Difference between revisions 288630 and 288634 on arwikisource

عنان عنان

حلقات في الأدب
في الفسطاط
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت مدينة الفسطاط منذ القرن الثاني للهجرة مركزاًللتفكير والآداب , يحج إليها كثير من أعلام المشرق. وكانت مصر قد بدأت تتبوأ مكانتها الفكرية والأدبية بين الأمم الإسلامية، منذ استقرت شئونها السياسية في عهد الدولة العباسية. ولم تكن مصر منذ افتتحها الإسلام أكثر من ولاية تابعة للخلافة. ولكنها كانت بين ولايات الخلافة أشدها احتفاظاً بشخصيتها وألوانها القومية؛ وكانت منذ البداية تأخذ نصيبها في بناء صرح التفكير الإسلامي؛ ولكنها كانت تشق طريقها الخاص. وكان(contracted; show full)

(26/33)

الميدان الغربي، وظهر بأقدامه وشجاعته وكوفئ بوسام (الصليب الحديدي). وأصيب في أواخر الحرب من الغازات الخانقة فحمل عليلا إلى ألمانيا: ولزم فراشه حتى انتهت الحرب وعقدت الهدنة. ويقول لنا هتلر انه بكى حزنا وتأثرا حينما سمع بخبر الهدنة. كما أنه شكر الله حين نشبت الحرب، وما كاد يبرأ من علله حتى عاد إلى ميونيخ وانضم إلى أولئك الستة الذين أطلقوا على أنفسهم (حزب العمال الألماني)، فلم يلبث أن غدا قائدهم وزعيمهم، واتخذ للجماعة اسما آخر هو (حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني)

صفحة من تاريخ افغانستان المعاصر
لمناسبة حوادثها الاخيرة
للاستاذ محمد عبد الله عنان
في الثامن من نوفمبر الماضي سقط نادر شاه ملك أفغانستان السابق قتيلاً برصاص طالب أفغاني في احدى حدائق كابول اثناء حفلة رياضية كان يشهدها الملك القتيل، فخسرت أفغانستان بذهابه أميراً قوياً حازماً لبث مدى أربعة أعوام يشرف على مضايرها ويعمل لتنظيم شئونها وتوطيد سلامها في ظروف عصيبة.
وكانت أفغانستان قبل أن يتبوأ عرشها نادر خان قد اضطرمت باحدى هذه الثورات القومية التي يتميز بها تاريخا منذ أواخر القرن الماضي، والتي تدفع بها دائماً إلى فترة من الفوضى الخطرة، وتجعل من عرشها مثار معارك طاحنة بين الزعماء والمتغلبين، ومن استقلالها هدفاً تعلم السياسة الاجنبية ما استطاعت للنيل منه؛ وكان عرشها بعد أن غادره الملك السابق أمان الله في صيف سنة 1929 فراراً من نقمة شعبه قد تداوله اثنان في بضعة أشهر، أولهما عناية الله أخو أمان الله الأكبر، والثاني حبيب الله أو باشا سقا، الزعيم الثائر: وكانت أفغانستان تمزقها الحرب الاهلية حينما جاء اليها نادر خان وزير الحربية السابق في أواخر سنة 1929 من مقامه في أوربا، وانتزع كابول من يد الثائر وقبض عليه وأعدمه، ثم نادى بنفسه ملكاً، واستطاع في أشهر قلائل أن يقمع الفوضى وأن يعيد إلى أفغانستان نوعاً من السكينة والاستقرار.
ولم يكن مقتل نادر شاه (نادر خان) مفاجأة ولا حادثاً غير عادي في تاريخ أفغانستان الحديث؛ فعرش أفغانستان يرتجف دائماً فوق بركان من المنافسة الدموية؛ وقد قتل في الفترة الأخيرة من ملوك أفغانسان عدة، أولهم حبيب الله خان الذي قتل سنة 1919. ولو لم يبادر الملك السابق أمان الله بالفرار لكان نصيبه هذا المصير الدموي. بيد أن هذا العرش الخطر ما فتئ يغري زعماء القبائل والاسر الأفغانية؛ وتخشى أن تعود هذه المعركة الخالدة على العرش فتضطرم غير بعيد في أفغانسات، وان كان الامير الفتى ظاهر شاه ولد نادر شاه قد جلس على العرش غداة مقتل أبيه، واتخذت في الحال كل أهبة لاخماد كل نزعة للخروج والثورة. فقد كان نادر شاه يحكم أفغانستان مدة الأعوام الاربعة الماضية بقوة

(34/11)

وذكاء، ولكنه لم يستطع رغم عزمه وحزمه أن يخمد كل عوامل الانتقاض والفوضى التي تضطرم بها أفغانستان منذ أواخر عهد الملك أمان الله؛ وقد نشبت في عهده غير ثورة أخمدت دائماً في سيل من الدماء، ومازال الملك السابق أمان الله يتربص فرص العودة إلى عرشه، وما زالت تؤازره في أفغانستان بقية من أنصاره، هذا إلى أن القبائل الافغانية القوية في الشرق والشمال الشرقي مازالت تعيش في نوع من الاستقلال الاقطاعي، وتتردد بين تايد العرش والخروج عليه حسبما تملي عليها مصالحها أو حسبما توجهها المؤثرات الاجنبية في كثير من الاحيان.
والحقيقة أن أفغانستان تجد نفسها منذ نحو قرن من مركز حربي وسياسي يكاد يحرمعليها الحياة الهادئة. فهي تقع بين الهند البريطانية من الشرق، وبين التركستان الروسية من الشمال، وتكون بذلك ملتقى الجذب بين سياستين استعماريتين قويتين تتنازعان السيادةوالنفوذ في أواسط آسيا، وتلتقيان دائماً في ذلك الاقليم الجبلي الوعر، الذي يحد نفوذهما ويفصل بين أراضيهما، اعني أفغانستان. والشعب الافغاني لا يتجاوز أربعة ملايين جلهم من القبائل الجبلية، ولكنه شعب قوي بخلاله الطبيعية ونزعته العسكرية يعتصم دائماً بهضابه الوعرة، ويحرص على استقاله أيما حرص. وإذا كان تجاذب السياستين البريطانية والروسية يعرض افغانستان بين آن وآخر إلى تيار النفوذ الأجنبي، فان أفغانستان من جهة أخرى تتخذ من هذا التجاذب أداة لتدعيم استقلالها، وتجعل منه دائماً وسيلة لاقامة التوازن بين السياستين المتنافستين. بيد أن السياسة البريطانية التي تقدر أهمية افغانستان في حماية حدود الهند الشمالية الغربية من الغزو الروسي، تحرص دائماً على أن تكون راجحة النفوذ والكلمة، ولا تترد في تأييد هذا التفوق في السهر على مصاير أفغانستان بالقوة القاهرة. وأفغانستان تعرف أنها لا تستطيع أن تتخلص من هذا النفوذ دون أن تعرض استقلالها للخطر؛ وقد أنست هذا الخطر في تاريخها الحديث غير مرة إذ غزتها الجيوش الانجليزية في سنة 1838، ثم في سنة 1878؛ وعرض استقلالها للضياع في المرتين. وما زالت السياسة البريطانية إلى يومنا تقوم بدورها التاريخي في السهر على توجه شئون أفغانستان وتطوراتها.
ونستطيع أن نرجع من مرحلة التاريخ الأفغاني المعاصر إلى أواخر القرن الماضي، أو إلى

(34/12)

عهد الأمير عبد الرحمن خان الذي تولى العرش عقد تطورات الحرب الأفغانية الإنكليزية الثانية، سنة 1884؛ فقد استطاع هذا الأمير القوي لأول مرة أن يحطم سلطة القبائل الاقطاعية، وان يخضعها لصولة العرش، واستطاع أن ينشئ لأفغانستان جيشاً نظامياً حسناً، وان ينظم الضرائب والموارد العامة؛ وتمتعت افغانستان في عهده بعد طويل من السكينة والاستقرار في ظل ادارة قومية صارمة. ثم توفى عبد الرحمن سنة 1901 وخلفه على العرش ولده حبيب الله خان. واستطاعت السياسة البريطانية في تلك الفترة ان توطد نفوذها في أفغانستان؛ وكان حبيب الله برغم حرصه على استقلال افغانستان الداخلي، يصانع السياسة البريطانية ويتقي اثارتها ما استطاع؛ وفي عهده بلغ النفوذ البريطاني ذروته في توجيه سياسة افغانستان الخارجية، ولا سيما في علائقها مع روسيا القيصرية، وتضاءل النفوذ الروسي إلى أعظم حد ولما نشبت الحرب الكبرى حافظ حبيب الله على صداقته مع بريطانيا العظمى، وقاوم كل مسعى بذلته المانيا لتحريض افغانستان على نقض هذه الصداقة، ثم تُوفي قتيلاً في أوائل سنة 1919، فخلفه اخوه نصر الله؛ ولكن ثورة نشبت بقيادة امان الله ثالث اولاد حبيب الله انتهت بعزله. وتبوأ أمان الله العرش في ربيع هذا العام وهنا كان تطور حاسم في تيار النفوذ الخارجي؛ وانتهزت روسيا السوفيتيه، هذه الفرصة لتسترد نفوذها الذاهب، فعاونت امان الله على انتزاع العرش من عمه، واستعملت كل وسيلة لمقاومة النفوذ الانكليزي والقضاء عليه؛ وذهب امان الله في خصومته للانكليز االى حد أنه دفع بجنده إلى اجتياز الحدود الهندية، ولكن الانكليز ردوها في الحال وعبروا الحدود الافغانية إلى (دكا) وأرغموا امان الله على عقد الصلح، ولكن بشرط أن تعترف انكلترا باستقلال افغانستان (اغسطس سنة 1919).
وكانت روسيا من وراء أمان الله تؤيده وتوجه خططه؛ وكانت انكلترا من جانبها تقدر هذا العامل الجديد في تطور حوادث افغانستان، وتتحاشى الاصطدام بروسيا السوفيتية، وتعمل لاتقاء دسائسها ما استطاعت، وأفغانستان من جانبها تجني ثمرة هذا النضال بين الدولتين الخصيمتين. بيد أن السياسة البريطانية لم تعدم وسيلة للاتفاق مع امان الله؛ ففي سنة 1921 عقدت في كابول معاهدة انكليزية افغانية جديدة، تعترف انكلترا فيها باستقلال افغانستان الخارجي والداخلي؛ وتعترف افغانستان فيها بالحدود الهندية الافغانية القائمة؛

(34/13)

وتنص على تبادل التمثيل السياسي والقنصلي؛ وتخول لافغانستان الحق في ان تستورد من انكلترا ما يلزمها من الاسلحة والذخائر معفاة من الرسوم. وفي سنة 1923 عقدت بين الدولتين معاهدة تجارية. ومع أن العلائق بين انكلترا وأفغانستان لبثت عاديةودية، فان النفوذ الانكليزي لم يعد إلى سابق تمكنه واستئناره، واستمر النفوذ الروسي متفوقاً في افغانستان مدى حين.
وقضت افغانستان فترة من الاستقرار والسكينة، توطدت فيها شئونها الداخلية وعلاقتها الخارجية. وفي سنة 1927 قرر الملك امان الله أن يقوم مع زوجته الملكة ثريا برحلة رسمية في بعض الدول الاوربية؛ فغادرا أفغانستان في شتاء هذا العام، ومرا في طريقهما بمصَر، وانفقا فيها بضعة أسابيع، واستقبلا اينما حلا بمنتهى لاكرام والحفاوة؛ ثم سافرا إلى أوربا وزارا ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا، وتسابقت الدول في الاحتفاء بهما واغداق الهدايا عليهما، كما تسابقت في التقرب إلى امان الله ومحاولة الحصول منه على بعض المزايا السياسية والتجارية، ولكن امان الله لم يتورط في التعاقد واكتفى ببذل الوعود. ثم غادر المانيا إلى روسيا، واستقبله
؟؟؟؟ حلفاؤه البلاشفة أعظم استقبال، وعقدت اثناء مقامه بموسكو معاهدة افغانية روسية تجارية جديدة. وأبدى امان الله اثناء رحلته اهتماماً عظيماً بمظاهر الحضارة الغربية، ولم يخف اثناء تجواله نيته في الا قتباس منها لبلاده بأعظم قدر، والعمل على تجديد افغانستان ودفعها إلى طريق الحضارة الغربية باسرع ما يستطاع، ولم تخف زوجته الملكة ثريا نيتها في العمل على تعليم المرأة الافغانية وتحريرها، وكان لهما في ذلك تصريحات رنانة مازلنا نذكرها. واستمرت الصحف الاوربية مدى حين تفيض في رحلة الملك الشرقي وفي اخباره وأعاله وأقواله، وفي برنامجه الاصلاحي، وفي آحوال أفغانستان وشئونها وأهميتها الحربية والسياسية. بيد أنه لو حط مذ قصد أمان الله إلى موسكو فتور الصحافة الغربية في الحديث عنه، ولوحظ بنوع خاص أن الصحف البريطانية أخذت تحمل على سياسته، وتنتقد زيارته لموسكو وتورطه في محالفة البلاشقة. ولم يكن حديث الصحف البريطانية عبثاً، وإنما كان دلالة اتجاه جديد في السياسة البريطانية كما سنرى.
عاد امان الله إلى افغانستان بعد أن زار تركيا وفارس، وعقد مع كل منهما معاهدة صداقة،

(34/14)

وتأثر ايما تأثر بما رأى في تركيا من مظاهر التجديد الاوربي. ولم يضع وقتا في تنفيذ برنامجه الاصلاحي: وكان برنامجاً شاملاً تناول نظم الحكم، كما تناول كل نواحي الحياة القومية. فاما في نظم الحكم فقد ألغي أمان مجلس الحكم القديم الذي يضم زعماء الدين ومشايخ القبائل بمجلس تمثيلي يؤلف بالانتخاب، وأدخل نظام الوزارة الحديث، والغي سلطات الاشراف وزعماء الدين، وفرض الضرائب العامة المنظمة والخدمة العسكرية الاجبارية على كل أفغاني. وكان أمان الله في الناحية الاجتماعية أشد جرأة واندفاعاً وقد خيل له أنه يستطيع بقوة التشرع العاجل أن يخلق من افغانستان العصور الوسطى، أمة جديدة تتمتع بمظاهر التمدن الحديث. وكانت زوجة الملكة ثريا، وهي امرأة سورية لاتفهم روح الشعب الذي رفعت إلى عرشه، تدفعه في ذلك الطريق بعنف فاصدر طائفة من القوانين الاجتماعيةالجديدة ترى إلى تحرير المرأة وسفورها، والغاء تعدد الزوجات، ورفع سن الزواج، والزام الافغانيين بلبس القبعة والثياب الاوربية على نحو ما فعل مصطفى كمال بالترك، وأرسل إلى أوربا بعوثاً من الشباب والفتيات ليعلموا في معاهدها. وكان الشعب الافغاني يشهد هذا الانقلاب في دهشة وروعة ولا يكاد يصدق أنه المقصود بهذه الاجراءات، وفي افغانستان أمة قديمة تغلب فيها البداوة، ولم تخرج بعد من غامر القرون الوسطى، وللتقاليد الدينية والاجتماية فيها ايما هيبة ورسوخ، فوقعت هذه السياسة الجريئة في الشعب الافغاني وقع الصاعقة، وثار سخطه لهذا الاجتراء على تقاليد القرون، وقابل زعماء الدين والقبائل تلك المحااولة لسحق سلطانهم القديم بمنتهي الانكار والمقاومة، ولم تمض أشهر قلائل حتى سرى ضرام الثورة إلى ذلك الشعب المضطرم المتأهب ابداً للثورة وتحطيم أية سلطة مطلقة تحاول ارغامه على ما لا يرضى.
نشبت الثورة بسرعة لأسباب وعوامل لم تتضح تماماً. ولا ريب أن تطرف الملك أمان الله في تطبيق برنامجه الاصلاحي كان عاملاً هاماً في نشوبها بين القبائل الاقطاعية القوية التي أدركت خطر السياسة الجديدة على نفوذها واستقلالها المحلى، ولكنه لم يكن كل شيء، فقد نشبت الثورة بادئ بدئ في الولايات الشرقية المجاورة للسند، ولا سيما منطقة جلال أباد، وهي منطقة يسود فيها النفوذ البريطاني، ثم امتدت بسرعة مدهشة برغم ما بذله أمان الله لحصرها واخمادها. وقد كانت السياسة البريطانية تأخذ دائماً على أمان الله تأثره بنفوذ

(34/15)

السوفييت ومحالفته إياهم، وترى في زيارته لموسكو وتقوية صلاته بالسوفييت تحدياً لا تحمد عواقبه. وللسياسة البريطاينة دائماً أثرها في تطورات أفغانستان الحاسمة، والمرجح انها لم تكن بعيدة عن ذلك الانفجار الذي فوجئ به أمان الله وكان خطراً على عرشه وشخصه. وقد استطاع أمان الله أن يهزم الثوار بادئ بدء، واعتقد مدى لحظة أنه سيد الموقف، ولكن الحوادث تفاقمت بسرعة وامتدت الثورة إلى الجيش، وزحف الثوار على العاصمة الأفغانية، فبعث الملك بزوجه وأسرته إلى قندهار، وفر الأجانب من كابول على متن طيارات بريطانية أرسلت من الهند، وحاول أمان الله عبثاً أن يهدئ الثورة بالغاء القوانين الجديدة التي أصدرها، فلما رأى أنه فقد كل أمل في الاحتفاظ بعرشه وسلطانه، نزل عن العرش لأخيه الأكبر عناية الله، وفي صعب، ولم يجرؤ على مواجهة الحوادث، فغادر بدوره ذلك العرش الخطر وفر ناجياً بنفسه، ودخل الزعيم الثائر باشه السقا كابول ظافراً، وتربع على العرش باسم حبيب الله. (أوائل سنة 1929) ولما رأى أمان الله تطور الحوادث على هذا النحو عاد فاسترد تنازله. وجمع فلوله وحاول السير إلى كابول، ووقعت بينه وبين خصومه معارك عديدة انتهت بهزيمته، فانسحب من الميدان أخيراً وفر مع زوجه وأسرته في مايو سنة 1929 عن طريق الهند، ثم جاز إلى أوربا منفياً طريداً، واستقر برومه، يرقبت مجرى الحوادث في أفغانستان، ونسمع صوته كلما اضطرمت أفغانستان بحادث جديد. وكان آخر العهد بتصريحاته في أوائل نوفمبر الماضي، حينما قتل المرحوم نادر شاه، فقد صرح يومئذ لبعض الصحف الكبرى أنه لا يتأخر عن العودة إلى أفغانستان، وتبوئ العرش إذا دعاه الشعب الأفغاني، ولكن الشعب الأفغاني لم يقم بمثل هذه الدعوة، وقد تبوأ ظاهر شاه ولد الملك القتيل العرش غداة مقتل أبيه.
(لها بقية)
محمد عبد الله عنان
صفحة من تاريخ أفغانستان المعاصر
لمناسبة حوادثها الأخيرة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- 2 -
غادر أمان الله ميدان الحوادث في أفغانستان في ربيع سنة 1929 كما قدمنا، وفر مع زوجه وأسرته مثقلا بما يدخر الأمراء الطغاة مثل هذا اليوم من مال مغتصب؛ ولكن الملك الجديد باشا السقا أو حبيب الله لم يستطع أن يبسط سلطانه على غير كابول وضواحيها، ولبثت أفغانستان تضطرم بالحرب الأهلية، وزعماء القبائل القوية ولا سيما الشنوارى وغلزة يتطلع كل منهم إلى الملك. عندئذ ظهر في ميدان الحوادث رجل لم يكن له في بدء الفتنة من الأمر شيء، وكان يقيم منذ حين بعيداً عن وطنه في معزل عن الحوادث. ذلك الرجل هو الجنرال نارد خان. وكان من قبل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للجبيش في حكومة الملك أمان الله. ولكنه لما رأى اندفاع أمان الله في سياسته الطائشة، استقال من منصبه وعين سفيراً لأفغانستان في باريس، وأبعد بتلك الوسيلة عن طريق أمان الله. فلما نشبت الثورة وتفاقم خطر الحرب الأهلية لبى نادر خان داعي الوطن وعاد إلى أفغانستان ليحاول إخماد الفتنة وإنقاذ أفغانستان من عواقب ذلك النزاع الخطر، ولكنه ألفى الموقف مستحيلا؛ فاعتزم أن يخوض المعركة وأن يحاول سحق ذلك الزعيم المتغلب الذي أثار هذا الضرام، وجعل من أفغانستان مسرحاً لجريمة والفوضى؛ فحشد أنصاره وفاوض زعماء القبائل القوية. ومنالمعقول أيضاً أن تكون السياسة الإنجليزية قد أدت مهمتها التاريخية في هذا النزاع، وأمدت نادر خان بالمعاونة المطلوبة لأنها رأت فيه زعيماً مستنيرا متزناً، ولأنها تحرص دائماً أن يستتب الأمر في أفغانستان لأمير يؤثر التعاون مع بريطانيا العظمى. وعلى أي حال فقد استطاع نادر خان أن يشق طريقه، وأن يهزم قوات المتغلب والثوار في عدة معارك؛ ثم زحف أخيراً على كابول ودخلها في أكتوبر سنة 1929، وقبض على حبيب الله وأمر به فأعدم رمياً بالرصاص؛ وقبض على زمام السلطة في كابول. بيد أنه لم يكن سيد الموقف بعد، لأن الثورة لبثت تضطرم في مختلف الأنحاء. وكان نادر خان كما قدمنا من معارضي سياسة التجديد الأوربي التي كان لها شأن في إضرام الثورة، فالعلن مرة

(35/8)

أخرى أنه سيعمل على احترام أحكام الشريعة الإسلامية وتقاليد البلاد وحمايتها من كل انتهاك وعبث؛ وأخذت الثورة تهدأ شيئاً فشيئاً، ونادر خان يصرح أنه لا يبغي العرش وأنه يتركه للرجل الذي تختاره أفغانستان. على أنه لم يك ثمة شك في نتيجة هذا التطور، فقد انتهى نادر خان بارتقاء العرش بعد ذلك بأيام قلائل (15 أكتوبر) على يد جمعية وطنية من الزعماء نادت به ملكاً وأيدته معظم العناصر القوية في البلاد.
وقد ولد السردار محمد نادر خان في سنة 1883 من والدين ينتمي كلاهما إلى أصل ملكي. وظهر منذ فتوته بالبراعة، الحربية وتولى منذ سنة 1919 قيادة حرب الاستقلال الأفغاني في صف الملك أمان الله، ولبث مدى أعوام شخصية بارزة في حياة أفغانستان العامة؛ ولكنه أبى التعاون مع أمان الله مذ رأى تطرفه واندفاعه. وتولى نادر خان الحكم في غمار من الصعاب، ولكنه أبدى منتهى الاعتدال والكفاية والحزم؛ وألغى جميع الإجراءات المتطرفة التي اتخذها أمان الله؛ ورد أحكام الشريعة كما كانت، ونظم علائق أفغانستان مع الدول؛ وكان بريطانيا العظمى أول الدول التي اعترفت بحكومته؛ واهتم نادر خان بإصلاح الجيش وتقويته، ولبث يعمل في مثابرة وجلد حتى عادت السكينة إلى البلاد واستقر الأمر في نصابه نوعا. ولكن بعض القبائل القوية ولا سيما قبيلة الشنوارى لبثت محتفظة بموقفها من الاستقلال عن كل سلطة. ولم تمض أشهر قلائل حتى عادت لثورة والقلاقل العنيفة تهدد سلام البلاد وأمنها؛ فعاد نادر خان الكفاح؛ وكانت تعترضه صعاب فادحة مالية وغيرها. واستمر الثورة تخبو وتضطرم في أفغانستان مدة الأربعة أعوام التي حكمها نادر خان. بيد أنها كانت ثورات محلية؛ ولم تتخذ ذلك العنف الذي تتحول معه مصاير أفغانستان إلى وجهة جديدة؛ وكان نادر خان دائماً رجل الموقف؛ وبذل نادر خان جهوداً صادقة لإصلاح نظم الحكم والادارة، وجرى في الحكم على نظام الوزارة الحديث، وأنشأ مجلساً تمثيليا (برلمانا) يقوم بمهمة التشريع بإشرافه، ولزم جانب الاعتدال في سياسة الإصلاح، ورد المرأة الأفغانية إلى حجابها ومنزلها، ولم يحاول أن يغير بالعنف شيئا من تقاليد البلاد الدينية أو الاجتماعية؛ وسار بأفغانستان في طرق التقدم والتوطد رغم القلاقل التي كانت تعترض سبيله من آن لآخر، وعادت السياسة البريطانية فوثقت علائقها مع أفغانستان، وقامت السفارة البريطانية في كابول مرة أخرى، وطبقت المعاهدة المعقودة بين البلدين منذ

(35/9)

سنة 1921. وبالجملة فقد بدأت أفغانستان على يد هذا الأمير القوي الحازم مرحلة من الاستقرار والتقدم وكان مقدار ان تطول وان تثمر خير النتائج لو لم يذهب نادر خان فجأة ضحية الاغتيال السياسي.
لم يكن مقتل نادر شاه مفاجأة كما قدمنا، فقد رأينا أن عرش أفغانستان يقوم على بركان مضطرم من المنافسة الدموية، ورأينا كيف يذهب معظم الجالسين عليه ضحية الغدر والغيلة. ولم تتضح العوامل والظروف الحقيقية التي ذهب ضحيتها نادر شاه بعد وضوحاً كافياً يسبغ عليها للون التاريخ الحق. ولكنا نستطيع أن نتتبع هذه العوامل في معترك البغضاء السياسية والشخصية التي تتربص منذ بعيد بنادر شاه وأسرته، وإليك خلاصة ما يقال في اصل الجريمة وأسبابها
كان غلام نبي بين زعماء أفغانستان المقربين إلى الملك أمان الله ومن اكبر معاونيه. وكان يشغل منصب سفير أفغانستان في باريس أيام حكم الملك أمان الله، ويشغل أخوه غلام صادق منصب سفير أفغانستان في برلين. وهو من أسرة (تشركي) القوية، فلما سقط أمان الله وتولى نادر خان، أقيل غلام نبي وعين مكانه في سفارة باريس السردار شاه والي خان أخو نادر شاه، ثم أقيل أخوه غلام صادق بعد ذلك من سفارة برلين وعين مكانه أخ للملك أيضا هو السردار محمد عزيز خان.
ولبث غلام نبي حينا في أوربا ثم عاد إلى أفغانستان بشفاعة آخي الملك والي خان وبعد وعد ملكي بالأمان. واستخدمه نادر شاه في مهام عسكرية وسياسية في بعض الاقاليم، ولكن غلام نبي كان يضطرم بأطماع خفية، وكان يبث دعوة الثورة ضد نادر شاه خفية ويدعو لصديقه السابق أمان الله، ووقف نادر شاه على طرف من مساعيه فاستدعاه إلى كابول واستدرجه على مجلس عقده في قصره بضاحية (الارج) التي تضم القصور والقلاع الملكية، ولما ظهر نبي خان أمامه أبرز له بضع الوثائق التي تثبت خيانته، فحاول غلام نبي الجدل والمكابرة، ولكن نادر شاه كان قد أعد العدة للتخلص منه وفي الحال ظهر عدة جنود مدججين بالسلاح وانقضوا عليه وقتلوه خنقا أمام عيني الملك. وأخفى نبأ موته حتى عقد نادرشاه في اليوم التالي محكمة من الرؤساء اجتمعت سرا وقضت بإعدام غلام نبي جزاء خيانته، ثم نشر نبأ إعدامه بعد ذلك في الجريد الرسمية، وعلمت أسرة (تشركي)

(35/10)

أسرة غلام نبي القوية - بمصرع زعيمها، وأقسمت بالانتقام
وكان ذلك في الثامن من نوفمبر سنة 1932، أي لعام بالضبط قبل مقتل نادر شاه. وعلى أثر ذلك قبض على كثيرين من أسرة غلام نبي وأتباعه. وكان ممن قبض عليهم بسبب الحادث عامل جنان من أتباع غلام نبي وولده، وهو طالب في السابعة عشرة من عمره يدعى عبد الخالق، فاعتقل الفتى أياماً ثم أطلق سراحه بشفاعة وزير المعارف لأنه طالب مجد متفوق في الألعاب الرياضية ولم تلحقه أية شبهة. وكان الفتى عبد الخالق هذا هو قاتل نادر شاه في المستقبل
أقسمت أسرة (تشركي) بالانتقام وعملت له، وظهرت البوادر الأولى لانتقامها المبيت في يوليه سنة 1933، في برلين حيث قتل السردار محمد عزيز خان أخو الملك نادر شاه وسفير أفغانستان في برلين، قتله طالب أفغاني من حزب (أفغان الفتاة) الذي يناصر سياسة الملك أمان الله، واتجهت الريب يومئذ إلى غلام صادق أخي غلام نبي الذي كان يشغل من قبل منصب سفير أفغانستان في برلين وعرضت أسرة غلام نبي في كابول بسبب هذا الحادث إلى مطاردات واضطهادات جديدة، وازداد الملك نادر شاه ريباً فيها وحذراً منها، وازدادت الأسرة ظمأ إلى الانتقام.
وكان الفتى عبد الخالق أثناء ذلك متصلاً بأسرة غلام نبي التي يعمل لديها أبوه، وكانت الأسرة تبث إلى كل من يتصل بها روح البغض لنادر شاه والنقمة عليه. وهنا تروي قصة غرام وانتقام خلاصتها أن الفتى عبد الخالق هام بحب سيدة رائعة الحسن من سيدات أسرة غلام نبي، وأنها شجعته وبادلته الهوى، وأغدقت عليه كل عطفها وحنانها، وكانت أبواب القصر تفتح لعبد الخالق صباح ومساء، ويلتف حوله سيدات الأسرة جميعاً، ويبذرن في نفسه المتيمة الهائمة ضرام البغض والنقمة، وكانت صاحبته الحسناء تملك عليه كل حسه وتفكيره، وتصور له المستقبل بديعاً فياضاً بالآمال الكبيرة، وذا قتل نادر شاه وعاد أمان الله، فأن أسرة تشركي تعود إلى سابق مجدها ونفوذها، ويغدو عبد الخالق وأسرته من ذوي النفوذ والغنى.
ولم تمض أشهر قلائل حتى نضج المشروع، ولم يبق على عبد الخالق إلا أن يتحين فرصة التنفيذ. وسنحت هذه الفرصة في اليوم الثامن من نوفمبر، وكان قد تقرر أن تقام في هذا

(35/11)

اليوم مباراة في الكرة بين فريق المدرسة الفرنسية الأفغانية، وفريق المدرسة الألمانية الأفغانية التي ينتمي عبد الخالق إلى طلبتها ويعمل عضواً في فريقها الرياضي. كذلك تقرر أن يرأس الملك نادر شاه الحفلة ويتولى توزيع الجوائز على الفائزين، وأقيمت المباراة في إحدى ساحات الحدائق الملكية في (أرج) في عصر هذا اليوم. وقصد الملك نادر شاه مع ولده ظاهر شاه وعدة من الأكابر إلى الخيمة الملكية لمشاهدة المباراة، وفي أثناء سيره خرج من صف الطلبة المجاور له طالب يرتدي ثياب اللعب، واقترب منه بسرعة ورفع يده وأطلق ثلاث رصاصات متواليات، فوضع الملك يده على قلبه وسقط صريعاً على الأثر، وكان هذا الطالب هو عبد الخالق. ووقع الحادث بسرعة مدهشة، وذهب دوي الرصاص في الضجيج والهواء فلم يفطن له أحد. وساد الهرج وقبض على المعتدي وتمت المأساة.
هكذا تروي العوامل والظروف التي دبر فيها مقتل المغفور له نادر شاه، وهكذا توصف الصورة التي تمت الجريمة وقد كان للحادث دوي عميق؛ وكان مدبرو الجريمة يؤملون على ما يظهر أن يحدث موت نادر شاه اضطرابا وقلاقل ينتهزها خصوم الملك القتيل لإضرام الثورة؛ وكانت بوادر الثورة تبدو في الجنوب منذ حين؛ ولكن السردار محمودوزير الحربية وأصغر أخوة الملك القتيل أبدى منتهى الحزم والسرعة في تلافي هذا الأثر، فلم تمض ساعة واحدة على مقتل نادر شاه حتى كان قد استدعى الوزراء والقادة والزعماء إلى القصر، ونادى في الحال بظاهر شاه ولد الملك نادر شاه الوحيد ملكا على أفغانستان مكان أبيه؛ وحياة الزعماء والقادة والضباط في الحال بلقب الجلالة. وقد أبدى السردار محمود في ذلك تضحية وحكمة سياسية بعيدة المدى، لأنه من حق اخوة الملك طبقا لقانون العرش الأفغاني أن يرثوا العرش؛ ولكن السردار محمود أدرك في الحال ما قد تثيره مسألة العرش بين أخوة الملك الثلاثة وبين المتطلعين إلى العرش من الاضطراب الخطر على سلام البلاد؛ وجاء رفع ظاهر شاه إلى العرش حاسماً لكل خلاف وجدل وفي الحال زج الفتى القاتل إلى قلعة القصر، ووجد معه على ما يقال صور الغادة الحسناء التي حرضته فقبض عليها، وقبض على كثيرين من أسرة غلام نبى رجالا ونساء وأطفالا، وقبض على كثيرين من زملاء عبد الخالق في المدرسة وعلى بعض المدرسين، بل وعلى وزير المعارف؛ وهبت على العاصمة الأفغانية ريح من الروع والرهبة؛ ومازالت أقبية

(35/12)

السجن الملكي غاصة بالمقبوض عليهم ولا يعلم حتى اليوم من زهق منهم ومن باق على قيد الحياة
وملك أفغانستان الجديد جلالة ظاهر شاه في العشرين من عمره وهو ولد نادر خان الوحيد، ولكن له أربع شقيقات هن بالتعاقب: الأميرة زهرة وهي في السابعة عشرة، والأميرة زينب وهي في الخامسة عشرة، والأميرة سلطانه وهي في الرابعة عشرة والأميرة بلقيس وهي في الثانية عشرة، وقد تلقى ظاهر شاه بعض تربيته في فرنسا، وأقام هنالك نحو ثمانية أعوام، وهو ذو آراء وتربية عصرية ويجيد اللغة الفرنسية فضلا عن الفارسية والأوربية (الهندية).
وقد كان منذ حين، أثناء حياة والده يتولى بعض الوزارات والمهام الرسمية طبقا للتقاليد أمراء الأسرة الملكية؛ وهو بعد الملك غازي، ملك العراق أحدث ملوك الشرق والغرب سنا.
وقد مضى إلى اليوم زهاء أربعة أشهر مذ تولي ظاهر شاه عرش أفغانستان دون أن نسمع بحدوث اضطرابات أو قلاقل جديدة، والظاهر أن حكومة الملك الجديدة تقبض على ناصية الموقف، وأن بوادر الثورة التي كانت على أهبة الانفجار قد أخمدت أو اختفت إلى حين وأن الشعب الأفغاني يؤيد القابضين اليوم على زمامه. وهكذا تتحطم آمال المتطلعين إلى العرش وفي مقدمتهم الملك السابق أمان الله مرة أخرى.
ونحن نغتبط إذ نرى أفغانستان تجوز أزمتها الخطيرة بمثل هذه السرعة، ونرجو أن تظل هذه الشقيقة الشرقية النابهة متمتعة بالاستقرار والسكينة، بعيدة عن كيد السياسة الأجنبية ومطامعها؟
محمد عبد الله عنان


سحب في بلاد العرب
الحرب بين نجد واليمن
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان الخلاف يشتد منذ حين بين زعيم الجزيرة العربية، جلالة ابن السعود ملك نجد والحجاز وسيادة الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن. وكانت آمال العرب والمسلمين قوية في أن تنتهي الزعيمان بالمفاوضة والحسنى إلى حسم الخلاف القائم بينهما، وأن يبذل كل ما في وسعه لاتقاء حرب أهلية تشقى الجزيرة بعواقبها. ولكن العرب والمسلمين فجعوا أخيرا في هذه الآمال، فوقع الخطب ونشبت الحرب في جزيرة للمرة الثانية خلال بضعة اشهر. وكانت قد نشبت في الخريف الماضي بين القوات اليمنية والنجدية لنفس الخلاف الذي يثيرها اليوم؛ ولكنها أخمدت بسرعة وتغلبت الروية والحكمة يومئذ؛ وكان لصوت العرب والمسلمين أثره في ذلك؛ فعاد الزعيمان إلى التفهم والمفاوضة، وعقد مؤتمر نجدي يمني ليبحث وجوه الخلاف، وليحاول الوصول بها إلى تسوية مرضية ولكنه لم يوفق في مهمته لتمسك كل من الفريقين بوجهة نظره فكان تفاقم الخلاف، وكانت الحرب.
وهذا الخلاف الذي يضرم الحرب في جنوب الجزيرة العربية قديم يرجع إلى أعوام بعيدة. ومنشؤه مسألة الحدود بين البلدين وتنازع السيادة بينهما على المناطق والأراضي الواقعة بين الحجاز واليمن، وهي تشمل ولاية عسير الواقعة في جنوب الحجاز وشمال اليمن، ومنطقة نجران الواقعة شرق عسير جنوب شرقي الحجاز وشمال شرقي اليمن. وقد كانت السيادة في عسير حتى سنة 1922 مقسمة بين قبائل بني شهر القوية في قسمها الشرقي، وبين الأدارسة في قسمها الغربي وهو لمعروف بتهامة؛ ففي سنة 1922 اجتاحت القوات السعودية منطقة عسير الشرقية، وحطمت قبائل بني شهر واستولت على أراضيها حتى بلاد اليمن وضمتها إلى نجد. ولما استولى ابن سعود على الحجاز سنة 1925 رأى أن الاستيلاء على تهامة ضروري لتأمين حدود الحجاز الجنوبية، ورأى الأدارسة أن القوات النجدية تطوق بلادهم من الشرق والشمال فآثروا التفاهم مع ابن السعود والاستظلال بلوائه، وعقد زعيمهم السيد الحسن الأدريسي اتفاقا مع ملك نجد توضع عسير تهامة بمقتضاه تحت حماية نجد وإشرافها (سنة 1926)؛ وأستمر الأدارسة في حكم البلاد تحت

(40/12)

