، فخرج إليه الحاجب، فقال النابغة: ما وراءك فقال: قد أذنت بفتح الباب، رفع الحجاب، ادخل، فدخل ثم انتصب بين يديه، وحياه بتحية الملك، وقال: أبيت اللعن! أتفاخر وأنت سائس العرب، وغرة الحسب، واللات لأمسك أيمن من يومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أسمع من يمينه، ولو عدك أصلح من رفده، ولعبيدك أكثر من قومه، ولأسمك أشهر من قدره، ولنفسك أكبر من جده، وليومك أشرف من دهره، ثم قال:
أخلاق مجدك جلت ما لها خطر ... في الجود والبأس بين العلم والخبر

(1/208)

متؤج بالمعالي فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغئم في صورة القمر
فتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فوه جوهرا، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوك.
بين النعمان وزيد بن عدي وكسرى
وقد كان النعمان قتل عدي بن زيد العباعي، وكان يكتب لكسري أبرويز بالعربية، ويترجم له إذا وفد عليه زعماء العرب؛لموجدة وجدها عليه النعمان، في خبر طويل الشرح، فلما قتل صار زيد بن عدي ابنه مكان أبيه، فذكر لأبرويز جمال نساء آل المنزر، ووصفهن له، فكتب إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه بأخته، فلما قرأ النعمان كتابه، قال للرسول - وهو زيد بن عدي - : يا زيد، أما لكسرى فيمها السواد كفاية حتى يتخطى إلى العربيات؟ فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك - أبيت اللعن! - بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعله، وسأحسن ذلك عنده، وأعذرك بما يقبله، فقال له النعمان: فافعل، فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة، فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه رغب عنه فأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه، وأوجده عليه، وقال: المها؟ فقال: البقر، فأخذ عليه وقال: رب عبد قد صار في الطغيان إلى أكثر من هذا، فلما بلغت كلمته إلى النعمان تخوفه، فخرج هاربا حتى صار إلى طيىء، لصهر كان له فيهم، ثم خرج من عنهم حتى أتى بني رواحة بن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فقالوا له: أقم معنا فأنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزاهم الخير، ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وذلك قول زهير بن أبي سلمى:
ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الدهر لو أن امرأ كان ناجيا
فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا
فلم أرمسلوبا له مثل ملكه ... أقل صديقا معطيا أو مواسيا
خلا أن حيا من رواحة حافظوا ... وكانوا أناسا يتقون المخازيا
يسيرون حتى جيشوا عند ثاره ... هجان المطايا و العتاق المذاكيا
فجازاهم خيرأ وأثنى عليهم ... وودعهم توديع أن لا تلاقيا
وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فصص له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للمك غنى عن بقر السواد ا؛ فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ولقيه زيد بن عدي، فقال له النعمان: أنت فعلت هذا بي، لئن تخلصت لأسقينك بكأس أبيك، فقال له زيد: امض نعيم، فقد أخيت لك أخية لا يقطعا المهر الأرن، وأمر كسرى بالنعمان، فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكرت ذلك الشعراء فأكثرت؛ فمن ذلك قول الأعشى وأجاد:
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي الصكاك ويرفق
ويجبى إليه المسلمون، وعنده ... صريعون في أنهارها والخورنق
ويقسم أمر الناس يومأ وليلة ... وهم ساكتون والمنية تنطق
فذاك، وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محزرق
وقال هانىء بن مسعود الشيباني:
إن ذا التاج، لا أبا لك، أضحى ... في الورى رأسه تخوت الفيول
إن كسرى عدا على الملك النعمان حتى سقاه من البليل
ومما رثى به النعمان:
لم تبكه هند ولا أختها ... خرقاء، واستعجم ناعيه
بين فيول الهند تخبطنه ... مختبطا تدمى نواحيه
وقد كان النعمان حين أراد المضي إلى كسرى مستسلما مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانى بن مسعود بن هانى السيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانى بن مسعود، وطالبه بتركته، فامتنع، وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب في قار، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته هنا.
بنت ألنعمان عند سعد بن أبي وقاص

(1/209)

وقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنزر إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج، مغشى بالخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها، ويرجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان نكبها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما وفد سعد بن أبي وقاص القادسية أميرا عليها لما هزم الله الفرس وقتل رستم، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟. قالت: ها أنا ذه، قال: أنت حرقة؟. قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي؟ ثم قالت: إن الدنيا دار زول. ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالا، وتعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر يجبى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة زمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
فقال سعد: قاتله الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحنرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهور
قد يبيت الفتى معافى فيرى ... ولقد كان آمنا مسرورإ
قال: فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن مص يكرب، وكان زؤارا لأبيها في الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، قال: فما دهمك فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، قلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحيه ملوكنا بعضهم لبعض، لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريم الكريم.
وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة إلى أن ظهر الإسلام، فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سمينا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفا في صدر هذا الباب، ثم جاء الإسلام وملك الفرس وكسرى أبرويز بن هرمز، فملك على العرب بالحيرة إياس بن قبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مضت من ملك إياس، كان مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكا من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس؛وكان عدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عمران الحيرة وبدوه إلى أن خرجت في وقت بناء الكوفة، كان خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة.
خراب الحيرة
قال المسعودي: ولم يزل عمرانها يتناقص من الوقت الذي ذكرنا إلى صدر من أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وقد كان جماعة من خلفاء بني العباس - كالسفاح، والمنصور، والرشيد، وغيرهم - ينزلونها يصلون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلى الصدى والبوم، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سيزول؛ وكذلك الكوفة.

(1/210)

قال المسعودي: ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسير وحروب قد أتينا على ذكرها والغرور من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان، وفيما بعد من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
ذكر ملؤك الشام من اليمن من غسان وغيرهم من الملوك
أول ملوك الشام
كان أول من ملك الشام من اليمن فالغ بن يغور.
ثم ملك بعده يوتاب، وهو أيوب بن رزاح، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ما كان من خبره على لسان نبيه، وما اقتص من أمره، ثم غلبت الروم على ديارها، فتفرقوا في البلاد، وكانت قضاعة بن مالك بن حمير أول مي نزل الشام، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصراينة على من حوى الشام من العرب.
تنوخ ونسبها
وكان أول من ملك من تنوخ النعمان بن عمرو بن مالك، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو، ثم ملك بعده الحواري بن النعمان، ولم يملك من تنوخ إلا من ذكرنا، وهو تنوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن الأزد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
وقد تنوزع في قضاعة: أمن معد كان أم من قحطان؟ فقضاعة تأبى أن تكون من معد، وتزعم أنها من قحطان، على ما ذكرنا.
وقد قيل في نسب قضاعة واتصالها بحمير غير ما ذكرنا من النسب.
سليح ونسبها
ثم وردت سليح الشام فغلبت على تنوخ، وتنصرت فملكتها الروم على العرب الذين بالشام، وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، فاستقام ملك سليح بالشام، وتفرقت قبائل العرب لما كان بمارب وقصة عمرو بن عامر مزيقياء؛فسارت غسان إلى الشام وهم من ولد مازن، وذلك أن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولد مازن، وإليه ترجع جميع قبائل غسان، وإنما غسان ماء شربوا منه فسموا بذلك وهو ما بين زبيد ورمع، وادي الأشعريين بأرض اليمن وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:
إما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا، والماء غسان
وسنذكر بعد هذا الموضع خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر سيل العرم، وتفرقهم في البلاد، وخبر الماء المعروف بغسان، وقد ذكر أن عمرو بن عامر حين خرج من مأرب لم يزل مقيما على هذا الماء إلى أن أدركه الموت، وكان عمره ثمانمائة سنة: أربعمائة سوقة، وأربعمائة ملكا.
ملوك غسان على الشام
وغلبت غسان على من بالشام من العرب، فملكها الروم على العرب، فكان أول من ملك من ملوك غسان بالشام: الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث.
ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة و أمه مارية ذات القرطين بنت أرقم بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو، وذكر أنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة، وهي التي ذكرتها الشعراء في أشعارها، وتنسب جماعة من ملوك غسان إليها.
وملك بعده النعمان بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو.
ثم ملك بعده المنزر أبو شمر بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو.
ثم ملك بعده عوف بن أبي شمر.
ثم ملك بعده الحارث بن أبي شمر فكان ملكه حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حسان والحارث الغساني
وذكر عدة من الإخباريين أن حسان بن ثابت الأنصاري زار الحارث بن، أبي شمر الغساني بالشام - وكان النعمان بن المنزر اللخمي ملك الحيرة يساميه - فقال له وهو عنده: يابن الفريعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان علي، فقال: وكيف أفضله عليك!! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولامك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أمرع من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجداولك أغور من بحره، وليومك أطول من شهره، ولشهدك أمدة من حوله، ولحولك خير من حقبه،ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك من غسان وإنه من لخم، فكيف أفضله عليك أو أعدله بك فقال: يابن الفريعة، هذا لا يسمع إلا في شعر، فقال:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحارث الأصغر

(1/211)