إشراف مندوب من قبل ملك نجد؛ ولكن هذا الوضع الشاذ كان مثارا لمصاعب وخلافات لا نهاية لها؛ واضطر السيد الأدريسي في النهاية أن يتخلى عن مهمة الحكم والإدارة وأن يفوض الأمر إلى ملك نجد؛ وشعر ابن سعود انه لا ستطيع المحافظة على عسير إلا إذا ضمها إلى أملاكه، فأعلن في سنة 1930؛ ونزع الأدارسة كل سلطان حقيقيي، وبذلك امتدت حدود المملكة السعودية إلى شمال اليمن، وزادت بذلك أسباب الاحتكاك بينهما. وكانت هذه الأسباب قائمة منذ استولى ابن سعود على أراضي بني شهر (عسير الشرقية)، وأشرفت بذلك على منطقة نجران التي يدعى إمام اليمن إنها من ملحقات مملكته وأن قبائلها تلتمس حمايته، ويدعي ابن سعود أن قسمها الشمالي داخل في أراضيه. ولكن استيلاء ابن سعود على أمارة الأدارسة كان أبعد في استياء الإمام وتوجسه من إشراف (الأخوان) على حدوده الشمالية. وكان للإمام من قبل نفوذ قوي على الأدارسة، وكانت عرى التفاهم والتحالف بينهما قوية متينة، وكان يرى دائما انه أولى وأحق بضم هذه المقاطعة إلى أملاكه من منافسة القوى الذي قصد إليها من قلب الجزيرة، واستطاع في أعوام قلائل أن يدفع حدود أملاكه حتى البحر الأحمر غربا واليمن جنوبا، ولكن الإمام لم يكن في ظروف تمكنه من الإقدام على هذه الخطوة لأنه في الوقت الذي استولى فيه ابن سعود على عسير كان مشغولا بخصومته مع الإنكليز على بعض المناطق اليمنية الجنوبية المجاورة لعدن، وقد احتلها الإنكليز بحجة إنها اختارت الحماية الإنكليزية، وأغارت أسرابهم الجوية على اليمن مرارا وألقت قنابله على صنعاء عاصمة اليمن، ولم يستطع الإمام يومئذ أن بفعل شيئا لمقاومة الغزو السعودي في عسير.
تلك هيأسباب الخلاف الجوهرية بين اليمن والمملكة السعودية. وقد استطاع ابن السعود والإمام أن يتغلبا مدى حين على بواعث الخصومة، وان يتذرعا بالروية والتفاهم، وان يحسما أسباب الخصومة في كثير من المواطن؛ بل لقد انتهى التفاهم بينهما إلى أن عقدا معاهدة صداقة وحسن جوار في سنة 1931 تعهد فيها كل منهما بمراعاة المودة والصداقة وتسليم المجرمين من رعايا الفريق الآخر، وتبادل حقوق التوطن والإقامة بالنسبة لرعايا الدولتين، ولكن هذه الجهود المحمودة في سبيل الوفاق والتفاهم لم تنجح على ما يظهر في حسم أسباب الخلاف الحقيقي؛ واستمرت بواعث الاحتكاك على مسائل الحدود تنفجر من

(40/13)

آن لآخر. وفي سنة 1932 انتفض الأدارسة على عمال الحكومة السعودية، واضطرمت في عسير ثورة خطيرة وهوجمت القوات السعودية بشدة، وأصيبت بخسائر فادحة، وردت عن بعض المواقع الهامة، فبادر ابن المسعود بإرسال النجدات القوية إلى عسير، أخمدت الثورة بعد خطوب، وفر الزعماء الأدارسة إلى اليمن، والتجئوا إلى حماية الإمام. واستشعر ابن السعود على ما يظهر ريبا من موقف الإمام إزاء هذه الثورة، وفي أنها ليست بعيدة عن وحيه وتدبيره ومؤازرته المعنوية على الأقل، خصوصا وقد رفض ما طلبه ابن السعود من تسليم الزعماء الأدارسة بالاستناد إلى المعاهدة المعقودة؛ عندئذ عاد الخلاف بين الملكين إلى اشده، واخذ كل منهما يحشد قواته على الحدود. ومع ذلك فقد حاولابن السعود أن يبذل مجهودا أخيراً في سبيا الوفاق والتفاهم، فأرسل إلى الإمام وفد للمفاوضة، ولبث الوفد السعودي في صنعاء عدة أسابيع دون أن يوفق إلى مفاوضة الإمام والتفاهم معه؛ وقيل يومئذ أن الوفد وضع بأمر الإمام أو بأمر ولده سيف الإسلامفي حالة اعتقال. وعلى أي حال فقد فشلت هذه لمحاولة، وتفاقم الخلاف حين تقدمت القوات اليمانية شمالا في مقاطعة نجران، واستولت على بعض مواقع في جنوب تهامة، واشتبك الفريقان يومئذ في بعض المعارك المحلية؛ واستشعر العالم العربي والإسلامي خطر هذه الحرب الأهلية فرفع صوته يحذر الزعيمين من عواقبها، ويناشدهما حقن الدماء واتقاء الشر، فوقفت الحرب يومئذ في بدايتها، أصغى الفريقان مدى حين لهذا النداء الحكيم.
ولكن الحرب تعود فتضطرم اليوم بين زعيمي الجزيرة العربية ويعود الخطر فيهدد مستقبل الجزيرة بشر العواقب. واشد ما نخشى أن تكون المطامع والدسائس الاستعمارية جاثمة وراء هذه الحرب الأهلية تنفح النار فيها، وتترقب من خلالها فرص التدخل. ذلك أن المملكة السعودية بلغت من الضخامة والقوة حدا أضحى يشغل السياسة البريطانية. والمملكة السعودية (نجد وملحقاتها) تجاور بحدودها جميع مناطق النفوذ البريطاني في شبه الجزيرة؛ فهي تجاور العراق من الشمال الشرقي، وتجاور شرق الأردن وفلسطين من الشمالالغربي، وتجاور الكويت وعمان من الشرق، وتشرف على حضرموت من الجنوب؛ وقد دلل ابن السعود في أكثر من فرصة على قوته ومنعة مملكته التي تشمل جميع أواسط الجزيرة من شرقها إلى غربها ودلل بالأخص على أنه شديد الحرص على سلامة حدوده وأراضيه لا

(40/14)

يغضى عن أية محاولة تقوم بها السياسة البريطانية لتوسيع نفوذها داخل الجزيرة، وقد رفض مرارا ما عرضته بريطانيا من الاتفاق معه على استثمار مواد الحجاز الطبيعية، أو منحه قرضا يمكنها من التدخل في شؤون مملكته؛ وعلائق ابن السعود حسنة مع روسيا السوفيتية، والتجارة السوفيتية متفوقة في الحجاز، وهذا ما لا يرضي بريطانيا. وابن السعود يدعي ملكية العقبة وما حولها من الأراضي التي تحتلها بريطاني، ويهدد بالإغارة عليها من حين لآخر، حتى أن بريطانيا اضطرت أن تنشئ لها في العقبة مركزا بحريا ومركزا للطيران الحربي. فهذه العوامل والظروف كلها تحمل السياسة البريطانية على التوجس من صديقها القديم ابن السعود ومن ازدياد قوته ونفوذه داخل الجزيرة، هذا وأما اليمن فهي محطأنظار السياسة الإيطالية، لأن موقعها على الضفة الشرقية من البحر الأحمر تجاه مستعمرة إريترية الإيطالية الواقعة على ضفته الغربية يجعل لها في نظر إيطاليا أهمية خاصة. وقد توثقت العلائق بين اليمن وإيطاليا منذ سنة 1928 وزار رومه يومئذ وفد يمني برئاسة سيف الإسلام ولد الإمام، واستقبل بمنتهى الحفاوة؛ وعقدت بين اليمن وإيطاليا معاهدة تجارية اقتصادية. وتقربت روسيا السوفيتية من اليمن أيضا وعقدت معها معاهدة ودية تجارية (سنة 1929) وكان ذلك عاملا في جزع السياسة البريطانية وتطور سياستها نحو اليمن. ذلك أن بريطانيا تجاور اليمن في عدن اعظم مراكزها البحرية في البحر الاحمر، وتحتل إلى جانب عدن عدة مناطق أخرى تجاور اليمن من الجنوب الشرقي وينازعها الإمام في ملكيتها. وكان الخلاف قويا مستمرا بين الإنكليز والإمام منذ أعوام طويلة، والسياسة البريطانية تتردد بين خصومته وصداقته، وتحاول إرغامه من وقت لآخر بتنظيم الغارات الجوية على أراضيه، أن يعترف بملكيتها للمناطق التسع التي تحتلها. فلما أتجه الإمام نحو السياسة الإيطالية، وظهرت روسيا السوفيتية في الميدان تتقرب إلى اليمن، خشيت السياسة البريطانية عواقب هذه الخصومة، فعادت إلى مصانعة الإمام، ودارت بينهما مفاوضات انتهت أخيرا بعقد كعاهدة يمنية بريطانية تعترف فيها بريطانيا العظمى باستقلال اليمن، وتسوي فيها بعض المسائل المعلقة بين الفريقين، وتنظم علائقهما. فهذه العوامل والظروف كلها مما يحمل على الاعتقاد بأن اضطرام الخصومة بين الإمام وابن السعود زعيمي الجزيرة العربية ليس مما يعنيهما وحدهما، وأن نشوب الحرب بين اليمن

(40/15)

والمملكة السعودية مما يثير أشد الاهتمام من جانب السياستين البريطانية والإيطالية؛ ومن الصعب أن نحاول الآن أن نلتمس ما قد يكون لإحدى هاتين السياستين أولهما معا عناصر الوحي أو التأثير في سير الظروف والحوادث التي أدت إلى هذه الأزمة الخطيرة في علائق زعيمي الجزيرة العربية؛ ولكن الذي لا ريب فيه أن السياستين البريطانية والإيطالية ترقب كل فرصها خلال هذه الحوادث، وتبذل وسعها للاستفادة منها، ودفعها إلى الطريق الذي يتفق مع مصالحها وغاياتها
وليس هنا مقام التحدث عن المسؤولية، عمن ترجع إليه التبعة في وقوع هذه الحرب التي تهدد مصاير الجزيرة العربية بشر العواقب، فلكل من الفريقين المتخاصمين وجهة نظر، ولكل أسبابه التي يستند إليها في تأييد موقفه. ويكفي أننا سردنا الحوادث والظروف التي أدت إلى هذا الموقف. وهي كما يرى القارئ حوادث وظروف تجتمع وتتهيأ منذ عدة أعوام، ثم اشتدت وتفاقمت في العامين الأخيرين. بيد أننا لا يسعنا إلا أن نعرب عما يخالجنا ويخالج العرب جميعا والمسلمين جميعا من الأسف والجزع لاضطراب أفق الجزيرة العربية بهذا الحدث الخطير الذي لا تقتصر عواقبه على المملكة السعودية وحدها أو على اليمن وحدها، ولكنها تلحق القضية العربية بأسرها. ونحن على يقين من أن جلالة عبد العزيز بن السعود، وسيادة الإمام يحيى يدرك كلاهما خطورة لموقف ويود أن يتقيه بكل ما وسع؛ ولقد برهن كلاهما خلال الأعوام الأخيرة في اكثر من موطن على انه يؤثر التذرع بالروية والحكمة ويؤثر الصفاء والسلام، وقد استطاعا حتى اليوم أن يتجنبا كارثة الحرب؛ فمثل هذه الحرب مهما كانت نتائجها بالنسبة للمملكة السعودية أو اليمن لا يمكن إلا أن تكون شرا على مستقبل الجزيرة العربية؛ وما تزال ثمة فرصة للمهادنة والتفاهم، فهلا بذل زعيما الجزيرة مجهودا أخيرا لتدارك الخطب وحقن الدماء، فيحققا بذلك رجاء كل عربي وكل مسلم، ويعيدا بذلك إلى الجزيرة سلامها وأمنها؟
حوادث النمسا
النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- 1 -
في الثاني عشر من فبراير المنصرم اضطرمت النمسا فجأة بضرام حرب أهلية خطيرة، واتجهت أنظار العالم إلى هذا الحدث الأوربي الجديد ترتقب آثاره في سير الشئون الدولية. وكانت المعركة عنيفة هائلة ولكن قصيرة المدى، لأنها لم تطل سوى ثلاثة أيام وكانت حاسمة النتائج والآثار سواء في الموقف الداخلي أو في سير السياسة الأوربية العامة.
ويرجع هذا الفصل السريع الحاسم إلى عزم الرجال الذين يشرفون اليوم على مصاير الجمهورية النمسوية، وعلى رأسهم الدكتور انجلبرت دولفوس المستشار (رئيس الحكومة) الفتي. وقد تولى الدكتور دولفوس الحكم منذ عامين (في أواخر مايو سنة 1932) في ظروف صعبة تزداد كل يوم حرجاً؛ وفوجئ غير بعيد بخطر السياسة العنيفة التي اتخذتها الوطنية الاشتراكية الألمانية أو السياسة الهتلرية إزاء النمسا، ومحاولتها أن تقضي على استقلالها وأن تجعل منها ولاية ألمانية؛ وأنفق العام الماضي كله في قمع الاعتداءات المنظمة التي يدبرها الوطنيون الاشتراكيون (النازي) النمسويون بوحي ألمانيا وإرشادها؛ وأبدى حزماً وشجاعة نادرين في الدفاع عن استقلال النمسا، ومقاومة ضغط السياسة الهتلرية، واستطاع حتى اليوم أن يقضي على كل مشاريعها ومحاولاتها. بيد أن هذا الخطر ما يزال قائماً داهما.
وكان ثمة خطر آخر تواجهه حكومة الدكتور دولفوس وتخشى منه على النظم القائمة وعلى سلام البلاد ذلك هو قوة الديمقراطية الاشتراكية النمسوية وتغلغلها في مرافق البلاد. وكانت الديمقراطية الاشتراكية تؤيد الحكومة في نضالها ضد الخطر الهتلري، ولم يك ثمة خلاف في جبهة السياسة النمسوية من هذه الناحية؛ ولكن المعركة الخالدة بين الجبهة الاشتراكية والجبهة المحافظة كانت تجثم دائماً وراء هذا التفاهم المؤقت على مقاومة الخطر المشترك؛ وتلك هي المعركة التي انفجر بركانها في الثاني عشر من فبراير لأسباب وظروف ما تزال

(36/15)

غامضة. وقد استطاعت الحكومة ومن ورائها القوى المحافظة أن تخرج من هذا الصراع ظافرة، وأن تقضي - مؤقتا عل الأقل - على الديمقراطية الاشتراكية النمسوية. ولكن ماذا سيكون بعد هذا الظفر وبعد اختفاء الديمقراطية الاشتراكية من ميدان كان لها فيه منذ قيام الجمهورية النمسوية أيما شان؟ لقد كانت الديمقراطية الاشتراكية سند حكومة الدكتور دولفوس في نضالها ضد الخطر الهتلري، فالآن وقد حطمت هذه القوة، فان مهمة الدكتور دولفوس تغدو أصعب وأشق. بيد أنه يصعب علينا أن نقول اليوم كلمة حاسمة في نتائج هذه المعركة. وسنحاول في هذا البحث أن نستعرض تاريخ الجمهورية النمسوية منذ قيامها، وأن نشرح العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي تقلبت فيها، والقوى السياسية والاجتماعية التي تتجاذبها، والاتجاهات المختلفة التي تسيرها في ميدان السياسة الدولية.
قامت الجمهورية النمسوية في الثاني عشر من نوفمبر سنة 1918، على أنقاض البقية الباقية من إمبراطورية النمسا والمجر القديمة، وكانت إمبراطورية النمسا والمجر تسير قبل ذلك بعامين أو ثلاثة في سبيل الانحلال والتفكك. وكان الإمبراطور الشيخ فرانز يوسف الذي سهر على وحدتها ومصايرها نحو سبعين عاما قد توفى في نوفمبر سنة 1916، والحرب الكبرى في إبان اضطرامها والإمبراطورية القديمة تواجه أخطار الهزيمة والتفكك؛ فخلفه حفيد أخيه الأرشيدوق كارل؛ ولم تمض أشهر قلائل حتى أخذت بوادر الإعياء والهزيمة تبدو قوية على الجيش الإمبراطوري. وأخذت القوميات والأجناس القديمة التي تتألف منها الإمبراطورية أعني المجر والتشك والسلوفاك والبولونيين والصربيين والرومانيين، تتحرك في سبيل التحرر والاستقلال. وفي أكتوبر سنة 1918، أعلنت تشيكوسلوفاكيا نفسها بمؤازرة الحلفاء جمهورية مستقلة برئاسة الدكتور مازاريك؛ وفي نفس الوقت أعلن الصرب والكروات خلع الإمبراطور كارل، ونادوا بأنفسهم مملكة مستقلة هي مملكة الصرب والكروات والسلوفين، أو مملكة يوجوسلافيا وملكها بطرس الأول ملك صربيا. وقامت خلال ذلك ثورة في بودابست، وأعلنت المجر انفصالها عن الإمبراطورية وقيامها دولة حرة مستقلة. وبذلك انتهت إمبراطورية آل هبسبرج القديمة. وفي أوائل نوفمبر ثارت مدينة فينا بدورها وطالبت الجموع بإقامة الحكم الديمقراطي، فلم ير

(36/16)

الإمبراطور كارل سوى التنازل عن عرشه والانسحاب؛ وأعلن قيام الجمهورية النمسوية في 12 نوفمبر؛ واجتمعت في الثالث عشر جمعية وطنية تولت مقاليد الحكم، وانتدبت حكومة مؤقتة على رأسها الدكتور رنر الزعيم الاشتراكي، ودخلت النمسا في طور جديد من تاريخها.
ويقرر الدستور النمسوي الجديد الذي بدئ بتنفيذه في نوفمبر سنة 1920 أن النمسا جمهورية اتحادية تتكون من ثمان ولايات والعاصمة فينا. وهذه الولايات هي النمسا السفلى والنمسا العليا، وسالتسبورج، وستريا، وكارنتيا، والتيرول، وفورا لبرج وبور جنلند. ونظام الحكم نيابي ديمقراطي، قوامه جمعية وطنية هي (الناسيونال رات) وتؤلف بالانتخاب العام، وتتولى التشريع؛ ومجلس الاتحاد (البند سرات) وينتخب من أعضاء المجالس الاتحادية، وسلطاته استشارية فقط، وينص الدستور على إلغاء جميع الامتيازات والألقاب الخاصة وعلى ضمان الحرية الدينية، وعلى المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات بين جميع السكان. وللجمهورية رئيس ينتخب لمدة أربعة أعوام ولا يجدد انتخابه أكثر من مرة. ويبلغ سكان النمسا نحو ستة ملايين ونصف
وقد حددت علائق الجمهورية الجديدة بدول الحلفاء، ومركزها الدولي بمعاهدة سان جرمان التي عقدت في سبتمبر سنة 1919. وكانت النمسا تريد يومئذ بعد أن فصلت عن باقي أجزاء الإمبراطورية القديمة أن تنضم إلى ألمانيا؛ ولكن الحلفاء عارضوا في ذلك أشد المعارضة. ونصت المعاهدة على اقتطاع جزء من التيرول النمسوي وضمه إلى إيطاليا، وعلى اقتطاع بوهيميا الألمانية وضمها إلى تشيكوسلوفاكيا ونصت على تنازل النمسا عن جميع حقوقها في مصر ومراكش والصين؛ وحددت عدد الجيش النمسوي بثلاثين ألفا ووضعت قيودا شديدة على التسليح الجوي؛ ونصت على حماية الأقليات، وعلى إلزام النمسا بنصيب من تعويضات الحرب.
بدأت النمسا حياتها الجديدة في غمار من الصعاب، وكانت النظم الاجتماعية والاقتصادية القديمة قد انهارت وساد الانحلال واليأس جميع الطبقات والأفراد، فكان على النمسا الجمهورية أن تخلق لنفسها حياة اجتماعية واقتصادية جديدة، وأن تبرز من أنقاض الماضي المجيد إلى ميدان الكفاح الشاق. وكانت الكتلة الديموقراطية الاشتراكية هي صاحبة الكلمة

(36/17)

في توجيه مصاير النمسا الجديدة، فهي التي تولت الحكم على أثر انهيار الإمبراطورية وهي التي عقدت معاهدة الصلح، وكانت أغلبية في الجمعية الوطنية التي وضعت الدستور (سنة 1919) حيث بلغ عدد النواب الديموقراطيين الاشتراكيين 70 والاشتراكيين المسيحيين 64 والوطنيين الألمان وحزب الفلاحين، وغيرهما 30؛ وقد كان هذان الحزبان القويان القديمان، أعني الديموقراطيين الاشتراكيين، والاشتراكيين المسيحيين، هما اللذان يتنازعان الحكم والسلطان في الجمهورية الجديدة، والحزب الأول يمثل طبقات العمال وأصحاب المهن والحرف وله مثل اشتراكية قوية. والحزب الثاني يمثل أصحاب الأملاك والأموال والفلاحين، ذوي المبادئ والآراء المحافظة، وتغلب عليه نزعة دينية قوية. وقد لبث تيار الديموقراطية الاشتراكية غالبا زهاء عامين، وتولى زعيمها الدكتور رنر رآسة أول حكومة جمهورية في سنة 1918، ولما أجريت الانتخابات العامة للمرة الثانية خرج الديموقراطيون الاشتراكيون بأغلبية جديدة حيث بلغت كراسيهم ثمانين مقابل 61 كرسيا للاشتراكيين المسيحيين وعاد الدكتور رنر فتولى رئاسة الحكم على قاعدة الائتلاف مع الاشتراكيين المسيحيين. وكان الائتلاف يومئذ ضرورة تمليها الظروف العصيبة التي تجتازها النمسا، وكان في كثير من الأحيان ضرورة دستورية أيضا، لأن الأغلبية الحاسمة لم تكن لأحد الحزبين وكان العمل التشريعي يتطلب التفاهم والمهادنة. وفقدت الديمقراطية أغلبيتها سنة 1920، وتولى الاشتراكيون المسيحيون الحكم على يد زعيمهم المونسنيور أجناس سيبل، وهو حبر وعلامة في القانون الدولي، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين لبثوا أقلية قوية تناهض الأغلبية وتملي عليها إرادتها في كثير من الأحيان. وكان اكتساح الحزبين القويين للميدان الانتخابي على هذا النحو يحرم الطبقات الوسطى من أن تمثل تمثيلا قويا، ويجعل ميدان النفوذ والكفاح قاصرا على معسكرين يمثل كل منهما ناحية متطرفة من المثل والمبادئ، بيد أن الطبقة الوسطى كانت أكثر ميلا إلى ناحية الديموقراطية منها إلى الناحية الأخرى.
وأنفقت الجمهورية النمسوية أعوامها الأول في معالجة المشاكل التي خلقتها الحرب وفروض الصلح، وشغلت حينا بمسألة النقد وتدهوره. وكان المونسنيور سيبل رجل الموقف، فاستطاع بكثير من البراعة والجلد أن يعالج مشكلة النقد بالالتجاء إلى عصبة

(36/18)

الأمم، واستقر النقد النمسوي منذ سنة 1923، وأخذت النمسا تسير في طريق الانتعاش الاقتصادي، وعولجت عدة مشاكل اقتصادية واجتماعية مثل: مسألة الأجور وتنظيمها، ومسألة المساكن وحماية المستأجرين، ومسألة التأمينات والمعاشات، والتشريع العملي والاجتماعي. وبذل المونسنيور سيبل لتنظيم النمسا الجديدة جهودا تخلق بالإعجاب. وكان يعتمد في سياسته أثناء هذه الأعوام على جبهة موحدة من حزبه، أعني الاشتراكيين المسيحيين والأحزاب الصغيرة الأخرى، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين كان لهم دائما في سير الشئون نفوذ قوي، بل كان هو الغالب في معظم الأحيان، وكانت جهودهم خلال هذه الأعوام تتجه إلى تقوية حقوق الطبقات العاملة وتوطيدها، وإلى مقاومة أصحاب الأموال والصناعات الكبرى والكتلة المحافظة من الملاك ورجال الدين. وكانت أهم المسائل السياسية التي واجهتها الجمهورية خلال هذه الفترة مسألتان: الأولى، مسألة التيرول الجنوبية، والثانية مسألة الاتحاد مع ألمانيا (الانشلوس)، فأما الأولى فترجع إلى أن معاهدة سان جرمان قضيت بفصل قسم كبير من أراضي التيرول الجنوبية عن النمسا وضمها إلى إيطاليا، وفيها نحو مائتي ألف نمسوي. وعبثا حاولت النمسا أثناء مفاوضات الصلح أن تقنع الحلفاء بتعديل هذا النص والإبقاء على حدود النمسا الطبيعية. وقد ازدادت هذه المسألة أهمية وخطورة حينما اشتدت وطأة النظم الفاشستية على أهل التيرول وأخذ السنيور موسوليني في حرمانهم شيئا فشيئا من أخص حقوقهم القومية والجنسية، وفرض عليهم اللغة الإيطالية في المدارس والكنيسة ولم يدخر وسيلة لسلخهم عن الكتلة الجرمانية وإدماجهم في الكتلة الإيطالية. عندئذ حاولت النمسا أن ترفع صوتها بالاحتجاج على هذه السياسة، وقامت الصحف النمسوية والألمانية عامة بحملة شديدة على ما تنزله الفاشستية بأهل التيرول من ضروب الظلم والإرغام؛ ولوح الرجال المسئولون في النمسا وألمانيا بإمكان طرح المسألة على عصبة الأمم تطبيقا لما تنص عليه معاهدات الصلح المختلفة من حماية الأقليات القومية. ولكن السنيور موسوليني أنكر هذه التهم، وسخر من تدخل العصبة ونوه بما تسبغه الحكومة الإيطالية على رعاياها الجدد من ضروب الرعاية والمعاونة، وأكد أن التيرول الجنوبية ضرورية لسلامة إيطاليا، وأن إيطاليا لن تنزل عنها قيد ذرة. وانتقد الشعب النمسوي موقف المونسنيور سيبل في هذه المسألة ورماه بالتردد والضعف، ولكن

(36/19)

سيبل لم ير سبيلا للعمل الإيجابي إزاء وعيد موسوليني: ولم تستطع النمسا أن تحمل إيطاليا على تغير شيء من سياستها وخططها في التيرول، ولبثت المسالة مثاراً لسوء التفاهم بين البلدين مدى حين، وما زالت على حالها لم يتخذ بشأنها أي إجراء لإنصاف أهل التيرول.
وأما المسألة الثانية وهي مسألة اتحاد النمسا مع ألمانيا فقد لبثت مدى أعوام ظاهرة بارزة في السياسة النمسوية. وهي أمنية قديمة لدعاة الجامعة الجرمانية ترجع إلى أواخر القرن الماضي، وكانت قبل الحرب من غايات السياسة الألمانية، ولكنها لم تتخذ في النمسا الإمبراطورية أية أهمية، ولم يكن لها سوى أنصار قلائل بين شبيبة هذا العصر، فلما انتهت الحرب بانهيار الإمبراطورية القديمة وتمزيقها، وفصلت النمسا عن باقي وحداتها وشعرت النمسابمخاطر ضعفها وعزلتها عن باقي الكتلة الجرمانية، ورأت في اتحادها مع ألمانيا شقيقتها الكبرى خير سبيل لضمان مستقبلها السياسي والاقتصادي وأعربت النمسا فعلا عن هذه الأمنية لدول الحلفاء على يد مندوبيها في مؤتمر الصلح تطبيقا لمبدأ الرئيس ولسون في حرية تقرير المصير، ولكن الحلفاء عارضوا في تلك الخطوة أشد المعارضة كما قدمنا، لأن اتحاد الأمتين الجرمانيتين على هذا النحو يقوي ساعد الكتلة الجرمانية في أواسط أوربا، ويجعلها اشد خطراً وأبعد نفوذاً، ولما بدأت النمسا الجمهورية حياتها الجديدة، وآنست كل ما يعترضها من الصعاب السياسية والاقتصادية المترتبة على فصلها وعزلتها وتمزيق معاملاتها وعلائقها القديمة، عادت فكرة الاتحاد مع ألمانيا تبدو لها كعلاج ناجع، وكان الفريق المتطرف من أنصار الفكرة يرى أن يكون هذا الاتحاد تاما من جميع الوجوه السياسية والاقتصادية أو بعبارة أخرى يكون نوعا من الاندماج العام، ويرى الفريق المعتدل أن يكون هذا الاتحاد اقتصاديا قبل كل شيء يقرن بتوحيد الخطط السياسية العامة، ولكن تبقى النمسا محتفظة بشخصيتها واستقلالها الداخلي. بيد أن الفكرة كانت تلقى على وجه العموم تأييداً كبيراً من الشعب النمسوي، وكان أنصار الجامعة الجرمانية في البلدين يروجون لها بالدعاية الواسعة، وكانت تقام من أجلها المظاهرات في العاصمة النمسوية من آن لآخر، وتشجعها الحكومات النمسوية المختلفة. وكانت الديموقراطية الاشتراكية مع ذلك تشك في قيمة هذا الاتحاد وتخشى منه على مستقبلها وحقوقها إذا ما انتهى بالقضاء على

(36/20)

استقلال النمسا بيد أنها لم تعارضه بطريقة إيجابية، وكانت تؤيد جانبه الاقتصادي على الأقل، خصوصا وقد كانت الديموقراطية الاشتراكية الألمانية يومئذ صاحبة النفوذ والسلطان في ألمانيا. واتخذت أول خطوة عملية لتحقيق مشروع هذا الاتحاد في سنة 1931 حيث عقدت النمسا مع ألمانيا اتحاد اقتصاديا جمركيا، وكان المفهوم أنه أول مرحلة فقط، ولكن دول الحلفاء، ودول الاتفاق الصغير، احتجت كلها على هذا الاتحاد بمنتهى الشدة. وانتهى الأمر بسحبه وإلغائه، وأدركت النمسا مرة أخرى أنه لن يسمح لها بالاندماج في الجامعة الجرمانية الكبرى.
وكانت فكرة الاتحاد النمسوي الألماني ما تزال قوية في النمسا حينما تولى الوطنيون الاشتراكيون الحكم في ألمانيا في يناير سنة 1933 وأخذوا يعملون لتحقيق برنامجهم، والمعروف أن العمل على تحقيق وحدة الشعوب الجرمانية في مقدمة المبادئ التي يحتويها برنامج الهرهتلر، وليس من ريب في أن ضم النمسا لألمانيا هو أهم عناصر هذا المشروع، وكان المفهوم أن ظفر الوطنية الاشتراكية بالحكم في ألمانيا يقرب أمد هذه الغاية، ولكن سرعان ما ظهرت الوطنية الاشتراكية الألمانية في ثوبها الحقيقي، مسرفة في العنف والطغيان وسرعان ما أخذت الحكومة الهتلرية تتدخل في شئون النمسا وتعاملها بخشونة وغلظة كأنها ولاية تابعة لألمانيا. وهنا أدرك الشعب النمسوي حقيقة لم يقدرها في البداية حق قدرها، وهو أن أنصار الجامعة الجرمانية لا يفهمون من الاتحاد إلا أنه قضاء على كيان النمسا كأمة مستقلة أو بعبارة أخرى ضم النمسا لألمانيا كولاية ألمانية. وشهد الشعب النمسوي في دهشة وسخط كيف تتجنى ألمانيا الوطنية الاشتراكية على النمسا، وكيف يحاول الدعاة الهتلريون أن يضرموا في النمسا نار الحرب الأهلية لكي تقضي على وجودها، وشهدت الديموقراطية النمسوية من جهة أخرى كيف قضى الهتلريون على الديموقراطية الألمانية في غمر من العنف المثير: عندئذ انهارت في الحال فكرة (الاتحاد) (الأنشلوس)، وظهرت للشعب النمسوي في روعة خطرها وخطئها، وقضت حكومة الدكتور دولفوس ومن ورائها سواد الشعب ترد عدوان ألمانيا الهتلرية، وتعمل لحماية الاستقلال النمسوي بكل ما وسعت من جهود.
بعد حوادث النمسا
النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- 2 -
أنشأت الديموقراطية الاشتراكية الجمهورية النمساوية الجديدة، وتولت زعامتها وقيادتها أثناء عقد معاهدة الصلح (معاهدة سان جرمان) وتسوية المشاكل الأولى التي خلفتها الحرب، ولكنها لم تتمتع طويلاً بالأغلبية البرلمانية وسلطان الحكم، ففي سنة 1920 خرج الاشتراكيون المسيحيون بأغلبية في الانتخابات، واختتم الدكتور رنر زعيم الديموقراطية وزارته الثانية، وألف الاشتراكيون المسيحيون أول وزارة لهم برآسة الدكتور (مير) ومن ذلك الحين تتعاقب الوزارات الاشتراكية المسيحية في حكم النمسا، أحياناً مستقلة دون ائتلاف، أحيانا مؤتلفة مع الديموقراطيين الاشتراكيين أو الأحزاب الصغيرة الأخرى (مثل الألمان الوطنيين والزراع) وفي العام التالي اشتدت دعوة الانضمام إلى ألمانيا (الانشلوس) في بعض نواحي التيرول، واشتدت الأزمة المالية، فاستقالت وزارة (مير) وألف الدكتور شوبر وزارته الأولى في يونيه سنة 1921ٌ ولكن الوزارة الجديدة لم تستطع أن تغالب الأزمة المالية، وارتفعت الأثمان واشتد الغلاء ووقعت كارثة النقد، فاستقالت وزارة شوبر، وألف المونسنيور سيبل وزارته الأولى (مايو سنة 1922)، وأبدى في معالجة الموقف كثيراً ` من الشجاعة والبراعة، واستطاع أن يحمل عصبة الأمم على الاهتمام بمتاعب النمسا، وأن يجعل من المسألة النمساوية مسألة أوربية، واستطاع بالأخص أن يعالج مسألة التضخم، وان يعيد الاستقرار إلى النقد، فهدأت النفوس وانتعشت الآمال نوعا، وبذل المونسنيور سيبل جهوداً تخلق بالإعجاب في سبيل توطيد شئون الجمهورية الجديدة، وتذليل مشاكلها الداخلية والخارجية، ولكنه اضطر إلى الاستقالة على اثر محاولة الاعتداء على حياته في نوفمبر سنة 1924 وألف الدكتور رامك بالاتفاق مع الديموقراطيين الاشتراكيين وزارة ائتلافية، استمرت في سياسة الإصلاح المالي، ثم استقالت في أواخر سنة 1926 حين اشتدت الأزمة المالية كرة أخرى، وألف المونسنيور سيبل وزارته الثانية

(37/11)

(في نوفمبر). وخرج الديموقراطيون الاشتراكيون على الائتلاف ونظموا معارضة قوية. وفي أثناء الانتخابات العامة التي وقعت في أبريل سنة 1927، بث زعماء الديموقراطية الاشتراكية وعلى رأسهم الدكتور أوتو باور، والهر كارل سايتز حاكم فينا ضد الحكومة وحزبها وأنصارها دعوة شديدة في العاصمة والاقاليم، ونضم اعتصاب عام شديد الوطأة ولكن الحكومة ثبتت أمام العاصفة، وأخفقت هذه المحاولة الأولى
وفي منتصف يوليه سنة 1927 وقع صدام دموي خطير بين الكتلة المسيحية الاشتراكية (الحكومة)، والديموقراطية الاشتراكية. وتفصيل ذلك أن بعض الفلاحين المنتمين إلى (جماعة هتلر) أطلقوا النار على جماعة من الديمقراطيين الاشتراكيين في قرية شاتندورف، أثناء اجتماع انتخابي عقدوه، فقتلوا رجلاً وطفلين، فقبض على الجناة متلبسين بجريمتهم وأحيلوا على المحاكمة، وثار الاشتراكيون لذلك الاعتداء، ولكن المحكمة قضت ببراءة المتهمين فاضطرم الاشتراكيون لذلك غضباً وسخطاً، ورموا الحكومة بالتأثير في القضاء، ونددوا بتحيز القضاء (البورجوازي)، وهرعت ألوف مؤلفة من العمال إلى قلب مدينة فينا لتتظاهر احتجاجا على الحكم. وكان ذلك في ضحى يوم 15 يولية، وأبدى بوليس فينا يومئذ - وعلى رأسه مديره الهر شوبر رئيس الوزارة السابق - في معاملة المتظاهرين صرامة. ووقعت أول مصادمة بين المتظاهرين والبوليس أمام دار البلدية (الرات هوس) وعندئذ تحول من المتظاهرين إلى وزارة الحقانية وأضرموا النار في جنباتها، ولما اشتد ضغط الجموع، أطلق البوليس النار على المتظاهرين، فقتل منهم نحو ستين بينهم عدد من النساء والاحداث، وكان يوماَ عصيباَ ساد فيه الروع والحزن مدينة فينا. ومما يجدر ذكره أن المتظاهرين، لم يكونوا مسلحين يومئذ، واعتذر البوليس عن تصرفه بان المتظاهرين بدءوا بإطلاق النار، ولكن البوليس لم يقتل منه سوى رجل أو اثنين؛ ولم تعرف الحقيقة قط، وأدركت الديموقراطية الاشتراكية من ذلك اليوم أنها تواجه جبهة لا يستهان بقوتها، وأنها تخوض معركة الحياة والموت مع القوى الخصيمة لها.
والواقع أن حوادث 15 يولية كانت ذات نتائج حاسمة في سير السياسة الداخلية النمساوية. فقد رأت الديموقراطية الاشتراكية أنها أضعف الحزبين، وأخذت تعمل لتقوية نفسها وتسليح أنصارها، ورأت الكتلة المحافظة، كتلة الملاك وأصحاب الأموال التي تؤيد حزب الحكومة

(37/12)

- المسيحيين الاشتراكيين - أن تنشئ لها قوة خاصة تستعين بها على مقاومة الديموقراطيين الاشتراكيين؛ وهكذا أنشئت جماعة (الهايمفر) - الشهيرة - ومعناها (الدفاع الوطني) - في خريف سنة 1927، لتكون قوة دفاعية للمحافظين والملاك. وتولى تنظيمها وزعامتها سيد من أبناء الأسر النبيلة القديمة هو البرنس أرنست فون شتار همبرج، وقامت جماعة الهايمفر مشبعة بروح الفاشستية الإيطالية، ولكنها أعلنت أنها مخلصة للنظام الجمهوري، وأنها تعمل فقط لحماية النمساويين من خطر الطغيان الاشتراكي أو الماركسي (نسبة إلى ماركس)، ونظم الاشتراكيون من جانبهم قوتهم العسكرية المعروفة (بالشوتسبند) أو رابطة الدفاع الجمهوري وهي القوة التي أنشأوها وسلحوها منذ حين ليعتمدوا عليها في مقاومة خصومهم وفي حماية أنفسهم ومصالحهم، وتولى تنظيمها وقيادتها قائد قديم هو الجنرال كرنر، وأصبحت النمسا تموج بهذين المعسكرين المسلحين الخصيمين، ولم يمض بعيد حتى اشتبك الهايمفر مع خصومهم في ضاحية (فينر نويشتات) وهي مركز المعسكر الاشتراكي (في أكتوبر) واضطرت الحكومة أن ترسل قوة كبيرة من الجيش لحسم النزاع والمحافظة على النظام، واحتج الاشتراكيون بقوة على قيام (الهايمفر) واتهموا أصحاب الأموال باستخدامهم لإرغام الاشتراكيين والطبقات العاملة على التنازل عن حقوقهم، وبدا خطر الحرب الأهلية داهما، وحاول زعماء الفريقين التفاهم والمهادنة، واقترح البعض نزع سلاح الفريقين، ولكن هذه الجهود السلمية ذهبت عبثا.
ولبث المونسينور سيبل في منصة الحكم حتى صيف سنة 1929 وكانت مسألة الاتحاد مع ألمانيا (الانشلوس) من أهم المسائل السياسية التي شغلت الأحزاب والرأي العام يومئذ، وكانت الديموقراطية الاشتراكية، كما قدمنا تعارض في هذا الاتحاد أشد المعارضة، وكان المونسنيور سيبل ينكره ويأباه في خطبه الرسمية، ولكنه لم يفعل شيئاً ضده من الوجهة الرسمية، ولم يقبل أن تدخل النمسا في حلف سياسي أو اقتصادي مع أية دولة من الدول الوسطى التي تعارض ألمانيا. وفى شهر أبريل استقال المونسنيور سيبل فجأة، واستطالت الأزمة الوزارية نحو شهر، ثم قامت وزارة الهر شتيروفتز أخيراً بتعضيد المونسنيور وحزبه المسيحي الاشتراكي، ولكنها لم تلبث سوى أشهر قلائل، تقدمت خلالها جماعة (الهايمفر) تقدماً كبيراً وزاد أنصارها بكثرة، ولا سيما في التيرول والنمسا السفلى،

(37/13)

واضحت قوة كبيرة يخشى بأسها، وأخذ المونسنيور سيبل وحزبه في تأييدها واضطرت وزارة شتيروفتز تحت ضغط الهايمفر أن تجري عدة إصلاحات دستورية، ولما زاد ضغط الهايمفر وصخبهم ووعيدهم استقالت وزارة شتيروفتز (سبتمبر): واتفقت الآراء على ترشيح الهر جان شوبر مدير بوليس فينا ورئيس الوزارة السابق؛ فألف وزارته الثانية، على قاعدة الائتلاف والتفاهم مع الديموقراطيين الاشتراكيين. وكان الديموقراطيون يضطرمون نحوه سخطاً منذ حوادث يوليه. ولكنهم اضطروا إلى مهادنته والتعاون معه نظراً لتفاقم خطر (الهايمفر) واشتداد بأس المحافظين. ولم يكن الهر شوبر من خصوم الهايمفر، وكان يرى بالعكس أن يصانعهم ليكسبهم ويأمن جانبهم وليوجه حركتهم إلى ما يدعم غاياته السياسية، وأعلنت الوزارة الجديدة أنها لن تدخر وسعا في تأييد النظام والأمن وقمع كل محاولة للعبث بهما. فاستقرت الأمور نوعاً وعادت الثقة والطمأنينة، وأثبتت الحكومة أنها تملك ناصية الموقف غير مرة كلما حدث احتشاد أو تظاهر من جانب الهايمفر أو خصومهم الاشتراكيين، وأبدى الهر شوبر بالأخص براعة في تسيير السياسة الخارجية وفي توطيد الثقة الدولية بالنمسا وحمل عصبة الأمم على معاونتها.
وفي نوفمبر سنة 1930 وقعت الانتخابات العامة وخرج الديموقراطيون الاشتراكيون بأغلبية نسبية تفوق الأغلبية التي فاز بها المسيحيون الاشتراكيون، ولكنها لم تكن كافية لأن يعود الديموقراطيون إلى الحكم، واستقالت وزارة شوبر، وقامت وزارة ائتلاف برياسة الدكتور أندر يؤازرها المسيحيون والهايمفر وكتلة شوبر المستقلة، وتولى هر شوبر وكالة الوزارة ووزارة الخارجية وكان هو الروح المسير لهذه الوزارة، وخصوصاً في الشئون الخارجية، وفي مارس من العام التالي عقدت النمسا مع ألمانيا مشروع اتحاد جمركي نمساوي ألماني، فاحتجت عليه دول الحلفاء بشدة، وكذلك دول الاتفاق الصغير، واعتبرته مقدمة لتنفيذ مشروع الاتحاد النمساوي الألماني (الانشلوس)، وطالبت بإلغائه لأنه يخالف معاهدات الصلح وتعهدات النمسا إزاء عصبة الامم، فاضطرت النمسا أن تنزل عند إرادة الحلفاء في ذلك، وأن تحيل الاتفاق الجمركي إلى محكمة العدل الدولية الدائمة لتقضي بعد ذلك ببطلانه. ووقعت خلال ذلك كارثة (كريديت انشتالت) وهو أعظم بنوك النمسا وظهر عجز جسيم في موارده وكاد ينهار بناؤه فساد الذعر المالي وكادت النمسا تنحدر إلى هاوية

(37/14)

الخراب المالي، وتصدع بناء الوزارة لأنها لم تقو على معالجة الازمة، ووضعت الدول ذات الشأن شروطاً شديدة لإعانة النمسا وإقراضها، ومنها الإشراف على مالية النمسا على يد لجنة دولية، فاستقالت الوزارة في يونيه، وبعد مفاوضات معقدة خلفتها وزارة ائتلاف أيضاً على رأسها الدكتور بوريش، وعاد هر شوبر فتولى وكالة الرئاسة والخارجية وعنيت الوزارة الجديدة بمسألة الإنقاذ المالي وتوطيد الميزانية، واستطاعت بعد جهود عديدة أن تصلح الموقف نوعاً، وأن تدبر مسألة القروض المالية مع الدول ذات الشأن، وعالجت أيضاً مسألة المرتبات وإعانة العاطلين.
ووقعت في 13 سبتمبر محاولة عنيفة قامت بها عصابات الهايمفر في ولاية ستيريا دبرها الدكتور فريمر. واستولى الهايمفر خلالها على عدة مبان ومدارس حكومية، فجردت حكومة فينا في الحال على الثوار قوة كافية وانهارت المحاولة في الحال وفر مدبرها الدكتور فريمر، وكانت هذه أول محاولة من جانب الهايمفر للتطلع إلى السلطة، ولكنها كانت محاولة ضئيلة، ولم يبد من الشعب عندئذ أنه متحمس في تأييد الهايمفر. واستمرت وزارة بوريش في كرسي الحكم حتى مايو سنة 1932 ثم استقالت. وهنا قامت وزارة على رأسها رجل لم يعرف من قبل كثيراً في ميدان السياسة هو الدكتور انجلبرت دولفوس، وهو من رجال الاقتصاد، وكان قد تولى وزارة الاقتصاد في الوزارة السابقة، ولكنه لم يعرف من قبل ذلك بأي نشاط سياسي. وهو من رجال الحزب المسيحي الاشتراكي، قوى الإيمان والنزعة الدينية، ولم يكن يوم توليه الرآسة قد جاوز الأربعين بعد، وكان المقدر أن هذه الوزارة الجديدة ستكون وزارة إدارية على الاغلب، وانها لن تعمر طويلاً.
ولكن الدكتور دولفوس لا يزال يشرف على مصاير النمسا منذ عامين، ولا يزال يواجه الصعاب والأزمات المختلفة بجلد وشجاعة تخلقان بالإعجاب. ولم تلق النمسا الجمهورية من الأزمات العصيبة الداخلية والخارجية مثل ما لقيت في العامين الأخيرين، ولكنها استطاعت حتى اليوم أن تجوز هذه الصعاب، وأن تحافظ على كيانها السياسي والاقتصادي. وبدأ الدكتور دولفوس بالعمل في سبيل الإنهاض الاقتصادي، وانتهى في ذلك بعقد بروتركول لوزان على يد عصبة الأمم لمعاونة النمسا المالية والاقتصادية. ولكن هذه الخطوة أثارت معارضة شديدة من جانب الديمقراطيين وباقي الأحزاب المعارضة، ولم

(37/15)

تستطع الحكومة أن تحصل على الأغلبية البرلمانية اللازمة إلا بصعوبة؛ وطالب الديمقراطيون بإجراء انتخابات جديدة؛ فعارض الدكتور دولفوس في ذلك متذرعاً بحاجة البلاد إلى السكينة والعمل الهادئ، وسعى إلى الاتفاق مع جماعة الهايمفر ليكسب عونهم في البرلمان على أن يضم واحد منهم إلى الوزارة وكان الهياج الحزبي يشتد في كل يوم، إذ قويت دعوة أنصار الجامعة الألمانية (الهتلريين)، ووقعت بينهم وبين الديمقراطيين مناوشات دموية، فاستدعى الدكتور دولفروس زعيم الهايمفر في فينا الماجور فاي وهو جندي قديم ذو مواهب ممتازة واسند إليه وزارة الأمن العام، فعمل على ضبط النظام بعزم وقوة، ولما افتتحت الدورة البرلمانية في أكتوبر ظهرت شدة المعارضة، وانضم الهتلريون إلى الديمقراطيين في معارضة الوزارة متهمين إياها بالخضوع للسياسة الفرنسية، وتحرج الموقف البرلماني شيئاً فشيئاً حتى عدا مستحيلاً؛ وعمد الدكتور دولفوس من جانبه إلى العمل المستقل؛ وأخيراً استقال رئيس البرلمان وأعضاء مكتبه، فشل بذلك العمل البرلماني، وألقى المستشار نفسه طليقاً من إشراف المعارضة، واتخذ لنفسه سلطة شبه دكتاتورية.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان
بعد حوادث النمسا
النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما
3 - الحرب الأهلية وما بعدها
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أخذت الحياة البرلمانية في النمسا تنحدر منذ أوائل العام الماضي إلى معترك من الصعاب والعواصف، وألفت حكومة الدكتور دولفوس نفسها في مأزق صعب. ولم يك ثمة بد من أن تنتصر المعارضة - أعني الديموقراطية الاشتراكية - إذا تركت الأغلبية البرلمانية في سبيلها وخصومتها، أو تتوسل الحكومة لبقائها بوسائل أخرى. ولكن وقعت في يوم 4 مارس أزمة برلمانية الفت الحكومة فيها فرصتها ووسيلتها، وذلك أن مناقشة عاصفة حدثت في البرلمان في ذلك اليوم حول تصرف نائب اشتراكي اتهم بأنه وضع ورقتين في صندوق التصويت، واشتد القذف والاتهام والهرج من الجانبين، فاستقال الدكتور رنر رئيس المجلس واستقال الوكيلان، ومن ثم غدا انعقاد المجلس مستحيلاً، إذ لا يستدعيه للانعقاد طبقا لنص الدستور سوى الرئيس أو أحد وكيليه؛ وقدمت الوزارة استقالتها للرئيس ميكلاس فأبى قبولها، وفوض لرئيسها ان يعمل بقوانين الطوارئ، وبذا اتخذت الوزارة صبغة دكتاتورية، واستطاعت أن تصدر بعض القوانين الاستثنائية التي رأت ان الحاجة تدعو إليها مثل رقابة الصحافة، ومنع الاجتماعات والمظاهرات السياسية الخطرة على النظام؛ بيد ان الوزارة ما لبثت أن اضطرت أن توجه كل جهودها لمقاومة خطر آخر. أخذ يشتد شيئاً فشيئاً وينذر مصاير النمسا بشر العواقب؛ ذلك أن الوطنية الاشتراكية الألمانية أخذت منذ استيلائها على مقاليد الحكم في 30 يناير (سنة 1933) تتدخل في شئون النمسا بطرق ووسائل عديدة، وبث الدعاة الهتلريون في جميع أنحاء النمسا دعوة شديدة لتحقيق مشروع الاتحاد النمسوي الألماني (الانشلوس). وضم النمسا لألمانيا كما نعلم غاية جوهرية من غايات الوطنية الاشتراكية الألمانية سجلت في برنامج الهر هتلر منذ إنشاء الحزب الوطني الاشتراكي، وعبر عنها (بتحقيق وحدة الشعوب الجرمانية)، وقد شرحنا فيما تقدم كيف نشأت فكرة اتحاد النمسا مع ألمانيا وتطورت. وكانت الفكرة ما تزال قوية في النمسا

(38/14)

لدى الكتلة المحافظة حينما ظفرت الوطنية الاشتراكية بتولي الحكم في المإنيا، ولم يكن يعارضها سوى الاشتراكيين الديموقراطيين؛ ولكن السياسة العنيفة الهوجاء التي اتبعتها حكومة برلين إزاء النمسا، كانت كما قدمنا سبباً في انهيار مشروع الوحدة، وكشف عدوان الوطنية الاشتراكية وصلفها وتجنيها في الحال للشعب النمسوي عن فداحة الخطر الذي يهدد استقلاله وكيانه، وأيقن ان هذه الوحدة لا تعني في نظر برلين سوى خضوعه وعبوديته، وثارت حكومة فينا ومن ورائها الشعب كله ضد هذا التجني، وأبدى الدكتور دولفوس حزما وصرامة في قمع الدعوة الوطنية الاشتراكية التي تنظمها حكومة برلين وتمدها بالمال والنصح، وأجاب الهتلريون بتدبير سلسلة من الاعتداءات والحوادث الجنائية، ولا سيما في فينا وسالزبرج (شهر يونيه). وأجابت حكومة برلين على ذلك بمنع السياح الألمان من زيادة النمسا، وفرضت غرامة فادحة للتصريح بهذه الزيارة، وساءت العلائق بين فينا وبرلين إلى أعظم حد، وشغلت وزارة دولفوس بذلك الخطر الجديد الذي يهدد أمن النمسا وسلامتها، ولم تدخر وسعاً في مقاومته، وأيدها في ذلك خصومها الديموقراطيون الاشتراكيون لأنهم أدركوا الخطر الذي يهدد الديموقراطية إذا ظفرت الوطنية الاشتراكية في النمسا؛ وعمد الدكتور دولفوس إلى العمل السياسي، فزار رومة ولندن وباريس ليثير قضية النمسا باعتبارها مسألة أوربا الوسطى، وليبين أن استقلاها مسالة دولية تهم قضية السلام الأوربي كله؛ فنجحت مساعيه في هذا الشأن؛ واستطاع أن يغنم مؤازرة دول الحلفاء ضد السياسة الألمانية، وأن يحصل على تعديلات هامة في النصوص العسكرية لمعاهدة سان جرمان، إذ سمح للنمسا أن تزيد جيشها ووسائلها الدفاعية؛ وتولى الجنرال فاجوان وزير الحربية وزعيم الحزب المسيحي الاشتراكي (بعد وفاة المونسنيور سيبل) تنظيم القوات الجديدة، ونظم قوات الهايمفر أيضاً لتعاون في تأييد النظام، واستطاع الدكتور دولفوس بكثير من الحزم والشجاعة والجلد أن يحبط تحريضات الدعوة الألمانية ودسائسها، وكاد يفقد حياته في ذلك السبيل، إذ أطلق عليه الرصاص من أحد الدعاة الهتلرين وأصيب إصابة خطيرة (في 3 أكتوبر) ولكنه نجا، ولم يزده الاعتداء سوى شجاعة وإقدام في مقاومة الخطط والدعوات الهتلرية ومطاردة أنصارها في جميع أنحاء النمسا.

(38/15)

في أثناء هذا الصراع كانت الديموقراطية الاشتراكية ترقب مجرى الحوادث. وكانت الخصومة الخالدة بين الديموقراطية والكتلة المحافظة (الاشتراكيين المسيحيين والهايمفر) ما تزال قائمة، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين كانوا يؤيدون الحكومة في قمع الدعوة الوطنية الاشتراكية، ويشتركون معها في خصومة الجبهة النازية (الوطنية الاشتراكية) لأنها خطر فادح على مثلهم وكيانهم، بيد أنهم لم يهادنوا الحكومة في غير ذلك، ولم يتركوا فرصة لمعارضتها والعمل على إسقاطها؛ وكانت الحكومة من جانبها تخشى خطط الديموقراطية ومفاجآتها، خصوصاً مذ تذرعت بالسلطة الدكتاتورية، ورفضت إجراء الانتخابات وإعادة الحياة النيابية، كانت المعركة دائمة مستمرة بين الجبهتين اللتين تشغل خصومتهما حياة الجمهورية منذ قيامها، ولكنها كانت في الأشهر الأخيرة معركة تربص وأهبة، وكان من الممكن بل من الطبيعي أن يقع الصدام بينهما من آن لآخر، كما وقع دائماً خلال الأعوام الأخيرة، بيد أنه لم يكن يتوقع أحد أن تضطرم بينهما معركة الحياة والموت في مثل هذه الظروف العصيبة، ولم يكن يتوقع أحد بالأخص أن تلقى الديموقراطية النمسوية حتفها في تلك المعركة وأنت تختفي من ميدان الحوادث بمثل هذه السرعة.
ولقد شهدنا منذ أسابيع قلائل فقط تلك المعركة الهائلة وتتبعنا حوادثها السريعة بمنتهى الروع والدهشة؛ كانت مفاجأة لم تتضح حتى اليوم ظروفها وبواعثها الحقيقية. ونكتفي بان نقدم هنا خلاصة وجيزة عن تلك الحوادث التي لا تزال ماثلة في الأذهان: ففي ظهر يوم الاثنين الثاني عشر من شهر فبراير، ذهبت سرية من رجال البوليس لتفتش دار العمل (مركز الديموقراطيين الاشتراكيين) في مدينة لنتز عاصمة النمسا العليا، فأطلق الجند الديموقراطيون (الشوتسبند) النار على البوليس القوا عليه القنابل فقتل عدة من رجاله؛
فأرسلت الحكومة في الحال عدداً كبيراً من الجند، ونشبت المعركة الأولى في لنتز بين الديموقراطيين وجند الحكومة، والظاهر أن هذا الحادث الأول كان إيذاناً بنشوب المعركة العامة. ففي نفس الوقت قطع العمال في فينا التيار الكهربائي فعطلت المواصلات، وأعلن الاعتصاب العام؛ وكان ذلك بدء الحرب الأهلية فأعلنت الحكومة القانون العسكري وحشدت القوات بسرعة البرق في كل ناحية، ولم يأتي المساء حتى كانت مدينة فينا تضطرم بلظى معارك هائلة؛ وتحصن رجال الشوتسبند في مساكن العمال الكبرى، ولا سيما في كارل

(38/16)

ماركس هوف، وأوتاكرنج وسيمرنج وفلوريتسدورف، وغيرها من ضواحي المدينة الآهلة بالعمال، وأصلوا جند الحكومة وابلا من الرصاص والقنابل، وأطلقت قوات الحكومة المدافع الكبيرة على معاقل الاشتراكيين؛ واستمرت المعارك في اضطرامها وشدتها حتى يوم الأربعاء. ووقعت مثل هذه المعارك في عدة مدن في الاقاليم، ولا سيما بروك وشتير وجراتز واشترك جنود الهايمفر مع قوات الحكومة؛ وأبدى الاشتراكيون شجاعة وبسالة نادرتين في الدفاع عن معاقلهم وأنفسهم؛ واستعملت الحكومة منتهى الشدة والعنف؛ وقبضت على الموظفين الاشتراكيين وعلى أعضاء المجلس البلدي؛ وقررت حل الحزب الاشتراكي الديموقراطي ومصادرة مراكزه وأوراقه وأمواله وصحفه وكل مؤسساته، وصدرت أحكام الإعدام ونفذت على كثير من الاشتراكيين، ولم يأت مساء الخميس 15 فبراير أي لرابع يوم فقط من بدء القتال حتى كانت قوى الاشتراكية الديموقراطية قد حطمت في كل ناحية، وغدت فلولا ممزقة؛ وقبض على عدة من زعمائها مثل رنروسايتز وسفر، وفر الزعيمان باوروديتش إلى تشكوسلوفاكيا؛ وانتهت تلك المأساة الدموية بمقتل ألفين وجرح آلاف من الجانبين؛ واختفت الديموقراطية الاشتراكية من الميدان، واختتمت حياتها القوية الحافلة بسرعة، وقضت الكتلة المحافظة (الاشتراكيون المسيحيون والهايمفر) على خصومها الخالدين لتنفرد بالأشراف على مصاير النمسا
ولقد كان سحق الديموقراطية عملا في منتهى الجرأة والخطورة من جانب الدكتور دولفوس وزملائه وخصوصاً لما اقترن به من العنف والضحايا الفادحة. ومن الصعب أن نقول اليوم كلمة حاسمة سواء في المسئولية أو النتائج؛ فأما من حيث المسئولية فان حكومة فينا ترجعها جميعاً إلى الاشتراكيين، وتقول انه يبدو من اضطرام الثورة في معظم أنحاء النمسا في وقت واحد، ومن شدة المقاومة التي بذلها الاشتراكيون، ووفرة الأسلحة والذخائر التي وجدت لديهم، ومناعة الأبنية التي اعتصموا بها، أن الثورة كانت مدبرة، وأن الديموقراطية الاشتراكية كانت تتأهب للقيام بضربة عنيفة للاستيلاء على مقاليد الحكم؛ بيد أنه يقال في ذلك أيضاً إن الحكومة دلت على مثل هذه الأهبة، وأن ما أبدت من الشدة والعنف في قمع الحركة، ومن قسوة وإفراط في إراقة الدم، ومن تصميم على سحق الديموقراطية الاشتراكية لا إخضاعها فقط، يدل على أنها عملت بتدبير وقصد وتتهمها بعض الدوائر الخارجية فوق

(38/17)

ذلك بأنها كانت تعلم في ذلك بوحي من السياسة الإيطالية. وأما من جهة النتائج فان الديمقراطية الاشتراكية كانت سنداً قوياً للحكومة في كفاحها ضد الدعوة الهتلرية، وكانت بطبيعتها هي الصخرة التي تتحطم عليها محاولات الوطنية الاشتراكية الألمانية، فالآن وقد سحقت، فانه يخشى أن لا تستطيع الكتلة المحافظة ان ترد بمفردها عدوان السياسة الألمانية، ومحاولات دعاتها في الداخل؛ واختفاء الديمقراطية الاشتراكية من الميدان يشجع الحركة الفاشستية على الظهور، وقد اشتد ساعدها الآن بالفعل وأضحى لأنصارها (الهايمفر) كبير نفوذ وسلطان في الحكم وفي تسيير الشئون العامة، والهايمفر يملون اليوم إرادتهم على حكومة فينا، وليس بعيداً أن يتحركوا غداً لانتزاع الحكم. بيد أن (الهايمفر) ما زالوا يؤكدون خضوعهم للدستور وولاءهم للحكومة؛ وقد نفوا غير مرة بلسان زعيمهم البرنس شتارهمبرج ما ينسب إليهم من التأثر نوحي السياسية الايطالية؛ وصرح البرنس شتارهمبرج غداة سحق الاشتراكية، بان الفاشستية النمسوية تقتبس حقيقة من مبادئ الفاشستية الإيطالية ولكنها ليست مقلدة عمياء، بل هي تفكر وتعمل طبقاً لظروف النمسا وحاجاتها؛ ولخص برنامج حزبه فقال: أن الهايمفر ابعد ما يكون عن فكرة إرهاق الطبقات العاملة، ولكنهم يعملون لجمع كلمتها حول مثل اجتماعية مشتركة؛ والهايمفر مخلصون لمبدأ الجامعة الجرمانية، ولكنهم أيضاً مخلصون لمبدأ الاستقلال النمسوي، ولا يقبلون بأي حال أن تبسط ألمانيا سيادتها على النمسا، ولا أن تبذل النمسا ذرة من استقلالها في سبيل إرضاء ألمانيا. وهم ينكرون مبادئ السياسة الهتلرية كلها لأنها تنافي مثلهم النصرانية هذا وليس هنالك في الآونة الحاضرة ما يدل على أن الهايمفر يفكرون في القيام بأية حركة لمقاومة الحكومة، وكل ما هنالك بالعكس يدل على أن التفاهم تام بين الفريقين.
وقد اتخذت مسألة استقلال النمسا عقب الحوادث الأخيرة أهمية خاصة، ولا سيما لما تبين من أن النازي النمسويين (الوطنيين الاشتراكيين)، سواء داخل النمسا أو في ألمانيا حيث يحتشد منهم عدة آلاف يتربصون الفرص لتنفيذ خطط حكومة برلين، ويدبرون الوسائل لإحداث انقلاب يمكنهم من انتزاع الحكم. وحكومة برلين هي التي تقوم في الواقع بتنظيم هذه الحركة كلها، وقد انتدبت لذلك عدة من الدعاة والمحرضين على رأسهم الدكتور هابخت، وحشدت من اللاجئين النمسويين قوة عسكرية كبيرة تهدد من آن لآخر باقتحام

(38/18)

الحدود والزحف على فينا. وقد غدت مسالة استقلال النمسا مسألة دولية، وانتهت المساعي التي بذلتها حكومة فينا في ذلك السبيل بأن أعلنت إيطاليا وفرنسا وبريطانيا العظمى في تصريح رسمي بأنها ترى وجوب المحافظة على استقلال النمسا كشرط لاستتباب السلم في أوربا، وأبدت إيطاليا اهتماما خاصاً بمقاومة مشاريع السياسة الألمانية لأنها تهدد سلامة حدودها الشمالية ومصالحها في أوربا الوسطى، وتوترت العلائق من أجل ذلك بين ألمانيا وإيطاليا. وانتهت الجهود التي بذلها السنيور موسوليني في ذلك السبيل بأن عقد أخيراً في رومة ميثاق سياسي اقتصادي بين إيطاليا والنمسا والمجر يرمي إلى توحيد الجهود السياسية والاقتصادية بين الدول الثلاث في سبيل رد أي اعتداء يوجه إلى حقوقها أو مصالحها.
وكان من أثر ذلك أيضاً أن قويت الدعوة إلى إعادة الملوكية في النمسا كوسيلة لتقوية استقلالها والقضاء على أسباب الخلاف الداخلي فيها، وليس في معاهدة الصلح (سان جرمان) ما يمنع عودة آل هبسبورج إلى النمسا وعودة العرش النمسوي، ولكن الحلفاء كانوا يعارضون دائماً في هذا العود، بيد أن الفكرة تلقى اليوم قبولا في كثير من الدوائر التي كانت تنكرها من قبل، وقد نشطت هذه الدعوة أخيراً في النمسا، وأقيمت عدة اجتماعات من أنصار الملوكية تحت رعاية الحكومة، وقيل إن الرئيس ميكلاس ينوي الاستقالة من منصبه قريباً ليمهد إلى هذا العود، ولا يوجد في النمسا من يعارض الفكرة الآن بعد ذهاب الديموقراطية الاشتراكية؛ وهي بالعكس تلقى تأيداً من الحزب المسيحي الاشتراكي (حزب الحكومة) ومن حلفائه الهايمفر. ويرى أنصار الفكرة أن عود الملوكية خير وسيلة للقضاء على مشاريع السياسة الألمانية في ضم النمسا (الانشلوس) وأما في الدوائر الخارجية فان إيطاليا وفرنسا اللتين كانتا تعارضان من قبل في هذا العود أشد المعارضة، لا تريان اليوم بأسا منه، وفي وسع فرنسا أن تذلل معارضة حليفتها تشيكوسلوفاكيا وفي وسع إيطاليا أن تذلل معارضة صديقتها المجر، وعندئذ تغدو مسألة عود آل هبسبورج إلى عرش النمسا مسألة تخص النمسا وحدها، وتتوقف على إرادة الشعب النمسوي وحده
(تم البحث)
الانقلاب الجمهوري في إسبانيا
1 - إسباني ما قبل الحرب
بقلم الأستاذ محمد عبد الله عنان
تعاني إسبانيا الجمهورية منذ قيامها أزمات ومتاعب متوالية، وتتعاقب فيها القلاقل والاضطرابات المختلفة. وقد استطاعت حكومة السينور ليرو الأخيرة التي قامت بعد أزمة وزارية طويلة أن تسيطر على الموقف نوعاً. ولكن استنادها إلى العناصر الفاشية والمحافظة يثير سخط الأحزاب الاشتراكية والمتطرفة ويذكى النضال الخالد بين الجبهة الثورية. وتتنازع إسبانيا فوق ذلك قوتان أخريان: هما قوة الملوكية، وقوة الكثلكة. وقد قامت الجمهورية الإسبانية الفتيه على أنقاض الملوكية والقوى الدينية التي تحركها. ولكن فلول الملوكية مازالت تنبث في إسبانيا وتعمل في الداخل والخارج لإثارة الصعاب في وجه الجمهورية، وما زالت قوى الكثلكة رغم انهيارها تحاول النهوض والعمل لاسترداد نفوذها وسلطانها. وما زالت الجمهورية قويه تقبض على ناصية الحوادث، ولكن الخلاف الذي يضطرم دائماً بين العناصر الجمهورية والحرة، وبينها وبين العناصر المتطرفة والثورية من جهة أخرى، يزيد في متاعبها ويعرضها لأخطار شتى.
قامت الجمهورية الإسبانية منذ ثلاث أعوام، في إبريل سنه 1931 نتيجة لنضال ديمقراطية ثائرة تضطرم منذ أعوام طويلة. ولكن الديمقراطية الإسبانية قديمة ترجع إلى اكثر من قرن. وقد ظفرت إسبانيا بدستورها الحديث سنة 1812، أثناء الحروب البونابارتية، وهو الدستور الذي وضعته جمعية وطنيه في قادس، ووعد فرديناند ملكها المنفي يومئذ باحترامه، ولكنه لما عاد إلى إسبانيا بعد ذلك بعامين على اثر انتهاء الحروب البونابارتية، عمل على توطيد الملوكية المطلقة وانتقاص الحريات والحقوق الدستوريه، فعاد الشعب الإسباني إلى الثورة في سنة 1820، واضطر فرديناند إلى الاعتراف بالدستور كرة أخرى ن ولكنه لم يلبث أن عاد إلى انتهاكه، وعاونته الجنود الفرنسية التي أمده بها لويس الثامن عشر على تنفيذ سياسة الحكم المطلق. وكانت معظم الشعوب الأوربية تنزع يومئذ إلى الحركات التحريرية، ولكن الملوكيات القديمة لم تقف جامدة أمام هذه النزعة، ومنذ سنة 1815 عقدت المعاهدة المقدسة بين العروش الأوربية القديمة في روسيا، والنمسا، والمجر،

(41/16)

وألمانيا، للتعاون على إخماد النزعات والحركات الشعبية الحرة التي بثتها مبادئ الثورة الفرنسية، وإذكاها مبالغة الملوكية القديمة في الاستئثار بالسلطان والحكم المطلق، وفي تجاهل الرغبات والأماني الشعبية. وفي اواخر عهد فرديناند (نحو سنة 1830) اضطرام النضال بين فرديناند وأخيه الدون كارلوس على مسألة وراثة العرش. وكان فرديناند حتى سنة 1829 عقيما لا ولد له.، ثم ولدت له بعد ذلك ابنة، فعمد في الحال إلى تغيير قانون الوراثة ليحرم أخاه كارلوس من ارتقاء العرش وليبقى العرش لابنته. ولما توفي سنة 1833، اعترف (الكورتيز) (البرلمان) بابنته ايزابيلا ملكة لإسبانيا وبوالدتها وصية على العرش، واعترفت إيزابيلا بعد ذلك بالدستور الإسباني الجديد الذي وضع سنة 1936، على مثل دستور قادس. ولكن عهدها كان فياضا بالاضطراب والقلاقل، وتوالت فيه الحكومات الضعيفة العاجزة وفسدت النظم والادارة، وفيه فقدت إسبانيا معظم أملاكها الأمريكية على اثر الحركات التحريرية التي قامت في أمريكا الجنوبية وانتهت بتحرير شعوبها من النير الأسباني، وقيام الجمهوريات الأمريكية الجديدة، واستمرت إسبانيا عصرا تعاني غمر الاضطراب والفوضى، ولكن الديمقراطية استطاعت خلال ذلك ان تنمو وان تقوى، وبذلت يومئذ لتحطيم الملوكية عدة محاولات عنيفة، ووقعت من جراء ذلك حوادث دموية كثيرة. واشتد ساعد الحركة الجمهورية إلى حد روعت معه الملوكية، واستمرت أداة الحكم على ضعفها وانحلالها، والعرش فيما بين ذلك يهتز توجساً وفرقاً، حتى غدا الموقف مما يستحيل استمراره. ولم تقوى الملكة ايزابيلا على مواجهة هذه الصعاب والخطوب كلها، ففرت إلى فرنسا، ثم تنازلت بعد ذلك عن العرش لولدها الفونسو الثاني عشر. وكان الفونسو وقتئذ طفلا في نحو العاشرة، فلبث العرش الإسباني خاليا مدى حين، وأقيمت حكومة مؤقتة تحيط بها الصعاب والأزمات من كل ناحية ثم كان عرض العرش الإسباني على ليوبولد الألماني من أمراء آل هوهنزلرن، ومعارضة نابليون الثالث في ذلك، وقيام تلك الأزمة الخطيرة التي التمست سببا لاضطرام الحرب بين فرنسا وألمانيا في سنة 1870 فعدلت إسبانيا عن ترشيح ليوبولد. وانتهى الأمر باختيار امديس أمير سافوا ملكا لإسبانيا، فجلس على عرشها نحو ثلاثة أعوام يعمل في ظروف صعبة، ثم استقال وغادر البلاد وخلا العرش كرة أخرى، وهنا اضطرمت البلاد بثورة تحريرية قوية، واستطاع

(41/17)

الأحرار أن يعلنوا قيام الجمهورية، وان يقيموا الحكم الجمهوري مدى عام (سنة 1874)، وكان هذا أول ظفر حقيقي للديمقراطية الإسبانية، ولكنه كان ظفرا خلبا، لان العناصر الرجعية لبثت قوية تعمل لاسترداد سلطانها. وكانت إسبانيا تعاني في نفس الوقت مصائب الحرب الأهلية، لان الدون كارلوس وأنصاره انتهزوا فرصة الاضطراب العام ليحاولوا انتزاع العرش فوقعت الحرب الكارلية الثانية (سنة 1872)، ولبثت نحو أربعة أعوام تمزق أوصال الأمة، ثم انتهت أخيرا بسحق قوى الدون كارلوس وفراره إلى فرنسا. وعندئذ أعلن الفونسو الثاني عشر، وكان عندئذ طالبا يدرس في إنكلترا - انه ملك إسبانيا الوحيد، واستمر أنصاره في الداخل يدبرون له سبيل العودة، حتى استطاع أن يعود وان يجلس على عرش إسبانيا سنة 1875، وهو فتى لا يجاوز السابعة عشرة، وكان الفونسو الثاني عشر رغم حداثته يتمتع بخلال ومواهب طيبة، فاستطاع بمعاونة وزيره الشهير شاروفاس دل كاستيلو ان يقمع الفوضى وان يعيد الأمن والنظام، وان يقوم بإصلاحات واسعة المدى. وتنفست إسبانيا في عهده الصعداء، وتمتعت بفترة من السكينة والرخاء. ولكن الموت لم يمهله فتوفي شابا في السابعة والعشرين من عمره سنة 1885، وترك أرملته حاملا، فوضعت بعد وفاته ولدا سمي بالفونسو الثالث عشر، واعن منذ مولده ملكا لإسبانيا وعينت أمه الملكة ماريا كرستينا وصية للعرش.
كان الفونسو الثالث عشر خاتمة لتلك السلسلة الحافلة من ملوك قشتالة الذين لبثوا قرونا يحاربون العرب والإسلام في إسبانيا والذين قضوا بعد طول الجهاد على الإسلام والحضارة الإسلامية في إسبانيا. وكان وريث ملوكية عريقة كانت مدى حين تفوق جميع الملوكيات أل أوربية في العظمة والبهاء، وتبسط سلطانها ما وراء المحيط على قارة بأسرها. ولكنه لم يرث من ذلك التراث العريق الباذخ سوى بقية واهنة مضعضعة. كانت الملوكية الإسبانية في الواقع تطوي مرحلتها الأخيرة في بطئ، وشاء القدر أن يكون مصرعها على يد الفونسو الثالث عشر آخر ملوك قشتالة.
تولت الملكة ماريا كريستينا زمام الأمور حتى يبلغ ولدها اشده. وكانت مهمة شاقة، لان الأمور لم تكن قد استقرت بعد، ولكن الملكة الأرمل استطاعت أن تعمل في جو من العطف سواء في الداخل أو في الخارج، فهدأت الخواطر وتحسنت الأحوال نوعا. وكان اعظم

(41/18)

الحوادث في هذا العهد نشوب الحرب الإسبانية الامريكية، وفقد إسبانيا لباقي مستعمراتها، وكان سبب نشوبها الخلاف بين إسبانيا وأمريكا على جزيرة كوبا، وتطلع أمريكا إلى انتزاعها من إسبانيا. ونشبت الحرب بين الدولتين سنة 1898، وهزمت إسبانيا وحطمت قواها البحرية، وفقدت كوبا وباقي مستعمراتها في الهند الغربية، وفقدت أيضاً جزائر الفلبين الغنية في الهند الشرقية، ولم يبق لها شيء من تراثها العريض فيما وراء البحار وكبدتها الحرب نفقات باهظة أنضبت مواردها وأثقلت كاهلها مدى حين.
وفي مايو سنة 1902 توج الملك الفونسو الثالث عشر، وهو في السادس عشر من عمره، وتولى زمام الحكم، وبدأ بذلك عهد جديد من الملوكية الإسبانية استطال مدى ثلاثين عاما، وكان عهد الفصل في تاريخها. وأبدى الفونسو منذ ولايته همة ونشاطا، بيد انه لم يمض نحو عام حتى توفي السنيور ساجستا رئيس الوزراء وزعيم الأحرار، وكان سياسيا بارعا يتمتع بكفايات جمة، فاضطربت شؤون الحكم، وانتقلت السلطة إلى المحافظين، وتعاقبت منهم في الحكم خمسة وزارات في نحو ثلاثة اعوام، واخذ الملك الجديد يواجه كل الصعاب التي واجهها إسرافه. وكان الفونسو الثالث عشر يبدي منذ البداية ميولا رجعية قوية ويلتمس الوسائل المختلفة لمقاومة النزعات الحرة والحريات الدستورية، ويعتمد في تنفيذ سياسته على العناصر الرجعية المحافظة وبجمعها حوله، وكان ذلك سببا في بث السخط حول العرش وحول شخصية حتى انه دبرت يوم زواجه من الأميرة فكتوريا أوجيني ابنة آخي الملك إدوارد السابع، أول محاولة لاغتياله (سنة 1906)، وبدأت من ذلك الحين سلسلة من الاعتداءات شاء القدر أن ينجو منها جميعا. وكانت الحركات والنزعات الديمقراطية والثورية أثناء ذلك تنمو وتشتد وخصوصا في مقاطعة قطلونية. وكانت قطلونية فوق ذلك مسرح حركة انفصالية قوية ومهد معركة مضطرمة بين الوطنيين القطلان والراديكاليين المركزيين بزعامة السنيور ليرو. وعاد الأحرار إلى منصة الحكم منذ سنة 1905 على يد زعيمهم موريه واستمروا بضعة أعوام؛ ولكن الملك ما لبث أن عاد إلى محالفة المحافظين، وكانت المسالة المراكشية تشغل إسبانيا منذ حين، وكانت قد سويت مع فرنسا في سنة 1904 بمعاهدة فرنسية إسبانية، اعترف فيها بحقوق إسبانيا، وحددت المنطقة الإسبانية تحديدا يرضي أمانيها. ولكن المسالة المراكشية استمرت شغلا

(41/19)