قفاؤك أحسن من وجهه ... وامك خير من المنزر
ويسرى يديك على عسرها ... كيمنى يديه على المعسر
جبلة بن الأيهم
ثم ملك بعده جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث، وهو الملك الذي امتدحه حسان بن ثابت الأنصاري، حيث يقول في شعر طويل:
أشهرنها فإن ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني
وفيه يقول أيضا:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك والصمان
من قريات من ثلاثين عدت ... ناسكا منه بالقصور الدواني
قد دنا الفصح والولائد ينظمن سراعا ألكلة المرجان
ذاك مغنى لآل جفنة في الد ... ر، وحقا تصرف الأزمان
صلوات المسيح في ذلك الدب ... ر دعاء القسيس والرهبان
وهذه مواضع وقرى من غوطة دمشق وأعمالها بين الجولان واليرموك.
منازل غسان
وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما، من غوطة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام.
وجبلة بن الأيهم هوالذي أسلم وارتد عن دينه خاف إلعار والقود من اللطمة، وخبره واضح مشهور، قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وسائر أخبار ملوك تنوخ وسليح وغسان وغيرهم ممن ملك الشام، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن أبي شمر الغساني إلى الإسلام وترغيبه في الإيمان، وقد أتينا على خبره وما كان من أمر أسل أمه وأخباره مع النبي صلى الله عليه وسلم في كتابنا أخبار الزمان، وفي أبيه يقول النابغة:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر، والحارث خير الأنام
ثم لهند ولهند، وقد ... أسرع في الخيرات منه أمام
وخمسة آباؤهم ما هم ... أكرم من يشرب صوب الغمام
فجميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملك، وقد كان بالشام ملوك ببلاد مأرب من أرض البلقاء من بلاد دمشق، وكعذلك مدائن قوم لوط من أرض الأردن وبلاد فلسطين، وكانت خمس مدن، وكانت دار المملكة منها، والمدينة العظمى مدينة سدوم، وكانت سمة كل ملك يملكها بارعا، وكذلك ذكر في التوراة، وذكرت أسماء هذه المدن، أعرضنا عنه؛إذ كان فيه خروج عن شرط الاختصار.
وقد كان لكندة وغيرها من العرب من قحطان ومعد ملوك كثيرة لم نتعرض لذكرها؛ إذ كان لا أسماء لهم تعمهم وتشهرهم، كقولنا الخليفة وقيصر وكسرى والنجاشي، ولئلا يطول الكتاب بذكرهم.
وقد أتينا على سائر ملوك العرب من معد وقحطان وغيرهم ممن وسم بالملك في بعض الممالك في سائر الأمم الخالية، والممالك الباقية، من البيضان والسودان، ممن أمكن ذكره وتأتى لنا الإخبار عنه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب من الملوك من اشتهر ملكه، وعرفت مملكته ميلا إلى الاختصار، وطلبا للإيجاز، وتنبيها على ما سلف من أخبارهم. في كتبنا المتقدم ذكرها من تصنيفنا، والله الموفق.
ذكر البوادي من العرب وغيرها من الأمم
وعلة سكناها البدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى
قد تقدم ذكرنا لولد قحطان، وأن من عداهم من العرب العاربة دثرت من عاد وطسم وجديس وعملاق وجرهم وثمود وعبيل ووبار، وسائر من سمينا، وأن من بقي ممن ذكرنا دخلوا في العرب الباقية إلى هذا الوقت، وهم قحطان، ومعد، ولا نعلم أن قبيلا بقي يشار إليه في الأرض من العرب الأولى غير معد وقحطان، وذكرنا من طاف البلاد من ملوكهم، مثل التبابعة والذواء، ومن شيد البنيان في الشرق والغرب، ومصر الأمصار، وبنى المدن الكبار، كإفريقس بن أبرهة، وما بنى بالمغرب من المدن كمدينة إفريقية وصقلية، وما كور من الكور هنالك، وما اتخذ من العمائر، وكمسير شمر إلى أرض المشرق، وبنيانه سمرقند، ومن خلف هنالك من حمير بها، وببلاد التبت والصين، وقد ذكر ذلك جماعة من شعرائهم ممن سلف وخلف.
بين دعبل والكميت

(1/212)

وقد أفتخر دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يرد فيها على الكميت، وفخر دعبل بمن سلف من ملوكهم ومسيرهم في الأرض، وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد بن عدنان، فقال في شعره:
همو كتبوا الكتاب بباب مر ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم جمعوا الجموع بسمرقند ... وهم غرسوا هناك التبتينا
وقد كان لليمن ملوك لا يدعون بالتبابعة، ممن تقدم وتأخر منهم، حتى ينقاد إلى مكة أهل الشحر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تبعا، ومن تخلف عن ملكه من ذكرنا سمي ملكا، ولم يطلق عليه اسم تبع، وقد قال الله عز وجل في قصة قريش وتفاخرها بقوتها وعددها: " أهم خير أم قوم تبع " الآية حين دخل الحرم فبعث الله عليه الظلة، وإنما سمي تبعا بمن تبعه، وكذلك حكي عن عبد الله بن العباس.
بين تبع وقباد ملك الطوائف
وقد كان تبع أبو كرب سار في الأرض، ووطىء الممالك وذللها، ووطىء أرض العراق في ملك الطوائف، وعديد الطوائف حينئذ جوذر بن سابور، فلقي أبوكرب ملكا من الطوائف يقال له قناد، وليس بقباد بن فيروز من الساسانية، فانهزم قباد، وأتى تبع أبو كرب على ملكه، وملك العراق والشام والحجاز وكثيرا من الشرق. وفي ذلك يقول تبع ويذكرما صنع:
ورد الملك تبع وبنوه ... ورثوهم جدودهم والجدودا
إذجنبنا جيادنا من ظفار ... ثم سرنا بها مسيرا بعيدا
فاستبحنا بالخيل ملك قباد ... وابن أقلود قائما مصفودا
فكسونا البيت الذي حرم الله ملاء مقصبا وبرودا
وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه إقليدا
ثم طفنا بالبيت سبعا و سبعا ... وسجدنا عند المقام سجودا
وقال أيضا فيه:
لست بالتبع اليمانيئ إن لم ... تركض الخيل في سواد العراق
وتؤدي ربيعه الخرج قسرا ... أو تعقني عوائق العواق
وقد كانت لنزار بن معد معه وقائع وحروب كثيرة، واجتمعت عليه معد بن ربيعه ومضر وإياد وأنمار، وتداعت بجدها نزار، وتواهبت ما كان بينها من الدماء والثأر، فكانت لهم عليه؛ ففي ذلك يقول أبوعواد ا لأيادي:
ضربنا على تبع جزية ... جياد البرود وخرج الذهب
وولي أبوكرب هاربا ... وكان جبانا كثيرا لرهب
وأتبعه فهوى للجبين ... وكان العزيز بها من غلب
وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط بدء النسب من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولد إسماعيل وتفرق النسب إلى نزار بن معد وتشعب الناس من نزار بن معد بن عدنان، فلنذكر الآن في هذا الموضع خبر ولد نزار الأربعة مع الأفعى بن الأفعى الجرهمي، ثم نعقب ذلك بما إليه قصدنا في هذا الباب من هذا الكتاب، من علة سكنى البوادي من العرب البدو وغيرهم ممن سكن الجبال والأودية وسائر البراري والقفار.
أولاد نزار بن معد وقصتهم مع الأفعى الجرهمي

(1/213)

ذكر عدة من رواة أخبار العرب أن نزار بن معد ولد أربعة أولاد: إيادا، وبه كان يكنى، وأنمارا - وبجيلة وخثعم من ولده على ما قيل، إذ كان فيما ذكرنا تنازع لأن من الناس من ألحقهم باليمن، ومن الناس من ذكر فيهم ما وصفنا أنهم من ولد أنمار بن نزار - وربيعه، ومضر، فلما حضرت نزارا الوفاة دعا بنيه ودعا بجارية له شمطاء، فقال لإياد: هذه الجارية وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد مضر فأدخله قبة له حمراء من أدم، ثم قال: هذه القبة وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد ربيعه وقال له: هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود وما أشبهها من مالي ذلك،. ثم أخذ بيد أنمار وقال له: هذه البحرة والمجلس وما أشبهها من مالي ذلك، فإن أشكلت عليكم هذه القسمة فأتوا الأفعى بن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نجران - حتى يقسم بينكم وتراضوا بقسمته، فلم يلبث نزار إلا قليلأ حتى هلك، وأشكلت القسمة على ولده، فركبوا رواحلهم ثم قصدوا نحو الأفعى، حتى إذا كانوا منه على يوم وليلة من أرض نجران، وهم في مفازة، إذا هم بأثر بعير فقال إياد، إن هذا البعير الذي ترون أثره أعور، فقال أنمار: وإنه لأبتر، قال ربيعه: وإنه لأزور، قال مضر: وإنه لشرود، فلم يلبثوا أن رفع إليهم راكب توضع به راحلته، فلما غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضال في وجوهكم، قال إياد أكان بعيرك أعور؟ قال: فإنه لأعور، قال أنمار: أكان بعيرك أبتر؟ قال: فإنه لأبتر، قال ربيعه: أكان بعيرك أزور؟ قال: فإنه لأزور، قال مضر: أكان بعيرك شرودا؟، قال: إنه لشرود، ثم قال لهم: فأين بعيري؟ دلوني عليه، قالوا: والله ما أحسسنا لك ببعير ولا رأيناه، قال: - أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتم من نعته شيئا، قالوا: ما رأينا لك بعيرا، فتبعهم حتى قدموا نجران، فلما أناخوا بباب الأفعى أستأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا، وصاح الرجل من وراء الباب: أيها الملك، هؤلاء أخذوا بعيري ثم حلفوا أنهم ما رأوه، فدعا به الأفعى فقال: ما تقول؟ فقال: أيها الملك، هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه، فقال لهم الأفعى: ما تقولون؟ قالوا: رأينا في سفرنا هذا إليك أثر بعير، فقال إياد: إنه لأعور، قال: وما يمريك أنه أعور؛ قال: رأيته مجتهدا في رعي الكلأ من شق قد لحسه والشق الأخر واراف كثير الإلتفاف لم يمسه فقلت: إنه أعور، وقال أنمار: رأيته يرمى ببعره مجتمعا ولو كان أهلب لمصع به فعلمت أنه أبتر، وقال ربيعه: رأيت أثر إحدى يديه ثابتا والأخر فاسدا فعلمت أنه أزور، وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعداها فيمر بالكلأ الملتف الغض فلا ينهش منه حتى يأتي ما هو أرق منه، فيرعى فيه، فعلمت أنه شرود، فقال الأفعى: صدقوا، قد أصابوا أثر بعيرك وليسوا بأصحابه، التمس بعيرك ثم قال الأفعى للقوم: من أنتم؟ فأخبروه بحالهم، وانتسبوا إليه فرحب بهم وحياهم ثم قال: ما خطبكم؟ فقصوا عليه قصة أبيهم، قال الأفعى: وكيف تحتاجون إلي وأنتم على ما أرى. قالوا: أمرنا بذلك أبونا، ثم أمر بهم فأنزلوا، وأمر خادما له على دار