شاغلا للسياسة الإسبانية، بل غدت كما سنرى كابوس السياسة الإسبانية مدى أعوام طويلة، وكانت عاملاً جوهرياً في تطور الحوادث في إسبانيا، وفي تذرع العناصر الرجعية بإقامة حكم الطغيان الشامل الذي لبث عدة أعوام يخمد أنفاس الشعب الإسباني، ثم انتهى بذلك الانفجار الحاسم الذي حطم صرح الملوكية القديمة، وحقق في إسبانيا آمال الديمقراطية كاملة شاملة.
وخلف المحافظون الأحرار في منصة الحكم على يد زعيمهم السنيور مورا، وفي ذلك الحين اشتدت الحركة الثورية في قطلونية، واضطرمت الحرب في مراكش في نفس الوقت لأن بعض قبائل الريف هاجمت الخط الحديدي الذي يربط المناجم الاسبانية؛ وقررت الحكومة أن تعبئ الجنود الاحتياطية القطلونية، فثارت قطلونية احتجاجا على ذلك، ونظم إعتصاب عام في برشلونة امتد إلى باقي أنحاء الولاية (يوليه سنة 1909) وانفجر بركان الثورة فقبضت العسكرية على زمام السلطة، وقمعت الثورة بمنتهى القسوة، واعدم الزعيم الثوري فرانشيسكو فيرر؛ فازدادت البلاد سخطا، واضطرت الوزارة المحافظة إلى الاستقالة، وعاد الأحرار إلى الحكم أولاً على يد السنيور موريه، ثم بعد استقالته على يد السنيور كاناليخاس (فبراير سنة 1910). واستمرت الوزارة الحرة في الحكم حتى مقتل رئيسها كاناليخاس في نوفمبر سنة 1912. وامتاز هذا العهد بحادثين في منتهى الخطورة، أولهما: اضطرام المعركة بين الحكومة الحرة والكاثوليك، بسبب اضطهاد الحكومة للكاثوليك وسخط الفاتيكان من اجل ذلك؛ والثاني قيام الخلاف بين إسبانيا وفرنسا بسبب المسالة المراكشية. وكانت فرنسا تزداد توسعا في مراكش حتى شعرت إسبانيا أنها تهدد منطقتها ومصالحها وانتهزت ألمانيا هذه الفرصة للتنويه بمصالحها في مراكش، وأرسلت الطرد (بانتير) إلى مياه أغادير بحجة حماية مصالحها، واضطرت فرنسا إلى أن ترضي ألمانيا بتحقيق بعض مطالبها في الكونغو، واضطرت من جهة أخرى أن تحترم سياسة إسبانيا على المنطقة الإسبانية وكان ذلك فوزا للوزارة الحرة، ولكن اشتدادها في إخماد الحركة الثورية في قطلونية انتهى بمقتل رئيسها (نوفمبر سنة 1912)، فخلفتها وزارة محافظة برئاسة السنيور داتو لبثت في منصة الحكم حتى ديسمبر سنة 1915، وفي عهدها نشبت الحرب الكبرى. وأعقبتها وزارة حرة برئاسة الكونت رومانونيس، فاستمرت حتى

(41/20)

أوائل سنة 1917. ولزمت إسبانيا الحياد أثناء الحرب، واستفادت من حيادها فوائد تجارية واقتصادية جمة وتمتعت بفترة من الرخاء الحسن، وكان الرأي العام الإسباني يتراوح بين تأييد الحلفاء وتأييد ألمانيا. فالأحرار وأحزاب اليسار تميل مع الحلفاء، والأحزاب المحافظة ورجال الدين يميلون مع ألمانيا. وكان السلام الذي تمتعت به إسبانيا خلال الحرب نعمة سابغة وعاملا كبيرا في استقرار شئونها وأحوالها.
وفي أواخر سنة 1917 تحركت أحزاب اليسار (الأحزاب الاشتراكية) كرة أخرى، ودبرت إعتصابا عاما في جميع إسبانيا. وكانت الديمقراطية ترمي بهذه المحاولة إلى تحطيم النظام القائم، وإقامة جمهورية أسبانية ديمقراطية، ولكنها أخفقت في تدبيرها واستطاعت العسكرية ان تسحق الثورة في مهدها. وكانت العسكرية تتطلع دائما إلى فرض نفوذها وسلطانها على شؤون الحكم، وكانت ترى من حقها بعد أن أنقذت الملوكية والنظام القائم من ثورات الديمقراطية غير مرة، أن تستاثر هي بالسلطة، وان توجه سياسة البلاد طبقا لرأيها، وقد استطاعت في الواقع ان تحقق هذه الغاية إلى حد كبير على يد الوزارة المحافظة التي قامت يومئذ برياسة السينور جارسيابريثو، وتولى فيها وزارة الحربية رجل من رجال العسكرية هو الجنرال لاتشيرفا، ولكن هذا الطغيان العسكري لم يطل يومئذ أمده لما أبداه لاتشيرفا من عجز وصلف؛ فسقطت هذه الوزارة المسيرة؛ والفت وزارة حرة برئاسة الكونت رومانيوس (ديسمبر سنة 1918)؛ وعلى يد هذه الوزارة التحقت إسبانيا بعصبة الامم التي كانت يومئذ معقد كثير من الآمال والأماني. ولكن الوزارات الحرة كانت تصطدم دائما بعثرات وصعاب جمة سوداء من جانب العرش، وقد كان يؤثر دائما جانب الطغيان والقمع ويعتمد على مؤازرة العناصر الرجعية والعسكرية والدينية، أو من جانب العسكرية وقد كانت ترهق بضغطها كل حكومة لا تذعن بإرادتها ووحيها. فسقطت وزارة رومانيونس، وخلفتها وزارة محافظة برياسة السينور مورا، ثم وزارة محافظة أخرى برئاسة السينور توكا، وكانت هذه الوزارة الأخيرة وزارة قوية مستنيرة، ولكنها اصطدمت بإرادة العسكرية ولم تذعن لها، فاستقالت مرغمة، ولكن المحافظين استمروا في الحكم أيضا أولا على يد السينور سلازار ثم على يد زعيمهم السينور داتو الذي ألف الوزارة الجديدة في مايو سنة 1920. وكانت إسبانيا ترزح يومئذ تحت خطبين عظيمين: أولهما اضطرام الثورة في قطلونية، وثانيهما

(41/21)

اضطرام الحرب في مراكش؛ وكانت حوادث قطلونيةدائما كابوس السياسة الداخلية، كما كانت حوادث مراكش كابوس السياسة الخارجية، فحاولت وزارة داتو أن تقمع الثورة في قطلونية وانساقت كالعادة إلى القسوة والتطرف متأثرة بإرادة العسكرية والعرش، لكنها لم تفلح في إخماد الهياج، وانتهى الأمر بمقتل رئيسها (مارس سنة 1921)؛ فعاد السينور سالازار إلى تأليف الوزارة الجديدة؛ وهنا تطورت حوادث مراكش تطورا خطيرا نرجئ شرحه إلى الفصل القادم.
محمد عبد الله عنان المحامي
الانقلاب الجمهوري في أسبانيا
3 - حرب الريف إلى قيام الجمهورية
بقلم الأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت حوادث مراكش كابوس السياسة الأسبانية منذ نهاية الحرب. وكان لها أكبر أثر في تطور الحوادث التي انتهت بظفر الديموقراطية وقيام الجمهورية، وما زلنا نذكر تلك الحرب التحريرية العجيبة التي شهرها عبد الكريم زعيم الريف على أسبانيا مدى أعوام، ودحر خلالها الجيوش الأسبانية مراراً، وكاد يظفر بسحق سيادة أسبانيا في شمال مراكش لولا أن تألبت عليه قوى الاستعمار أخيراً واتحدت فرنسا مع أسبانيا على محاربته وسحقه، فكان ما أراد الاستعمار.
وكانت أسبانيا تعاني في بلاد الريف (شمال مراكش) منذ احتلالها متاعب جمة من جراء ثورة القبائل وتضطر دائماً إلى الاحتفاظ بجيش ضخم، ولكن أول نكبة حقيقية نزلت بالجيش الأسباني في بلاد الريف، وقعت في أنوال سنة 1921، ففيها هاجم عبد الكريم زعيم الريف مراكز القوات الأسبانية في تلك المنطقة، وكانت تبلغ زهاء تسع عشرة ألفاً، فمزقها واستولى على مراكزها وذخائرها، وقتل منها نحو ستة عشر ألفاً، وفر الباقون في مختلف الأنحاء، وانتحر قائدها الجنرال سلفستر. وكان محمد بن عبد الكريم الخطابي من أبناء بني أراغيل، رباه أبوه تربية حسنة، ودرس اللغة الأسبانية، والتحق بوظيفة في الإدارة الأسبانية بمليلة؛ وفي سنة 1919 وقعت بينه وبين الجنرال سلفستر مشادة حادة وأهانه القائد، ففر من مليلة وهو يعتزم الانتقام ولحق به أخوه (محمد أيضاً) وهو مهندس درس في أسبانيا وكانت القبائل يومئذٍ تتحفز للانتقاض، وكانت قد تلقت أيام الحرب كثيراً من الأسلحة والذخائر التي هربت بواسطة الألمان، فكان ذلك أكبر عون لها على مقاومة القوات الأسبانية وإزعاجها من وقت لآخر. فلما فر عبد الكريم من مليلة داعياً إلى الثورة ألتف حوله عدة مئات من الرجال الأشداء، واستطاع بهذه القوة الضئيلة أن يدبر ذلك الهجوم الجريء على المراكز الأسبانية في أنوال وأن ينزل بها تلك الكارثة الفادحة (يوليه سنة 1921)، واستولى عبد الكريم على كميات هائلة من الأسلحة والذخائر مكنته من المثابرة في الحرب أعواماً. وكان للنكبة وقع عميق في أسبانيا، فاضطرم الرأي العام سخطاً

(43/11)

واضطرت وزارة سالازار إلى الاستقالة، وألفت وزارة محافظة برياسة السنيور مورا. ولكن الرأي العام ظل على اضطرامه، وارتفعت الصيحة بطلب التحقيق في الكارثة، وحملت الدوائر العسكرية على البرلمان باعتباره مسئولاً عما وقع من الاضطراب والخلل في الخطط والتدابير العسكرية، وأرسل إلى مراكش جيش ضخم يبلغ مائة وأربعين ألفاً لتدارك الموقف وإنقاذ القوات المحرجة، وانتدبت الوزارة لجنة للتحقيق، ولكنها اضطرت إلى الاستقالة قبل أن تقوم اللجنة بمهمتها، فقامت وزارة محافظة أخرى برآسة السينور سانكيز جويرا، ثم تلتها وزارة حرة برآسة جراسيا بريتو؛ وفيها تولى وزارة الحربية موظف مدني هو الكالا زامورا الذي يتولى اليوم رآسة الجمهورية الأسبانية، ولكنه استقال غير بعيد وخلفه جندي هو الجنرال ايزبورو، وكان من أنصار العسكرية الرجعية وحلفائها، ومن خصوم النظام الدستوري، فأخذ يعمل بكل ما وسع لتوطيد النفوذ العسكري في شئون الحكم، وكان هذا النفوذ يشتد يوماً فيوماً، تغذية حوادث مراكش، وما أثارته من الاضطراب.
وفي خريف سنة 1923 تمخض النضال بين العسكرية والديموقراطية عن نتيجة حاسمة. وذلك أن الدون مجويل بريمو دى رفيرا حاكم قطلونية العسكري أعلن الثورة ضد الحكومة وهدد أعضائها، وأيدته السلطات العسكرية في مدريد وسرقسطة، وأذاع في البلاد منشوراً نادى فيه بتحرير البلاد من الساسة المحترفين الذين يحملون تبعة ما أصاب البلاد من محن، وأعلن قيام إدارة عسكرية في مدريد، لإقالة البلاد من عثراتها وحل المسألة المراكشية (أوائل سبتمبر سنة 1923). وكان الفونسو الثالث عشر يعتقد أنه يستطيع انتهاز هذه الفرصة لإقامة الحكم المطلق واستئثار القصر بجميع السلطات ومن ورائه الجيش، ولكن زعماء الجيش أصروا على أن يتولى زعيم الثورة الجنرال دي رفيرا الحكم. وفي 15 سبتمبر دخل دي فيرا مدريد، واحتل دور الحكومة، وسيطرت العسكرية في الحال على كل شيء، وأنشئت الإدارة العسكرية وعلى رأسها دي رفيرا، وأعلنت أن البلاد في حالة حرب، واتخذت إجراءات شديدة لسحق كل معارضة، وعطلت البرلمان، وفرضت الرقابة على الصحف، وذهب وفد من زعماء الساسة الأحرار والمحافظين إلى الملك يناشده صون الحياة النيابية فرد، بخشونة. وقد وصف هذا الطغيان العسكري الجديد يومئذٍ بأنه

(43/12)

(نظام يقوم على القوة بأكثر ما يقوم على السلطة، ذو نزعة مركزية قوية، يعتمد على مؤازرة الجيش، ويميل إلى عناصر الأحبار والكنيسة، ويصادق كبار الملاك، ويعطف على الاشتراكية في خصومتها للحركة النقابية) وتولى الجنرال دي رفيرا جميع السلطات والوزارات على مثل السنيور موسوليني وقضى على جميع الحريات الدستورية التي تمتعت بها أسبانيا أكثر من قرن، واستقبلت أسبانيا عهداً جديداً من الحكم الحديدي.
وكانت مسألة مراكش أهم وأخطر المسائل التي عنيت بها الإدارة العسكرية؛ وكان مركز أسبانيا يزداد حرجاً في الريف، وتستنزف مواردها تباعاً، ويتساقط جندها أمام هجمات عبد الكريم فرأى دي رفيرا أن يلجأ إلى الصراحة والجرأة في حل المسألة المراكشية، وقرر أن تنسحب القوات الأسبانية من المناطق الداخلية وأن تمتنع فيما يلي الشاطئ؛ وهكذا استطاع عبد الكريم أن يسيطر على إقليم الريف كله ما عدا تيطوان ومليلة، واجتمعت حوله القبائل، وأضحى قوة يخشى بأسها في شمال مراكش؛ ولم يبق استقلال الريف أمنية مستحيلة، ولم تبق على تحقيقها سوى مرحلة يسيرة، ولتكن الحوادث تطورت بشكل لم يكن يتوقعه عبد الكريم ولم تكن تتوقعه أسبانيا ذاتها. ذلك أن الفرنسيين تقدموا من حدود الريف الجنوبية، وخشى عبد الكريم عواقب هذا التقدم، فرأى أن يحول شطراً من اهتمامه إلى هذه الناحية. وفي سنة 1925 نظم عبد الكريم هجوماً شديداً على مراكز تازة ووجده داخل الحماية الفرنسية، وأثخن في بعض القبائل الموالية للفرنسيين وهدد مدينة فاس، فارتاعت فرنسا لتلك المفاجأة، وكانت لا تزال تلقى في مراكش متاعب جمة؛ واعتزم الجنرال ليوتي حاكم مراكش العام أن يسحق تلك القوة الخطرة؛ وفاوضت فرنسا أسبانيا في تنظيم العمل المشترك في مراكش ورحب دي رفيرا بهذه الفكرة، ونظمت الدولتان خطة مشتركة لتطويق عبد الكريم وسحق قواته وبعثت فرنسا أثنين من أعظم قوادها وهما بتان ونولان إلى مراكش على رأس جيشه قوامه نحو مائتي ألف مقاتل مجهز بأحدث الوسائل والعدد، وأنزلت أسبانيا جيشاً كبيراً في الحسيمة، ونظم الجيشان بادئ بدء خطة الاتصال. وهكذا طوق الزعيم الريفي في مراكزه ولم يك ثمة شك في مصير تلك الحرب التي تثيرها دولتان أوربيتان على زعيم محلى يعتمد على آلاف قليلة من البدو ويستمد موارده وذخائره من أيدي عدوه، وأدرك عبد الكريم من شدة المعارك الأولى أن المضي في القتال عبث، وأن

(43/13)

الدائرة دائرة عليه بلا ريب، ففاوض الفرنسيين في التسليم بلا قيد ولا شرط، وفي 30 مايو سنة 1926 سلم نفسه إلى الجنرال بويشيت، ودارت بشأنه مفاوضة بين الحكومتين الفرنسية والأسبانية انتهت بتقرير نفيه مع أسرته إلى جزيرة رينيون من أعمال مدغشقر؛ وانهارت تلك الحركة التحريرية البديعة التي نظمها هذا الزعيم البربري الباسل، وعاد الاستعمار الأسباني فوطد سيادته في الريف، ووطد الاستعمار الفرنسي سيادته في شمالي مراكش؛ وخسرت الدولتان في تلك الحرب آلاف الرجال وملايين الأموال، ولكن الاستعمار لم يكن ليحجم عن بذل مثل هذه التضحيات الهائلة في سبيل القضاء على ثورة تحريرية تهدد مستقبله في تلك الأنحاء.
وهكذا حلت المسألة المراكشية. وكان حلها عاملاً قوياً في تأييد نفوذ الدكتاتورية العسكرية وهيبتها. وفي عهد الدكتاتورية أيضاً تحسنت الأحوال الاقتصادية. ولكن وطأة هذا النظام المطلق لبثت تثقل كاهل الشعب الأسباني؛ وكان ظمأه إلى الحريات الدستورية التي تمتع بها مدى قرن، يشتد كلما اشتد ضغط الطغيان العسكري؛ وكان هذا السخط ينفجر من آن لآخر في قطلونية وبعض الأنحاء الأخرى عن ثورات محلية كان دي رفيرا (أو المركيز دي استيلا كما لقب بعد) يقمعها بمنتهى الشدة والقسوة؛ وكانت الدكتاتورية مع ذلك تقوم دائماً على بركان مضطرم، حتى أن دي رفيرا أضطر أن يضع أسبانيا تحت الأحكام العسكرية (سنة 1926). وفي أوائل سنة 1927 حاول زعيم قطلونية المنفى الكولونيل ماشا أن يعبر الحدود الفرنسية مع جماعة كبيرة مسلحة من أنصاره ليسير إلى قطلونية؛ ولكن قبض عليه وعلى كثير من أصحابه عند الحدود. ورأى دي رفيرا أن يهدئ السخط العام بتخفيف وطأة النظام. وأن يعود إلى ظاهر من الحكم الدستوري، فأصدر في سبتمبر سنة 1927 قانوناً بإنشاء جمعية للشورى. ولكن هذه الجمعية لم تكن لها أية سلطة حقيقية، ولم تكن إلا ستاراً فقط تستر من ورائه الإدارة العسكرية. وعلى ذلك فقد فشلت هذه المحاولة، ولبثت المعارضة على شدتها واضطرامها. وكان الجيش أيضاً قد بدأ ينقلب على دي رفيرا، أولاً لأنه لم يوافق على مسلكه في المسألة المراكشية حيث قرر الانسحاب أولاً عن المناطق التي كان يحتلها الجيش، ثم تساهل بعد ذلك في الاتفاق مع فرنسا، وثانياً لأنه كان يبالغ في الاستئثار بالأمر ولا يرى في الجيش سوى أداة لتحقيق سياسته؛ وكان

(43/14)

الفونسو الثالث عشر من جهة أخرى يشعر بوطأة هذا النظام الذي نزع العرش كل سلطاته. ومنذ سنة 1928 أخذت بوادر السخط والانتقاض تبدو في الجيش؛ وفي سنة 1929، ثارت فرق المدفعية بزعامة السينور سانكيز جويرا الزعيم المحافظ الذي تولى رياسة الوزارة فيما قبل؛ وانتهز الفونسو الثالث عشر هذه الفرصة فأصدر أمراً بعزل بريمودي رفيرا وحل الإدارة العسكرية؛ ولم يجد دي رفيرا سبيلاً للمقاومة فأذعن وغادر منصة الحكم بعد أن لبثت ستة أعوام يثقل كاهل الشعب الأسباني بطغيانه وعسفه. وفي مستهل سنة 1930، ألفت حكومة جديدة برياسة الجنرال برنجير، لتعمل على إعادة الحكم الدستوري؛ وهنا تنفس الشعب الصعداء، وتقدم زعماء الأحزاب المعارضة (المحافظون والأحرار والجمهوريون) بطلب إجراء الانتخابات العامة، فعارضت الحكومة في أجرائها. واشتد السخط حينما رأى الشعب أن الحكومة الجديدة لم تأت إلا لتستمر في تأييد نظام الطغيان والحكم المطلق. وفي ديسمبر سنة 1930، شبت ثورة جديدة، ولكن الجنرال برنجير استطاع أن يسحقها في الحال بيد أنه لم يلبث أن استقال؛ وخلفه الجنرال آزنار على رأسه حكومة شبه عسكرية أيضاً؛ وهنا تقدم الكونت رومانونيس زعيم الأحرار الذي تولى رياسة الوزارة مراراً من قبل، إلى الوزارة الجديدة، بنصيحة رآها كفيلة بحل الأزمة وتهدئة الخواطر، وهي أن تجرى الانتخابات البلدية على الأقل ما دام إنها لا ترغب في إجراء الانتخابات العامة؛ فنزلت الوزارة عند هذا النصح، وأجريت الانتخابات البلدية في جميع أسبانيا في العاشر من أبريل سنة 1931. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا في العاشر من أبريل سنة 1931. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا الحديث؛ ففيه خرج الجمهوريون في جميع الدوائر بأغلبية ساحقة، وغمر التيار الجمهوري كل شيء في البلاد، فاستقالت الوزارة في الحال. ورأى الفونسو الثالث عشر أنه لم يبق سبيل للمقاومة، ولم تبق للعرش قوة يستند إليها، فبادر بمغادرة مدريد مع أسرته وخاصته، وعبر الحدود إلى فرنسا قبل أن تمتد إليه يد خصومه؛ ولكنه لم ينزل عن شيء من حقوقه. وفي الحال نودي في أسبانيا بسقوط الملكية وقيام الجمهورية؛ وأقيمت حكومة جمهورية احتياطية برياسة الكالا زامورا وزير الحربية السابق ورئيس الشعبة المحافظة في الحزب الجمهوري؛ وأعلن في الوقت نفسه قيام جمهورية في قلطونية على رأسها الكولونيل ماشا؛ وفي 28

(43/15)

يونيه أجريت الانتخابات البرلمانية العامة، فأسفرت كذلك عن أغلبية جمهورية ساحقة، وتوطدت دعائم الجمهورية الجديدة بتأييد البلاد كلها.
وهكذا انهارت دعائم الملوكية الأسبانية العتيدة؛ التي هي أقدم الملوكيات الأوروبية، والتي سطعت خلال قرون مديدة، وأخرجت ثبتاً حافلاً من الملوك العظام - ملوكية فرديناند الخامس وشارلكان وفيليب الثاني؛ تلك الملوكية التي لبثت تغالب العرب في أسبانيا ثمانية قرون، والتي انتهت بالقضاء على دولة الإسلام في الأندلس واسترجاع الوطن القديم كله. وهكذا ظفرت الديمقراطية الأسبانية ممثلة الشعب الأسباني باسترداد الحريات الدستورية كاملة شاملة بعد أن كاد يقضى عليها القضاء الأخير. وكان أول ما عنيت به الحكومة الجمهورية هو أن تضع لأسبانيا دستوراً جديداً لحماية المبادئ الجمهورية والحريات الشعبية، واضطلع الكورتيز (البرلمان الأسباني) بهذه المهمة منذ 14 يوليه وأتمها في ديسمبر؛ وكان من أهم المشاكل التي عالجها مسألة النظام الاتحادي الذي نشأ عن مطالبة قطلونية بالاستقلال الداخلي؛ وقد أقر الدستور هذا المبدأ، واعتبر أسبانيا جمهورية اتحادية واعترف باستقلال قطلونية الداخلي. وثمة مسألة خطيرة أخرى هي مسألة الكنيسة والدولة، وقد انتهى البرلمان بالموافقة على فصل الكنيسة عن الدولة (أكتوبر سنة 1931) ولكن هذا القرار أحدث أزمة وزارية، فاستقال السينور الكالا زامورا، وقامت وزارة جديدة برياسة الدون مانويل أزانا. وعانت أسبانيا خلال هذه الفترة كثيراً من المتاعب من جراء الثورات والمظاهرات المختلفة التي دبرتها أحزاب اليسار المتطرفة - الشيوعيون والاشتراكيون - ومن الاعتصابات العامة التي نظمت في كثير من أنحاء البلاد؛ وعانت الجمهورية الجديدة من جراء معارضة الكنيسة ودسائس الأحبار وفلول الملوكية؛ ولكن الحكومة الجمهورية أبدت حزماً وصرامة في قمع الفتن الشيوعية، وسحق دسائس الأحبار؛ وثار بين أسبانيا والفاتيكان خلاف كبير من جراء نزع أملاك الكنيسة ومطاردة الأحبار. وأصدرت الحكومة قانوناً خاصاً لحماية الجمهورية (20 أكتوبر) - وفي نوفمبر صدر قانون خاص باعتبار الفونسو الثالث عشر خارجاً على القانون وبوجوب مثوله ومحاكمته: وفي العاشر من ديسمبر أجريت الانتخابات لرآسة الجمهورية، فانتخب السينور أل لا زاموار أول رئيس للجمهورية الأسبانية الثانية. . وقد اضطرمت أسبانيا في الفترة الأخيرة بعدة ثورات وفتن

(43/16)

محلية ودبرت عدة مؤامرات ملكية، ولكنها أخفقت جميعاً: وفي العهد الآخر رأت حكومة الجمهورية أن تستعين على قمع الفتن بالتشريع الصارم فأصدرت قانوناً بإعادة عقوبة الإعدام، وكان من جراء ذلك جدل حاد في البرلمان بين الحكومة والمعارضة بزعامة السينور مورا وكادت تحدث، أزمة وزارية جديدة، ولكن السينور ليرو رئيس الوزارة الحالية استطاع أن يتلافى الأزمة، وصدر التشريع الجديد، وما زالت الجمهورية الفتية سائرة في طريقها تغالب كيد خصومها من قبل الملوكية والأحبار الذين قضت على سلطانهم وامتيازاتهم. ولا ريب أن في ظفر الديموقراطية بأسبانيا إبان تلك الأزمة العصبية التي تعانيها في بلاد أخرى مثل ألمانيا والنمسا، دليلاً على أن الديموقراطية ما زالت تتمتع بحيوية كبيرة وأنها إنما تجوز أزمة وقتية لا تلبث أن تعود بعدها إلى سابق توطدها وازدهارها.
محمد عبد الله عنان المحامي
الانقلاب الجمهوري في أسبانيا
3 - حرب الريف إلى قيام الجمهورية
بقلم الأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت حوادث مراكش كابوس السياسة الأسبانية منذ نهاية الحرب. وكان لها أكبر أثر في تطور الحوادث التي انتهت بظفر الديموقراطية وقيام الجمهورية، وما زلنا نذكر تلك الحرب التحريرية العجيبة التي شهرها عبد الكريم زعيم الريف على أسبانيا مدى أعوام، ودحر خلالها الجيوش الأسبانية مراراً، وكاد يظفر بسحق سيادة أسبانيا في شمال مراكش لولا أن تألبت عليه قوى الاستعمار أخيراً واتحدت فرنسا مع أسبانيا على محاربته وسحقه، فكان ما أراد الاستعمار.
وكانت أسبانيا تعاني في بلاد الريف (شمال مراكش) منذ احتلالها متاعب جمة من جراء ثورة القبائل وتضطر دائماً إلى الاحتفاظ بجيش ضخم، ولكن أول نكبة حقيقية نزلت بالجيش الأسباني في بلاد الريف، وقعت في أنوال سنة 1921، ففيها هاجم عبد الكريم زعيم الريف مراكز القوات الأسبانية في تلك المنطقة، وكانت تبلغ زهاء تسع عشرة ألفاً، فمزقها واستولى على مراكزها وذخائرها، وقتل منها نحو ستة عشر ألفاً، وفر الباقون في مختلف الأنحاء، وانتحر قائدها الجنرال سلفستر. وكان محمد بن عبد الكريم الخطابي من أبناء بني أراغيل، رباه أبوه تربية حسنة، ودرس اللغة الأسبانية، والتحق بوظيفة في الإدارة الأسبانية بمليلة؛ وفي سنة 1919 وقعت بينه وبين الجنرال سلفستر مشادة حادة وأهانه القائد، ففر من مليلة وهو يعتزم الانتقام ولحق به أخوه (محمد أيضاً) وهو مهندس درس في أسبانيا وكانت القبائل يومئذٍ تتحفز للانتقاض، وكانت قد تلقت أيام الحرب كثيراً من الأسلحة والذخائر التي هربت بواسطة الألمان، فكان ذلك أكبر عون لها على مقاومة القوات الأسبانية وإزعاجها من وقت لآخر. فلما فر عبد الكريم من مليلة داعياً إلى الثورة ألتف حوله عدة مئات من الرجال الأشداء، واستطاع بهذه القوة الضئيلة أن يدبر ذلك الهجوم الجريء على المراكز الأسبانية في أنوال وأن ينزل بها تلك الكارثة الفادحة (يوليه سنة 1921)، واستولى عبد الكريم على كميات هائلة من الأسلحة والذخائر مكنته من المثابرة في الحرب أعواماً. وكان للنكبة وقع عميق في أسبانيا، فاضطرم الرأي العام سخطاً

(43/11)

واضطرت وزارة سالازار إلى الاستقالة، وألفت وزارة محافظة برياسة السنيور مورا. ولكن الرأي العام ظل على اضطرامه، وارتفعت الصيحة بطلب التحقيق في الكارثة، وحملت الدوائر العسكرية على البرلمان باعتباره مسئولاً عما وقع من الاضطراب والخلل في الخطط والتدابير العسكرية، وأرسل إلى مراكش جيش ضخم يبلغ مائة وأربعين ألفاً لتدارك الموقف وإنقاذ القوات المحرجة، وانتدبت الوزارة لجنة للتحقيق، ولكنها اضطرت إلى الاستقالة قبل أن تقوم اللجنة بمهمتها، فقامت وزارة محافظة أخرى برآسة السينور سانكيز جويرا، ثم تلتها وزارة حرة برآسة جراسيا بريتو؛ وفيها تولى وزارة الحربية موظف مدني هو الكالا زامورا الذي يتولى اليوم رآسة الجمهورية الأسبانية، ولكنه استقال غير بعيد وخلفه جندي هو الجنرال ايزبورو، وكان من أنصار العسكرية الرجعية وحلفائها، ومن خصوم النظام الدستوري، فأخذ يعمل بكل ما وسع لتوطيد النفوذ العسكري في شئون الحكم، وكان هذا النفوذ يشتد يوماً فيوماً، تغذية حوادث مراكش، وما أثارته من الاضطراب.
وفي خريف سنة 1923 تمخض النضال بين العسكرية والديموقراطية عن نتيجة حاسمة. وذلك أن الدون مجويل بريمو دى رفيرا حاكم قطلونية العسكري أعلن الثورة ضد الحكومة وهدد أعضائها، وأيدته السلطات العسكرية في مدريد وسرقسطة، وأذاع في البلاد منشوراً نادى فيه بتحرير البلاد من الساسة المحترفين الذين يحملون تبعة ما أصاب البلاد من محن، وأعلن قيام إدارة عسكرية في مدريد، لإقالة البلاد من عثراتها وحل المسألة المراكشية (أوائل سبتمبر سنة 1923). وكان الفونسو الثالث عشر يعتقد أنه يستطيع انتهاز هذه الفرصة لإقامة الحكم المطلق واستئثار القصر بجميع السلطات ومن ورائه الجيش، ولكن زعماء الجيش أصروا على أن يتولى زعيم الثورة الجنرال دي رفيرا الحكم. وفي 15 سبتمبر دخل دي فيرا مدريد، واحتل دور الحكومة، وسيطرت العسكرية في الحال على كل شيء، وأنشئت الإدارة العسكرية وعلى رأسها دي رفيرا، وأعلنت أن البلاد في حالة حرب، واتخذت إجراءات شديدة لسحق كل معارضة، وعطلت البرلمان، وفرضت الرقابة على الصحف، وذهب وفد من زعماء الساسة الأحرار والمحافظين إلى الملك يناشده صون الحياة النيابية فرد، بخشونة. وقد وصف هذا الطغيان العسكري الجديد يومئذٍ بأنه

(43/12)

(نظام يقوم على القوة بأكثر ما يقوم على السلطة، ذو نزعة مركزية قوية، يعتمد على مؤازرة الجيش، ويميل إلى عناصر الأحبار والكنيسة، ويصادق كبار الملاك، ويعطف على الاشتراكية في خصومتها للحركة النقابية) وتولى الجنرال دي رفيرا جميع السلطات والوزارات على مثل السنيور موسوليني وقضى على جميع الحريات الدستورية التي تمتعت بها أسبانيا أكثر من قرن، واستقبلت أسبانيا عهداً جديداً من الحكم الحديدي.
وكانت مسألة مراكش أهم وأخطر المسائل التي عنيت بها الإدارة العسكرية؛ وكان مركز أسبانيا يزداد حرجاً في الريف، وتستنزف مواردها تباعاً، ويتساقط جندها أمام هجمات عبد الكريم فرأى دي رفيرا أن يلجأ إلى الصراحة والجرأة في حل المسألة المراكشية، وقرر أن تنسحب القوات الأسبانية من المناطق الداخلية وأن تمتنع فيما يلي الشاطئ؛ وهكذا استطاع عبد الكريم أن يسيطر على إقليم الريف كله ما عدا تيطوان ومليلة، واجتمعت حوله القبائل، وأضحى قوة يخشى بأسها في شمال مراكش؛ ولم يبق استقلال الريف أمنية مستحيلة، ولم تبق على تحقيقها سوى مرحلة يسيرة، ولتكن الحوادث تطورت بشكل لم يكن يتوقعه عبد الكريم ولم تكن تتوقعه أسبانيا ذاتها. ذلك أن الفرنسيين تقدموا من حدود الريف الجنوبية، وخشى عبد الكريم عواقب هذا التقدم، فرأى أن يحول شطراً من اهتمامه إلى هذه الناحية. وفي سنة 1925 نظم عبد الكريم هجوماً شديداً على مراكز تازة ووجده داخل الحماية الفرنسية، وأثخن في بعض القبائل الموالية للفرنسيين وهدد مدينة فاس، فارتاعت فرنسا لتلك المفاجأة، وكانت لا تزال تلقى في مراكش متاعب جمة؛ واعتزم الجنرال ليوتي حاكم مراكش العام أن يسحق تلك القوة الخطرة؛ وفاوضت فرنسا أسبانيا في تنظيم العمل المشترك في مراكش ورحب دي رفيرا بهذه الفكرة، ونظمت الدولتان خطة مشتركة لتطويق عبد الكريم وسحق قواته وبعثت فرنسا أثنين من أعظم قوادها وهما بتان ونولان إلى مراكش على رأس جيشه قوامه نحو مائتي ألف مقاتل مجهز بأحدث الوسائل والعدد، وأنزلت أسبانيا جيشاً كبيراً في الحسيمة، ونظم الجيشان بادئ بدء خطة الاتصال. وهكذا طوق الزعيم الريفي في مراكزه ولم يك ثمة شك في مصير تلك الحرب التي تثيرها دولتان أوربيتان على زعيم محلى يعتمد على آلاف قليلة من البدو ويستمد موارده وذخائره من أيدي عدوه، وأدرك عبد الكريم من شدة المعارك الأولى أن المضي في القتال عبث، وأن

(43/13)

الدائرة دائرة عليه بلا ريب، ففاوض الفرنسيين في التسليم بلا قيد ولا شرط، وفي 30 مايو سنة 1926 سلم نفسه إلى الجنرال بويشيت، ودارت بشأنه مفاوضة بين الحكومتين الفرنسية والأسبانية انتهت بتقرير نفيه مع أسرته إلى جزيرة رينيون من أعمال مدغشقر؛ وانهارت تلك الحركة التحريرية البديعة التي نظمها هذا الزعيم البربري الباسل، وعاد الاستعمار الأسباني فوطد سيادته في الريف، ووطد الاستعمار الفرنسي سيادته في شمالي مراكش؛ وخسرت الدولتان في تلك الحرب آلاف الرجال وملايين الأموال، ولكن الاستعمار لم يكن ليحجم عن بذل مثل هذه التضحيات الهائلة في سبيل القضاء على ثورة تحريرية تهدد مستقبله في تلك الأنحاء.
وهكذا حلت المسألة المراكشية. وكان حلها عاملاً قوياً في تأييد نفوذ الدكتاتورية العسكرية وهيبتها. وفي عهد الدكتاتورية أيضاً تحسنت الأحوال الاقتصادية. ولكن وطأة هذا النظام المطلق لبثت تثقل كاهل الشعب الأسباني؛ وكان ظمأه إلى الحريات الدستورية التي تمتع بها مدى قرن، يشتد كلما اشتد ضغط الطغيان العسكري؛ وكان هذا السخط ينفجر من آن لآخر في قطلونية وبعض الأنحاء الأخرى عن ثورات محلية كان دي رفيرا (أو المركيز دي استيلا كما لقب بعد) يقمعها بمنتهى الشدة والقسوة؛ وكانت الدكتاتورية مع ذلك تقوم دائماً على بركان مضطرم، حتى أن دي رفيرا أضطر أن يضع أسبانيا تحت الأحكام العسكرية (سنة 1926). وفي أوائل سنة 1927 حاول زعيم قطلونية المنفى الكولونيل ماشا أن يعبر الحدود الفرنسية مع جماعة كبيرة مسلحة من أنصاره ليسير إلى قطلونية؛ ولكن قبض عليه وعلى كثير من أصحابه عند الحدود. ورأى دي رفيرا أن يهدئ السخط العام بتخفيف وطأة النظام. وأن يعود إلى ظاهر من الحكم الدستوري، فأصدر في سبتمبر سنة 1927 قانوناً بإنشاء جمعية للشورى. ولكن هذه الجمعية لم تكن لها أية سلطة حقيقية، ولم تكن إلا ستاراً فقط تستر من ورائه الإدارة العسكرية. وعلى ذلك فقد فشلت هذه المحاولة، ولبثت المعارضة على شدتها واضطرامها. وكان الجيش أيضاً قد بدأ ينقلب على دي رفيرا، أولاً لأنه لم يوافق على مسلكه في المسألة المراكشية حيث قرر الانسحاب أولاً عن المناطق التي كان يحتلها الجيش، ثم تساهل بعد ذلك في الاتفاق مع فرنسا، وثانياً لأنه كان يبالغ في الاستئثار بالأمر ولا يرى في الجيش سوى أداة لتحقيق سياسته؛ وكان

(43/14)

الفونسو الثالث عشر من جهة أخرى يشعر بوطأة هذا النظام الذي نزع العرش كل سلطاته. ومنذ سنة 1928 أخذت بوادر السخط والانتقاض تبدو في الجيش؛ وفي سنة 1929، ثارت فرق المدفعية بزعامة السينور سانكيز جويرا الزعيم المحافظ الذي تولى رياسة الوزارة فيما قبل؛ وانتهز الفونسو الثالث عشر هذه الفرصة فأصدر أمراً بعزل بريمودي رفيرا وحل الإدارة العسكرية؛ ولم يجد دي رفيرا سبيلاً للمقاومة فأذعن وغادر منصة الحكم بعد أن لبثت ستة أعوام يثقل كاهل الشعب الأسباني بطغيانه وعسفه. وفي مستهل سنة 1930، ألفت حكومة جديدة برياسة الجنرال برنجير، لتعمل على إعادة الحكم الدستوري؛ وهنا تنفس الشعب الصعداء، وتقدم زعماء الأحزاب المعارضة (المحافظون والأحرار والجمهوريون) بطلب إجراء الانتخابات العامة، فعارضت الحكومة في أجرائها. واشتد السخط حينما رأى الشعب أن الحكومة الجديدة لم تأت إلا لتستمر في تأييد نظام الطغيان والحكم المطلق. وفي ديسمبر سنة 1930، شبت ثورة جديدة، ولكن الجنرال برنجير استطاع أن يسحقها في الحال بيد أنه لم يلبث أن استقال؛ وخلفه الجنرال آزنار على رأسه حكومة شبه عسكرية أيضاً؛ وهنا تقدم الكونت رومانونيس زعيم الأحرار الذي تولى رياسة الوزارة مراراً من قبل، إلى الوزارة الجديدة، بنصيحة رآها كفيلة بحل الأزمة وتهدئة الخواطر، وهي أن تجرى الانتخابات البلدية على الأقل ما دام إنها لا ترغب في إجراء الانتخابات العامة؛ فنزلت الوزارة عند هذا النصح، وأجريت الانتخابات البلدية في جميع أسبانيا في العاشر من أبريل سنة 1931. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا في العاشر من أبريل سنة 1931. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا الحديث؛ ففيه خرج الجمهوريون في جميع الدوائر بأغلبية ساحقة، وغمر التيار الجمهوري كل شيء في البلاد، فاستقالت الوزارة في الحال. ورأى الفونسو الثالث عشر أنه لم يبق سبيل للمقاومة، ولم تبق للعرش قوة يستند إليها، فبادر بمغادرة مدريد مع أسرته وخاصته، وعبر الحدود إلى فرنسا قبل أن تمتد إليه يد خصومه؛ ولكنه لم ينزل عن شيء من حقوقه. وفي الحال نودي في أسبانيا بسقوط الملكية وقيام الجمهورية؛ وأقيمت حكومة جمهورية احتياطية برياسة الكالا زامورا وزير الحربية السابق ورئيس الشعبة المحافظة في الحزب الجمهوري؛ وأعلن في الوقت نفسه قيام جمهورية في قلطونية على رأسها الكولونيل ماشا؛ وفي 28

(43/15)

يونيه أجريت الانتخابات البرلمانية العامة، فأسفرت كذلك عن أغلبية جمهورية ساحقة، وتوطدت دعائم الجمهورية الجديدة بتأييد البلاد كلها.
وهكذا انهارت دعائم الملوكية الأسبانية العتيدة؛ التي هي أقدم الملوكيات الأوروبية، والتي سطعت خلال قرون مديدة، وأخرجت ثبتاً حافلاً من الملوك العظام - ملوكية فرديناند الخامس وشارلكان وفيليب الثاني؛ تلك الملوكية التي لبثت تغالب العرب في أسبانيا ثمانية قرون، والتي انتهت بالقضاء على دولة الإسلام في الأندلس واسترجاع الوطن القديم كله. وهكذا ظفرت الديمقراطية الأسبانية ممثلة الشعب الأسباني باسترداد الحريات الدستورية كاملة شاملة بعد أن كاد يقضى عليها القضاء الأخير. وكان أول ما عنيت به الحكومة الجمهورية هو أن تضع لأسبانيا دستوراً جديداً لحماية المبادئ الجمهورية والحريات الشعبية، واضطلع الكورتيز (البرلمان الأسباني) بهذه المهمة منذ 14 يوليه وأتمها في ديسمبر؛ وكان من أهم المشاكل التي عالجها مسألة النظام الاتحادي الذي نشأ عن مطالبة قطلونية بالاستقلال الداخلي؛ وقد أقر الدستور هذا المبدأ، واعتبر أسبانيا جمهورية اتحادية واعترف باستقلال قطلونية الداخلي. وثمة مسألة خطيرة أخرى هي مسألة الكنيسة والدولة، وقد انتهى البرلمان بالموافقة على فصل الكنيسة عن الدولة (أكتوبر سنة 1931) ولكن هذا القرار أحدث أزمة وزارية، فاستقال السينور الكالا زامورا، وقامت وزارة جديدة برياسة الدون مانويل أزانا. وعانت أسبانيا خلال هذه الفترة كثيراً من المتاعب من جراء الثورات والمظاهرات المختلفة التي دبرتها أحزاب اليسار المتطرفة - الشيوعيون والاشتراكيون - ومن الاعتصابات العامة التي نظمت في كثير من أنحاء البلاد؛ وعانت الجمهورية الجديدة من جراء معارضة الكنيسة ودسائس الأحبار وفلول الملوكية؛ ولكن الحكومة الجمهورية أبدت حزماً وصرامة في قمع الفتن الشيوعية، وسحق دسائس الأحبار؛ وثار بين أسبانيا والفاتيكان خلاف كبير من جراء نزع أملاك الكنيسة ومطاردة الأحبار. وأصدرت الحكومة قانوناً خاصاً لحماية الجمهورية (20 أكتوبر) - وفي نوفمبر صدر قانون خاص باعتبار الفونسو الثالث عشر خارجاً على القانون وبوجوب مثوله ومحاكمته: وفي العاشر من ديسمبر أجريت الانتخابات لرآسة الجمهورية، فانتخب السينور أل لا زاموار أول رئيس للجمهورية الأسبانية الثانية. . وقد اضطرمت أسبانيا في الفترة الأخيرة بعدة ثورات وفتن

(43/16)

محلية ودبرت عدة مؤامرات ملكية، ولكنها أخفقت جميعاً: وفي العهد الآخر رأت حكومة الجمهورية أن تستعين على قمع الفتن بالتشريع الصارم فأصدرت قانوناً بإعادة عقوبة الإعدام، وكان من جراء ذلك جدل حاد في البرلمان بين الحكومة والمعارضة بزعامة السينور مورا وكادت تحدث، أزمة وزارية جديدة، ولكن السينور ليرو رئيس الوزارة الحالية استطاع أن يتلافى الأزمة، وصدر التشريع الجديد، وما زالت الجمهورية الفتية سائرة في طريقها تغالب كيد خصومها من قبل الملوكية والأحبار الذين قضت على سلطانهم وامتيازاتهم. ولا ريب أن في ظفر الديموقراطية بأسبانيا إبان تلك الأزمة العصبية التي تعانيها في بلاد أخرى مثل ألمانيا والنمسا، دليلاً على أن الديموقراطية ما زالت تتمتع بحيوية كبيرة وأنها إنما تجوز أزمة وقتية لا تلبث أن تعود بعدها إلى سابق توطدها وازدهارها.
محمد عبد الله عنان المحامي
الحرب في بلاد العرب
تطور الحوادث في الجزيرة وصداه في الأفق الدولي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أسفرت المعارك التي نشبت في الأسبوعين الأخيرين في هضاب عسير وتهامة بين القوات السعودية والقوات اليمانية عن نتائج خطيرة حاسمة فيما يظهر؛ فقد استطاعت القوات السعودية أن تتوغل في نجران وفي عسير بسرعة مدهشة، وأن تستولي على منطقة واسعة في شمال اليمن تشمل عسيراً ونجران وجميع الجهات والمواقع التي كانت موضع النزاع بين البلدين، وأن تتقدم بعد ذلك في أراضي اليمن ذاتها بحذاء البحر الأحمر حتى ثغر الحديدة، وهو أهم الثغور اليمانية، وأن تستولي عليه بعد أن فرت منه قوات الإمام التي كان يقودها ولده وولى عهده سيف الإسلام. وقد كنا نؤمل حين كتبنا مقالنا الأول عن هذه الحرب التي تضطرم بها الجزيرة العربية، أن يكون لصوت العالم العربي والإسلامي أثره في تدارك هذا الخلاف الخطر، وفي وقف المعارك قبل استفحالها. وقد رفع العالم الإسلامي صوته قوياً بمناشدة الزعيمين أن يتذرعا بالروية والحسنى في حسم النزاع القائم بينهما، وسافر إلى مكة وفد عربي إسلامي يمثل عدة من الأمم العربية لتحقيق هذا المسعى. ولكن الظاهر أن سير الحوادث لم يفسح مجالاً للتفاهم الحسن بين الملكين؛ وقد كان جلالة ابن السعود يشترط لوقف القتال شروطاً يراها لازمة لسلامة حدوده وسلام مملكته، وهي جلاء القوات اليمانية عن نجران ومواقعها الجبلية، وإطلاق الرهائن، وتسليم الأدارسة؛ ولكن سيادة الإمام يحيى لبث حيناً يتردد بين القبول والاعتراض؛ وحدث في تلك الفترة أيضاً أن تقدمت القوات اليمانية في نجران وعسير واحتلت مواقع جديدة؛ وأيقن ابنالسعود بعد طول المكاتبة والمفاوضة أن الإمام لا يريد اتفاقاً ولا يسلم بشيء من مطالبه. ويبدو من مراجعة الكتاب الرسمي الأخضر الذي أذاعته الحكومة السعودية عن سير المفاوضات والمكاتبات بين الملكين أن ابن السعود تذرع بكثير من الروية والأناة في محاولة إقناع الإمام باحترام المعاهدات المعقودة والحالة الواقعة. وتدل وثائق الكتاب الأخضر أيضاً على أن عوامل التحريض كانت تعمل عملها في عسير ونجران لدفع قبائلهما إلى الثورة على عمال الحكومة السعودية وأصدقائها. إزاء هذه العوامل والظروف لم ير ابن السعود بداً من

(45/21)

الالتجاء إلى القوة المادية؛ فزحفت القوات السعودية في نجران وتهامة صوب الجنوب، واستولت على جميع مواقعها وانتهت كما تقدم بالاستيلاء على ثغر الحديدة، وانهارت في الحال كل التدابير التي اتخذها الإمام للحرب والدفاع، وأضحت اليمن تحت رحمة القوات السعودية التي تطوقها من الشمال والغرب.
وتطور الحرب بين ابن السعود والإمام على هذا النحو يثير احتمالات ومسائل في منتهى الخطورة، وساء في داخل الجزيرة العربية أو خارجها، ولا سيما إذا استمرت القوات السعودية في زحفها على اليمن وانتهت بالاستيلاء عليها. ذلك أن ابن السعود الذي يسيطر على قلب الجزيرة العربية من الأحساء وعمان شرقاً إلى ساحل البحر الأحمر غرباً، ومن بادية العراق وشرق الأردن شمالاً حتى الربع الخالي جنوباً، يغدو باستيلائه على اليمن سيد الجزيرة المطلق، والمسيطر على الساحل الشرقي للبحر الأحمر كله من العقبة حتى مضيق باب المندب. وقيام إمبراطورية عربية قوية على هذا النحو تشمل نجداً والحجاز واليمن مما يثير اهتمام السياسة البريطانية ومخاوفها. وقد كان تقدم المملكة السعودية في الأعوام الأخيرة موضع اهتمامها دائماً. ذلك أن المملكة السعودية تجاور مناطق النفوذ البريطاني والأملاك البريطانية في جميع أنحاء الجزيرة العربية؛ فهي تجاور عمان والكويت من الشرق، والعراق وفلسطين وشرق الأردن من الشمال، وإذا تم ضم اليمن إليها، فإنها تجاور عدن وحضرموت من الجنوب. وعلائق ابن السعود مع بريطانيا العظمى ودية حسنة. وقد نظمت منذ سنة 1922 بمعاهدة المحمرة ثم ببروتوكول العقير. بل إن علائق الصداقة بين ابن السعود وبريطانيا ترجع إلى ما قبل عشرين عاماً، أعني إلى ما قبيل الحرب الكبرى. وكان ابن السعود يومئذ اميراً محلياً، فرأى في اتصاله بالسياسة البريطانية وسيلة لتحقيق مشروعاته؛ وحالف بريطانيا العظمى على الترك، ولزم الحياد أثناء الحرب وفاء بعهده لها. وافتتح في ذلك الحين منطقة شمر في شمال نجد وانتزعها من يد خصمه ومنافسه ابن الرشيد، وبدأت إمارة نجد تتخذ مكانها وأهميتها في شئون الجزيرة العربية. وفي سنة 1924 غزا ابن السعود الحجاز واستولى عليها من يد الحسين بن علي ملكها يومئذ، وامتدت حدود نجد حتى ساحل البحر الاحمر، وقامت من ذلك الحين مملكة نجد والحجاز القوية، واعترفت بقيامها الدول وفي مقدمتها بريطانيا العظمى. وكانت السياسة البريطانية

(45/22)

خلال هذه المراحل كلها ترى في ابن السعود صديقاً لها؛ ولم يشب هذه العلائق الودية شيء من الكدر إلا في سنة 1928 إذ أغارت بعض القبائل النجدية على حدود العراق، ونشب الخلاف بين الفريقين على مسألة مخافر الحدود؛ ثم سوى الخلاف وعاد التفاهم بين الفريقين.
ولكن المملكة السعودية قد غدت في الجزيرة العربية قوة يخشى بأسها، وهي تدلل اليوم على قوتها مرة أخرى بذلك الغزو السريع لنجران وتهامة، ثم شمال اليمن واستيلائها على ثغور جديدة على البحر الأحمر، وقد لا تقف القوات السعودية في زحفها حتى يتم استيلاؤها على بلاد اليمن كلها، وتغدو اليمن كالحجاز ولاية جديدة في المملكة السعودية الكبرى: واجتماع الأمم العربية داخل الجزيرة تحت هذا اللواء القوي يثير روحاً جديداً في القضية العربية ويقوي فكرة الجامعة العربية، ويحيي الآمال في تحقيقها. والسياسة البريطانية لا تنظر إلى هذه التطورات بعين الارتياح لأنها تزيد في متاعبها حيثما تبسط سلطانها على أطراف الجزيرة العربية، والسياسة الفرنسية التي تسهر على مصاير سوريا تخشى أن يثير هذا الروح المعنوي الجديد في الوطنية السورية قوة جديدة، ويزيد في متاعبها في سوريا. هذا ومن جهة أخرى فإن السياسة الإيطالية ترقب تطور الحوادث في اليمن بمنتهى الاهتمام والجزع أيضاً. وللسياسة الإيطالية في اليمن مركز خاص، ولإيطاليا في اليمن مطامع لا تخفي. وقد نظمت العلائق من سنة 1928 بين الإمام يحيى وإيطاليا وعقدت بينهما معاهدة تجارية اقتصادية، وأخذت إيطاليا من ذلك الحين تعمل بكل الوسائل على تقوية نفوذها في اليمن؛ والسياسة الإيطالية لم تكن بعيدة عن موقف الإمام في الحوادث الأخيرة ولم تكن بعيدة عن شد أزره بالمال والرجال والذخائر في الحرب التي ستنشب بينه وبين ابن السعود. ثم يجب ألا ننسى أن مستعمرة إريترية الإيطالية في اليمن، ويجعل ساحل المستعمرة الإيطالية عرضة لأخطار جديدة، ويضع حدا للتوسع الإيطالي في تلك المنطقة.
والسياسة البريطانية تقف اليوم موقف التريث والانتظار؛ ولكن في اجتماع السفير الإنكليزي في جده بابن السعود، حسبما نقلت ألينا الأنباء الأخيرة، ومحادثته إياه في الاحتمالات التي نشأت عن انتصار الجيوش السعودية، وعما إذا كانت تنوي التقدم بعد في

(45/23)

قلب اليمن - في ذلك ما ينم عن اهتمام السياسة البريطانية بتطور الحوداث على هذا النحو؛ وربما عن قلقها أيضاً. ذلك لأن اليمن تجاور منطقة عدن البريطانية وتشرف عليها من الشمال والغرب؛ ولعدن أهمية حربية خاصة فهي مفتاح باب البحر الأحمر من الجنوب، ومفترق الطريق الإمبراطوري البحري إلى الهند والشرق الأقصى؛ فوقوع اليمن في يد زعيم قوي كابن السعود قد يهدد مركز بريطانيا في عدن، أو في بعض ولاياتها المحمية المجاورة لليمن، وهي التي كانت منذ بعيد موضع خلاف بين الإمام والإنكليز، ثم سوى منذ أشهر بمعاهدة الصداقة البريطانية اليمنية. ومسألة المواصلات الإمبراطورية من أدق مهام السياسة البريطانية.
بيد أنه إذا كانت السياسة البريطانية تقف موقف الانتظار والتحوطإزاء تطور الحوادث في الجزيرة العربية. فليس هنالك على ما نعتقد، ما يدعوها للتدخل المباشر في سر هذه الحوادث. فعلائق ابن السعود وبريطانيا مازالت حسنةٌ. والإنكليز يثقون بابن السعود وصراحته وعهوده التي برهن في فرص عديدة أنه يحترمها ويعمل على تنفيذها، ولا نعتقد أن ابن السعود يفكر في الوقت الحاضر على الأقل في الإقدام على مناوأة سياسة بريطانيا أو مصالحها في أية منطقة من المناطق التي تسيطر عليها في أطراف الجزيرة، لأن ابن السعود يحرص دائماً على صداقة بريطانيا. وربما كان الإنكليز يؤثرون دخول اليمن في طاعة ابن السعود، ويؤثرون سياسته القائمة على الحزم والصراحة وحسن التقدير، على سياسة رجل كالإمام يلقون من صلابته وتردده وعدم اعتباره بالحقائق الواقعة كثيراً من المتاعب في عدن وولاياتها المشمولة بالحماية البريطانية. هذا إلى أن ابن السعود قد صرح على لسان ممثله في لندن أن يحترم الحقوق القائمة والمعاهدات المعقودة ويبذل وسعه لحماية أرواح الأجانب ومصالحهم في البلاد التي تفتحها جيوشه، ولا ريب أنه في حالة استيلائه على اليمن سيحترم نصوص المعاهدة اليمنية البريطانية الأخيرة، وسيحترم الحالة القائمة في ولايات عدن المحمية؛ ومن جهة أخرى فانه لن يفوت الإنكليز أن ينتهزوا فرصة انشغال الإمام بغزو أراضيه فيعملوا علىتوسيع احتلاهم لتلك الولايات بما يطابق خططهم التي لبث الإمام طويلا يقف في سبيلها.
ليس هنالك إذا ما يخشى وقوعه من جانب السياسة البريطانية للتأثير في مجرى الحوادث

(45/24)

الحاضرة في جزيرة العرب. وهذا ما تؤيده التصريحات الرسمية التي أدلى بها السير جون سيمون وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم في شأن حوادث الجزيرة العربية، فهو يؤكد فيها أن بريطانيا العظمى ستقف إزاء هذه الحوادث موقف الحياد الدقيق وأن اجتماع السفير البريطاني بابن السعود لم يكن يقصد به إلا التأكد من حماية المصالح البريطانية والرعايا البريطانيين في الجهات التي تفتتحها القوات السعودية. وهذا ما تؤيده أيضاً الصحف الإنكليزية وأقوال الكتاب السياسيين وتنويههم بحزم ابن السعود ومقدرته وصداقته لبريطانيا العظمى
أما السياسة الإيطالية فهي على العكس تخشى تطورات الحوادث الحاضرة وترى فيها خطراً على مشاريعها ومصالحها حسبما بينا. وقد كان الأمام صديق السياسة الإيطالية، وكانت إيطاليا تتمتع في اليمن بمركز خاص تعلق عليه أهمية كبيرة لتنفيذ مشاريعها في بلاد العرب، فسقوط اليمن في يد ابن السعود يقضي على هذه الآمال والمشاريع، وقد أرسلت إيطاليا كما أرسلت إنكلترا بعض بوارجها إلى مياة اليمن لحماية مصالحها. ولكن هل تذهب إيطاليا إلى أبعد من ذلك فتحاول التدخل المباشر في سير الحوادث في اليمن؟ من المعروف أن إيطاليا كانت تمد الإمام بالأسلحة والذخائر والضباط الفنيين، ولكن استيلاء القوات السعودية على الحديدة وساحل اليمن كله تقريباً يقفل هذا الباب في وجه إيطاليا ويقطع هذا العون عن الإمام. ولسنا نعتقد إن إيطاليا تستطيع الإقدام على مثل هذه المغامرة في الظرف الحاضر، فتحاول الدفاع عن اليمن والاشتباك مع القوات السعودية الغازية في حرب لا تؤمن عواقبها، أولاً لأن بريطانيا العظمى لا تستطيع السكوت على مثل هذا التدخل ولا بد أن تقاومه بكل قواها، وليس من اليسير أن تقدم إيطاليا على تحدي بريطانيا العظمى في مثل هذه الظروف التي يفيض فيها الأفق الدولي بالمشاكل الخطيرة، وثانياً لأن إيطاليا تعلم من تجاربها القاسية في طرابلس، إن الأعمال الحربية في الصحاري والهضاب ليست يسيرة على الجنود الأوربية، وقد كانت هضاب اليمن مدى أجيال حصوناً مغلقة في وجه الجيوش العثمانية المدربة على ارتياد الهضاب الوعرة، ومن المرجح أن تلقى الجيوش السعودية ذاتها، وهي جيوش الصحراء، صعاباً كبيرة قبل ان تستطيع الوصول إلى صنعاء والاستيلاء على اليمن. وإذاً فكل ما يمكن للسياسة الإيطالية أن تقوم

(45/25)

به الوقت الحاضر، هو أن تحاول المضي في خطتها من معاونة الإمام بالاسلحة والذخائر والأموال
على أنه يبقى بعد ذلك كله أن نتساءل عما إذا كان ابن السعود يعتزم حقاً أن يستولي على صنعاء وان يتم غزو اليمن. إن الجيوش السعودية تقف الآن عند الحديدةمن جهة البحر، وتطوق شمال اليمن، وليس في الأنباء الأخيرة ما يدل على إنها ستتابع زحفها في الحال، بل يرجح أن تنتظر حيناً حتى تتم اهباتها وتقوى مؤخرتها وقد يرى ابن السعود في تلك الأثناء ما يقنعه بالوقوف عند هذا الحد من الظفر وإرغام الإمام على قبول شروطه ومطالبه؛ وقد ينزل عند صوت العالم العربي والإسلامي فيقبل وقف الحرب والاتفاق مع الإمام، إذا رأى انه يستطيع بذلك اجتناء جميع الثمرات التي يخوله الظفر اجتناءها.
وسنرى في الأسابيع المقبلة ما تسفر عنه هذه التطورات الخطيرة في مصاير الجزيرة العربية.
محمد عبد الله عنان المحامي
حوادث الشرق الاقصى
اليابان والجامعة الاسيوية
مبدأ مونرو اسيوي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ أسبوعين طلعت اليابان على العالم بتصريح في منتهى الاهمية والخطورة. خلاصته: (ارفعوا أيديكم عن الصين)، وهو بعبارة اخرى انذار من اليابان إلى أوربا وأمريكا بأنها اصبحت تعتبر من واجبها أن تحمي الصين من كل محاولة جديدة اوربية أو أمريكية في سبيل الفتح أو الاستعمار الاقتصادي، ومن حقها أن تستأثر بالتوسع السياسي أو الاقتصادي في انحاء الصين الشاسعة. ولا تخفى اليابان انها جادة في انذارها، وانها على اهبة لتأييده وتنفيذه بالقوة المادية، وفي نفس الوقت الذي تلقى فيه اليابان بهذا الانذار، نراها تقر اعتمادات حربية ضخمة لتقوية اسطولها الجوي، وتقوم بعدة مظاهرات عسكرية اخرى.
وقد اثار هذا التصريح الجرىء في جميع دوائر السياسة العليا دهشة عظيمة، ولا سيما في الدول ذات النفوذ والمصالح في الصين مثل بريطانيا العظمى وأمريكا وروسيا وفرنسا وايطاليا. ولم يتضح حتى الان موقف هذه الدول ازاء تلك الخطوة الجديدة التي تتخذها اليابان للحد من النفوذ الغربي في الصين. ولكن اولئك الذين يتبعون تصرفات السياسة اليابانية في الصين في الأعوام الثلاثة الأخيرة يدركون أن هذه الخطوة إنما هي نتيجة طبيعية لهذه السياسة التي فازت منذ عامين بالاستيلاء على منشوريا ووضعها تحت الحماية اليابانية، والتي ما زالت تتقدم في سبيل التوسع في الثغور والأراضي الصينية الشمالية والوسطى. واليابان تتخذ خطواتها وشئون السياسة الدولية في منتهى الاضطراب والتعقيد، والدول العظمى كلها مشغولة بمشاكلها الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية، ومن الصعب عليها أن تتفاهم أو تتفق بسرعة على اتخاذ خطة أو سياسة مشتركة ضد هذه السياسة اليابانية الجديدة التي تهدد نفوذها ومصالحها في الصين.
والنظرية اليابانية في مقاومة التوسع الغربي في الصين ترجع إلى فكرة اهم وابعد اثرا هي فكرة الجامعة الاسيوية، وشعارها (اسيا للأسيويين). وقد قويت هذه الفكرة بعد الحرب،

(44/9)

حينما اشتد تنافس الدول الغربية على التوسع في الصين واستطاعت روسيا السوفيتية وبريطانيا العظمى وأمريكا أن تتدخل في شئون الصين تدخلا قويا مباشراً، وان تبسط كل نفوذها على مناطق واسعة في الصين، وحينما عمدت الدول في كل مناسبة وفرصة إلى ارسال اساطيلها إلى المياه الصينية بحجة: حماية مصالحها؛ ولما كان موقع اليابان الجغرافي في شرق الصين، مشرفة على تلك المياه الصينية التي تغزوها الدول كما شاءت، وكانت تبسط حمايتها ونفوذها على مساحات واسعة في الصين، في كوريا ومنشوريا وشانصي، فقد كانت السياسة اليابانية تنظر دائما إلى حركات الدول في الصين بمنتهى التوجس والريب، وكانت تتلمس السبل دائما لمقاومة الاستعمار الاوربي والأمريكي. وكانت حركة (الجامعة الاسيوية) تزداد نشاطا وقوة، وخصوصا كلما اشتدت الصيحة في أوربا وأمريكا بالتحذير من (الخطر الاصفر) أو بعبارة اخرى من نهوض الامم الاسيوية. وقد عقد اول مؤتمر رسمي للجامعة الاسيوية في ثغر ناجازاكي في صيف سنة 1926 وشهده مندوبون من اليابان والصين والهند وسيام وكوريا والفلبين، واستمرت السياسة اليابانية ترعى هذه الحركة وتغذيها مدى الاعوام الاخيرة، وقد عقد في فبراير الماضي في دايرين تحت رعاية الحكومة اليابانية مؤتمر (للشعوب الاسيوية) شهده مندوبون من الصين واليابان والهند وافغانستان وسيام وبلاد الملايو وغيرها من البلاد الاسيوية. واصدرت فيه قرارات بوجوب اتحاد الشعوب الاسيوية على العمل في سبيل مصالحها المشتركة الجنسية والسياسية وتحريرها من كل تدخل اجنبي، وسيدعى مؤتمر دوري للجامعة الاسيوية. وربما كانت اليابان ترمي من وراء هذه الحركة إلى انشاء عصبة امم اسيوية لتأييد غايات الجامعة الاسيوية.
مبدأ مونرو اسيوي
ولهذا الانذار التي تتقدم به اليابان إلى الدول الغربية صبغة مزدوجة؛ فهو يعني ان اليابان ستقاوم منذ الان فصاعدا كل محاولة تقوم بها الدول الغربية في سبيل التوسع في الصين، وثانيا ان اليابان ستكون مطلقة اليد في الصين تحقق فيها ما شاءت من خطط التوسع والنفوذ. وللناحية الاولى سابقة تاريخية في السياسة الدولية هي مبدأ الرئيس مونرو (رئيس جمهورية الولايات المتحدة)، الذي وضع منذ سنة 1823 ليكون شعارا لسياسة أمريكا

(44/10)

الخارجية؛ واليك نص هذا التصريح الشهير الذي تطبقه السياسة الأمريكية منذ اكثر من قرن وذلك بعد الديباجة:
(ان القارتين الأمريكيتين بحكم حالة التحرير التي احرزتاها والتي تحتفظان بها يجب إلا تعتبر منذ الان فصاعدا قابلتين للاستعمار من جانب اية دولة اوربية، وعلى ذلك فانا نعتبر في المستقبل أي محاولة من جانب الدول الأوربية لبسط سلطانها السياسي على اية ناحية من نواحي هاتين القارتين خطرا على سلامتنا وسلامنا.
نحن لم نتعرض لاي مستعمرة أو ملك قائم فيها للدول الأوربية ولن نتعرض له، ولكنا بالنسبة للحكومات التي اعلنت استقلالها وحافظت عليه واعترفنا نحن به كحق ذي اساس عادل، لا نستطيع ان نعتبر أي تغيير يرمي إلى ارهاقها أو التحكم في مصايرها إلا بأنه ميل عدائي نحو الولايات المتحدة. ذلك انه يستحيل ان تبسط الدول المتحالفة نظامها السياسي في أي بقعة من هذه القارة دون تهديد سلامنا وسعادتنا. كذلك لا يستطيع إنسان ان يعتقد ان اخواننا في الجنوب إذا تركوا وشأنهم قد يقبلون هذه السياسة مختارين، ومن ثم كان من المستحيل ان ننظر إلى هذا التدخل في ذرة من التهاون والاغضاء).
ويمكننا ان نلخص مبدأ مونرو في كلمتين: (أمريكا للأمريكيين) أو (اتركو أمريكا) كما نستطيع ان نلخص الانذار الياباني في كلمتين (آسيا للاسيويين) أو (اتركو اسيا) مع هذا الفارق، هو ان اليابان تحدد في تصريحها منطقة معينة من اسيا هي الصين، أو الشرق الاقصى بصفة عامة، وقد فهم مبدأ مونرو في أمريكا وطبق خلال قرن من الناحية السلبية فقط. اعني من ناحية مقاومة التدخل الاوربي؛ ولكن السياسة الأمريكية وضعت في الاعوام الاخيرة تفسيرا جديدا لمبدأ مونرو، وهو انه إلى جانب حق أمريكا في قمع أي تدخل اوربي، يحق لأمريكا، وأمريكا وحدها
- أن تحتل أي بقعة من القارة الأمريكية متى رأت ذلك ضروريا لصون سلامها ومصالحها، وطبقت السياسة الأمريكية ذلك التفسير الايجابي الجديد لمبدأ مونرو في عدة حوادث معاصرة مثل تدخلها، في حوادث نيكاراجوا، واحتلال بعض اراضيها، وارغامها بناما على عقد معاهدة تعتبر شبه حماية، ثم تدخلها اخيرا في حوادث كوبا. وهذا هو نفس ما يعني التصريح الياباني من ناحيته الايجابية ترى اليابان من حقها دون غيرها من الدول

(44/11)

ان تستأثر بالتوسع في الفتح في الصين.
وقد بدأت اليابان فعلا بتطبيق هذه السياسة منذ ثلاثة اعوام فوضعت خطتها للاستيلاء على منشوريا وتذرعت لذلك الفتح باعتداء العصابات الصينية على المنطقة اليابانية والسكة الحديدية الشرقية التي تضع يدها عليها واضطرارها إلى حماية المصالح اليابانية والرعايا اليابانيين من ذلك الاعتداء الذي عجزت عن قمعه السلطات الصينية. وحوادث فتح اليابان لمنشوريا ما زلت ماثلة في الأذهان فلسنا بحاجة إلى تفصيلها. غير انا نذكر في هذا المقام فقط اليابان ابدت منذ البداية عزمها احتلال منشوريا وامتلاكها فعلا، ولم تحفل بتدخل عصبة الامم لتلبية نداء الصين، ولم تقف لحظة عند أي القرارات التي اصدرتها العصبة لحسم النزاع كانتداب لجنة للتحقيق، والتوصية لوقف القتال، واعادة الحالة إلى ما كانت عليه؛ بل لبثت اثناء اشتغال العصبة بهذه الازمة الخطيرة ماضية في غزو منشوريا وافتتاحها حتى اتمت خطتها العسكرية، واستخلصت اقليم منشوريا كله، ثم انتهت بأن ضاقت بتدخل عصبة الامم، فأنسحبت منها لتكون حرة طليقة اليد والتصرف. ولم تقف اليابان عند افتتاح منشوريا بل هاجمت اثناء ذلك شنغهاي اعظم الثغور الصينية بحجة الاعتداء على بعض رعاياها واحتلت وكادت تنفذ إلى الداخل لولا ما ابدته الحكومة الوطنية الصينية من مقاومة شديدة وما انذرت به الدول من التدخل؛ ثم عادت فغزت اقليم شهلي شمال بكين، واحتلت عدة من قواعد واجتازت السور الكبير. كل ذلك لترغم الصين على الاعتراف بمركزها في منشوريا. وانتهت اليابان بأن جعلت منشوريا دولة جديدة بأسم دولة (منشوكيو)، واقامت عليها هنري بوي امبراطور الصين المخلوع، اولا رئيسا لجمهورية منشوكيو ثم امبراطور لها، وتم بذلك استيلاء اليابان على اعظم الاقاليم الصينية الشمالية واغناها، فإذا ذكرنا ان اليابان تملك من اراضي الصين شبه جزيرة كوريا وثغر تياتسين وما إليه، وبورت ارثر وتسنج تاو، وتحتل مناطق كبيرة في اقليم شانصي، استطعنا ان نقدر إلى أي حد بلغت اليابان في توسعها في الصين.
موقف الدول
وقد قلنا ان موقف الدول ازاء السياسة اليابانية الجديدة لم يتضح بعد، ولم يتخذ بعد صبغة رسمية. ولكن الذي لا ريب فيه هو ان الدول التي لها في مياه الشرق الاقصى وفي الصين

(44/12)

مصالح عظيمة مثل أمريكا وبريطانيا العظمى وروسيا وفرنسا، ستقاوم هذه السياسة اشد مقاومة، وليس بعيدا ان تلجأ إلى الوسائل العنيفة إذا هددت املاكها أو مصالحها، وكما ان اليابان تقرن انذارها بالمظاهرات العسكرية وتقرير الاعتمادات الحربية الجديدة، فكذلك نرى انكلترا تقوم بمظاهرة بحرية في ثغر سنغافورة، ويعقد أمراء البحر الانكليز هنالك اجتماعا خطيرا للنظر في تعجيل الاعمال والاجراءات الخاصة باتمام قاعدة سنغافورة البحرية التي ستكون اعظم واقوى قاعدة بحرية في الشرق الاقصى، ونرى أمريكا تقرر اعتمادات مالية ضخمة لبناء سفن جديدة، وينتقل الاسطول الأمريكي من مياه الاطلانطيق ويجوز قناة بناما إلى المحيط الهادئ في اقل من يومين قياما بمظاهرة بحرية كبرى. وتحتج الدول ذات الشأن على لسان صحفها من الوجهة الدولية؛ بالمعاهدات المعقودة بين اليابان والدول بشان الصين، واخصها وأحدثها معاهدة الدول التسع التي عقدت على يد مؤتمر واشنطون سنة 1922 بين الولايات المتحدة (أمريكا) وبريطانيا العظمى وفرنسا وايطاليا واليابان والصين وبلجيكا وهولندة والبرتغال، وتنص هذه المعاهدة على احترام سيادة الصين واستقلالها ووحدتها الادارية والاقليمية، وعلى معاونتها على النهوض والتقدم بكل الوسائل، واستعمال الدول الموقعة لنفوذها في تأييد مبدأ الفرص المتساوية في النشاط التجاري والصناعي في الصين لجميع الامم، وعلى عدم انتهاز ظروف الصين للحصول على امتيازات خاصة، ومعنى ذلك اليابان ليست حرة في ان تحتل في الصين مناطق جديدة، أو تبسط نفوذها على مناطق جديدة، وليست حرة بالاخص في ان تستأثر وحدها بتنفيذ سياسة التوسع والاستعمار في الصين؛ هذا إلا إذا كانت تعتبر المعاهدات الدولية قصاصات لا قيمة لها.
وهناك غير هذه الدول الموقعة لمعاهدة واشنطون وروسيا السوفيتية؛ وهي من اعظم الدول مصالح في شمال الصين، واشدها اهتماما بسير السياسة اليابانية، وروسيا تجاور اليابان في منشوريا، وتشترك معها في امتلاك السكة الحديدية الصينية الشرقية، وفي امتلاك جزيرة سغالين، وتصطدم معها في شئون ومصالح كثيرة وقد ساءت علائق اليابان وروسيا في العهد الاخير بسبب استيلاء اليابان على منشوريا وانتزاعها القسم الروسي من السكة الحديدية الشرقية، وتهديدها بذلك نفوذ الروسيا في منغوليا، وقد كان لروسيا فوق ذلك في

(44/13)

الصين الوسطى والجنوبية نفوذ عظيم منذ اعوام، وكانت اليابان من انشط الدول لمحاربته والقضاء عليه، والخصومة الروسية اليابانية قديمة في الشرق الاقصى، وترجع بالاخص إلى حرب سنة 1904 التي هزمت فيها روسيا أمام اليابان وفقدت بورت ارثر ثغرها الممتاز في الصين؛ وهي اليوم اشد ما تكون اضطراما. ولا تخفى حكومة موسكو انزعاجها من السياسة اليابانية الجديدة، واستعدادها لمقاومتها وحماية النفوذ والمصالح الروسية في الشرق الاقصى بكل ما وسعت.
موقف الصين
ثم هنالك الصين، وهي المقصود بتطبيق السياسة اليابانية الجديدة. وقد لبثت الصين مسرحاً للفتن والحرب الأهلية زهاء ربع قرن، والدول الغربية اثناء ذلك تعمل على انتهاز الفرص لتوسيع نفوذها ومصالحها، واليابان تجاريها في انتهاز الفرص. فلما اشتد التنافس بين الدول على استغلال الحوادث الصينية، عقدت فيما بينها معاهدة واشنطون سنة 1922 (معاهدة الدول التسع) لكي تضع حدا لهذا التنافس أو بعبارة اخرى لكي تنظمه، وقطعت الصين بعد ذلك ستة اعوام اخرى في غمار من الحروب الأهلية الطاحنة حتى قامت الحكومة الوطنية اخيراً (حكومة نانكين) لتوحد كلمة الصين إلى حد ما، ولتعمل على صون استقلال الصين والحد من التوسع الاجنبي. وقد بذلت الحكومة الوطنية في هذا السبيل جهوداً لا بأس بها، ولكن اختلاف الزعماء والقادة كان دائما يشل من هذه الجهود، ويفتح الباب لدسائس الدول الاجنبية وعدوانها المستتر بصور واساليب شتى، ولو كان الانذار الياباني متعلقاً بوقوف اليابان فقط في وجه المطامع الاجنبية في الصين، لما كان للصين كبير اعتراض عليه؛ ولكن اليابان لا تقف كما قدمنا عند هذه الناحية السلبية من سياستها الجديدة، وإنما تقرنها بادعاء حق الاستئثار بالتوسيع في الصين، وتقوم بتنفيذ هذه السياسة بطريقة فعلية منظمة منذ ثلاثة اعوام، اعني منذ غزوها لمنشوريا، ومعنى ذلك أن اليابان تريد أن تستأثر بفريستها - الصين - دون باقي الدول وأن تترك هذه الفريسة أمامها وجها لوجه؛ وليس بعيدا ان تكون اليابان قد وضعت خطتها لافتتاح الصين كلها والاستيلاء عليها اقليماً فأقليماً، وخوض معركة الحياة والموت مع الغرب والاستعمار الغربي.
ولا ريب ان الصين تنكر هذه السياسة ايما انكار، وسوف تقاومها بكل ما وسعت حسبما