(1/214)

الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مثوأهم وإلطافهم بأفضل ما يقدر عليه أمر وصيفا له من بعض خدمه ظريفا أديبا، فقال له: أنظر كل كلمة تخرج من أفواهم فأتني بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القهرمان بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهدا أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاه في هامة جبار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مشوية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شئا ولا أرخص لحما ولا أسمن منه، فقال إنمار: صدقتم لولا أنه غني بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمرا أرق ولا أعنب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعه: صدقتم لولا أن كرمها نبت على قبر. ثم قالوا: مارأينا منزلا أكرم قرى ولا أخصب رحلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه. فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه ، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقا لتصدقني، فلما ألح عليها قالت: يا بني إن أباك الأفعى الذي تدعى له شيخا قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شابا من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقت بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أنا أخبرنا بدير في طف. فبعثت إليه من يشوره،، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلك الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أرمثله فقدمته إلي القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شويتها لهؤلاء القوم؟ قال: أنى بعثت إلى الراعي أن ابعث إلي بأحسن شاة عندك، فبعث بها إلي، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمه ا، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السخلة بجراء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة مع جرائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إليك، ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم. قال: من حبة كرم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم؟ إن هم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قصوا علي قصتكم، فقال إياد: الله أبي جعل لي خادمة شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنما برشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله، قال: ذلك ما ترك أبوك من الرقة والحرث والأرض، فقال ربيعه: إن أبي جعل لي فرسا أدهم وبيتأ أسود وما أشبهها من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلا دهما وسلاحا فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعه الفرس، فقال مضر: إن أبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلأ حمراء فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعه يغزو عليها ويصل أخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر أخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاء بابلهم فتعشوا ليلا وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم يتعرقه فرمى به في ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأه فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به أخوته، فركب أنمار بعيرا من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين أخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قدمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضرة كل أمه ا من المنثور والمنظوم، وربيعه الفرس وربيعه القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفرس، وإياد و ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله، وما قاله النسابون في عقبه.

(1/215)

ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير مبسوطها؛فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى من حل البدو من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبجة والبربر، ومن تقطن بالبراري وقطن الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
علة سكنى البدو
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس إلى أن الجيل الأول من سكن الأرض مكثوا حينا من الزمان لم يبنوا بناء ولا شيدوا مدنا، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفرا منها أخذوا في أبناء المساكن، وخلف من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبت فرقة منهم على سجيتها؛ ولى في البيوت والإظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، وينتقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الأقدمين.
وذكرت طائفة أن أول ذلك أن الناس لما نضب عنهم الطوفان الذي أهلك الله به الأرض في زمن نوح على نبينا وعليه السلام تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الأرضين وحلول البيداء، واستوطن آخرون بقاعا تخيروها، كمن ابتنى إقليم بأبل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح عليه السلام مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ الأول بن كوش بن حام بن نوح، وذلك حين تملك على إقليم بابل من قبل الضحاك، وهو بيوراسف وكمن حل بلاد مصر من ولد حام على حسب ما ذكرنا في باب مصر وأخبارها في هذا الكتاب وكمن عمر الشام من الكنعانيين، وكمن حل بوادي البربر وهم هوارة وزناتة وضريسة ومغيلة وورفجومة ونفزة وكتامة ولواتة ومزانة ونفوسة ولفظه وصدينة ومصمودة وزنارة وغمارة وقالمة ووارقة وأتيته وبابه وبنو سبخون وأركنة وهي من زناتة وبنو كلان وبنو مصدريان وبنو أفباس وزبحن وبنو منهوسا وصنهاجة، ومن سكن من أنواع الأحابيش وغيرهم الغابة المعروفة بغابة العافريم سون ورعوين والعورفة ويكسوم، ومنهم من سكن غير الغابة واتسع في هذه البلاد من المغرب.
وقد ذكرنا أن أرض البربر خاصة كانت أرض فلسطين من بلاد الشام، وأن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سمة لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود عليه الصلاة والسلام ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب إلى موضع يعرف بلوبية ومرافية، فانتشروا هنالك، فنزل منهم زنانة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار وتبطنوا الأودية، ونزلوا أرض برقة، ونزلت هؤارة بلاد إياس وهي بلاد طرابس المغرب أي الثلاث المدن، وقد كانت هذه الديار للافرنجة والروم قانجلوا عن البربر حين أوطنوا أرضهم إلى جزائر البحر الرومي فسكن الأكثر منهم جزيرة صقلية، وتفرقت البربر ببلاد إفريقية وأقاصي بلاد المغرب نحو من مسافة الذي ميل، وانتهوا إلى موضع يعرف بقبوسة، على أكثر آلفي ميل من بلاد القيروان، وتراجعت الروم والإفرنجة إلى مدنهم وعمائرهم وذلك على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال والدهاس وأطراف البراري والقفار.
ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أقيانس، وغير هؤلاء ممن ذكرنا من الأمم من سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقأ وغربا.
ورأت العرب أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولى العز وأليق بذوي الأنفة، وقالوا: لنكون محكمين في الأرض ونسكن نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو، من أجل ذلك.

(1/216)

وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم الله من سمو الأخطار ونبل الهمم والأقدار، وشدة الأنقة، والحمية من المعرة، والهرب من العار، بدأت بالتفغير في المنازل، والتقدير للمواطن، فتاملوا شان المدن والأبنية، فوجدوا فيها معرة ونقصا، وقال ذو المعرفة والتمييز منهم: أن الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام، ولحقها الآفات. والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح. إذا الهواء ربما قوي فأضر بأجسام م سكانه، وأحال أمزجة قطانة، وقال ذوى الآراء منهم: إن الأبنية والتحويط حصر عن التصرف في الأرض، ومقطعة عن الجولان، وتقييد للهمم، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف، ولا خير في اللبث على هذه الحالة. وزعموا أيضا أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البر الأفيح الذيلا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر، هذا مع ارتفاع الأقذاء، وسماحة الأهواء، واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن، مع صحة الأمزجة، وقوة الفطنة، وصفاء الألوان وصيانة الأجسام. فإن العقول والاراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همما، وأشدهتم أحلاما، وأصحهم أجساما، وأعزهم جارا، وأحماهم ذمارا، وأفضلهم جوارا، وأجودهم فطنا؛لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء،لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع أليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات، والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد إليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأعواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجس أمه م، وتضاعفت في أشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر من عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتيادها المواطن.
قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حزون الأرض ودهاسها، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب أخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها؛ لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك أخلاق قطانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.
؟خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة
وذكر الهيثم بن عدي والشرقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين أنه وفد على كسرى أنو شروان بعض خطباء العرب، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: أيها الملك، ملكوا الأرض ولم تملكهم، وأمنوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة جننا وحصونا، فمن ملك قطعة من الأرض فكأنها كلها له، يرعون منها خيارها، ويقصدون ألطافها، قال: فأين حظوظهم من الفلك؟ قال: من تحت الفرقدين ورأس البحرة وسعد الجدي مشرقين في البر بحسب ذلك، قال: فما رياحها؟ قال: أكثرها النكباء بالليل والصبا عند انقلاب الشمس، قال: فكم الرياح؟ قال: أربع، فإذا انحرفت واحدة منهن قيل: نكباء، وما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وماجاء من قبل ذلك فهي صبا، قال؛فما أكثر غذاءهم. قال: اللحم واللبن والنبيذ والتمر، قال: فما خلائقهم؟ قال: العز، وا لشرف، والمكأرم، وقرى ا لضيف، وإذمام الجار، وإجارة الخائف، وأداء الحمالات ، وبذل المهج في المكرمات، وهم سراة. وليوث الغيل، وعمار البر، وأنس القفر، ألفوا القناعة، وشنفوا الضراعة،. لهم الأخذ بالثار، والأنفة من العار، والحماية للذمار، قال كسرى: لقد وصفت عن هذا الجيل كرما ونبلا؛ وما أولانا بإنجاح وفادتك فيهم.