(44/14)

صرح به مندوبها لدى عصبة الام وسفيرها في لندن، ولا ريب انها ستعتبر بهذا الخطر الجديد الذي يهدد كيانها واستقلالها فتعمل لتوحيد كلمتها وتنظيم قواها؛ كذلك لا ريب في ان اليابان رغم قوتها ومنعتها وفيض مواردها، تقدم على مغامرة كبيرة محفوفة بالصعاب والمخاطر؛ ومن المشكوك فيه أن تستطيع اليابان أن تتحدى دول الغرب العظمى إذا اجتمعت كلمتها على مقاومة هذه السياسة، هذا إلى ما لابد ان تبذله الصين من الجهود الزاخرة لدفاع عن استقلالها وكيانها؟
محمد عبد الله عنان المحامي
السفارات النبوية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
مضت خمسة أعوام على هجرة النبي العربي (عليه السلام) إلى المدينة قبل أن تهدأ ثائرة قريش أو تفتر عن مخاصمته ومهاجمته: وأنفق النبي هذه الأعوام الخمسة على أهبة الدفاع يرد محاولات قريش لغزو معقله وملاذ دعوته، أولاً في بدر ثم في أحد ثم في موقعة الخندق. فلما وهنت قوى قريش بعد الخندق، استطاع النبي أن يعني بالتفكير في العمل الإيجابي لمغالبة خصومه وبث دعوته. ولم تكن الدعوة الإسلامية قد تجاوزت يومئذ وديان مكة والمدينة؛ ولم تثبت دعائمها إلا في المدينة بين عصبة المهاجرين والأنصار؛ ولم يك ثمة ما ينبئ بأن هذه البداية الضئيلة إنما هي الحجر الأول في صرح الدولة الإسلامية العظيمة التي قامت بعد ذلك بعشرين عاماً فقط على أنقاض دولتين من أعظم دول التاريخ هما الدولة الفارسية والدولة الرومانية الشرقية. وكان فشل قريش في موقعة الخندق حاسماً في تطور هذه الخصومة التي أضرمت قريش لظاها مذ أذاع النبي رسالته. ومنذ الخندق استطاع الإسلام أن يفتتح غزواته للأمم والأديان القديمة؛ ففي أواخر العام الخامس وأوائل العام السادس للهجرة قام النبي بعدة غزوات محلية لبعض القبائل والبطون المعادية وفي أواخر العام السادس نظم النبي بعوثه أو سفاراته لأكابر الملوك والأمراء المعاصرين. وفي العام الثامن كان فتح مكة وخضوع قريش؛ وكان ظفر الإسلام حيثما استهل رسالته وانبعثت أشعته الأولى
وكانت السفارات النبوية بين حوادث هذا العهد حادثاً فريداً؛ وكانت دليلاً جديداً على ما تجيش به نفس الرسول العربي من سمو في الشجاعة وقوة في الإيمان برسالته. ولم يكن الإسلام يومئذ قوة يُخشى بأسها فيدعو قيصر وكسرى إلى اعتناق دعوته؛ ولكن محمدا أرسل للبشر كافة بشيرا ونذيرا. وكما كانت الغزوات النبوية المتواضعة سبيلا للذود عن الإسلام ووسيلة لتأييد كلمة، فكذلك كانت السفارات النبوية سبيلا لأداء رسالته وإبلاغ صوته إلى الملوك والأمراء الذين يحكمون العالم القديم يومئذ. ففي شهر ذي الحجة سنة ست من الهجرة (إبريل سنة 628م) بعث النبي كتبه وسفراءه إلى ثمانية من أولئك الملوك والأمراء هم قيصر قسطنطينية، وقيروس حاكم مصر الروماني، والحارث بن أبي شمر

(42/61)

الغساني النصراني عامل قيصر في الشام، وكسرى (خسرو) ملك فارس ونجاشي الحبشة، وثلاثة من أمراء الجزيرة المحليين هم هوذة بن علي صاحب اليمامة، والمنذر بن ساوي صاحب البحرين، وجيفر بن جلندا وأخوه صاحبا عمان. وقد كان هؤلاء (ملوك العرب والعجم) الذين يسودون الجزيرة العربية يومئذ أو يتصلون بها بأوثق الصلات. وكان أهمهم وأعظمهم بلا ريب قيصر الروم وملك فارس، وقد كانا يقتسمان سواد العالم القديم يومئذ؛ ويبسط أولهما حكمه على الشام وما إليها جنوباً حتى شمال الحجاز، ويبسط الثاني حكمه على شمال شرقي الجزيرة، ويدين له كثير من أمراء العرب بالولاء والطاعة. وكان الأول زعيم الأمم النصرانية، والثاني زعيم الأمم الوثنية
نظمت هذه السفارات وأرسلت إلى مختلف الأنحاء، لكل ملك وفد أو رسول ولكل كتاب نبوي. وكانت مهمتها جميعاً واحدة. وتقدم الرواية الإسلامية إلينا صور الكتب المرسلة، وهي جميعاً في صيغ واحدة أو متماثلة؛ وفيها جميعاً يدعو النبي ملوك عصره إلى الإسلام والإيمان برسالته. وكان سفير النبي إلى هرقل قيصر الدولة الرومانية الشرقية دحية بن خليفة الكلبي؛ واليك نصل الكتاب النبوي إلى قيصر حسبما ورد في السيرة وفي الصحيحين: (من رسول الله إلى هرقل عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى - أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فان توليت فان عليك إثم الاريسيين؛ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). وكان هرقل (الأول) قد تسلم عرش قسطنطينية قبل ذلك بثمانية عشر عاما بعد حوادث وخطوب جمة، وقضى معظم عهده في حروب طاحنة مع الفرس. وكان الفرس قد غلبوا على مصر وسوريا وآسيا الصغرى، وهددوا قسطنطينية نفسها، فاستطاع هرقل أن يردهم عن أقطار الدولة، وان يطاردهم حتى قلب بلادهم، وان يسحق قواتهم في موقعة نينفة الحاسمة (ديسمبر سنة 627). وفر كسرى الثاني ملك الفرس المعروف بكسرى ابرويز من عاصمته المدائن، ثم قبض عليه ولده شيرويه (سيروس) وقتله وجلس على العرش مكانه، وعقد الصلح مع هرقل. وعاد قيصر إلى قسطنطينية ظافراً يحمل صندوق (الصليب المقدس) الذي كان الفرس قد انتزعوه من بيت المقدس. ثم سار في خريف هذا العام (سنة

(42/62)

628) حاجاً إلى بيت المقدس سيراً على الأقدام ومعه الصليب ليرده إلى موضعه بالقبر المقدس؛ فبينا هو ببيت المقدس يؤدي مراسم الحج، إذ وفد عليه حاكم بصرى (بوسترا) ومعه دحية الكلبي؛ فقدم إليه كتاب النبي، واخبره بمضمون سفارته. وتقول الرواية الإسلامية أن هرقل استقبل سفير النبي بأدب وحفاوة، وسأله عن بعض أحوال النبي وأحوال رسالته؛ بل تذهب إلى القول بأن هرقل هم باعتناق الإسلام لولا أن خشي نقمة البطارقة، وانه صارح دحية برغبته وخشيته. وهذه مبالغة بلا ريب. ونستطيع أن نتصور ما أثارته سفارة النبي في نفس قيصر من بواعث الإنكار والدهشة؛ ولعله لم يكن قد سمع عن محمد ورسالته من قبل قط؛ بيد انه رد السفير النبوي ببعض المجاملات والأقوال الودية. ولما عاد هرقل إلى عاصمته وصلته رسالة أخرى تلقاها عامله على الشام المنذر بن الحارث الغساني من النبي على يد رسوله شجاع بن وهب يدعوه فيها إلى الإسلام، ويحذره عواقب المخالفة فبعث بها المنذر توا إلى هرقل وسأله أن يسير لمحاربة ذلك الذي اجترأ على هذا الوعيد فلم يوافقه هرقل على ذلك، ورد شجاع كما رد دحية ببعض المجاملات والتحيات
ووصلت سفارة النبي إلى مصر في الوقت نفسه يحملها حاطب ابن بلتعة اللخمي. وتجمع الرواية الإسلامية على أن هذه السفارة كانت موجهة إلى (المقوقس عظيم القبط) وتقدم إلينا صورة الكتاب النبوي الذي أرسل إليه مستهلا بهذه العبارة: (بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط)
وهو في نص الكتاب الذي وجه إلى هرقل وفي نفس عباراته مع تغيير يسير في بعض الروايات؛ وفيه يدعى المقوقس كما دعى هرقل إلى اعتناق الإسلام. وهنا يجب أن نقف قليلاً عند شخصية المقوقس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائماً بأنه عظيم القبط. فقد كانت مصر يومئذ ولاية رومانية استردها هرقل من الفرس بعد أن لبثوا فيها عدة أعوام ورد إليها سلطة قسطنطينية، وعاد يحكمها الولاة الرومانيون كما كانت من قبل؛ ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال. والظاهر أن هذه الحقائق لم تكن مجهولة في المدينة حيث تدل رسالات النبي وكتبه على أن الأحداث والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك كانت معروفة من النبي وصحبه. وقد كان حاكم

(42/63)

مصر الروماني في نحو الوقت الذي نتحدث عنه هو الجبر (كيروس) وهو في نفس الوقت حاكم مصر وبطريقها الأكبر. وقد استطاع البحث الحديث أن يلقي كثيراً من الضياء على شخصية (المقوقس) وأن يتعرف فيه شخصية (كيروس) نفسه؛ وإذا فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية اسمه إنما هو (كيروس) حاكم مصر الروماني بيد أن هناك نقطة ما تزال غامضة هي أن (كيروس) لم يعين حاكماً لمصر إلا في سنة 631م، أعني بعد إرسال السفارات النبوية بأكثر من عامين؛ ولا يمكن أن تفسر هذه الثغرة في التواريخ إلا بأن السفير النبوي قد انفق الوقت في قطع الطريق ثم في الانتظار أو أن (كيروس) كان معينا قبل ذلك لحكم مصر بصفة غير رسمية ثم عين بصفة رسمية، بيد أن الواقدي يقدم إلينا حلا لهذا المشكل، فيقول أن سفارة النبي إلى (المقوقس) كانت في السنة الثامنة من الهجرة لا في أواخر السنة السادسة، وأواخر السنة الثامنة من الهجرة توافق أواسط سنة 630م، فإذا أضفنا إلى ذلك موعد المسافة من المدينة إلى مصر استطعنا أن نضع مقدم السفير النبوي في أوائل سنة 631م. وعلى أي حال فالمرجح والمعقول هو أن السفارة النبوية لم توجه في مصر لأحد غير الحاكم العام، وقد كان هذا الحاكم العام هو (كيروس). ومما يؤيد هذا الحقيقة هو أن السفير النبوي قصد إلى الإسكندرية ليؤدي مهمته وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم العام الروماني
اخترق حاطب بن بلتعة اللخمي مصر في شرقها إلى غربها وقصد إلى الإسكندرية ليؤدي سفارة النبي ورسالته، واخذ إلى (كيروس) في مجلسه المشرف على البحر؛ فاستقبله بترحاب وحفاوة، وتلقى منه الكتاب النبوي وناقشه في مضمونه، وسأله عن النبي ودعوته. وهنا تقول الرواية الإسلامية أيضاً كما قالت في شأن هرقل، أن المقوقس (كيروس) أفضى إلى حاطب بأنه مؤمن بصدق رسالة النبي، وانه يود لو تبعه لولا خشيته من القبط؛ ثم صرف حاطباً بكتاب منه إلى النبي وهدية يذكرها في الكتاب. واليك نصه كما يورده ابن عبد الحكم اقدم مؤرخ لمصر الإسلامية: (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبياً قد بقى وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة؛ وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام). وفي بعض الروايات أن الهدية

(42/64)

تضمنت فوق ذلك حماراً وشيئاً من العسل والمال. والجاريتان هما مارية القبطية وأختها شيرين. وقد أسلمتا على يد النبي؛ وتزوج النبي بمارية ورزق منها بولده إبراهيم الذي توفى طفلا؛ ووهب أختها شيرين لأحد أصحابه المقربين إليه. وفي زواج النبي بمارية، وفي مولد ولده إبراهيم، دليل مادي قاطع على انه كانت ثمة مخاطبات وعلائق حقيقية بين النبي وعظيم مصر يومئذ، أعني (كيروس) الحاكم الروماني
هكذا كانت النتائج التي انتهت إليها الكتب والسفارات النبوية إلى قيصر وعامليه على مصر والشام، وقد كانت نتائج سلبية، ولم تكن حاسمة في شيء. بيد أنها كانت بلا ريب ذات أثر معنوي عميق في البلاط الروماني وفي الكنيسة
وأما الكتب والسفارات النبوية إلى الناحية الشرقية من الجزيرة فقد لقيت مصاير أخرى. وكانت ثلاثا أهمها سفارة فارس، وكان سفير النبي إلى ملك فارس عبد الله بن حذافة السهمي، فقصد إلى المدائن ومعه الكتاب النبوي. وتقدم الرواية الإسلامية أيضاً نص هذا الكتاب فيما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس - سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله، ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأدعو بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين؛ فاسلم تسلم، فان أبيت فان إثم المجوس عليك). وكان ملك الفرس يومئذ كسرى الثاني (أو كسرى ابرويز)؛ فلما قرئ عليه كتاب النبي مزقه، وأهان السفير وطرده؛ وبعث إلى عامله على اليمن باذان الفارسي أن يبعث إلى محمد من يتحقق خبره أو يأتيه به؛ فصد بالأمر. بيد أنه حدثت في تلك الأثناء بالمدائن حوادث خطيرة، فان شيرويه (سيروس) ولد كسرى ثار عليه وقتله وانتزع الملك لنفسه. ويضع الواقدي تاريخ هذا الانقلاب في العاشر من جمادى الأولى سنة سبع (سبتمبر سنة 628م). فإذا صح هذا التعيين فان الرواية الإسلامية تكون معقولة متناسقة فيما تقوله من أن الذي استقبل سفير النبي وتلقى كتابه هو كسرى ابرويز، ولكن أغلب الروايات على أن مقتل كسرى كان في فبراير سنة 628 (ذي القعدة سنة ست) أعني قبل قيام البعوث النبوية بنحو شهر؛ وإذاً فالمرجح أن الذي استقبل السفير النبوي هو شيرويه ولد كسرى. أما حادث إرسال كسرى لعامله على اليمن أن يتحقق خبر محمد أو يأتيه به فالمرجح أنه وقع قبل

(42/65)

البعوث النبوية وقبل مصرع كسرى ببضعة أشهر لما نمى إلى كسرى من ظهور الدعوة الإسلامية وتقدمها
وفي السنة الثامنة من الهجرة (630م) قصد إلى البحرين سفير آخر هو العلاء الحضرمي، ومعه كتاب نبوي إلى أميرها المنذر ابن ساوى؛ وقصد إلى عمان، عمرو بن العاص الذي أسلم قبل ذلك بأشهر قلائل، ومعه أيضاً كتاب نبوي إلى أميريها جيفر وعباد ابني الجلندي زعيمي بني الأزد. وفي الكتابين يطلب النبي إلى هؤلاء الأمراء اعتناق الإسلام أو أداء الجزية. بيد أنهما حسبما تنقل الرواية الإسلامية قد صيغا في أسلوب يخالف أسلوب الكتب السابقة. فمثلا تنقل إلينا كتاب النبي إلى أمير البحرين فيما يأتي: (من محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى - سلام عليك - فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو - أما بعد فإن كتابك جاءني به رسلك، وأن من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فانه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين؛ ومن أبى فعليه أداء الجزية). ففي الكتاب خيار بين الإسلام ودفع الجزية لم يرد في الكتب السابقة، وهو بهذه الصفة ذو صبغة عملية؛ ثم هو يدل على أمر آخر هو أنه رد على استفهام وجهه أمير البحرين إلى النبي عن أحكام الإسلام. وقد تضمن الكتاب الذي أرسل إلى أميري عمان شرح بعض أحكام الإسلام أيضاً. وكان لهاتين السفارتين نتيجة عملية، فان أمير البحرين، وأميري عمان آمنوا برسالة النبي واعتنقوا الإسلام، وأدوا الجزية عن رعاياهم غير المسلمين. وأرسلت سفارة ودعوة أخريان على يد سلبط بن عمرو إلى أمير آخر من أمراء هذه الأنحاء هو هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة؛ وكان نصرانياً، فرد على النبي بكتاب خشن يطلب فيه مشاركة النبي في أمره وسلطانه شرطا لدخوله في دعوته.
بقى أن نتحدث عن سفارة النبي إلى الحبشة، وهي السفارة الوحيدة التي أرسلت إلى ما وراء البحر. وقد كان إرسالها في ختام السنة السادسة أو فاتحة السنة السابعة في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارتا قيصر وكسرى. وكان بين الحبشة والنبي وأنصاره قبل ذلك علائق ودية منتظمة. والى الحبشة لجأ كثير من أنصار النبي أيام الهجرة فراراً من اضطهاد قريش، وأقاموا بها تحت حماية النجاشي ورعايته، ومنهم جعفر بن أبي طالب عم النبي، فلما نظمت السفارات النبوية إلى (ملوك العرب والعجم)، أرسلت سفارة إلى ملك

(42/66)

الحبشة (النجاشي) على يد عمرو بن أمية الضمري في ذي الحجة سنة ست أعني في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارة قيصر؛ ووجه النبي إلى النجاشي كتابين، يدعوه في أولهما إلى الإسلام؛ ويطلب إليه في ثانيهما أن يرسل إلى المدينة من عنده من المسلمين اللاجئين. وقد صيغت دعوة النبي إلى النجاشي في أسلوب خاص يخالف في روحه وألفاظه ما تقدم من الدعوات. واليك نص هذه الدعوة حسبما يقدمها إلينا ابن إسحاق في السيرة: (بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلم أنت؛ فإني أحمد الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، واشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله؛ وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءوك فاحترمهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى). وقد كان النجاشي نصرانياً، وكانت النصرانية تسود الحبشة منذ القرن الرابع. وفي الكتاب النبوي شرح لموقف الإسلام نحو النصرانية ونظريته في خلق المسيح؛ وهو موقف ليس فيه إنكار ولا خصومة جوهرية إلا من حيث الوحدة والتوحيد؛ والكتاب النبوي ينوه بهذه الوحدة. وبعث النبي إلى النجاشي أيضاً يكلفه بأن يعقد زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت من المسلمين اللاجئين، وكانت زوجة لصحابي يدعى عبيد الله هاجر بها إلى الحبشة ثم ارتد هنالك عن الإسلام وتنصر، وتوفي مرتداً. وتقول الرواية الإسلامية أن النجاشي لبى دعوة النبي وأسلم، وبعث إليه بكتاب يؤكد فيه إسلامه، وانه حقق رغبته في تزويجه من أم حبيبة نيابة عنه، وبعثها إليه مع من كان عنده من المسلمين في سفينتين كبيرتين. بيد أنه يلوح لنا أن القول بإسلام النجاشي مبالغة يمكن أن تحمل على ما أبداه النجاشي من أدب ومجاملة في استقبال السفارة النبوية؛ والمرجح أن النجاشي لم يسلم؛ ولو أسلم النجاشي يومئذ لكان الإسلام قد غمر الحبشة كلها ولكانت النصرانية قد غاضت منها. بيد أن الإسلام لم ينتشر في الحبشة إلا بعد ذلك بعصر، وكان انتشاره في الجهات الشرقية والجنوبية فقط.
ونلاحظ أخير أن البعوث والسفارات النبوية لم تقتصر على من تقدم من الملوك والأمراء.

(42/67)

فقد أوفد النبي بعوثاً وكتباً أخرى إلى عدة من زعماء الجزيرة المحليين، لتحقيق نفس الغاية في ظروف وتواريخ مختلفة، أسفر بعضها عن نتائج عملية مرضية، ودخل بعض هؤلاء الزعماء في الإسلام
كانت هذه السفارات والكتب النبوية عملا بديعاً من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان. وليس أسطع من هذه السفارات دليلاً على ما كانت تجيش به نفس النبي العربي من فيض في الإيمان والشجاعة؛ ذلك النبي الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد قومه، ولم يكن له سلطان يعتد به أو قوى يخشى بأسها، يقدم في ثقة وشجاعة على دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية، وباقي الملوك والأمراء المعاصرين على اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها، على أن هذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثاً كما رأينا. ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته، وهو ما يزال يكافح في بثها بين عشيرته وقومه. بيد أن إيفاد هذه البعوث كان عملا متمما للرسالة النبوية. وكان العالم القديم الذي يتوجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر؛ وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن وفسدت مثلها العليا؛ فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس. ولم يكن عسيراً أن يستشف أولو النظر البعيد، ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى معنوية تنذر بالانفجار في كل وقت. وقد كان الانفجار في الواقع سريعاً جدا، فلم تمض أعوام قلائل على إيفاد هذه البعوث حتى كان الإسلام قد غمر قلب الجزيرة العربية، وانساب تيار الفتح الإسلامي إلى قلب الدولتين الرومانية والفارسية، واخذ العرب أبناء الدين الجديد وحملة الرسالة المحمدية يعملون بسرعة خارقة على إنشاء الدولة الإسلامية الكبرى
وقد تناول البحث الغربي حوادث السفارات النبوية فيما تناول من حياة النبي العربي، وكان جل اعتماده في شأنها على الرواية الإسلامية؛ وهنالك من كتاب السيرة الغربيين من يبدي ريباً في أمر هذه السفارات، أو يبدي بالأخص ريباً في صحة الكتب والرسائل النبوية.
ومن هؤلاء الكتابالمستشرقان الألمانيان فايل وميلر؛ فإن فايل يلاحظ مثلا أن في بعض الكتب النبوية (كتاب النبي إلى كيروس) آيات قرآنية لم تكن قد نزلت وقت إرسالها مما

(42/68)

يدل على أنها قد وضعت فيما بعد، ويرتاب ميلر في أن رسالة قد وجهت من النبي إلى هرقل، ولكنه مع ذلك يقدم ملخصاً لحوادث السفارات النبوية كما وردت في السيرة
أما نحن فلسنا نرى من الوجهة التاريخية ما يبعث على الشك في صحة هذه السفارات النبوية، بل نلمس بالعكس كثيراً من الأدلة والقرائن على صحة معظم الوقائع التي اقترنت بها. وقد تبالغ الرواية الإسلامية في بعض الوقائع حسبما أشرنا إليه فيا تقدم ولكن في تعيين الرواية الإسلامية للتواريخ والأشخاص والأمكنة، وفي اتفاقها على كثير من الوقائع، وفي موافقة الرواية الكنسية والبيزنطية لكثير منها خصوصاً فيما يتعلق برسالة النبي إلى قيصر وكيروس - في ذلك كله ما يؤيد صحة كثير من هذه الأحداث الدبلوماسية الإسلامية الأولى. وإنما يتطرق الشك في نظرنا إلى النصوص والصيغ التي تقدمها الرواية الإسلامية للكتب النبوية. ذلك أنها لم ترد جميعا في رواية ابن إسحاق اقدم مؤرخي السيرة؛ وقد ورد بعضها بعد ذلك في كتاب الواقدي الذي لم يصلنا منه سوى شذور قليلة، وفي كتاب ابن عبد الحكم المصري، ثم في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) وفي الطبري وغيره من الروايات المتقدمة ولكنها ترد بصيغ وألفاظ مختلفة مما يحمل الشك في صحة هذه النصوص. وأكبر الظن أن هذه النصوص قد وضعت، ورويت فيما بعد باعتبار أنها تمثل أقرب الصور التي صيغت فيها الكتب النبوية، وقدمها كتاب السيرة على أنها أرجح النصوص المحتملة. بيد أن هذا الشك في صيغ الكتب النبوية لا يتعدى الحقائق التاريخية التي تنهض الأدلة والقرائن على صحة الكثير منها
لقد كانت السفارات النبوية حادثاً سياسياً عظيماً في حياة النبي العربي.
محمد عبد الله عنان المحامي
مملكة في الصخر أو بلاجيوس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ ثلاثة أعوام، في منتصف أبريل سنة 1931، انهار صرح الملوكية الأسبانية، واختتم أقدم العروش الأوربية حياته الطويلة الحافلة، وطويت من التاريخ صفحة يشغل تاريخ العرب والإسلام منها حيزاً كبيرا. ذلك أن الملوكية الأسبانية التي شهدنا سقوطها بالأمس، هي نفس تلك الملوكية التي سحقها العرب يوم فتحوا الأندلس (92هـ - 711م)، والتي استأنفت بعد ذلك حياتها ضئيلة متواضعة في قاصية أسبانيا الشمالية وفيما وراء الصخر، ثم لبثت تنمو بطيئة ولكن ثابتة حتى رسخت دعائمها في هاتيك الهضاب؛ وبدأت بعد ذلك معركة الحياة والموت مع تلك المملكة الإسلامية التي قامت في أسبانيا على أنقاض مملكة القوط النصرانية، ولبثت مدى قرون طويلة تطاولها وتجاهدها، حتى آذنت دولة الإسلام في الأندلس بالاضمحلال؛ وما زالت المملكة النصرانية في نمو مستمر، والمملكة الإسلامية في ضعف مستمر، حتى غدا الإسلام محصوراً في مملكة غرناطة الصغيرة، ثم حلت المعركة النهائية؛ وظفرت الملوكية الأسبانية بتحقيق برنامجها القديم وغايتها الخالدة، فانتزعت غرناطة معقل الإسلام الأخير، وقضت على دولة الإسلام بالأندلس (897هـ - 1492م).
وقد نشأت الملوكية الأسبانية الذاهبة في ظروف كالأساطير، ونشأت في نفس الوقت الذي افتتح فيه العرب أسبانيا، وسحقوا دولة القوط القديمة. ففي موقعة شريش التي مزق فيها جيش القوط، وقتل آخر ملوكهم رودريك (لذريق) (92هـ)، فرت شراذم قليلة من الجيش المنهزم إلى الشمال، واختفت فيما وراء تلك الجبال الشمالية التي وقف عندها تيار الفتح الاسلامي، واجتمعت بالأخص في هضاب كانتابريا (نافار وبسكونية) في الشرق، وفي هضاب استوريس في الغرب؛ واجتمع فل النصارى في الهضاب الشرقية تحت لواء زعيم يدعى الدوق بتروس، واجتمع في الهضاب الغربية، في جليقية تحت لواء زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو. وكان بتروس ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد وتيزا ملك القوط، ثم في عهد خلفه ومغتصب ملكه رودريك. أما بلاجيوس أو بلايو فيحيط الغموض بأصله ونشأته، ولكن يبدو مما تنسبه إليه الرواية من ألوان الوطنية والبسالة والبطولة أنه كان رفيع المنبت والنشأة؛ وتقول بعض الروايات أنه ولد الزعيم

(47/14)

فافيلا الذي قتل الملك وتيزا في هضاب جليقية، وأنه كان لذلك من خاصة الملك رودريك وقادته. وتعرف الرواية الإسلامية بلاجيوس وتحدثنا عنه وتسمية (بلاي)، وتصفه أحياناً بأنه أمير أو ملك، وتنعته غالباً بأنه (علج من علوج النصارى)، وتتبع أخباره مع المسلمين ولكنها لا تلقي ضياء كثيراً على أصله، أو أحوال مملكته الصغيرة. ذلك لأن المسلمين لم ينفذوا قط إلى ما وراء الهضاب الوعرة التي امتنع بها هذا الزعيم وفله، والتي نشأت فيها جذور المملكة النصرانية الشمالية التي غدت غير بعيد خطراً على دولة الإسلام في أسبانيا. ومن الغريب أن راوية نصرانيا كبيراً معاصراً هو (ايزيدور الباجي) وهو حبر عاصر الفتح الإسلامي وكتب روايته في منتصف القرن السابع ووصل في كتابتها حتى سنة 754م، لم يذكر لنا في روايته شيئاً عن قيام تلك المملكة النصرانية الصغيرة في الشمال، ولا عن زعيمها أو ملكها بلاجيوس، ولا عن غزوات المسلمين لها، مع أن ايزيدور يتتبع أخبار الغزوات الإسلامية كلها منذ الفتح حتى منتصف القرن الثامن، سواء في أسبانيا أو في مملكة الفرنج، ويقدم إلينا عنها كثيراً من التفاصيل والملاحظات الهامة. وقد يرجع ذلك إلى أن ايزيدور، وهو يقيم في الجنوب في مدينة باجة، كان يجهل قصة هذه المملكة النصرانية الشمالية الناشئة، ولكن ما نراه من عنايته بتدوين أخبار الغزوات الإسلامية في فرنسا، وأخبار مملكة أكوتين، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن يجهل أخبار مملكة جليقية النصرانية، وهي أقرب إليه من فرنسا، وأن أسباباً أخرى لعلها ترجع إلى انتماء أميرها بلاجيوس إلى حزب رودريك الذي كان يبغضه المؤرخ هي التي حملته على إغفال أخبارها.
وعلى أية حال فان الرواية الإسلامية تذكر لنا كيف نشأت المملكة النصرانية الأسبانية في الهضاب الشمالية بعد أن سحقت في موقعة شريش، فقد لجأت شراذم قليلة من القوط عقب الفتح إلى الجبال الشمالية، وامتنعت في مفاوز جبال استوريس كما قدمنا؛ وقامت إمارتان نصرانيتان صغيرتان في كانتابريا وجليقية. وكانت إمارة كانتابريا التي أسسها الدوق بتروس، لوقوعها في الطرف الغربي من جبال البرنيه (البرت) في سهول نافار وبسكونية عرضة لاقتحام الفاتحين حين سيرهم إلى فرنسا وحين عودهم منها. ولكن إمارة جليقية كانت تقع في أعماق جبال استوريس الوعرة، بعيداً عن غزوات الفاتحين، وسميت جليقية

(47/15)

لأنها قامت على حدود الولاية الرومانية القديمة التي كانت تسمى بهذا الاسم. ففي هذه الهضاب النائية المنيعة اجتمع بلاجيوس وصحبه، وعددهم لا يتجاوز بضع مئات حسبما تقول الرواية، ولجئوا إلى مغار عظيم يقع في آكام كافادونيا، وتحيط به وديان سحيقة خطرة، ويعرف في الرواية الإسلامية باسم (الصخرة). ويقول لنا ابن خلدون في الفصل الذي يخصصه (لملوك الجلالقة) إن هذه الإمارة الصغيرة التي كانت مهد المملكة النصرانية لا تمت بصلة إلى القوط، وأن ملوك الجلالقة ليسوا من القوط، لأن أمة القوط كانت قد بادت ودثرت لعهد الفتح الإسلامي، بيد انه يصعب علينا أن نقبل هذا الرأي على إطلاقه، فمن المحقق أن فلول النصارى التي لجأت إلى الشمال كانت مزيجاً من القوط والأسبان المحليين، ولكن الظاهر مما انتهى إلينا من أقوال الروايتين المسلمة والنصرانية أن الزعماء، ولا سيما بلاجيوس كانوا من القوط، وأن ملوك الجلالقة يمتون إلى القوط بأكبر الصلات.
ولم يعن المسلمون بادئ بدء بهذه الشراذم الممزقة، وكان إغفال أمرها من أعظم أخطاء الفاتحين، بيد أنه لما كثرت ثورات النصارى في الشمال، وبالأخص في بسكونية، (أو بلاد البشكنس) اهتم ولاة الأندلس بقمعها وتأمين الولايات الشمالية؛ وسير الحر ابن عبد الرحمن الثقفي وآلي الأندلس سنة 718م (98هـ) جيشاً إلى الشمال لإخضاع النصارى. فاجتاح المسلمون بلاد البشكنس وهضاب استوريس، وأوفدوا حليفهم الأسقف اوباس، وهو أخو الملك وتيزا، إلى بلاجيوس ليقنعه بالتسليم وعبث المقاومة، فأبى بلاجيوس، ونفذ المسلمون إلى أعماق الجبال، وحاولوا عبثاً أن يستولوا على مراكز العدو، وحالت بينهم وبينه الوديان السحيقة والآكام الرفيعة؛ وحصر بلاجيوس وأصحابه مدى حين، وقطعت عنهم المؤن، وتساقطوا تباعاً من الجوع حتى لم يبق منهم على قول الرواية سوى ثلاثين رجلاً وعشر نساء. وتزعم بعض الروايات النصرانية أن بلاجيوس كر على المسلمين، وأنهم هزموا هزيمة شنيعة وفقدوا ألوفاً كثيرة، ووقع أوباس أسيراً في أيدي مواطنيه فعاقبوه على خيانته بالموت.
ولما رأى المسلمون وعورة الهضاب وقسوة الطبيعة ارتدوا عن جليقية محتقرين شأن هذه الشرذمة الممزقة الجائعة؛ فقويت لذلك نفس بلاجيوس وأصحابه، وانضم إليه كثير من

(47/16)

النصارى في كانتابريا وسهول جليقية، واختاروه ملكاً عليهم لما رأوا من بسالته وبراعته وقوة عزمه؛ وألفى بلاجيوس الفرصة سانحة لتوطيد سلطانه وتوسيع أملاكه، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية الشمالية، وبدا لحكومة الأندلس خطر هذه العصابات الجبلية التي أخذت تنظم إلى قوة يخشى بأسها؛ ولكن اضطراب الشئون الداخلية حال مدى حين دون مطاردتها وغزوها.
وفي سنة 112هـ (730م)، في عهد أمير الأندلس الهيثم ابن عبيد، بعث حاكم ولاية البرنيه، عثمان بن أبي نسعة الذي تعرفه الرواية النصرانية باسم منوزا أو منوز، جيشاً إلى جبال استوريس لغزو جليقية وسحق أميرها بلاجيوس؛ ولكن بلاجيوس استطاع أن يصمد للمسلمين كرة أخرى وأن يهزمهم هزيمة شنيعة. ولما رأى بلاجيوس منعة معقله وقوة عصبته، اخترق بسكونية، وهاجم قوات ابن أبي نسعة في الوقت الذي كان يتأهب فيه للسيراليه، ومزق بعض وحداتها، ثم ارتد إلى هضابه فاستعصم بها. ولما اضطربت شئون الأندلس بعد مقتل أميرها عبد الرحمن الغافقي وارتداد جيشه في بلاط الشهداء (114هـ - 732م)، وشغل الولاة برد جيوش الفرنج عن الأراضي الإسلامية في سبتمانيا، كثرت غارات العصابات الجليقية على الأراضي الإسلامية في شمال نهر دورو (دويره) وفي منطقة استرقة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من عيث النصارى؛ ولم تسعفهم حكومة قرطبة بالمدد والعون، لاضطرام الأندلس بالفتن ونشوب الحرب الأهلية بين مختلف الزعماء والقبائل. وكانت سلطة الحكومة المركزية ضعيفة في تلك الأنحاء النائية، وكان سكانها ومعظمهم من البربر يكثرون من الخروج والثورة سخطاً على العرب واستئثارهم بالحكم والسيادة. وكان النصارى من رعايا حكومة قرطبة يدسون الدسائس ويرتكبون شتى الخيانات، ويشجعون بذلك بلاجيوس وعصاباته على الإغارة والعيث في أراضي المسلمين؛ وكانت الإمارة النصرانية الناشئة تنمو خلال ذلك ويشتد ساعدها، ويهرع النصارى إلى لواء بلاجيوس من مختلف الأنحاء.
واستمر بلاجيوس في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفى سنة 737م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (127 - 138هـ) (745 - 755م)، وإن الموقعة

(47/17)

التي نشبت بين عثمان بن أبي نسعة وبلاجيوس كانت بين سنتي 746 و751، وهي رواية ظاهرة الضعف. لأن عثمان ابن أبي نسعة قتل سنة 114هـ (732م)، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلاجيوس ولده فافيلا، ولكنه توفى بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة 739م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفى في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده الفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضاً واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جليقية بتزوج أميرها الفونسو من ابنة بلاجيوس واسمها اورموزنده أو هرمزنده؛ فلما توفى فافيلا ولد بلاجيوس، اختار الجلالقة الفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الأمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أو مملكة جليقية في الرواية الإسلامية، تمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطئ المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوبا، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم.
ويعتبر الفونسو دوق كانتابريا، أو الفونسو الأول (الكاثوليكي) مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، واصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة الذين لبثوا قروناً يدفعون حدودهم إلى الجنوب في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بافتتاحها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (1492م)؛ وحكم الفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء. وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الاسلامية، فاجتاحها الفونسو بجموعه وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى إلى الشمال. ولما حصل القحط بالأندلس (سنة 133هـ - 750م)، واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بالفونسو ملكاً عليهم؛ وانتهز الفونسو هذه الفرصة فغزا استرقة واستولى عليها من يد المسلمين واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة وضمها لأملاكه (136هـ - 753م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير، واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف

(47/18)

القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه؛ ولم يأت عهد الناصر لدين الله حتى كان وجودها خطراً على الدولة الإسلامية ذاتها؛ وحتى بدأت بين الإسلام والنصرانية في الأندلس معركة الحياة والموت. وسطع الإسلام في الأندلس واستعاد منعته وبهاءه مدى حين، أيام الناصر لدين الله، ثم في أيام الحاجب المنصور؛ واضطرمت فورة الإسلام أيام المرابطين، ثم الموحدين؛ ولكنها كانت جميعاً فورات مؤقتة، وكانت أسباب الانحلال التي سرت إلى الدولة الإسلامية تعمل عملها ببطء؛ ثم سطعت دولة الإسلام في مملكة غرناطة الصغيرة مدى حين، ولكن المعركة لم تكن متكافئة بعد، وكانت مملكة قشتالة النصرانية تسير ثابتة مطمئنة إلى تحقيق بغيتها الخالدة: استعادة الوطن القديم كله من يد الفاتحين.
محمد عبد الله عنان المحامي
الفاشستية ومبادئها القومية والاقتصادية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت مبادئ الثورة الفرنسية روح الحركات الدستورية والديمقراطية التي جاشت بها معظم الأمم الأوربية خلال القرن التاسع عشر، وكانت الحريات الدستورية والديمقراطية إلى ما قبل الحرب هي المثل القومية والشعبية العليا. ولكن الحرب صدعت من صرح المبادئ الحرة والإنسانية، ويثبت إلى الأمم والجماعات الأوربية كثيرا من النزعات الرجعية، فاستردت القومية المتعصبة سابق قوتها وعادت الأحقاد القومية إلى سابق اضطرامها، وشغلت الديمقراطية بخلافاتها ومعاركها الداخلية عن مواجهة الخطر الذي يهددها ولم تلبث الحركة الرجعية حتى أحرزت فوزها الأول بقيام الفاشستية الإيطالية، ثم بقيام حكومات طغيان أخرى في أسبانيا وبولونيا ويوجوسلافيا تحتقر الحقوق والحريات الدستورية وتعمل لسحقها، وان كانت مع ذلك لا ترى بأسا من أن تستتر وراءها وتعمل باسمها في أحيان كثيرة. ولم تكن الفاشستية الإيطالية حين قيامها واستئثارها بمقاليد الحكم والسلطان في إيطاليا، سوى حركة محلية قامت في ظروف خاصة، ولم يكن يقدر لها يومئذ إنها ستغدو ذات يوم فكرة قومية تهب ريحها على كثيرا من الأمم الأوربية الأخرى، وإنها ستغدو نظاما عاما للدولة يطبق اليوم في دولة عظيمة أخرى هي ألمانيا مع خلاف يسير في الوسائل والغايات، وتقتبس منه اليوم دول أوربية أخرى كالنمسا التي أصدرت دستورها الجديد على أساس المبادئ الفاشستية، بل تذاع اليوم دعوته في بلاد ديمقراطية عريقة كإنكلترا يقوم بها حزب يدعوا إلى النظام الفاشستي.
وظفر الفاشستية على هذا النحو يدعوا إلى استعراض المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها، والظواهر الخاصة التي تتميز بها. ويجب أولا ألا ننسى إن الفاشستية تشترك مع البلشسفية في الاستئثار بجميع السلطات والسيطرة على جميع موارد الدولة، وان الفاشستية من حيث هي نظام طغيان مطلق تشبه البلشفية كل الشبه. بيد إن هنالك فروقا جوهرية بينهما في الوسائل والغايات سنأتي عليها فيما بعد. ودعامة الفاشستية الأولى هي الفكرة القومية، وعليها تقوم جميع مبادئ هذا النظام، واليها ترجع غاياته؛ فالفاشستية ترى أن (الأمة) هي حقيقة طبيعية تاريخية، مثلها الأعلى هو إن أبناء البلد الواحد اخوة تجمعهم رابطة القومية

(46/17)

العامة، ولا تحقق سعادة الأمة بقيام فريق منها ضد فريق آخر ولا طبقة منها ضد طبقة أخرى، بل يجب أن تنظم جميع الطوائف والطبقات والقوى لصالح الأمة المشترك، وباسم الوطن الواحد. وترى الفاشستية إنها جديدة طريفة في جوهرها فهي لا تريد أن تصلح أو تحي نظما قائمة، ولكنها تدعي إنها تقيم حضارة مكان حضارة وتنشيء نظما جديدة لبناء الدولة والمجتمع مكان نظم ذاهبة؛ وعندها إن جميع المبادئ والنظم القديمة قد عفت ولا تصلح بعد للعمل على إحياء الحضارة أو المجتمع، ولا بد أن تقلب من أساسها، وان تبدأ الحضارة والمجتمع حياة فتية جديدة على ضوء المبادئ والنظم الجديدة. والدولة الفاشستية لا تقوم على النظام الرأسمالي، ثم هي لا تقوم أيضا على النظام الاشتراكي؛ فالإنسان لم يخلق في نظرها لكسب المال فقط، ولم يخلق أيضا ليقاتل المحظوظين والمنعمين من بني وطنه، ولكنه خلق ليؤدي واجبا اعظم من ذلك وأسمى هو الواجب القومي.
وإذا كانت الجامعة القومية هي دعامة النظام الفاشستي، فان الفكرة التعاونية هي روح هذا الاتجاه القومي؛ وهي أهم ظاهرة في تكوين الدولة الفاشستية: فالدولة الفاشستية لا تقوم كما تقوم الدولة الديمقراطية على فكرة التنافس الحزبي والطائفي في سبيل السلطة، ولكنها تقوم على تعاون جميع الطبقات والقوى القومية. وقد عرف السنيور موسوليني في إحدى خطبه الأخيرة هذه الفكرة التعاونية في ما يأتي: (إنها هي الأداة التي تسترشد بها الدولة في وضع النظام الأساسي الشامل الموحد لجميع القوى المنتجة بالأمة للعمل على تنمية موارد الشعب الإيطالي وقوته السياسية ورفاهه) وفي قوله (قد أعطى النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي كل ما يمكن أن يعطياه، ونحن نرث من كل منهما كل ما فيه من العناصر الحيوية). ويلاحظ إن الفاشستية لبثت بعد قيامها مدى أعوام قبل أن تضع الفكرة التعاونية موضع التطبيق وتتخذها أساسا لتنظيم الدولة الاجتماعي والسياسي، ففي أبريل سنة 1927 أصدرت حكومة رومة (لائحة العمل) وهي القانون الاجتماعي الأساسي للدولة الفاشستية؛ وفيه تعرف الدولة التعاونية وتشرح نظمها ويشرح قانون العمل المشترك وضماناته والأعمال التعاونية وتربية العمال. وترى الدولة الفاشستية إن العمل ليس مجهود يبذله العامل لكسب قوته، وينتفع به صاحب المال، وليس هو الذكاء أو الجرأة أو الأثرة التي تحرك النظام الرأسمالي، ولكن العمل طبق النظرية الجديدة هو مجموعة صنوف النشاط

(46/18)

التي ترمي إلى تنمية موارد الأمة المعنوية والمادية؛ والنظرية الفاشستية تبعد هنا كل البعد عند مبدأ الحرية الاقتصادية وقانون العرض والطلب؛ وتقدم الفكرة المعنوية على كل هذه الاعتبارات، فكل عضو في جماعة عاملة عقلية أو فنية أو مادية إنما هو قبل كل شيء من أبناء الدولة، وهو يدخل بذلك الاعتبار في دائرة القانون الخاص، والقانون العام، بل يدخل في دائرة القانون الدستوري. ولم تقف الفاشستية في تطبيق الفكرة التعاونية عند الناحية الاجتماعية ولكنها خطت في سنة 1929 خطوة أساسية أخرى، فطبقتها من الوجهة الدستورية، وقررت تحويل التمثيل السياسي إلى تمثيل تعاوني؛ وأجريت الانتخابات البرلمانية لمجلس يتألف أعضاؤه من ممثلي النقابات والجماعات التعاونية. وأخيرا منذ أيام قلائل فقط أصدرت الفاشستية كلمتها الفاصلة في النظام البرلماني فقررت إلغاءه وبذلك قضت الدولة الفاشستية على آخر المبادئ والآثار الراسخة التي تقوم عليها الديمقراطية، وأضحت تقوم على مبادئها الخالصة الاجتماعية والسياسية.
وتشترك البلشفية مع الفاشستية كما قدمنا من حيث هي نظام طغيان مطلق، ولكن البلشفية تقف في الطرف الآخر معارضة للفاشستية كل المعارضة في الفكرة القومية. فالبلشفية قبل كل شيء على مبدأ نضال الطوائف والطبقات الاجتماعية، وعلى مبدأ سيادة الكتلة العاملة؛ وترى البلشفية إن التاريخ لم يكن في جميع عصوره سوى نضال بين الطوائف، وإن قوى الأمة الحقيقة ومواردها تتكون قبل كل شيء من العمل أو جهود الكتلة العاملة؛ وشعارها هو سيادة الكتلة العاملة، ولا تتحقق هذه السيادة إلا بسحق الطبقة الرأسمالية؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين البلشفية والفاشستية. فالأولى تقوم مهمتها الاجتماعية والاقتصادية على نضال الطوائف، وتقوم مهمة الثانية على الفكرة التعاونية، ولكن البلاشفة يسخرون من هذه الفكرة ويقولون إن تعاون الطبقات ذات المصالح المختلفة مستحيل بطبيعته، وان الطغيان الفاشستي يتخذ من التعاون حيلة لإخضاع الطبقات العاملة، وان هذا التعاون إنما هو تعاون الذئاب مع الأغنام. هذا وثمة فارق جوهري آخر بين النظامين هو أن البلشفية تذهب في برنامجها الهدام إلى حدود بعيدة، فترى إن تحقيق مثلها لا يكون إلا بهدم كل المبادئ والنظم القائمة، واستبدالها بمبادئ ونظم أخرى من تفكيرها وصنعها. ولكن الفاشستية لا تذهب في قصد الهدم إلى هذا الحد، فهي ترى أن تأخذ من النظم القائمة ما

(46/19)

يلائم غاياتها، ولا ترى باسا من أن تقتبس من الاشتراكية كما تقتبس من الرأسمالية.
وتستطيع الفاشستية أن تدعي اليوم إنها قد أصبحت حركة عالمية بعد أن لبثت إلى ما قبل عامين حركة إيطالية محلية، فمبادؤها ومثلها السياسية والاجتماعية تسيطر اليوم على أمة عظيمة أخرى هي ألمانيا. وطغيان (الوطنية الاشتراكية) الذي يفرضه الهتلريون اليوم على الشعب الألماني يقوم على نفس الوسائل التي شقت بها الفاشستية طريقها إلى السلطان والحكم منذ اثنتي عشرة عاما. بيد أن الفاشستية الألمانية تنقصها الطرافة، ويغلب فيها التقليد على الابتكار، وتنقصها بالأخص الزعامة الممتازة، وتقدمها بهذه السرعة يرجع إلى وسائل العنف والإرهاب اكثر مما يرجع إلى وسائل الإقناع والتأثير. وهي في جوهرها كالفاشستية الإيطالية تقوم على الفكرة القومية، وحشد أبناء الوطن الواحد تحت لواء واحد؛ ولكنها تذهب في فهم الفكرة القومية إلى حد التعصب الجنسي والديني الواضح، وهو حد لم تبلغه الفاشستية الإيطالية قط، فزعماء الوطنية الاشتراكية الألمانية: اعنيهتلر وزملاءه يمزجون الفكرة القومية بفكرة الجنس والسلالة ويفرقون بين الجنس الآري والأجناس الأخرى، ويقولون إن الشعب الألماني هو شعب آري أشقر يتفوق بالدم والمزايا الجنسية والفكرية على جميع شعوب الأرض، ويشهرون العداء على غير الآريين؛ ومن ثم كانت ثورة الخصومة السامية وطاردة اليهود الألمانيين بحجة أنهم غير آريين وان وجودهم خطر جنسي واجتماعي على الشعب الألماني، وهي حركة تعصب شائن لم تضم الفاشستية الإيطالية في أي طور من أطوارهاوكانت ذريعة سياسية في الواقع رأى الهتلريون في اتخاذها تحقيقا لبعض خططهم السياسية والاقتصادية؛ وتذهب الفاشستية الألمانية إلى ابعد من ذلك فتعتبر جميع الأجناس السامية والشرقية أجناسا منحطة هدامة للحضارة يجب أن يسودها الجنس الآري.
وأما من الوجهة الاقتصادية فأن الفاشستية الألمانية غامضة في وسائلها وغاياتها. فهي تزعم إنها اشتراكية على حين إنها ابعد الأشياء عن الاشتراكية. وهي تعتمد في خططها الاقتصادية على التقليد والاقتباس من الفاشستية الإيطالية؛ فقد أصدرت مثلا قانونا (لتنظيم العمل القومي) على مثل لائحة العمل الإيطالية؛ وجمعت نواحي الإنتاج المادي والفكري في دوائر معينة مقتبسة نظام النقابات الإيطالي. ويعرف الدكتور فدر أحد علماء الوطنية

(46/20)

الاشتراكية الاقتصاديين مهمة الحكومة النازية في الميدان الاقتصادي بما يأتي: (إن الوطنية الاشتراكية تعارض فكرة جعل الاقتصاد القومي قوميا. والواقع انهإذا كان من واجب الدولة أن تدير شؤون البلاد الاقتصادية فيجب أن يكون شعارها عدم التدخل في الإنتاج، ومهمة الحكومة الجوهرية هي (التنظيم) فعلى الدولة أن تدير شؤون البلاد دون أن تشترك فيها. وهذا هو الباعث الذي يوجه الاقتصاد الوطني الاشتراكي).
وقد حققت الفاشستية في إيطاليا دولة قوية ومجتمعا جديدا قويا، وبذلت جهودا خليقة بالإعجاب لتنمية الموارد القومية وتنظيم الإنتاج القومي، وبثت إلى الشعب الإيطالي قوى معنوية جديدة، ورفعت هيبة إيطاليا الخارجية. ولكنا لا نستطيع حتى إزاء هذه النتائج البديعة أن ننسى الوسائل العنيفة التي حققت بها الفاشستية سيادتها وسلطانها، ولا نستطيع أن ننسىأنها مازالت تحقق ظفرها على حساب الحريات الدستورية والشعبية. وإذا كانت الفاشستية قد استطاعت أن تسير حتى اليوم في طريق التقدم والظفر، فلسنا نستطيع مع ذلك أن نؤمن بما يقوله زعماؤها ودعاتها من إنها أصبحت تتبوأ مكانتها المستقرة الراسخة بين الأنظمة السياسية والاجتماعية العريقة، وإنها أصبحت نظام المستقبل، ذلك إنها تقوم على كثير من العنف وتغليب الإرادة الفردية والوسائل المصطنعة، ولا تتفق في كثير من مبادئها وغاياتها مع المبادئ والغايات الإنسانية المثلى، وليست من جهة أخرى تتفق مع النزعات الحرة الراسخة التي يمتاز بها التطور السياسي والاجتماعي في عصرنا؛ ومن المحقق انه يوم تبرأ أوربا القديمة من الجراح التي أصابتها من جراء الحرب الكبرى، ومن الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هزت أسس المجتمع الأوربي القديم، فان صرح الفاشستية سيأخذ عندئذ في الانهيار والتطور، وستعود المثل الحرة والدستورية القديمة إلى تبوئ زعامتها وسيادتها في الدولة والمجتمع.
محمد عبد الله عنان المحامي


الانقلابات السياسية المعاصرة وأثرها في تطور
التفكير والآداب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
من المبادئ الخالدة أن الفكر تراث الإنسانية، وأن ثمار التفكير البشري ملك حق لجميع الأمم والناس. وأن العلوم والآداب والفنون لا وطن لها ولا تعرف فوارق الجنس والقومية. وقد كانت هذه المبادئ وما زالت هي الغالبة في توجيه الفكر الإنساني؛ وإذا كان التفكير يتأثر في أحيان كثيرة بالعوامل والاعتبارات القومية فالمفروض دائماً أن هذه المؤثرات لا تجني على المبادئ والحقائق الخالدة. فقد مجدت الحرية مثلاً في كل العصور، واعتبرت أعز أمنية للشعوب والأفراد وأجدرها بالتضحية، وقدست حرية الفكر واعتبرت دائماً عنوان الكرامة البشرية؛ واعتبر الإخاء والمساواة منذ الثورة الفرنسية من أقدس المثل الإنسانية. ولكنا نرى اليوم هذه الحقائق تهدر في أمم عظيمة، فالحريات بأنواعها تسحق وتذم، وتعتبر العبودية نظاما، والخضوع الأعمى وطنية، والقومية المتعصبة تطغى على كل المبادئ والمثل الإنسانية؛ ونرى التفكير والآداب في هذه الأمم تنزل على وحي السياسة وإرادتها، وتغدو ألسنة مصفدة لتتأيد المبادئ والدعوات الجديدة.
وهذه ظاهرة خطيرة في عصرنا تستحق الدرس العميق. فمنذ الثورة الفرنسية لم يشهد العالم المتمدن انقلاباً في النظم الاجتماعية والفكرية كالذي نشهده اليوم كأثر للانقلابات السياسة التي وقعت منذ نهاية الحرب في كثير من الأمم الأوربية. وقد كانت الحرب الكبرى ذاتها وما ترتب عليها من النتائج السياسية والعسكرية أكبر عامل في التمهيد لهذه الانقلابات، فقد هزت الحرب دعائم المجتمع كله، وقوضت كثيراً من نظمه وآرائه ومعتقداته القديمة، وعصفت ويلاتها وأزماتها المتوالية بالنفوس والعزائم، وبعثت اليأس والاستكانة إلى كثير من المجتمعات، وظهر أثر ذلك كله واضحاً في آداب ما بعد الحرب. ونلاحظ في هذه الفترة أن النزعات الحرة والثورية تغلب على معظم ألوان التفكير والأدب، وأنها تتجه غالباً إلى الثورة على المبادئ والآراء القديمة، سواء في النظم السياسية أو الاجتماعية، أو تقدير الفضائل والأخلاق. على أن هذه الآثار العامة ليست كل شيء في هذا الانقلاب الفكري العميق الذي نريد أن نتحدث عنه. وإنما يمتاز الانقلاب بآثاره المحلية

(48/11)

والخاصة، فهذه الآثار تذهب اليوم في بعض الأمم إلى إنكار الماضي كله والمثل الفكرية والأدبية والإنسانية كلها.
وهذه الثورات الفكرية والاجتماعية العميقة ترجع كما قدمنا إلى الحركات السياسية والقومية العنيفة التي جاش بها كثير من الأمم عقب الحرب، فقد كان لهذه الحركات أكبر أثر في توجيه التفكير والآداب والثقافة. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نلاحظ مثل هذا الانقلاب العميق في مناحي التفكير والآداب إلا حيثما وقع انقلاب سياسي عميق يقوم على إنكار الماضي ومبادئه وآرائه القديمة. ففي روسيا السوفيتية حيث سحقت الثورة دولة القياصرة والمجتمع الروسي القديم بكل ما فيه من نظم ومبادئ وتقاليد، وقامت نظم سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة البلشفية، نرى التفكير الروسي يتميز بلون ثوري عميق، ونرى نظريات الثورة العالمية، وسيادة الطبقات العاملة، والإخاء الدولي، ونضال الطوائف، وسحق الرأسمالية وغيرها تغمر الأدب الروسي المعاصر، ونرى الثقافة الروسية كلها تتجه إلى غرس هذه النظريات واعتبارها قوام الحياة الروسية العامة، وغذاء التفكير والآداب والفنون. ولم يبق من الأدب الروسي القديم ما يستحق التقدير في نظر روسيا البلشفية سوى آثار المفكرين والكتاب الأحرار والثوريين، مثل ترجينيف ودوستويفسكي وتولستوي والبرنس كروباتكن، تلك الآثار التي تصف شقاء المجتمع الروسي في عصر القياصرة، والتي كانت غذاء للحركة الثورية. وفي تركيا الكمالية نرى نواحي التفكير والثقافة تصطبغ بصبغة غربية جديدة هي أثر مباشر لاتجاه ثورة التجديد التركي ودفعها لتركيا نحو الغرب، بعد أن لبثت قرونا شرقية أسيوية، ونرى زعماء تركيا الجديدة يحاولون أن يخلقوا للشعب التركي عقلية جديدة تقوم على نسيان الماضي وبغض دول السلاطين، وتحقير العصبية الشرقية أو الإسلامية، وتمجيد الإصلاحات الجديدة، والاندفاع وراء التيار الغربي. ويذهب زعماء تركيا الجديدة إلي غرس النزعة القومية والتفكير والآداب إلى حدود الإغراق، فنراهم يغيرون قواعد اللغة التركية وألفاظها ويستبعدون منها الألفاظ المشتقة من لغة أخرى، ويضمون لتركيا تاريخاً جديداً تغفل فبه الحقائق العلمية والتاريخية الراسخة، ويقال لنا فيه إن الحضارة التركية هي أساس الحضارة البشرية، وأن اللغة التركية القديمة هي مصدر اللغات البشرية، وغير ذلك من المزاعم المغرقة التي تنقضها أبسط الحقائق

(48/12)

التاريخية؛ وهذه المزاعم والنزعات كلها تمثل اليوم بقوة في الأدب التركي الجديد، ولا يسمح للمفكرين والكتاب الترك أن يعالجوا غيرها أو أن يعالجوها بما يخالف النظريات الرسمية؛ فالأدب التركي اليوم كالأدب الروسي، أدب حكومي تشرف عليه الحكومة وتوجهه إلى ما ترى فيه تحقيق برنامجها السياسي والاجتماعي.
وقد كانت الفاشستية بلا ريب أعظم حركة سياسية اجتماعية حدثت بعد الحرب؛ وكان لها في توجيه التفكير والآداب أعظم أثر. ونلاحظ أولاً أن الانقلاب الروسي في هذا التوجيه أبعد مدى من حيث كونه ينكر أسس المجتمع القديم كلها، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، ولكن الفاشستية لا تذهب في الهدم إلى هذا الحد؛ وبينما تذهب البلشفية إلى تقوية النزعات الثورية والحرة في حدود الطغيان البلشفي، إذا بالفاشستية تقمع كل نزعة ثورية أو حرة تتجه إلى محاسبتها. وقد كانت الفاشستية إلى ما قبل عامين حركة محلية إيطالية، ولكنها تغدو اليوم حركة أوربية عامة تحدث آثارها السياسية والاجتماعية والفكرية في ألمانيا وبولونيا والنمسا وغيرها. ولما كانت الفاشستية حركة طغيان شامل، فإنها تبسط سلطانها على الحركة الفكرية كما تبسطه على كل قوة معنوية أخرى، وتحاول أن تصفدها في حدود برنامجها، وأن تسيرها طبقا لوحيها وإرشادها. وهنا فرق جوهري بين موقف الديموقراطية وموقف الفاشستية من الحركة الفكرية؛ ذلك أن الثورة الديمقراطية تقع دائما في المحيط العقلي، ثم تحدث آثارها المادية بعد ذلك في الأنظمة السياسية والاجتماعية؛ ولكن الفاشستية تقوم بالعكس في المحيط المادي وبوسائل العنف المادية، ثم تحاول بعد ذلك أن تغزو الميدان العقلي وأن تجعل من الحركة الفكرية أداة لتوطيد سلطانها كما تجعل من الجيش والأسطول؛ ومن أهم الظواهر الفاشستية إنها تعمل على مطاردة القوى العقلية الممتازة التي لا تخضع لوحيها، ولا ترعى سوى الأذهان الضئيلة المتواضعة التي تهرع لخدمة كل سلطة جديدة وكل نظام جديد
ويبدو أثر الثورة الفاشستية في الحركة الفكرية الألمانية بشكل قوي واضح. ففي إيطاليا تسود المبادئ الفاشستية الرجعية في توجيه التفكير والآداب والفنون والحياة العقلية كلها كما تسود الحياة السياسية والاجتماعية، وتغمر الثقافة الإيطالية في جميع نواحيها، وتحاول أن تحدث أثرها في توجيه الثقافة العالمية. ولما كانت الفاشستية تنكر الحريات العامة، فهي لا

(48/13)

تعترف بحرية الفكر بل تبغضها وتسحقها بكل قواها، لأنها ترى في وجودها خطراً على كيانها؛ وحرية الفكر أسمى مزايا الإنتاج العقلي والفني، وإذاً ففي ظل هذا الطغيان الذي يسلب الفكر أقدس حقوقه، لا يمكن أن يزدهر التفكير الرفيع، ولا أن تصل الآداب والفنون إلى ذرى القوة والصقل؛ وتغدو الحياة العقلية مطبوعة بطابع التماثل الممل، لأنها تسير وتسخر طبقاً للوحي القاهر. هذا إلى أن التفكير والآداب في هذا الأفق المصطنع قد جردت من أقدس المثل التي استرشدت بها في كل العصور، فأصبحت تمجد العبودية لأنها أسيرة الطغيان، وتمجد الحرب لأنها جردت من المثل الإنسانية الخالصة. وهذه الظواهر هي وليدة الطغيان قبل كل شيء تتجلى اليوم بأوضح ألوانها في ألمانيا على حداثة عهدها بالفاشستية؛ فإن الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية ما كادت تظفر بقلب نظم الحكم في ألمانيا، وإقامة الطغيان على أنقاض الديموقراطية، حتى أخذت تفرض مبادئها ونظرياتها على التفكير والآداب والثقافة الألمانية؛ وهي اليوم تمثل في الحياة الألمانية بقوة، ونظرياتها القومية والجنسية المغرقة تطبع التفكير الألماني في جميع نواحيه العلمية والأدبية والفنية، بل هي تذهب في الجرأة إلى حد محاولة التأثير في العقيدة النصرانية وصبغها بصبغتها. والعلم والتفكير والآداب والفنون في ألمانيا تسخر كلها لخدمة الدعوة الوطنية والاشتراكية وتمجيد مبادئ هتلر، واثبات نظرياته المغرقة في تفوق الجنس الآري على الأجناس الأخرى، وتفوق السلالة الألمانية على سائر المخلوقات؛ واثبات صلاحية الحكم المطلق وفشل الحكم الديموقراطي؛ وتمجيد الخضوع المطلق للزعامة، والانتقاص من قيمة الحريات العامة، وغير ذلك مما تضمنه برنامج الوطنية الاشتراكية (وإنجيل) هتلر. وقد ذهب الوطنيون الاشتراكيون بعيداً في السيطرة على زمام الحركة العقلية في ألمانيا، فبسطوا إشرافهم على الجامعات، وأصدروا تشريعاً يصفد الصحافة ويجعلها مهنة شبه حكومية، ويجعل الكتاب دعاة للوطنية الاشتراكية وطغيانها. وكما أن الفاشستية الإيطالية بعثت إلى الأدب الإيطالي بصور رومة القديمة وذكريات الإمبراطورية الرومانية ومجد القياصرة، وبالطموح إلى إحياء هذه الذكريات والصور في حياة إيطاليا وآمالها، فكذلك بثت الوطنية الاشتراكية في الأدب الألماني مثل الإمبراطورية المقدسة الذاهبة، وصور ألمانيا العسكرية الظافرة الزاهرة تحمل زعامة الجنس الآري كله، وتملي على أوربا القديمة

(48/14)

إرادتها ومثلها.
وقد كان للانقلابات السياسية والقومية دائماً أثرها في توجيه التفكير والآداب في جميع الأمم والعصور؛ ولكن لعل التاريخ لم يشهد عصراً غمرت فيه القومية المتطرفة والنزعات الرجعية التفكير والآداب كعصرنا؛ ذلك أن التوجه القومي المعاصر يذهب إلى حد الإغراق ويتخذ صوراً من العنف لم يسمع بها، ويحاول أن يسيطر على جميع نواحي الحياة العامة، وأن يتدخل في صوغ العقلية العامة. ولا ريب أن الحركات القومية تكسب من وراء ذلك قوة، وربما كست الأمم في بعض نواحي الحياة المادية حيوية جديدة، ولكن الحركة العقلية تعرض بالعكس لأخطار كثيرة. ذلك لأن الثورات القومية العميقة تقوم على العوامل السياسية قبل كل شيء، وتستخدم في سبيل مآربها سلاح الدعوات المغرضة والنظريات الموضوعة التي لا تقرها المثل الإنسانية دائماً، ولا يقرها العلم الخالص والحقائق المنزهة. والثقافات التي تطبعها أهواء السياسية والنظريات المغرضة، والآداب التي ترغم على تصوير ألوان مصطنعة من الحياة العامة والحياة الفردية، وتحمل على تمجيد البطولة الزائفة، وتمجيد العبودية في عصر النور والحريات، وامتهان المبادئ والمثل المقدسة، وتزييف حقائق العلم والتاريخ الراسخة، هذه الثقافات والآداب ليست جديرة بأن تقود الأمم العظيمة، وليست جديرة بالأخص بأن تتخذ مكانها بين تراث الإنسانية الرفيع.
إن تطور التفكير والآداب على هذا النحو في أمم عظيمة كإيطاليا وألمانيا، هو بلا ريب ظفر جديد للمبادئ والاعتبارات المادية، ولكن ظفر المبادئ والاعتبارات المادية على حساب الحياة العقلية والروحية من ظواهر انحلال الحضارات والأمم؛ وإن حضارة تمجد فيها العبودية، وتطارد فيها العلوم والآداب لأجدر بالعصور الوسطى منها بعصرنا.
محمد عبد الله عنان
المحامي
قصاصات الورق
خمسة عشر عاماً بعد فرساي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
مازالت الحرب الكبرى توصف بأنها أشنع وأروع مآسي التاريخ، ومازالت مصائبها وعبرها وآثارها المخربة ماثلة في أمم وشعوب كثيرة؛ وكنا إلى أعوام قلائل فقط نسمع أقطاب السياسة الدولية يؤكدون أن الدرس الأليم الذي ألقته الحرب على الدول والأمم العظمى لا يمكن أن يمر دون أن يحدث أثره؛ وأن الشعوب أشد ما يكون اليوم زهداً في خوض الحرب والتعرض لويلاتها المروعة؛ وكنا نشهد ابتهاج الساسة والحكومات كلما عقد ميثاق جديد بعدم الاعتداء بين دولتين أو أكثر، أو حلت مشكلة دولية صغيرة على يد عصبة الأمم بطريق التحكيم والحسنى، أو ظهرت بوادر تفاهم ووئام بين خصوم الأمس؛ كنا نشهد ذلك وأمثاله خلال الأعوام التي تلت الحرب، فيخيل إلينا أن نزعة الحرب والاعتداء قد ضعفت، وأن عقلية الشعوب قد تبدلت، وأن العالم مقبل على عصر جديد، تتبوأ فيه قضية السلام مكانها اللائق، وتغيض فيه الخصومات والأحقاد القومية القديمة، ويسود الوئام والحسنى بين الشعوب.
ولكنا نشهد اليوم منظراً آخر؛ فان الأفق الدولي يفيض بالتشاؤم، وعلائق الدول المختلفة في اضطراب دائم، وعبارات الوعيد والحرب والانتقام تتردد في بعض الدوائر، وأحياناً يلوح بها بعض الساسة المسئولين؛ وهنالك بعض المسائل الخطيرة التي خلفتها الحرب الكبرى مثل مشكلة نزع السلاح، ومسألة السار، ومسائل الحدود والأقليات، ومسألة المستعمران الألمانية وغيرها تزداد اليوم خطورة وتعقيدا، بل إنا لنشهد اليوم انتحار مؤتمر نزع السلاح في جنيف، وهو ذلك المؤتمر الذي علقت عليه قبل بضعة أعوام آمال كبيرة في تخفيض التسليح والتقريب بين الأمم، ونشهد عصبة الأمم تفقد هيبتها الدولية وتنحدر بسرعة إلى زاوية النسيان، وهي الصرح الذي هللت له الأمم يوم إنشائه، وقيل إنه سيكون منارة السلام العالمي والعدالة الدولية، وملاذ الأمم الضعيفة والمظلومة. والخلاصة أن تلك الآمال العريضة التي ساورت العالم حيناً عقب دروس الحرب الأليمة في أن تعتبر الأمم بتلك العبر القاسية وبتلك الضحايا الهائلة، وتغلب الروية والتفاهم في حسم مشاكلها، قد أخذت في

(49/10)

الأعوام الأخيرة تنهار تباعا، ولا نكاد نلمس اليوم من آثارها شيئاً.
لقد اختتمت الحرب الكبرى بعدة معاهدات للصلح بين الأمم المتحاربة، أعظمها وأهمها معاهدة فرساي، التي أريد أن تكون دستوراً جامعاً لتنظيم أوربا الجديدة سواء من الوجهة الجغرافية، أو العسكرية أو الاقتصادية. ولكن معاهدات الصلح، كأية معاهدة يعقدها الغالب مع المغلوب، أو بعبارة أخرى يمليها الغالب على المغلوب، لم تخل من المبالغة والاغراق، ولم تحرص على مراعاة الحقائق التاريخية الخالدة، ولم تراع العواطف القومية لأمم عظيمة، وإنما روعي فيها قبل كل شيء أن تحقق شهوات الظافرين ومطامعهم وخططهم في تمزيق الأمم المغلوبة وتحطيم قواها ومواردها. ففي معاهدة فرساي أرغمت ألمانيا على الإقرار بأنها مسئولة عن آثار الحرب الكبرى، وألزمت بناء على ذلك بدفع تعويضات الحرب الهائلة، ونص على تجريدها من السلاح، وتدمير أسطولها، وانتزعت منها الألزاس واللورين لترد إلى فرنسا، كما انتزعت سيليزيا العليا، ودانتزج، ووادي السار، وفرضت عليها غير ذلك قروض مرهقة كثيرة؛ وفي معاهدة سان جرمان حلت إمبراطورية النمسا والمجر القديمة لتقوم على أنقاضها عدة دول جديدة، انتزعت منها أراضي كثيرة لتعطي لإيطاليا ويوجوسلافيا ورومانيا؛ هكذا غيرت معاهدات الصلح حدود أوربا القديمة، وأثارت في كل مكان مشاكل الأقليلات القومية، ودفعت بالشعوب المغلوبة إلى غمار البؤس والفاقة، وأثارت بذلك مشاكل اجتماعية خطيرة. ولم يكن يدور بخلد الساسة الذين أملوا هذه المعاهدات المرهقة على الأمم المغلوبة، أنها ستغدو منذ يوم وضعها مثاراً لمشاكل لا نهاية لها، وأنها ستنقض غير بعيد في كثير من نصوصها، وأنها ستعتبر في النهاية أصل كل متاعب أوربا الجديدة، وأنها إذااستمرت على حالها فقد تثير ضرام الحرب مرة أخرى، ولكن هذا ما وقع بالفعل، وهذا ما نشهد اليوم، فقد عدل كثير من نصوص معاهدة الصلح في الأعوام الأخيرة، وهي اليوم مثار حملات شدية، لا من ألمانيا وباقي الدول التي أرهقت بنصوصها فقط، ولكن من إيطاليا إحدى دول الحلفاء التي اشتركت في إجتناء مغانم النصر، بل أنا لنرى مستر لويد جورج أحد الأقطاب الذين وضعوا المعاهدة وأشدهم وقت وضعها وطأة على ألمانيا ينادي اليوم بفداحة الشروط التي وضعت ويقترح مثل إيطاليا تعديل المعاهدة وأدمجه الحلفاء فيها كنتيجة لنزع سلاح ألمانيا؛ وفي أواسط أوربا وشرقها

(49/11)

تثار عشرات المشاكل التي ترتبت على إجحاف معاهدات الصلح بالحقوق الجغرافية والقومية لمختلف الدول. والخلاصة ان معاهدات الصلح تغدو اليوم كالثوب المهلهل. ويغدو الأفق الدولي مثقلاً بالسحب ومختلف الاحتمالات.
قبل الحرب كانت السياسة القومية المغرقة والسلام المدجج بالسلاح، وإنشاء المحالفات العسكرية الدفاعية والهجومية، وعقد المعاهدات السرية، هي قواعد السياسة الدولية، وهي التي توجه علائق الدول بعضها ببعض. ولم تكن الفكرة في تنظيم علائق الأمم قد تقدمت يومئذ كثيراً عما كانت عليه قبل ذلك بقرون؛ فقد كانت هذه القواعد هي الغالبة في العلاقات الدولية في جميع عصور التاريخ الحديث مذ قامت أوربا الحديثة على أنقاض العصور الوسطى، بل كانت هي الغالبة في العصور الوسطى والقديمة مع فروق يسيرة في علائق السلام والحرب؛ وكانت الأطماع القومية في بسط النفوذ وإجتناء مغانم الاستعمار والتجارة هي التي تحرك الأمم بعضها ضد بعض، وكانت الحرب وسيلة فريدة لتحقيق هذه المثل؛ وقد كشفت لنا الحرب الكبرى عن المدى الذي وصلت إليه الدول العظمى ما قبل الحرب في الاعتماد على التسليح والمعاهدات السرية، وفي التنافس على اجتناء المغانم الاستعمارية واستعباد الأمم الضعيفة؛ ثم جاءت معاهدات الصلح بعد محنة الحرب دليلاً قوياً على أن هذه النزعات الخطرة لم تخمد بل أذكاها الظفر في نفوس الأمم الغالبة، على أن نزعة أخرى برزت من خلال هذه الغمار ترمى إلى العمل على التقريب بين الأمم، وتخفيف حدة الأحقاد القومية التي أثارت الحرب؛ وقد أريد أن تكون عصبة الأمم رمزاً لهذا الاتجاه الجديد؛ ولكن العصبة ولدت ميتة من هذه الناحية، واستطاعت العوامل السياسية الخفية أن تسيطر عليها منذ الساعة الأولى، وأن توجهها حيث شاءت، وأن تستغل نفوذها الدولي؛ ولما أن بدت بوادر التفاهم بين ألمانيا وخصومها بالأمس، وفازت سياسة التقرب والحسنى بعقد ميثاق لوكا رنو سنة 1925، هلل العالم مرة أخرى، واستقبل هذا الميثاق الذي يجمع بين أعداء الأمس ويقضي بتأمين منطقة الرين بين فرنسا وألمانيا، بوابل من الآمال الكبيرة، واعتقد أن الميثاق سيكون فاتحة لظفر السلام وقضيته؛ وساد في الأفق الدولي مدى حين نوع من التفاؤل، وحلت أثناء ذلك عدة مشاكل دولية خطيرة بالتفاهم والحسنى؛ ثم كانت الخطوة التالية بعقد ميثاق تحريم الحرب، أو ميثاق كيلوج سنة 1929، وهو الميثاق

(49/12)

الشهير الذي يقضي بتحريم الحرب كأساس للسياسة القومية ووسيلة لمعالجة المشاكل الدولية، ويقضي باستعمال التحكيم كوسيلة لحسم المنازعات بين الأمم، وقد جمع هذا الميثاق بين جميع الدول العظمى وبين أعداء الأمس، وانضم إليه عشرات من الدول في أوربا وأمريكا وآسيا، ووقعته مصر أيضاً، واعتبر يوم وضعه كأنه إنجيل جديد للسلام، واستقبل بأناشيد المديح والإعجاب في كل مكان؛ وكان عقد ميثاق تحريم الحرب في الواقع ذروة لظفر النزعة السلمية التي حملت الساسة والأمم في ذلك الحين؛ ولكنه كان ظفراً نظرياً فقط؛ ولم يمض سوى عام واحد حتى ظهر أن تطبيق الميثاق مستحيل من الوجهة العملية، وأنه ولد ميتاً كمشروع عصبة الأمم.
وهكذا ظهر عبث العهود والمواثيق الدولية مرة أخرى، وانهارت جميع الجهود التي بذلها أنصار السلام من الوجهة العملية؛ ولم يبق أمامنا من تراث هذا الماضي القريب سوى عصبة الأمم. ومأساة العصبة معروفة، فقد ظهر فشلها وعقمها في كل مسألة دولية خطيرة، وكل مسألة تقتضي العدالة والإنصاف، وظهر أنها أداة مسيرة في يد الدول الاستعمارية تتجاذب في داخلها النفوذ والوحي؛ وهذا مؤتمر نزع السلاح الذي أنشأته العصبة لتحقق على يده برنامجها السلمي يحتضر ويسير إلى الموت محقق. ولم يشهد العالم منذ نهاية الحرب ظرفاً أظلم فيه الأفق الدولي مثل الظرف الذي نشهد اليوم؛ فاليابان قد انسحبت من العصبة لتطلق العنان لمشاريعها الاستعمارية في الصين، وهي اليوم بتوغلها في الصين وتحديها جميع الدول الأخرى تثير خطر الحرب في الشرق الأقصى؛ وقد انسحبت ألمانيا الهتلرية أيضاً من العصبة، وهي اليوم تعود إلى تسليح نفسها متحدية خصومها بالأمس ولا سيما فرنسا، وتعمل بكل ما وسعت لإثارة الأحقاد القومية في الداخل والخارج، وفرنسا من جانبها تعود بمنتهى الشدة إلى سياستها القومية القديمة وتبذل جهوداً فادحة لتقوية جيشها وتسليحاتها، وإنكلترا وأمريكا تسيران في نفس الطريق وتعملان لتقوية التسليحات البحرية والجوية؛ وإيطاليا تقوي جيشها وتسليحاتها منذ أعوام وتلوح من آن لآخر بالحرب، ولا تخفى مطامعها الاستعمارية في آسيا وأفريقية، وروسيا السوفيتية تقف لليابان بالمرصاد في الشرق الأقصى، وتركيا تطالب بالعود إلى تحصين الدردنيل بعد أن قضت معاهدة لوزان بنزع سلاحه؛ وتجري في القارة من أقصاها إلى أقصاها حركة انزعاج وتوجس، وتجري