(1/217)

فتخيرت العرب في البر إنزالا منها مشات ومنها مصايف؛ فمنهم المنجد والمتهم فالمنجد منهم هم الذين سكنوا أرض نجد والمتهم هم الذين سكنوا أرض تهامة، ومنهم من سكن أغوار الأرض كغور بيسان وغور غزة من أرض الشام من بلاد فلسطين والأردن ومن سكنه من لخم وجذام، ولجميع العرب مياه يجتمعون عليها وملكية يعرجون إليها، كالدهناء والسماوة والتائم وأنجاد الأرض والبقاع والقيعان والوهاد، ولست تكاد ترى قبيلا من العرب توغل من الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم، كماء ضارج وماء لعقيق والهباءة وما أشبه ذلك من المياه.
الاكراد ونسبهم ومساكنهم
وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية،ولكل نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعه ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلبا للمياه والمرادى فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود عليهما السلام حين سلب ملكه ووقع على إمائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يقع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رد الله على سليمان ملكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهن إلى الجبال والأودية، فربتهم أمه اتهم، وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدء نسب ا لأكرا د.
ومن الناس من رأى أن الضحاك ذا الأفواه المقدم ذكره في هذا الكتاب الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أي الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حيتان فكانتا لا تغذيان إلا بألدمغة الناس، فأفنى خلقا كثيرا من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهم وقد شالوا راية من الجلود تسميها الفرس درفش كاوان، فأخذ أفريدون الضحاك وقيده في جبل دنباوند على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحاك في كل يوم يذبح كبشا ورجلا ويخلط أدمغتهما، ويطعم تينك الحيتين اللتين كانتا في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد، وهؤلاء من نسلهم، وتشعبوا أفخادا، وما ذكرنا من خبر الضحاك فالفرس لايتنا كرونه، ولا أصحاب التواريخ القديمة ولا الحديثة.
وللفرس في أخبار الضحاك مع إبليس أخبار عجيبة، وهي موجودة في كتبهم، وتزعم الفرس أن طهومرث المقدم ذكره في ملوك لفرس الأولى هو نوح النبي عليه السلام، وتفسير درفيش بالفارسية اللهلوية - وهي الأولى - الراية والمطرد والعلم.
وأما الترك وأجناسها فقد قدمنا كثيرأ من أخبارها، وقد غلط قوم فزعموا أن الترك من ولد طوح بن أفريدون، وهذا غلط بين؛لأن طوح ولأه أفريدون على الترك وسلم على الروم، وكيف توليه عليهم وهم ولده؛ وما قلنا يدل على أن الترك من غير ولد طوم بن أفريدون، بل لطوح في الترك عقب مشهور، والمعظم في أجناس الترك هم التبت، وهم من حمير على حسب ما ذكرنا أن بعض التبابعة ربتهم هناك.
وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس؛والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعه بن نزار، فأما نوع من الأكراد - وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة، وهي أرض الدينور وهمذان - فلا تناكما بينهم أنهم من ولد ربيعه بن نزار بن معد، والماجردان - وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حل بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم - فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار، ومنهم اليعقوبية والجورقان وهم نصارى، وديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجودي.
وفي الأكراد من رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما.

(1/218)

فهذه جمل من أخبار بوادي العالم، وقد أعرضنا عن ذكر الغوز والخرلج وهم أنواع من الترك نحو بلاد غرش وبسطام وبست مما يلي بلاد سجستان وكذلك من ببلاد كرمان من أرض القفص والبلوج والجت.
بعض أيام العرب
قال المسعودي: فأما أيام العرب ووقائعها وحروبها فقد ذكرناهأ فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإسلام، كيوم الهباءة، وحروب ذبيان وغطفان، وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن. وحرب داحس والغبراء، ؤحرب بكربن وائل وتغلب، وهي حرب البسوس، ويوم الكلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم في قار، ويوم شعب جبلة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بين غسان وعك.
وسنورد بعد هذا الباب جملأ من أخبار العرب الداثرة وغيرها وتفرقها في البلاد، ونذكر جملا من آرائها ودياناتها في الجاهلية، وما ذهبت إليه في الغيلان والهواتف والقيافة والكهانة والتفرس والصدى والهام، وغير ذلك من شيمها، وبالله التوفيق.
ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية
وتفرقها في البلاد وخبر أصحاب الفيل وعبد المطلب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
ديانات العرب في الجاهلية
قال المسعودي: كانت العرب في جاهليتها فرقا: منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقنا بأن الله يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا من دعا إلى الله عزوجلا ونبه أقو أمه على آياته في الفترة، كقيس بن ساعدة الإياثي ورئاب الشنيئ، وبحيرا الراهب، وكانا من عبد القيس.
وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى الله عز وجل قولهم: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " الآية وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا لها البدن، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.
ومنهم من أقر بالخالق، وكذب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم، وخبر عن كفرهم، بقوله تعالى: وقالوا: " ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر " فرد الله عليهم بقوله: " ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يظنون " .
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المار على عنجهيته، الراكب لهجمته.
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات الله؛فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله، وهم الذين أخبر الله عزوجل عنهم بقوله تعالى: " ويجعلون لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون " وقوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذا قسمة ضيزى " .
عبد المطلب بن هاشم
فممن كان مقرا بالتوحيد، مئبتا للوعيد، تاركا للتقليد: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وقد كان حفر بئر زمزم، وكانت مطوية، وذلك في ملك كسرى قباذ، فاستخرج منها غزالتي ذهب عليهما الدر والجوهر، وغير ذلك من الحلي، وسبعة أسياف قلعية، وسبعة أدرع سوابغ؛ فضرب من الأسياف بابا للكعبة، وجعل إحدى الغزالتين صفائح ذهب في الباب، وجعل الأخرى في الكعبة، وكان عبد المطلب أول من اقام الرفاعة والسقاية للحاج، وكان أول من سقي الماء بمكة عذبا، ؛جعل باب الكعبة مذهبا، وفي ذلك يقول عبد المطلب:
أعطى بلا شح ولامشاحح ... سقيا على رغم العدو الكاشح
بعد كنوز الحلى والصفائح ... حليا لبيت الله في المسارح
وكان قد نذر إن رزقه الله عز وجل عشرة أولاد ذكور أن يقرب أحدهم لله تعالى فكان أمره - حين رزقه الله إياهم - أن قرب أحبهم إليه وهو عبد الله أبو النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب عليه بالقداح حتى افتداه بمائة من الإبل، في خبر طويل.
أصحاب الفيل

(1/219)

وقد كان أبرهة حين سار بالحبشة وأتى أنصاب الحرم، فنزل بالموضع المعروف بحب المحصب، فأتى بعبد المطلب بن هاشم فأخبر أنه سيد مكة، فعظمه وهابه لاستدراة نور النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه، فقال له: سلني يا عبد المطلب فأبى أن يسأله إلا إبلا له، فأمر بردها عليه وقال له: ألا تسألني الرجوع؛ فقال: أنا رب هذه الإبل، وللبيت رب سيمنعه منك وانصرف عبد المطلب إلى مكة وهو يقول:
يا أهل مكة قد وافاكم ملك ... مع الفيول على أنيابها الزرد
هذا النجاشي قد سارت كتائبه ... مع الليوث عليها البيض تتقد
يريد كعبتكم، والله مانعه ... كمنع تبع لما جاءها حرد
وأمر قريشآ أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من معرة الحبشة، وقلد الإبل النعال وخلاها في الحرم ووقف بباب الكعبة وهويقول:
يارب لا أرجولهم سواكا ... يارب فامنع منهم حماكا
إن عدؤالبيت من عاداكا ... فامنعهم أن يخربوا قراكا
ولقول:
يا رب إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
لايغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل، أشباه اليعاسيب، ترميهم بحجارة من سجيل، وهوطين خلط بحجارة خرجت من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار فأهلكهم الله عز وجل.
وقد ذكرنا خبر أبي رغال فيما سلف من هذا الكتاب حين دلهم على الطريق، وهلاكه في الطريق، وجعلت الحبشة يومئذ تسأل عن نفيل بن حبيب الخثعمي يدلها على الطريق، ونفيل يسمع كلام الحبشة وسؤالها عنه وقد ربع لما عمهم من البلاء، وانفرد، من جملتهم يؤمل الخلاص، وقد تاهوا، فأنشأ يقول:
ألا ردى جمالك ياردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
فإنك لو رأيت ولن تريه ... لوى جنب المحصب مارأينا
وكل القوم يسأل عن. نفيل كأن علي للحبشان دينا وقد ذكرنا ما كان منهم في هلك عديدهم فيما سلف من هذا الكتاب، فلما صدهم الله عز وجل عن الكعبة أنشأ عبد المطلب يقول: أيها الداعي لقدأسمعتني ثم ما بي عن نداكم من صمم إن للبيت لربا مانعا من يرع! بأثام يصطلم ر أمه تبع فيمن جندت حميروالحي من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه جارح أمسك منه بالكظم قلت والأشرم ترس خيله: إن ذا الأشرم غربالحرم نحن آل الله فيما قدمضى لم يزل ذاك على عهد إلرهم نحن عفرنا ثمودأعنوة ثم عادا قبلها ذات الأرم نعبد الله وفينا سنة صلة القربى وإيفاء. النمم لم تزل لله فيناحجة يدفع الله بهاعنا النقم
القول بتناسخ الأرواح
قال المسعودي: وقد استدل قوم ممن ذهب إلى الغلو في بعض المذاهب والخروج عما أوجبته قضية العقل وضرورات الحواس بهذا الشعر وقول عبد المطلب فيما كان منهم في قديم الزمان، وأيدوا ذلك الشعر بشعر العباس بن عبد المطلب في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ذكره قريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي أنه هاجر إلى رسول الله فقدم عليه منصرفة من تبوك فأسلم، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل لا يفضض الله فاك يا عدي، فأنشأ يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد، لابشر ... أنت، ولامضغة، ولاعلق
بل حجة تركب السفين، وقد ... ألجم نسرأوأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وأنت لما ولدت أشرقت ال ... أرض، وضاءت بنورك الأفق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور و سبل الرشاد نخترق

(1/220)

قالوا: وهذا الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة من الغلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر - العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكر ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم، من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم من فرق الغلاة: منهم إسحإق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي بن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس في نقضة لكتاب الصراط وذكره المعروف بالنهكني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب العلبانية، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقمرية وسائر فرق الغلاة وأصحاب التذويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس جعفر القاضي، إلى من نجم في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - ممن أحدث قولا تفريعا على ما سلف من أصولهم وأبور شبها أيد بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السم ومن تأخر عنه وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن على الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمم نهجهم، وذكر الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراء وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهارث إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا ا آنفا، وما تغلغل بنا الكرم عنه من ذكرعبد المطلب.
الاختلاف في إيمان عبد المطلب
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى أنه كان مؤمنا موحدا وأنه لم يشرك بالله عزوجل، ولا أحد من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نقلفيالأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم،رأى أن عبد المطلب كان مشركا، وغيره من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ألا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوما للحجاج فنذكرحجاج كل فريق منهم.
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا المقالات في أصول الديانات وفي كتاب الاستبصار ووصف أقاويل الناس في الإم أمه وفي كتاب الصفوة أيضا.
أبو طالب
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحام، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يراعي في المتعف معادا وبعثا ونشورا، وجعل السقاية والرفاعة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأس أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتب في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وكتب علي بن أبي طالب بإسقاط الألف وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
أوصيت من كنيته بطالب ... بابن الذي قد غاب ليس بآئب
اختلاط الألسنة
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثريقر بالصانع، ويستدل على الخالق.