(49/13)

مختلف المفاوضات بين دول البلقان وأوربا الوسطى ودول البلطيق، وتعقد المواثيق هنا وهناك لتنظيم الجباه السياسية والعسكرية وأحكام المحالفات، وتتنافس دول القارة العظمى أعني فرنسا وألمانيا وإيطاليا في تنظيم هذه الحركات وتسييرها.
والواقع أن التاريخ القريب يتكرر ويتصل؛ وما يجري اليوم في العالم من الأحداث السياسية والمنازعات الدولية يشبه من وجوه كثيرة ما كان يجري قبل الحرب بأعوام قلائل فقط، من تسابق الدول العظمى في التسليح والاستعداد الحربي، ومن تنافسها وتنازعها في إجتناء المغانم الاستعمارية والتجارية، ومن توتر أعصاب الحكومات والساسة، ومن العمل على إذكاء الأحقاد القومية؛ وقد ثارت في الأعوام القلائل التي سبقت الحرب بعض مشاكل دولية خطيرة كانت مقدمة لانقضاض العاصفة؛ والأفق الدولي مثقل اليوم بكثير من هذه المشاكل؛ ويكفي أن مسألة كمسألة السار قد تضرم الشرارة الأولى، كما أن مسألة أغادير كادت قبل الحرب بعامين تضرم هذه الشرارة؛ ونستطيع أن نشبه رحلة مسيو هريو رئيس وزارة فرنسا الأسبق إلى روسيا منذ عام، أو رحلة مسيو بارتو وزير خارجيتها إلى بولونيا ودول الاتفاق الصغير، برحلة مسيو بوانكاريه إلىروسيا قبيل الحرب الكبرى بأسابيع قلائل. ولقد وصفت المعاهدات الدولية في فاتحة الحرب على لسان بعض الساسة الألمان بأنها قصاصات ورق والتاريخ يؤيد هذا القول في كثير من المواطن؛ ولكن هذا القول اعتبر أثناء الحرب من الكبائر وسجل على ألمانيا ضمن الأخطار الفادحة التي بنيت عليها مسئوليتها في إثارة الحرب. أما اليوم، ونحن نشهد عقم المواثيق والعهود الدولية الكثيرة التي وضعت لتسوية المشاكل والعلائق الدولية؛ ونشهد انهيار عصبة الأمم ومؤتمر نزع السلاح، وميثاق تحريم الحرب، ومعاهدة واشنطون التي تعهدت الدول العظمى فيها بتحديد التسليح البحري، ونقض معاهدات الصلح سواء من جانب الغالب أو المغلوب، فانه يسمح لنا أن نكرر القول القديم بأن العهود والمواثيق الدولية تغدو دائماً قصاصات من الورق كلما شاءت السياسة والاعتبارات القومية.
محمد عبد الله عنان المحامي

(49/14)
الكتب
مواقف حاسمة من تاريخ الإسلام
تأليف الأستاذ محمد عبد الله عنان
(الطبعة الثانية) نقحت وحققت وضمت إليها بحوث جديدة
لئن كان لهذا القلم الضعيف أن يطمح الى ما هو أبعد من غايته، فان مما يبهج نفسي أن أتحدث عن هذا الكتاب القيم، وقصاراي أن أتم هذا الحديث على خير ما أرجو من دقة، وعلى أحسن ما أحب من إنصاف.
الكتاب كما يتضح من عنوانه، يصور لك أدوار ذلك الصراع العظيم الذي قام بين الإسلام والنصرانية منذ أن وثب العرب من صحرائهم، وأثخنوا في أراضي الدولتين الفارسية والرومانية، والذي تجلى في عدة مواقف مشهورة كحصار العرب للقسطنطينية ولقائهم أعداءهم في الغرب في موقعة بلاط الشهداء، ثم ما كان من بسط العرب سيادتهم على البحر الأبيض المتوسط واحتلالهم اقر يطش، وصقلية، وروما، وجنوب إيطاليا، إلى أن تطور هذا النزاع إلى دور الحروب الصليبية وما تخللها من لقاءات هائلة بين قوى الإسلام والنصرانية، وأخيراً ما كان من أمر العرب في الأندلس، وتقوض دعائم ملكهم العريض هناك.
وتلك المواقف الحاسمة التي يتخذ منها المؤلف الفاضل عنواناً لكتباه هي في الواقع موضوع واحد، فهو وان اختلفت مظاهره وتعددت ميادينه، وتسلسلت عصوره، لا يخرج في جوهره عن الصراع بين الإسلام والنصرانية، ولقد أعجبني من المؤلف تنبيهه الأذهان إلى ذلك في مواطن كثيرة.
ولقد صور الأستاذ المؤلف كل هاتيك المواقف تصويراً دقيقاً رائعاً، مبيناً أثرها في مصاير كل من الطرفين في وضوح يؤيد ما اشتهر به من بسطة في فنه، وسعة في اطلاعه، وإلمام عجيب بالمواضيع التي يطربها؛ ولقد أضاف إلى تلك المواقف طائفة من الفصول سماها (بحوثاً مفردة) والواقع أنها ليست مفردة، وأن اتصالها بالموضوع وثيق، بل إنها لتعد ضرورية له، ومن أمثلة تلك البحوث الهامة (الدبلوماسية في الإسلام) و (الفروسية) و

(49/78)

(الرقي في العصور الوسطى) وغيرها مما يلقى ضوءاً على الموضوع الأصلي؛ ولا يفوتنا أن نذكر مع مزيد الإعجاب أن المؤلف مهد لكتابه بفصلين في غاية الأهمية هما (وثبة العرب) و (سياسة العرب الدينية)؛ فأرانا في الفصل الأول، في تعمق ودقة وقوة بيان، تلك الروح التي سيطرت على العرب في جزيرتهم، وأرانا في الفصل الثاني، روح الإسلام في معاملة الأمم التي كانت تدخل في حوزته مورداً في ذلك كثيراً من الأمثلة والاقتباسات، شارحاً الأحوال الاجتماعية والسياسية التي كانت تسود ذلك العصر.
فأنت ترى من هذا الوصف الموجز أن الكتاب يجمع بين الفائدة واللذة، أبو بعبارة أخرى فهو للثقافة والاستمتاع.
أما طريقة الأستاذ في كتابة التاريخ فجديرة بالإعجاب حقا، فهو لن يسرد عليك الحوادث سرداً مملا، بل ترى له طريقة انقادت له وسهلت في يديه وأصبحت وقفاً عليه، طريقة طالما تطلعنا إلى وجودها في كتابه التاريخ باللغة العربية، فهو يحلل ويدقق، ويمحص الحوادث في نظام علمي دقيق، دون أن يملك أو يطوح بك في مجاهل مطموسة الصوى، جائرة السبل، وإنك لتحس شخصيته في كل عبارة من عباراته، لأنه يفرغ على القرطاس صور ذهنه، وحماس قلبه، كما أنك تلمس آثار جهوده في كل فقرة من فقراته، فتراه يعرض عليك الروايات المختلفة، والآراء المتنوعة، ثم يقف منها موقت الناقد الذي يمكنه من الحكم والفصل، ذاكرة قوية، وقراءة واسعة، وصبر شديد؛ ولن تراه يتهرب من نقطة أو يتحيز إلى رأي؛ كل ذك في فطنة ونفاذ بصيرة، فإذا أضفت إلى هذا أن الأستاذ عناناً مشغوف بموضوعات التاريخ الإسلامي، وأنه لن يكتب إلا ما جاشت به نفسه ونبض به قلبه، أمكنك أن تفهم الروح التي يكتب بها الأستاذ التاريخ، والواقع أننا لا نعدو الحقيقة إذاقلنا إن طريقة الأستاذ عنان في كتابة التاريخ قد ثبتت عندنا ناحية من نواحي الحركة الفكرية، كما أن الأستاذ نفسه قد صار ركناً وعلماً نفاخر به أهل الغرب، فطريقته العلمية الدقيقة في كتابة التاريخ تضع آثاره في صف مثيلتها في لغة الغرب، مما يعد مفخرة للعربية وأهلها.
وهناك ناحية أخرى في كتابة الأستاذ عنان جديرة بالتنويه، تلك هي أسلوبه، فللأستاذ أسلوب خاص، تحار إن أردت شرحه؛ فعباراته قوية وسط بين المقبوضة والمبسوطة، لا

(49/79)

ترى فيها حشواً ولا تجد كلمة تستعمل في غير موضعها، أو تجد لفظاً يقصر عن أداء معنى، أو يتسع حتى يطغى على ذلك المعنى فيضيعه، كذلك لن تجد عبارة فاترة في موقف حماسي، أو جملة حماسية من غير داع، هذا إلى جمال ورونق في غير تكلف أو إسفاف.
أما عن مظهر الكتاب وطبعه وترتيبه، فحسبك منه أنه مطبوع في مطبعة دار الكتب، على ورق جيد من القطع الكبير، ولقد ختمه المؤلف الفاضل بثبت للمراجع العربية والإفرنجية، ثم بفهرس للأعلام التاريخية والجغرافية ومقابلها الإفرنجي، ثم بفهرس عام للكتاب.
ونحن لا يسعنا إلا أن نتقدم بعظيم الشكر للأستاذ المؤلف على مجهوداته التي ترفع رأس العربية، وتشرف أهل الضاد جميعاً.
محمود الخفيف
نزع السلاح
للأستاذ محمد عبد الله عنان
سمعنا خلال الأعوام الأخيرة كثيراً عن مسألة نزع السلاح، وعن اللجان المؤتمرات العديدة التي عقدت في جنيف وغير جنيف لبحثها؛ ومنذ أسابيع يدور حديث نزع السلاح في جنيف مرة أخرى، وتعرض مختلف الاقتراحات والتصريحات. ولكن مؤتمر نزع السلاح يعقد هذه المرة في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وسير العلائق الدولية أشد ما يكون اضطراباً، والدول الكبرى أشد ما يكون رغبة في التسليح؛ وليس في مناقشات جنيف ما يؤذن بتفاهم الدول على أية قاعدة أو مبدأ، بل كل ما هنالك يدل بالعكس على أن مفاوضات نزع السلاح غدت مناقشات فقهية عقيمة، تستتر وراءها الدول لتؤكد من الوجهة النظرية نياتها السلمية، بينا هي تتسابق جميعاً في فتح الاعتمادات الحربية والاستزادة من التسليح سواء في البر أو الحر أو الهواء.
وقد كان رأينا دائماً، مذ بدأت أعمال مؤتمر نزع السلاح، أن هذه المناقشات الفقهية لا يمكن أن تؤدي إلى أية نتيجة عملية، وان الدول المتفوقة في سلاحها واهباتها الدفاعية لا يمكن أن تفرط في هذا التفوق مختارة، وان أساليب السياسة القومية لم تتغير كثيراً عما كانت علية قبل الحرب، وما زالت القوة المادية عمادها. ولقد انتهى مؤتمر نزع السلاح أحياناً إلى بعض نتائج عملية خيل للعالم معها أنه سائر إلى تحقيق الغاية المنشودة من عقده، ولكن هذه النتائج لم تتعد الاتفاق على بعض المسائل التمهيدية كأنواع الأسلحة ومعيارها، وتعريف بعض الهيئات العسكرية؛ وأسفرت المفاوضات بين الدول العظمى عن عقد معاهدة تحدد نسب التسليح البحري بينها؛ ولكن هذه المعاهدة لم تحترم ولم تنفذ، ولا تعتبر اليوم سوى قصاصة ورق لا قيمة لها. وقدمت إلى مؤتمر نزع السلاح اقتراحات رسمية عديدة لتخفيض التسليح، فكانت تقابل دائماً حين عرضها ومناقشتها بكثير من التأييد والحماسة، ولكنها لم تسفر عن أي اتفاق عملي.
كانت فكرة نزع السلاح من أجل الفكر التي ظهرت عقب الحرب في أفق السياسة الدولية، وكانت المنافسة في التسليح قد بلغت أثناء الحرب مدى هائلاً استنفد موارد الامم، وحطم، إنتاجها الزراعي والصناعي، وأرهقت من جرائه بصنوف المغارم والاعباء، واضطربت

(50/16)

أحوالها المالية والاقتصادية؛ فكان طبيعياً أن تفكر الدول الكبرى في وسيلة لتخفيف هذه المنافسة وتدارك آثارها المخربة؛ ولم تك ثمة سوى وسيلة واحدة لتحقيق هذه الغاية، هي اتفاق الدول فيما بينها على تحديد التسلح بطريقة تراعي فيها ظروف كل دولة وحاجاتها إلى السلامة والدفاع القومي؛ وظهرت هذه الفكرة في نفس الوقت الذي ظهرت فيه فكرة عصبة الامم، واتصلت بها حتى صارت بعد جزءاً منها، ثم أدمجت في ميثاق العصبة ذاته. وكان قيام عصبة الأمم رمزاُ لانتصار الدعوة إلى السلام والوئام بين الامم، والى تغليب التحكم والحسنى في فض المنازعات الدولية؛ وكان تحقيق فكرة نزع السلاح من أهم الوسائل العلمية لتحقيق المثل والأماني السلمية التي علقت على قيام عصبة الأمم. ويجب أن نعلم أن ميثاق العصبة هو قطعة من معاهدة صلح فرساي ذاتها، بل هو الفصل الأول من معاهدة الصلح؛ وفي هذا الميثاق ذاته يذكر مشروع نزع السلاح اكثر من مرة، باعتباره من وسائل تحقيق السلام بين الأمم. واليك النصوص التي وردت بشأنه في الميثاق:
نصت المادة الثامنة من ميثاق عصبة الأمم على (إن أعضاء العصبة يعترفون بان استتباب السلام يقتضي تخفيض التسليحات القومية إلى أدنى حد يتفق مع السلامة القومية، ومع تنفيذ التعهدات الدولية التي يفرضها العمل المشترك.
(ومجلس العصبة مع تقديره للمركز الجغرافي والظروف الخاصة لكل دولة، يعد برامج هذا التخفيض لتبحثه وتبث في شأنه الحكومات المختلفة.
(ويجب أن نبحث هذه البرامج من جديد، وأن تنقح إذا اقتضى الأمر في كل عشرة أعوام.
(ومتى وافقت عليها الحكومات المختلفة فان نسب التسليح التي تقررت على هذا النحو لا يمكن تخطيها دون موافقة مجلس العصبة).
(ولما كان صنع الذخائر وأدوات الحرب بصفة خاصة يثير اعتراضات خطيرة، فان أعضاء العصبة يعهدون إلى المجلس بان يتخذ الإجراءات اللازمة لتلافي نتائجه السيئة، مع مراعاة حاجات أعضاء العصبة الذين لا يستطيعون صنع ما يجب لسلامتهم من الذخائر وأدوات الحرب.
(ويتعهد أعضاء العصبة بان يتبادلون بمنتهى الصراحة والدقة، كل البيانات المتعلقة بنسب تسليحاتهم، وبرامجهم الحربية والبحرية والجوية، والظروف التي يمكن بها استخدام

(50/17)

صناعاتهم لأغراض الحرب).
تلك هي القواعد الأساسية التي أدمجت في ميثاق العصبة بشأن نزع السلاح أو تخفيضه. وقد نصت المادة التاسعة من الميثاق على إنشاء لجنة دائمة تمد العصبة بآرائها عن تنفيذ هذه القواعد وعن المسائل العسكرية والبحرية والجوية بصفة عامة. وهذه هي اللجنة الدائمة لمؤتمر نزع السلاح.
ونصت المادة الحادية عشرة على أن كل حرب أو خطر حرب يهم العصبة كلها، وعلى أنه يجب عليها في هذه الحالة أن تتخذ ما يجب لتأييد سلام الأمم؛ ونصت المادة الرابعة عشرة على إنشاء محكمة دائمة للعدل الدولي، وفصلت المادة الخامسة عشرة الإجراءات السلمية التي يجب اتباعها لتسوية المنازعات الدولية بين أعضاء العصبة.
هذا وقد ذهبت معاهدة الصلح في التنويه بنزع السلاح إلى ابعد من هذه النصوص النظرية، وأرادت أن تعطيه صبغة عملية، فقررت في ديباجة الفصل الخامس منها وهو الخاص بنزع سلاح ألمانيا (انه لكي يمكن أن يعد مشروع بتحديد عام لتسليحات جميع الأمم، يجب على ألمانيا أن تنفذ بمنتهى الدقة ما تقرر من النصوص العسكرية والبحرية والجوية) أو بعبارة أخري، جعلت معاهدة الصلح، نزع سلاح ألمانيا مقدمة عملية لنزع السلاح العام، تحذوها بعد ألمانيا جميع الدول الأخرى، والمفروض أن الدول الظافرة التي أملت شروط معاهدة فرساي، ونصت على نزع السلاح، ستكون في مقدمة الدول التي تقوم بتخفيض سلاحها
وكان مشروع نزع السلاح في مقدمة المسائل التي عنيت ببحثها عصبة الأمم؛ ففي فبراير سنة 1921، انتدب مجلس العصبة (لجنة مختلطة مؤقتة) للنظر في تخفيض التسليحات، ولكن هذه اللجنة الأولى لم تستطع أن تتخذ أية خطوة عملية لبحث المسألة؛ وكانت الدول الغالبة ما تزال متوترة الأعصاب بعيدة عن التفكير في النزول عن المراكز الممتازة التي دفعها إليها الظفر، وكانت بالعكس قد بدأت تتسابق في وضع البرامج العسكرية والبحرية الضخمة؛ فلم تر (اللجنة المختلطة المؤقتة) أمامها سبيلاً للعمل، وقدمت تقريرها إلى العصبة بأنه لا سبيل لوضع اى مشروع عملي لتخفيض التسليح ما لم تراع فيه الحاجات السلامة القومية بادئ بدء، ثم وضعت فعلاً مشروع ضمان وتعاون متبادل وافقت عليه

(50/18)

العصبة. ولكنها كانت خطوة نظرية أيضاً، وكان اسطع دليل على عبثها إقدام فرنسا في الوقت نفسه على احتلال وادي الروهر لإرغام ألمانيا على أداء تعويضات الحرب، وما قامت به يومئذ من المظاهرات العسكرية الضخمة. بيد أن الدول البحرية استطاعت أن تتخذ من جانبها خطوة عملية لتحديد التسليحات البحرية، إذ عقدت في واشنطون (سنة 1922) مؤتمراً بحرياً شهدته بريطانيا العظمى وأمريكا وفرنسا واليابان وإيطاليا، وعقدت فيها بينها ميثاقاً حددت فيه نسب التسليحات البحرية لكل منها؛ فكان لهذا الميثاق اثر كبير في تلطيف المنافسة البحرية بينها.
ولما هدأت أعصاب الأمم الغالبة نوعاً وسوي كثير من المشاكل التي خلقتها الحرب، واتخذت مسألة نزع السلاح أهمية خاصة، ولكنها قرنت يومئذ بمسألة القومية والتحكيم باعتبارها مسائل ثلاثة لا يمكن التفريق بينها. وكانت فرنسا دائماً من اشد الدول تمسكاً بالجمع بين المسائل الثلاثة. وأخذت عصبة الأمم بهذه النظرية، وانتهت إلى وضع بروتوكول جنيف الشهير (سنة 1924)، وفيه نص على مشروعية الحرب إلا في بعض الأحوال وعولجت مسألة السلامة ومسألة التحكيم؛ ولكنه رفض من جانب بريطانيا العظمى لأنه لم يعالج مسألة نزع السلاح، ونص من جهة أخرى على جعل عصبة الأمم هيئة دولية لرقابة التسليح نزولاً على النظرية الفرنسية؛ وفي سنة 1925 عقد ميثاق لوكارنو لتأمين منطقة الرين بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا، وحلت بذلك مسألة السلامة القومية نوعا، ولكن الميثاق كان محدود المدى والاثار، ولم يتعرض بشيء لمسألة نزع السلاح. بيد أن عقده كان عاملاً كبيراً في صفاء الأفق الدولي، والتقريب بين ألمانيا والحلفاء، وبث روح من التفاهم بين خصوم الأمس لم تعرف منذ معاهدة الصلح.
وكان هذا التفاهم مشجعاً لعصبة الأمم على التقدم في معالجة مشكلة نزع السلاح، خصوصاً بعد أن انضمت ألمانيا إلى العصبة. ففي سنة 1926 انتدبت العصبة لجنة تمهيدية لتنظيم مؤتمر عالمي لنزع السلاح؛ وأنفقت هذه اللجنة جهوداً كبيرة في بحث المسائل الفنية المتعلقة بأنواع الأسلحة والذخائر وعدد الجيوش والجمعيات العسكرية. وبدئ منذ العام التالي بعقد مؤتمر السلاح الذي استمر يعقد كل عام مرة أو اكثر حتى يومنا. ومن المستحيل أن نتتبع في هذا المقام الضيق أعمال مؤتمر نزع السلاح خلال الأعوام الأخيرة،

(50/19)

فهي في الواقع أعمال ومفاوضات تسير في دور لا ينتهي. ويكفي أن نقول انه قدم إلى مؤتمر عشرات المشاريع من مختلف الدول لتخفيض التسليح أو نزعه، وبحثت مسألة السلامة وعدم الاعتداء مراراً ولقيت وعود وتصريحات لا نهاية لها من مختلف الدول، وفي كل مرة تنتهي الجهود والمفاوضات المستفيضة بالفشل المطلق، وفي كل مرة نشعر بحق أن مؤتمر نزع السلاح قد اختتم حياته. وانتهى مؤتمر نزع السلاح الذي عقد في لندن سنة 1930 إلى نتيجة ضئيلة هي عقد اتفاق جديد بين بريطانيا العظمى وأمريكا واليابان على تخفيض التسليح البحري في حدود معينة، أبت فرنسا وإيطاليا أن تدخلا في هذا الاتفاق لتمسك إيطاليا بالمساواة مع فرنسا، وتمسك فرنسا بتفوقها في نسب التسليح البحري.
وفي العامين الأخيرين دخلت مسألة نزع السلاح في دور جديد، وزادت تعقيداً وصعوبة، أولاً لان ألمانيا بعد طول التسويف في نزع السلاح رأت من حقها أن تطالب بالمساواة في التسليح بالاعتماد على نصوص معاهدة الصلح ذاتها إذ اعتبرت تجريد ألمانيا من السلاح مقدمة لنزع السلاح العام كما قدمنا، ومادامت الدول لم تقم بتعهداتها في هذا الشأن فمن حق ألمانيا أن تعود إلى تسليح نفسها كباقي الدول؛ وثانياً لان فرنسا ازدادت تمسكاً بنظريتها في جعل حل مسألة نزع السلاح متوقفاً على مسألتي السلامة القومية والضمان المتبادل بعدم الاعتداء. وقد اشتد الخلاف بين ألمانيا وفرنسا في العام الماضي إلى حد رأت معه ألمانيا أن تنسحب من عصبة الأمم ومن مؤتمر نزع السلاح حتى تجاب إلى وجهة نظرها. وبدأت ألمانيا بالفعل بتسليح نفسها رغم احتجاج فرنسا؛ ودبت روح جديدة من المنافسة بين الدول في تقرير الاعتمادات العسكرية وزيادة التسليحات؛ وحاولت إيطاليا وبريطانيا غير مرة أن تقوم كلتاهما بمهمة الوساطة وتذليل الخلاف بين فرنسا وألمانيا، فذهبت جميع الجهود سدى. وعقد مؤتمر نزع السلاح في خريف العام الماضي في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وظهر منذ المناقشات الأولى انه يستحيل أن يوفق المؤتمر إلى شيء جديد، فأجل ليتفادى الموت النهائي. وعقد هذا العام، منذ أسابيع قلائل، وعدنا نسمع الحوار العقيم بين مختلف المندوبين؛ وما زالت ألمانيا خارج المؤتمر، ومازالت فرنسا تؤكد إصرارها على تحقيق الضمانات المتعلقة بالسلامة القومية قبل اتخاذ أية خطوة في سبيل نزع السلاح.

(50/20)

لقد استمرت هذه الجهود والمفاوضات العقيمة في نزع السلاح أكثر من عشرة أعوام؛ وربما استمرت حيناً آخر. ولكن المحقق أن مؤتمر نزع السلاح صائر إلى موت لا ريب فيه، وانه لم يكن قط ابعد عن غايته مما هو عليه. ويرجع هذا الفشل قبل كل شيء إلى موقف فرنسا وألمانيا؛ فقد جردت ألمانيا من سلاحها طبقاً لمعاهدة الصلح وانتظرت أعواماً طويلة، وفرنسا وباقي الدول تجد في تسليح نفسها، ولم تتقدم أعمال مؤتمر نزع السلاح تقدماً يذكر؛ وكانت فرنسا بإصرارها خلال هذه الأعوام هي الصخرة التي تحطمت عليها كل الجهود التي بذلت في هذا السبيل؛ ولكن ألمانيا الهتلرية جاءت بسياستها العنيفة فزادت المسألة حرجاً وتعقيداً، وألفت فرنسا في تلك الروح العسكرية التي يبثها النظام الهتلري في ألمانيا، وفي تلك المظاهرات العنيفة التي تجري في ظله، وفي ذلك الوعيد الذي يلقيه زعماء ألمانيا الحاليين هنا وهناك، وما يبرر موقفها في التمسك بسياستها العسكرية والمطالبة بتأمين سلامتها ضد الخطر الألماني.
وهكذا بينما يمضي مؤتمر نزع السلاح في جدله العقيم، إذا بالمنافسة في التسليح بين الدول العظمى تبلغ ذروة الاضطرام، وإذا بسياسة المعاهدات السرية والعسكرية وتعود فتغدو سبيل التوازن الأوربي، وإذا بشبح الحرب يلوح بين آونة وأخرى.
محمد عبد الله عنان
المحامي
إحياء المولد النبوي الكريم
بعض رسومه ومناظره في مصر الإسلامية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت ليلة الثاني عشر من ربيع الأول - ليلة مولد النبوي الكريم - دائماً من المواسم والأعياد المشهودة في جميع الأمم الإسلامية؛ ومازال مولد النبي العربي من الذكريات الخالدة في المجتمع الإسلامي؛ ولكن الاحتفال بذلك الحادث العظيم في تأريخ الإنسانية كان يقترن في العصور الخالية، أيام عز الإسلام ومجده، بضروب من الجلال والبهاء والبذخ، ذهبت بها حوادث الزمن وتقلباته، وما انتهت إليه الأمم الإسلامية من الاضمحلال والتأخر. وقد بدأ هذا الاحتفال المقدس في عصر الإسلام الأول بسيطاً متواضعاً، كباقي المواسم والاحتفالات الدينية، فلما بلغت الخلافة ما بلغت من العظمة والبهاء، ظهرت فخامة الملك وروعته في الأعياد والحفلات الرسمية، وجرت الشعوب على سنة ملوكها وأمرائها في هذا الموسم من الظهور والبذخ. وكان شأن مصر الإسلامية في ذلك شأن باقي الولايات الإسلامية في عصر الخلافة الأول من بساطة في الرسوم والمظاهر؛ فلما استحالت مصر من ولاية خلافية إلى دولة مستقلة في عهد بني طولون وبني الأخشيد وقامت فيها قصور ملوكية باذخة، ظهر أثر هذا الانقلاب في رسوم الدولة ومظاهرها العامة، وغدت المواسم والاحتفالات الدينية حوادث عامة يحييها الشعب، كما تحييها الحكومة في كثير من الرونق والبهجة والحبور.
وقد بلغت هذه المظاهر والرسوم الفخمة ذروة البهاء والروعة في عهد الدولة الفاطمية، وكانت هذه الدولة القوية الشامخة تتخذ من المواسم والأعياد الدينية والقومية فرصاً للظهور في أبدع مظاهر القوة والغنى والترف، وتغمر الشعب في هذه الأيام المشهودة بوافر بذلها وعطائها؛ فكان الشعب يستقبل هذه المواسم باهتمام وحماسة ويكثر فيها من الاحتشاد والإنفاق والمرح، تشجعه الدولة على ذلك وتحثه بقدوتها ومثلها. وكان للاحتفال بهذه المواسم رسوم وتقاليد معينة تختلف باختلاف أهميتها الدينية أو القومية. وقد بلغت في ظل الدولة الفاطمية من الكثرة والانتظام ما لم تبلغه في أية دولة إسلامية أخرى. ذلك أن الخلافة الفاطمية شرعت لنفسها، إلى جانب الأعياد الدينية المأثورة، أعياداً خاصة بها

(51/11)

وبدعوتها ومذهبها الديني، فقررت أن تحتفل إلى جانب المولد النبوي، بموالد خمسة أخرى هي مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومولد زوجه السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب الفاطميون إليها، ومولد الحسن، ومولد الحسين ابني علي، ومولد الخليفة الفاطمي القائم في الملك؛ هذا إلى مواسم وأعياد أخرى كيوم عاشوراء (عاشر محرم) الذي قتل فيه الحسين، وليلة أول رجب ونصفه وليلة أول شعبان ونصفه وهي ليالي الوقود الشهيرة؛ ثم كانت هنالك أعياد قومية أخرى كيوم فتح الخليج، ويوم الميلاد النصراني ويوم النوروز، ويوم الغطاس؛ ذلك أن الخلافة الفاطمية لم تنس أن تشمل رعاياها النصارى برعايتها وتسامحها في إحياء هذه الأعياد القومية القديمة بصفة رسمية، وفي أن تسبغ عليها من البهجة والبهاء ما يسبغ على الأعياد الأخرى.
وكان المولد النبوي الكريم في مقدمة الأعياد الإسلامية المقدسة، تحتفل به الدولة طبق رسوم معينة، ويحتفل به الشعب في فيض من الضجيج والمرح. وقد وصف لنا مؤرخو الدولة الفاطمية المعاصرين، كابن زولاق، والمسبحي، وابن الطوير، وابن المأمون، طرفاً من هذه المناظر والرسومالشائقة؛ وخلاصة هذه الرسوم، هو أنه إذا حل المولد النبوي، يطلق من الخزينة مبلغ كبير برسم الصدقات، ويطلق من دار الفطرة أربعون صينية فطرة ومن الخزائن سكر ولوز وعسل وزيت برسم خدمة المزارات التي بها - حسب قولهم - بعض أعضاء آل البيت، ويوزع من الحلوى بضع مائة ألف رطل، وكذا من الخبز كمية كبيرة. وفي يوم المولد النبوي - الثاني عشر من ربيع الأول - يخرج الخليفة في موكبه ليجلس في المنظرة الخلافية المجاورة للمشهد الحسيني؛ وهي أقرب المناظر إلى القصر؛ وتكون دار الفطرة قد أعدت ثلاثمائة صينية مجهزة بالحلوى اليابسة لتفرق في كبار الموظفين والقضاة، وفي مقدمتهم قاضي القضاة وداعي الدعاة، وقراء الحضرة وخطباء المساجد الجامعة. وعند الظهر يركب قاضي القضاة في موكبه من عند القصر، ويخلى ميدان القصر من الجماهير، ويترك للجمهور السلوك من ناحية أو اثنينْ، ويقوم والي القاهرة بالمحافظة على النظام مع رجاله؛ ويصل موكب قاضي القضاة من ناحية، ويصل موكب الحاجب الكبير من ناحية أخرى إلى ساحة المنظرة الخلافية وقد فرشت بالرمل؛ ويقف الجميع في الساحة متشوقين لرؤية الخليفة. وبعد نحو ساعة يطل الخليفة من إحدى

(51/12)

الطاقات وعلى رأسه المنديل الخلافي، ومن ورائه بعض الأستاذين المحنكين ويطل أحد الأساتذة من طاقة أخرى ويقول: (أمير المؤمنين يرد عليكم السلام) ويسلم على الحضور؛ ثم يبدأ قراء الحضرة بالقراءة وقوفاً، ووجوههم إلى الجمهور، وظهرهم إلى المنظرة؛ ثم يلقى خطباء المساجد الجامعة خطبهم، فيبدأ خطيب الجامع الحاكمي، ثم خطيب الجامع الأزهر، ثم خطيب الجامع الأقمر؛ وتدور الخطبة حول المولد النبوي وقدسيته وفضله؛ فإذا انتهت الخطابة، أخرج الأستاذ رأسه من الطاقة ويده في كمه ورد على الجماعة السلام، ثم تغلق الطاقتان. ويحتجب الخليفة والأستاذ، وينتهي الاحتفال، وينفض الناس.
هذا، وإلى جانب الاحتفال الرسمي، يحتفل الشعب في كل مكان بإقامة المآدب الخاصة ليلة المولد النبوي، وفي مساء يوم المولد، وتسطع القاهرة في الليل بالأنوار الباهرة، وتغص الساحات والدروب بالجماهير المحتشدة، وتكثر النفقة والنزهة، وتقام أنواع الملاهي والمطاعم العامة، وتسير السفن في النيل والخليج محملة بالمتنزهين، ويكثر البر بالفقراء والمساكين.
وكان الاحتفال بالمولد النبوي في دول السلاطين المختلفة دائماً من الأعياد الرسمية، تحييه الحكومة والشعب، ويشهده السلاطين أحياناً؛ ولكنه لم يبلغ في ظل هذه الدول ما كان يبلغه من الفخامة والبهاء في ظل الدولة الفاطمية.
وفي عصر الحكم التركي، ذوى بهاء المواسم والأعياد الدينية كما ذوى كل شيء في الحياة العامة المصرية، وغلبت عليها التقاليد السخيفة، ولم يبق لها شيء من تلك الروعة التي كانت تهز قلوب المسلمين، وتبعث إليها الجلال والخشوع.
ويصف لنا الجبرتي طرفاً مما كانت عليه رسوم الاحتفال بالمولد النبوي في أواخر الحكم التركي وأيام الحملة الفرنسية، فيقول مثلاً في وصف احتفال سنة 1214هـ ما يأتي:
(وفي يوم الثلاثاء حادي عشره (أي حادي عشر ربيع الأول) عمل المولد النبوي بالأزبكية ودعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلاً وإسراج قناديل واصطناع مهرجان).
ويقول في وصف احتفال سنة 1216هـ ما يأتي:

(51/13)

(وفيه (أي ربيع الأول) نودي بتزيين الأسواق من الغد تعظيما ليوم المولد النبوي الشريف فلما أصبح الأربعاء كررت المناداة والأمر بالكنس والرش فحصل الاعتناء وبذل الناس جهودهم وزينوا حوانيتهم بالشقق الحرير والزردخان والتفاصيل الهندية مع تخوفهم من العسكر. وركب المشار إليه عصر ذلك اليوم وشق المدينة وشاهد الشوارع. وعند المساء أوقدوا المصابيح والشموع ومنارات المساجد وحصل الجميع بتكية الكلشني على العادة، وتردد الناس ليلاً للفرجة وعملوا مغاني ومزامير في عدة جهات، وقراءة القرآن، وضجت الصغار في الأسواق وعم ذلك سائر اخطاط المدينة القاهرة، ومصر وبولاق. وكان من المعتاد القديم ألا يعتني بذلك إلا بجهة الأزبكية حيث سكن الشيخ البكري لأن عمل المولد من وظائفه وبولاق فقط).
وفي وصف احتفال سنة 1217هـ ما يأتي:
(فيه (ربيع الأول) شرعوا في عمل المولد النبوي وعملوا صواري ووقدة قبالة بيت الباشا وبيت الدفتر دار والشيخ البكري ونصبوا خياماً في وسط البركة ونودي في يوم الخميس بتزيين البلد وفتح الأسواق والحوانيت والسهر بالليل ثلاث ليال، أولها صبح يوم الجمعة وآخرها الأحد ليلة المولد الشريف فكان ذلك) ونستطيع أن نلمح في الاحتفال الرسمي الذي يقام في أيامنا احتفاء بالمولد النبوي الكريم بعض رسوم العصور الخالية، وبالأخص بعض المناظر التي ينقلها إلينا الجبرتي عن هيئة الاحتفال في أواخر العصر التركي، ولكنا لا نستطيع أن نلمح فيه كثيراً من تلك الروعة التي كانت تطبعه في عصور المجد والاستقلال، ولا نستطيع بالأخص أن نلمس آثار ذلك الصدى العميق الذي كان يتردد بين طوائف الشعب ويجعل من المولد النبوي الكريم عيداً دينياً وقومياً عاما يحتفي به الشعب بأسره).
محمد عبد الله عنان المحامي
في تاريخ القضاء في مصر الإسلامية
صور من استقلال القضاء وصور من خضوعه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم تعرف نظرية فصل السلطات الحديثة كثيراً في العصور الوسطى، ولم تطبق بالأخص في ظل الأنظمة المطلقة التي سادت في تلك العصور، فالسلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية التي تقوم الدولة الحديثة على مبدأ الفصل بينها، كانت تجتمع في ظل الأنظمة المطلقة في نفس اليد العليا التي تصرف في سائر الشئون العامة. ولم تشذ الدول الإسلامية عن هذه القاعدة، فقد كان الخليفة أو السلطان أو الأمير نجمع في شخصه كل السلطات ويزاولها مجتمعة أو منفردة على يد عماله. نعم كان هناك توزيع للسلطات، ولكن نظري محض، فقد كانت أصول التشريع قائمة تعدل وتفسر في ظل الدول المختلفة طبقاً لمختلف النزعات المذهبية والسياسية، وكان للقضاء جهة خاصة يعمل في دائرتها، وكان الوزراء ومن إليهم من الكتاب والعمال يمثلون الناحية التنفيذية: ولكن هذه الجهات الثلاث التي تقابل السلطات الثلاث في الدولة الحديثة كانت تمتزج دائماً من الوجهة العملية، وتخضع دائماً سواء منفردة أو مجتمعة لرأي الخليفة أو السلطان أو الأمير؛ وكان هذا الرأي دائما فوق كل قانون وقضاء ونظام، وان كان في معظم الأحيان يلتمس له ظاهر من القانون أو النظام.
وكان القضاء كالسلطة التنفيذية دائماً عرضة للتأثير والتدخل ولكن السلطة العليا كانت تؤثر، في معظم الأحيان، أن تبدو في الظاهر محترمة لرأي القضاء بعيدة عن التأثير في سير العدالة. ذلك أن القضاء كان يتشح دائما بثوب الدين، ويستمد سلطانه من كتاب الله وسنة رسوله، فكان التدخل المرغوب كثيرا ما يحمل طابع التفسير لنص من النصوص. وكان القضاة أعوان السلطان قبل أن يكونوا أعوانا للعدالة، وتقدير استقلال القضاء وحريته يرجع قبل كل شيء إلى السلطان: وقد كان ثمة خلفاء وسلاطين يقدرون استقلال القضاء، وينحنون أمام كلمته؛ وكان ثمة قضاة أقوياء النفس والجنان يتمسكون برأيهم وسلطتهم في الحكم، ويأنفون من التدخل والتأثير. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي تؤيد هذه الحقيقة نورد بعضها في هذا الفصل، وهي مما يتعلق بتاريخ القضاء في