(1/221)

وقد كان في ملك النمروذ بن كوش بن حام بن نوح هيجان الريح التي نسفت صرح النمروذ ببابل من أرض العراق، فبات الناس ولسانهم سرياني، وأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانا، فسمى الموضع من ذلك الوقت بابل، فصار من ذلك في ولد سام بن نوح تسعة عشر لسانا وفي ولد حام بن توح ستة عشر لسانا وفي ولد يافث بن نوح سبعة وثلاثون لسانا على حسب ما ذكرنا في صدر هذا الكتاب، وكان من تكلم بالعربية يعرب وجرهم وعاد وعبيل وجديس وثمود وعملاق وطسم ووبار وعبد ضخم، فسار يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بمن تبعه من ولده وغيرهم وهويقول:
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل ... الأيمن المعرب في المهل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... أنا البديئ باللسان المسهل
الأبين المنطق غير المشكل ... حثوت والامة في تبلبل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... نحو يمين الشمس في تمهل
فحل باليمين على ما وصفنا آنفا من هذا الكتاب.
مسير عاد الى الأحقاف
وسار بعده عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه و يقول:
إني أنا عاد الطويل البالدي ... وسام جدي ابن نوح الهادى
فقد رأيتم يعرب الزيادي ... وسوقه الطارف والتلاد
أرم ذات العماد
فحل بالأحقاف وأداني الرمل بين عمان وحضرموت واليمن وتفرق هؤلاء في الأرض، فانتشر منهم ناس كثير: منهم جيرون بن سعدي بن عاد حل بدمشق فمصرمصرها، وجمع عدد الرخام والمرمر إليهأ؛ وشيد بنيانها، وسماها أرم ذات العماد، وقد روى عن كعب الأحبار في أرم ذات العماد غير هذا، وهذا الموضع بدمشق في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق من أسواقها عند باب المسجد الجامع، يعرف بجيرون، وجيرون: هو بنيان عظيم، كان قصر هذا الملك، عليه أبواب من نحاس عجيبة: بعضها على ما كانت عليه، والبعض من مسجد الجامع، وقد ذكرنا فيما من خبر نبي الله هود.
نزول ثمود الحجر
وسار بعد عاد بن عوص ثمود بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه وهو يقول:
أنا الفتى الذيي دعا ثمودا ... يا قوم سيروا ودعوا الترديدا
لعلنا أن ندرك الوفودا ... فنلحق البادي لنا العديدا
إنا أبينا اليعرب الحميدا ... وعاد ما عاد الفتى الجليدا
فنزلى هؤلاء الحجر إلى فرع، وقد تقدم ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، وخبر نبيهم صالح عليه السلام، وأنهم نحو وادي القرف، بين الشام والحجاز.
مسير جديس إلى اليمامة
وسار بعد ثمود جديس بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده، ومن تبعه وهو يقول:
أنا جديس والمسير المسلكا ... فدتك نفسي يا ثمود المهلكا
دعوتني فقد قصدت نحوكا ... إذ سارت العيس وأبدت شخصكا
كعب الأحبار: هو كعب بن مانع، أبو اسحاق، تابعي. كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في دولة عمر. توفي في حمص عن مئة وأربع سنين سنة.
وقد قلنا فيما سلف: إن هؤلاء الذين نزلوا اليمامة.
مسير عملاق إلى مواضع " مختلفه
وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه: وهو يقول:
لمارأيت الناس ذا تبلبل ... وسار منا ذواللسان الأولى
وحدثتنا في اللحاق الأولى ... فسرت حثا بالسوام المهمل
فنزل هؤلاء أكناف الحرم والتهائم، ومنهم من سار إلى بلاد مصر والمغرب، وقيل: إن هؤلاء بعض ذراعنة مصر، وقد ذكرنا قول من الحق العماليق وغيرهم ممن ذكرنا بعيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وزعم أنهم من ولد العيص على حسب ما ذكرنا فيما تقدم.

(1/222)

وقد كانت للعماليق ملوك كثيرة سلفت في مواضع من الأرض بالشام وغيره، وقد أتينا على أخبارهم وذكر ممالكهم وحروبهم في كتابنا أخبار الزمان، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب قصة يوشع بن نون مع ملك العماليق ببلاد أيلة، وهو السميدع بن هوبر، وقد كان من بقي من العماليق انضافوا إلى ملوك الروم؛ فملكتهم الروم على مشارق الشام والغرب والجزيرة من ثغور الشام فيما بينهم وبين فارس.
أذينة بن السميدع العملاقي
فممن ملك الروم من العماليق: أذينة بن السميدع، الذي ذكره الأعشى في قوله:
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن ملكه ذا يزن
وقد كان ملك بعد العماليق حسان بن أذينة بن طرب بن حساز ويقال: هوالذي يعرف ب أمه زباء.
ثم ملك عمروبن طرب، ويقال: هوالذي كان يعرف ب أمه زباء، وقد كان بينه وبين جذيمة الأبرش الأزدي أبي مالك حروب كثيرة، فقتله جذيمة على ما ذكرنا، وما كان من قتل الزباء لجذيمة وقول الشاعر:
كأن عمرو بن زباا لم يعش ملكا ... ولم يكن حوله الرايات تختفق
لاءم جذيمة من ضرساء مشعلة ... فيها خراشف بالنيران ترتشق
مسير طسم إلى البحرين
ثم سارطسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بعد عملاق بن لاوذ بولده،ومن تبعه وهويقول:
إني أنا طسم وجدي سام ... سام بن نوح وهو الإمام
لما رأيت الأخ والأعلاما ... قلت لنفسي: االحقي السواما
أخاك عملاقا وذا الإقدام ... يافث لا كان وليي حام
فنزل هؤلاء البحرين.
وقد كان جميع من ذكرنا بدوا، وانتشروا في الأرض، على حسب ما ذكرنا من مساكنهم، وكثرت جديس، فملكت عليهاالأسود بن غفار، وكثرت طسم، فملكت عليها عملوق بن جديس، وقد ذكرعبيد بن شرية الجرهمي حين وفد على معاوية وأخبره أن طسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وجديس بن عابر بن سام بن نوح، هم العرب العاربة، وقد كان منزلمهم جميعأ باليمامة، واسمها إذ ذاك جؤ.
عملوق الظالم ملك طسم
وكان لطسم ملك يقال له عملوق، وكان ظلوما غشوما، لاينهاه شيء عن هواه، مع إصراره وإقد أمه على جديس، وتعديه عليهم، وقهره إياهم، فلبثوا في ذلك دهرا، وهم أهل مظالم، قد غمطوا النعمة وانتهكوا الحرمة، وبلادهم أفضل البلاد، وأكثرها خيرا، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فلم يزل على ذلك حتى أتته امرأة من جديس، يقال لها هزيلة بنت مازن، وزوج لها فارقها، يقال له ماشق، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه، فارتفعا إلى إلى ملك عملوق ليحكم بينهما، فقالت المرأة: أيها الملك، هذا الذي حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمت أوصاله، واستوفت خصاله، أراد أن يأخذه قسرا، ويسلبنيه قهرا ويتركني منه صفرا، قال زوجها: قد أخذت المهر كاملا، ولم أنل منه نائلا، إلا ولدا خاملا، فافعل ما كنت فاعلا. فأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما ويجعل في غلمانه، فقالت هزيلة في ذلك:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكما في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ولافهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدرعلى متزحزح ... وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ الملك قول هزيلة، فغضب، وأمر أن لا تتزوج امرأة،جديس فتزف إلى زوجها حتى تحمل إليه، فيفترعها قبل زوجها، فلقوآ من ذلك ذلا طويلا، ولم تزل تلك حالتهم حتى تزوجت عفيرة، وقيل الشموس، بنت غفار الجديسي أخت الأسود بن غفار، فلما كانت لي هديها إلى زوجها انطلق بها إلى عملوق الملك ليطأها على عادته، ومعها القينات يغنينه ويقلنا فيغنائهن:
إبدي بعملوق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب
فما لبكر بعدكم من مذهب
فلما دخلت عفيرة على عملوق افترعها وخلى سبيلها، فخرجت عفيرة على قومها في عمادها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
لا أحد أفل منها جديس ... أهكذا يفعل بالعروس؟
وقالت أيضا تحرض قومها جديس على طسم، وأبت أن تمضي إلى زوجها من كلمة:

(1/223)

أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيصلح تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لاتغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفروا من الكحل
ودونكم طيب العروس؛فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فقبحا و شيكأ للذى ليس دافعا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلو أننا كنا الرجال وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كرامأ، واصبروا لعدوكم ... بحرب تلظى في القرام من الجزل
ولاتجزعوا للحرب يا قوم، إنما ... تقوم بأقوام كرام على رجل
فيهلك فيها كل نكس مواكل ... ويسلم فيها ذو النجابة والفضل
وفي ذلك يقول أخوها:
جاءت تمشى طسم في خميس ... كالريح في هشهشة اليبيس
يا طسم مالقيت من جديس ... حقا لك الويل فهيسي هيسي
التفكر في الانتقام
قال: فلما سمعت جديس بذلك وغيره من قولها اجتمعت غضبا لذلك، فقال لهم الأسود بن غفار - وكان فيهم سيدا مطاعا - يا جديس، أطيعوني فيما امركم به، وأدعوكم إليه، ففي ذلك عز الدهر، وذهااب الذل، قالوا: وما ذلك؛ قال: قد علمتم أن هؤلاء - يعني طسما - ليسو بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم عليكم وعليهم وهو الذي يذعننا إليه بالطاعة، ولولا ذلك ما كان له علينا من فضل، ولو امتنعنا منه لكان لنا النصف، فقالوا: قد قبلنا قولك، ولكن القوم أقراننا، وأكثر عمدا وعددا منا، فنخاف إن ظفروا بنا أن لا يقيلونا، فقال: والله يا جديس لتطيعنني فيما آمركم به وأدعوكم إليه أو لأتكئن على سيفي فأقتل به نفسي، قالوا: فإنا نطيعك فيما قد عزمت عليه، قال: إني صانع لعملوق وقومه من طسا طعاما وداعيهم إليه، فإذا جاءوا إليه متفضلين في الحلل والنعال نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت أنا بالملك، وانفرد كل رجل منكم برجل منهم، قالوا له: فافعل ما بدا لك، واجتمع رأيهم عليه، فقالت عفيرة لأخيها الأسود: لا تفعل هذا؛ فإن الغدر فيه ذلة وعار، ولكن كابدوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراما، قال: لا، ولكن نمكر بهم، فيكون ذلك أمكن لنا من نواصيهم، وأبلغ في الانتقام منهم، فقالت عفيرة في ذلك أسعارا قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.
ثم إن الأسود صنع طعاما كثيرا، وأمر قومه فاخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل حيث أعدوا الطعام، ثم قال لهم: إذا أتاكم القوم يرفلون في حليهم فخذوا أسيافكم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم وابدوا بالرؤساء؛ فإنكم إذا قتلتموهم لم تبالوا بالسفلة، ولم تكن بعد ذلك منهم حال تكرهونها، قالوا: نفعل ما قلت.
ثم دعا الأسود بعملوق الطسمى ومن معه من رؤساء طسم باليمامة فأسرعوا إجابة دعوة الأسود، فلما توافوا إلى المدعاة وثبت جديس، فاستثإروا سيوفهم من الرمل، وشدوا على عملوق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم عن اخرهم، ومضوا إلى ديارهم فانتهبوها، وقال الأسود بن غفار في ذلك أشعارا يرثي بها طسما، ويذكر بغيها وفعل عملوق بأخته، يطول بذكرها الكتاب، وقد تقدمت فيما سلف من كتبنا.
رباح الطسمي يستنجد حمير على جديس

(1/224)

قال: وهرب رجل من طسم، وكان أسمه رباح بن مرة الطسمي، فأتى إلى حسان بن تبع الحميري ملك اليمن يومئذ فاستغاث به، وقد كان عمد إلى جريمة نخل رطبة فجعل عليهاطينا رطبا، وحملها معه وأخرج معه كلبة، فلما ورد على حسان كسر يد كلبته، ونزع الطين عن الجريدة فخرجت خضراء ودخل إلى حسان واستعاذ به، وأخبره بالذي صنعت جديس بقومه، فقال له الملك: لله أبوك، فمن أين مبداك؟ قال: جئتك، أبيت اللعن من أرض قريبة وقوم انتهك منهم ما لم ينتهك من أحد، أنا رباح بن مرة الطسمي، دعتنا جديس إلى مدعاة لهم فأجبناهم متفضلين في الحلل وقد أعدوا لنا السلاح عند جفانهم، فما ذقنا الطعام حتى صرنا حطاما، بلا طلب دم ولا ترة سلفت، فدونك - أبيت اللعن! - قومأ قطعوا أرحامنا - وسفكوا دماءنا، قال الملك حسان: أمعك خرجت هذه الجريدة وهذه الكلبة؟ قال: نعم، فقال الملك: إن كنت صادقا لقد خرجت من أرض قريبة، ووعدده بالنصرة، ثم نادى في حمير بالمسير، وأعلمهم بما فعل بطسم، قالوا: من فعل هذا أبيت اللعن؟ قال: عبيدهم، قالوا: ما لنا في هذا من أرب، هم إخواننا فلا نعين بعضنا على بعض، وهم عبيدك أيها الملك فدعهم، فقال حسان: ما هذا بحسن، أرأيتم لوكان هذا فيكم كان حسنا لملككم أن يهدر دماءكم؛ وما علينا في الحكم إلا أننا ننصف بعضنا من بعض.
زرقاء اليمامة
فقام فرسانهم فقالوا: أبيت اللعن الأمر أمرك، فمرنا بما أحببت، فأمرهم بالمسير، فساروا وسار بهم رباح بن مرة حتى إذا صاروا من اليمامة على ثلاث قال رباح بن مرة للملك حسان: أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس ليس في الأرض أبصر منها، إنها تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فتأمر كل واحد من أصحابك أن يقتلع شجرة من الأرض فيجعلها أم أمه ثم يسير، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح يمامة بنت مرة فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس، لقد سارت أليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى أشجارا تسير ووراءها شيء، وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب، ففي ذلك تقول اليمامة لجديس تحفذهم:
إني أرى شجرا من خلفها بشر ... فكيف تجتمع الأشجار و البشر؟
ثوروا بأجمعكم في وجه أولهم ... فإن ذلك منكم فاعلموا ظفر
وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جؤ على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صبحها فاستباح أهلها من جديس قتلا، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيىء فأجاروه من الملك وغيره، - من غير أن يعرفوه؛فيذكرأن نسله اليوم في طيىء مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة، وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت هي أول من أكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلا، وأمر املك باليمامة، فصلبت على باب جو، وقال سموا جوا باليمامة؛فسميت بها إلى اليوم.
مسير وبار بن أميم

(1/225)

قال المسعودي: ثم سار - بعد طسم بن لاوذ - وبار بن أميم بن لاوذ ابن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وبار بالأرض المعروفة برمل عالج، فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا فصلا من ذلك فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بذعمهم أن الله عز وجل حين أهلك هذه الامة العظيمة، المعروفة بوبار، كما أهلك طسما وجديسا وداسما، وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حوران والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقصد إليها من الإنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجرا وأطيبها ثمرا وعنبا ونخلا وموزا، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطا أو متعمدا حثت الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سوافي الرمل، وأثارت عليه الزوابع، فإن أراد الرجوع عنها خبلوه - وتيهوه، وربما قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقفونا على حده، زعموا أنها من أرادها ألقى على قلبه الصرفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلا إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة.
دعا جحفلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار
وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يامسلم بن جبار
وأقوالهم في مثل هذا كثيرة.
والعرب ممن سلف وخلف في الجاهلية والإسلام يخبرون عن هذه الأرض كإخبارهم عن وداي القرى والصمان والدهناء والرمل الذي بيبرين وغيرها من الأرضين التي نزلوا فيها، ويخيمون عليها طلبا للماء والكلأ، وزعموا أنه ليس بهذه الأرض اليوم أحد إلا الجن والإبل الوحشية، وهي عندهم من الإبل التي قد ضربت فيها فحول الجن، فالوحشية من نسل إبل الجن، والعبدية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الوحشية، وفي ذلك يقول أبو هريم:
كأني على وحشية أونعامة ... لها نسب في الطير وهو ظليم
والأشعار في ذلك كثيرة.
وفي بسطنا لجوامع أخبار العرب فيما نقلته عن أسلافها - مما أمكن كونه وخرج عن حد الوجوب والجواز - خروج عن حد الإيجاز والاختصار، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
مسير عبد ضخم للطائف
وسار بعد وبار بن أميم عبد ضجم بن أرم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا الطائف، فهلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر، فدثروا وذكرتهم الشعراء، وفيهم يقول الأزدي:
وعبد ضخم إذا نسبتهم ... ابيض أهل الحي بالنسب
ابتدعوا منطقا يجمعهم ... فبين الخط قحة العرب
بدء الكتابة بالعربية
وذكروا أن هؤلاء أول من كتب بالعربية، ووضع حروف المعجم وهي حروف أب ت ث، وهي التسعة والعشرون حرفا، وقد قيل غير ذلك، على حسب تنازع الناس في بدء الكتابة.
مسير جرهم إلى مكة
وسار بعد عبد ضجم بن أرم ض هم بن قحطان بولده ومن تبعه، وطافوا البلاد، حتى أتوا مكة فنزلوها وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو الجرهمي:
هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادى القول المبين المعرب
يا قوم سيروا عن فعال الأجنب ... جرهم جدي وقحطان أبي
مسير أميم إلى فارس
وسار أميم بن لاوذ بن أرم بعد جرهم بن قحطان فحل بأرض فارس؛ فالفرس - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في باب تنازع الناس في أنساب فارس - من ولد كيومرث بن أميم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، - وفي ذلك يقول بعض من تقدم من أهل الحكمة من شعراء فارس في الإسلام:
أبونا أميم الخير من قبل فارس ... وفارس أرباب الملوك؛ بهم فخري
وما عد قوم من حديث وحادث ... من المجد إلا ذكرنا أفضل الذكر
أول امرىء بنى البيوت أميم بن لاوذ

(1/226)

وقد ذكر جماعة من أهل السير والأخبار أن جميع من ذكرنا من هذه القبائل كانوا أهل خيم وبدوأ مجتمعين في مساكنهم من الأرض، وأن أميما أول من ابتنى البنيان، ورفع الحيطان، وقطع الأشجار، وسقف السقوف، واتخذ السطوح، وأن ولد حام بن نوح حلوا ببلاد الجنوب، وأن ولد كوش بن كنعان خاصة هم النوبة، على حسب ما قدمنا آنفا في باب السودان من هذا الكتاب، وأن فخذا من ولد كنعان بن حام ساروا نحو بلاد إفريقية وطنجة من أرض المغرب، فنزلوها، وزعم هذا القائل أن البربر من ولد كنعان بن حام.
أنساب البربر
وقد تنازع الناس في بدء أنساب البربر، فمنهم من رأى أنهم من غسان وغيرهم من اليمن، وأنهم تفرقوا حول تلك الديار حين تفرق الناس من بلاد مأرب عندما كان من سيل العرم ومنهم من رأى أنهم من قيس عيلان، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا.
ونزل ولد كنعان بن حام - وهم الأغلب من ولد كنعان - بلاد الشام، فهم الكنعانيون، وبهم تعرف تلك الديار، فقيل: بلاد كنعان.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أخبار مصربن حام وبيصر والأ نباط.
مسير نوفير إلى الهند
وسار نوفير بن فوط بن حام بولده ومن تبعه إلى أرض الهند والسند، وبالسند امم لهم أجسام طوال، وهم على بلاد المنصورة من أرض السند؛ فعلى هذا القول أن الهند والسند من ولد نوفير بن فوط بن حام بن نوح، فولد حام في الجنوب من الأرض الأكثر منهم، وولد يافث في الشمال فيما بين الشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من الأمم وتفرقها في الشرق وغيره مما يلي جبل القبخ والباب والأبواب.
عبادة عاد، وبغيهم
وبغت عاد في الأرض وملكها الخلجان بن الوهم؛فكانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود، وصداء، والهباء، فبعث الله إليهم هودا على حسب ما قدمنا، فكذبوه، وهو هود بن عبد الله بن رياح بن خالد بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقد قدمنا أن قوم عاد كانوا عشرة قبائل، وقد تقدم ذكر أسمائهم، فدعا عليهم هود، فمنعوا المطرثلاث سنين، وأجدبت الأرض فلم يدر عليهم ضرع.
أصل الشرك ووفود عاد على مكة
وقد كان من ذكرنا من الأمم لا يجحد الصانع جل وعز، ويعلمون أن نوحا عليه السلام كان نبيا، وفي لقومه بما وعدهم من العذاب، إلا أن القوم دخلت عليهم شبه بعد ذلك لتركهم البحث واستعمال النظر، ومالت نفوسهم إلى الدعة، وما تدعو إليه الطبائع من الملاذ والتقليد، وكان في نفوسهم هيبة الصانع، والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها، لظنهم أنها مقربة لهم إليه، وكانوا مع ذلك يعظمون موضع الكعبة، وكان موضع على ما ذكرنا ربوة حمراء، فوفدت عاد إلى مكة يستسقون لهم، وكان بمكة يومئذ العماليق، فأتى الوفد مكة، فأقبلوا علي الشرب واللهو، حتى غنتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حث لهم على ما وردوا من أجله، وهو:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يمطرنا غماما
فيسقي أرض عاد، ... إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد ... فلا تخشى لراميهم سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما
ثم إن معاوية بن بكر دعا إحدى الجرادتين فغنت:
ألا يا قيل من عوص ... ومن عاد بن سام
وعاد كالشماريخ ... من الطول الكرام
سقى الله بني عاد ... معا صوب الغمام
فاستيقظ القوم من غفلتهم، وباثروا إلى الاستسقاء لقومهم؛ فكان من أمرهم في مجيء السحاب واختيارهم لما اختاروه منها ما قد اتضح وفيهم يقول مرثد بن سعد من كلمة:
عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا لا تبلهم السماء
ألا قبح الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم قفر هواء

(1/227)

لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء
فبصرنا النبي سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى ونأى العماء
وإني موقن فاستيقنوه ... بأن إله هود هو العلاء
وأن إله هود هو إلهي ... على الله التوكل والرجاء
وأني لاحق بالأمس هودا ... وإخوته إذا حق المساء
مهلك عاد
فأرسل الله عز وجل على عاد الريح العقيم، فخرجت الريح عليهم من واد لهم، فلما رأوا ذلك قالوا: " هذا عارض ممطرناط وتباشروا بذلك، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال: " بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم " الاية فأتتهم الريح يوم الأربعاء، فلم تأت الأربعاء الثانية ومنهم حي، فمن أجل ذلك كره الناس يوم الأربعاء.
وقد بينا فيما يرد من هذا الكتاب كيفية ذلك، وكيف وقوعه من أيام الشهر في باب ذكر الشعور، فلما شاهد هود النبي صلى الله عليه وسلم ما نال قومه انفرد هو ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول الهيل بن الخليل:
لو أن عادا سمعت من هود ... واتبدت طريقة الرشيد
وقد أتى بالوعد والوعيد ... عادا وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود ... صرعى على الآناف والخدود
ساقطة الأجساد بالوصيد ... ماذا جنى الوفد من الوفود
أحداثة في ... الأبد الأبيد
وقال مهد بن سعد في شعرله:
دعاهم خيفة لله هود ... فما نفع النذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتوا ... أصابهم ببغيهم العذاب
وقد كان الأخر من ملوكهم الخلجان، وقد تقدم ذكرنا في هذا الباب لملك عاد وثمود وغيرهم، وقيل: إن أول من ملك عادأ من الملوك عاد بن عوص ثلثمائة سنة، ثم ملك ابن عاد بن عوص.
الجحفة
قال: ولما دثرت هذه الأمم من العرب والقبائل خلت منهم الديار فسكنها غيرهم من الناس، فنزل قوم من بني حنيفة اليمامة واستوطنوها وقد كانوا نزلوا بلاد االجحفة بين مكة والمدينة وقطنوها؛ فقال شاعرهم يدثى من كان في تلك الديار:
إن طسما وجرهما وجديسا ... والعماليق في السنين الخوالى
عمروا البيت حقبة ثم ولئوا ... واستمرت بهم صروف الليالي
وأراك الزمان منهم، وأضحى ... غيرهم ساكنأ بتلك الخوالى
ورماهم ريب الزمان فأمسوا ... درهم بلقع لمرالشمال
وقد كان نزل بلاد الجحفة بين مكة والمدينة عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوح هو وولدة ومن تبعه، فهلكوا بالسيل، فسمي ذلك الموف بالجحفة لإجحافها عليهم.
يثرب
وكان يثرب بن قاتية بن مهليل بن أرم بن عبيل نزل بالمدينة هو وولده ومن تبعه فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضا ببعض غوائل الدهر و افاته، فقال شاعرهم:
عين جودي على عبيل، وهل ير ... جع مافات فيضها بالسجام
عمروا يثربا وليس بها سفر ولا صارخ ولا ذوسنام
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا الفسيل يالاجام
وقد أخبر الله جلت قدرته عنه، فقال: " كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " .
قوم شعيب
وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل بن رعويل بن مربن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وكان لسانه العربية: فمنهم من رأى أنهم من العرب الداثرة، والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن لعصب بن مدين بن إبراهيم، وأن شعيبا أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جنمل.
حروف الجمل

(1/228)

وأحرف الجمل على أسماء هؤلاء الملوك، وهي التسعة والعشرون. حرفا التي يدور عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الأحرف غيرما ذكرنا من الوجوه، على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وليس كتابنا، موضعا لما قاله الناس فيها، وتنازعوا في تأويلها والمراد بها، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز و حطي ملكين ببلاد وج، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرش ملوكا بمدين، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس من رأى أنه كان ملكا على جميع من سمينا مشاعا متصلأ على ما ذكرنا.
عذاب يوم الظلة
وإن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمن منهم، وأن شعيبا دعاهم فكذبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، وانحاز شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بالأيكة، نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتد عليهم الحر وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبأ ومن آمن معه وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من موضعهم وأزالوهم عن أماكنهم وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم فجعلها الله عليهم نارا، فأتت عليهم فرثت حارثة بنت كلمن أباها فقال وكانت بالحجاز:
كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه الحتف نارا تحت ظله
كونت نارا، وأضحت ... دار قومي مضمحله
وفي ذلك يقول المنتصر بن المنذر المديني:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة ... أتيت بها عمرا وحي بني عمرو
وهم ملكوا أرض الحجاز و أوجها ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حطي وسعفص ذي الندى ... وهوز أرباب البنية والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتبوا ... خطورا وساموا في المكأرم والفخر
ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك وتملكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها قبلهم من الأمم، قد أتينا على ذكرها فيما تقدم من كتبنا في هذا المعنى مما كتابنا هذا منبه عليها وباعث على درسها.
حضورا وتنازع الناس في أنسابهم
وأما بنو حضورا وكانت أمة عظيمة ذات بطش وشدة، فغلبت على كثير من الأرض والممالك، وقد تنازع الناس فيهم: فمنهم من ألحقهم بمن ذكرنا من العرب البائدة ممن سمينا، ومنهم من رأى أنهم من ولد يافث بن نوح، وقيل في أنسابهم غير ما ذكرنا من الوجوه، وقد كان الله عز وجل بعث إليهم شعيب بن مهدم بن حضورا بن عدي نبيا ناهيا عما كانوا عليه، وهذا غير شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صاحب مدين المتزوج ابنته موسى بن عمران المقدم ذكره، وبينهما مئون من السنين، وقد كان بين موسى بن عمران وبين المسيح ألف نبي، ولما بعث إلى حضورا، واشتد كفرهم جد نبيهم شعيب بن مهدم في دعائهم وخوفهم وتوعدهم، فقتلوه من بعد ظهور معجزات كانت له ودلائل أظهرها الله على يديه تدل على صدقة وتثبت حجته على قومه، فلم يضيع الله دمه، ولم يكذب وعيده، فأوحى الله تعالى إلى نبي كان في عصره - وهو برخيا بن أخبيا بن زنائيل بن شالتان - وكان من سبط يهوذا بن إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام - أن يأتي بختنصر - وكان بالشام - وقيل: غيره من الملوك، فيأمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق، لبيوتهم، فلما أتى برخيا ذلك الملك قال له الملك: صدقت، لي سب ليال أومر في نومي بما ذكرت، وأنادي بمجيئك إلي، وأبشر بخطابك ويقال لي ما أمرتني به، وأن أنتصر للنبي المقتول الفديد المظلوم فسار إليهم في جنوده وغشي دارهم في عساكره، وصاح بهم صائح من السماء وقد استعدوا لحربه من حيث عم الصوت جميعهم، وهو يقول:
سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضا ومن والى النفاق وألحدا
فلما سمعوا ذلك علموا أن الأمر قد نزل بهم، فانفضت جنودهم وتفرقت جموعهم، وولت كتائبهم يتراكضون، وأخذهم السيف، فحصدا أجمعين.

(1/229)

وقد ذكر أن في قصة هلكهم قال الله عز وجل من قائل: " فما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون " .
منازل حضورا
وقد تنوزع في ديارهم والموضع الذي كانوا فيه: فمن الناس مم رأى أنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة، وذلك بين العراق والشام إلى حد الحجاز، وهي الآن ديار خراب براري وقفار، ومنهم من رأى أن ديارهم كانت بلاد جند قنسرين إلى تل ماسح إلى خناصرة إلى بلاد سورية، وهذه المدن في هذا الوقت مضاف إلى أعمال حلب من بلاد قنسرين من أرض الشام.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من أخبار العرب الماضيه والباقية، وقد كان قبل ظهور الإسلام للباقى منهم مذاهب وآراء في النفوس وتغول الغيلان والهواتف والجن، وسنورد جملا منها منفرعة على حسب ما يقتضيه شرط الاختصار في هذا الكتاب، وعلى حسب ما نمي إلينا من أخبارهم، واتصل بنا من آثارهم، وذكره الناس من آرائهم، عن الفاني والباقي منه، إن شاء الله تعالى.
ذكر ما ذهب إليه العرب في النفوس والهام
والصفر وغير ذلك من مذاهب الجاهلية في النفوس والمرء
الاختلاف في النفس
كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها: فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير وأن الروح الهواء الذئ في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه لم لا؛ وقال تأبط شرأ لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله - كيف كانت قصته؛ فقال: ألجمته عضبا فسالت نفسه سكبا، وقالوا: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛لأن كل حي فيه حرارة و رطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة، وقال ابن براق من كلمة:
وكم لاقيت ذا نجب شديد ... تسيل به النفوس على الصدور
إذا الحرب العوان به استهامت ... وحال، فذاك يوم قمطرير
وطائفة منهم تزعم أنه - النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم ينزل مطيفا به متصورا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشا، وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل:
سلط الطير و المنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام
لأن هذا الطائر يسمونه الهام، والواحدة هامة، وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هام ولا صفر " .
ويزعمون أن هذا الطائر يكون صغيرا، ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم وهي أبدا تتوحش وتصدع، وتوجد أبدا في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم،لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
هامي تخبرني بما تستشعروا ... فتجنبوا الشنعاء والمكروها
وفي ذلك يقول في الإسلام توبة في ليلى الأخلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
سلمت تسليم البشاشة، أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وهذا من قولهم يدل على أن الصدى قد ينزل إلى قبورهم ويصعد ومن ذلك ماروي عن حاتم طيىء مما سنورد خبره في هذا الكتاب.
أتيت لصحبك تبغي القرى ... لدى حفر صدحت ه أمه ا
وسنذكر هذا الشعر في أخبار الحجاج بن يوسف مع ليلى الأخيلية من هذا الكتاب، وقد قيل: إن هذه الأبيات لغير توبة في غير ليلى، وهذا كثير في أشعارهم ومنثور كل أمه م وسجعهم وخطبهم، وغير ذلك من محاورا تهم.
تنقل الأرواح
وللعرب وغيرهم من أهل الملل ممن سلف وخلف كلام كثير في تنقل الأرواح وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابنا المترجم بسر الحياة وكتاب الدعاوى وبالله التوفيق.
ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول
وما لحق بهذا الباب
رأيهم في الغول
للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة.

(1/230)

العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرأ:
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما آجتابت الكاعب الخيعلا
على إثر نار ينور بها ... فبت لها مدبرا مقبلا
فأصبحت والغول لي جارة ... فياجارتي أنت ما أهول
وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تغول فاستغولا
فمن كان يسأل عن جارتي ... فإن لها باللوى منزلا
ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:
يارجل عنز آنهقي نيقا ... لن نترك السبسب والطريقا
الغول تتلون وتضلل
وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القصد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.
وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضر بها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.
رأي الفلاسفة
وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مشوه لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج منفردا في نفسه وهيئته توحش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائبا من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشعرى االعبور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري، وغيرها من العامر والخرائب، فتسمية عوام الناس غولا، وهي ثمانية وأربعون كوكبا، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.
وزعمت طائفة من الناس أن الغول اسم لكل شيء يعرض للسفار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكرا كان أو أنثى، إلا أن اكثر هم كل أمه م على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب، عبيد بن أيوب العنبري:
وحالفني الوحوش على الوفاء ... وتحت عهودهن وبا البعاد
وغولا قفرة ذكرا وأنثى ... كأن عليهما قطع النجاد
وقال آخر وهو كعب بن زهير الصحابي:
فما تحوم على حال تكون بها ... كما تلؤن في أثوابها الغول
وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة مخالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعا من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.
وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السا بلة، قال أبو المطراب:
فلله در الغول، أي رفيقة ... لصاحب قفر حالف وهو معبر
أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تلوح وتزهر
قولهم في السعلاة
وقد فرقوا بين السعلاة والغول، قال عبيد بن أيوب:
وساخرة مني، ولو أن عينها ... رأت مارأت عيني من الهول جنت
أبيت بسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى الجن فيه أرنت
وقد وصفها بعضهم، فقال:
وحافر العنز في ساق مدملجة ... وجفن عين خلاف الإنس بالطول
قولهم في الشياطين ونحوهم

(1/231)

وللناس كلام كثير في - الغيلان، والشياطين، والمردة، والجن، والقطرب، والغدار، وهو نوع من الأنواع المتشيطنة، يعرف بهذا الاسم، يظهر في أكناف اليمن والتهائم، وأعالي صعيد مصر، وأنه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدود دبره فيموت،وربما يتوارى للإنسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي التي سمينا: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح يئس منه، وإن كان مذعورا أسكن روعه، وشجع مما ناله، وذلك أن الإنسان إذا عاين ذلك سقط مغشيا عليه، ومنهم من يظهر له ذلك فلا يكترث به لشهامة قلبه، وشجاعة نفسه، وما ذكرنا مشهور في البلاد التي سمينا، ويمكن جميع ما قلنا مما حكيناه عما ذكرنا من أهل هذه البقاع أن يكون ضربا من السوانح الفاسدة والخوأطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولم نذكر في هذا الكتاب ما ذكره أهل الشرائع، وما ذكره أهل التواريخ والمصنفون لكتب البدو، كوهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهما أن الله تعالى خلق الجان من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حواء من آدم وأن بيضة من تلك البيض تفلقت عن قطربة، وهي: أم القطارب،وأن القطربة على صورة الهرة، وأن الأبالس من بيضة أخرى منهم الحارث أبو مرة، وأن مسكنهم البحور، وأن االمردة من بيضة أخري مسكنهم الجزائر، وأن الغيلان من بيضة أخري، مسكنهم الخلوات والفلوات، وأن السعالي من بيضة أخري، سكنوا الحمامات والمزابل، وأن الهوام من بيضة أخري، سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك، وأن من بيضة أخرى الدواسق، وأن من بيضة أخرى الحماميص - لأنا قد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وتقدم من تصنيفنا، وأتينا على ذكر ما تشعب من أنسابهم والمشهور من أسمائهم ومساكنهم من الأرض والبحار، وإن كان ما ذكره أهل الشرع مما وصفنا ممكنا غير ممتنع ولا واجب، وإن كان أهل النظر والبحث والمستعملون لقضية العقل أو الفحص يمتنعون مما ذكرناه، ويأبون ما وصفنا، والمصنف حاصب ليل، فأوردنا ما أقاله الناس من أهل الشرائع وغيرهم؛ إذ كان الواجب على كل في تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق في معنى ما ذكرناه، وأتينا أيضا على سائر ما خبرنا من الأشخاص التي هي غير مرئية من الجن والشياطين وما قالوه في سلوك الجن في الناس في كتابنا المترجم بكتاب المقالات، في أصول الديانات بالله التوفيق.
ذكر قول العرب في الهواتف والجان
قال المسعودي: فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان كثرها أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أولية مبعثه، ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.
قولهم في الهواتف والجان
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الهواتف والجان: فذكر فريق منهم أن ما تذكره العرب وتنبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامة والمروراة الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد تفكر، وإذا هو تفكر وجل وجبن، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصورت الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لنوي الوسواس، وقطب ذلك وأسه سوء التفغير، وخروجه على غير نظام قوي، أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المروراة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحتوف ؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له.
بين شق وعلقمة بن صفوان
وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسمية شقا.
وذكروا عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم ل أمه أنه خرج في بعض الليالي يريد مالا له بمكة، فانتهى إلى الموضع المعروف إلى هذا الوقت بحائط حرمان؛ فإذا هو بشق قد ظهر له في أوصاف ذكرها فقال شق:
علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول
أضربهم بالمسلول ... ضرب غلام مشمول
رحب الزراع بهلول
فقال علقمة: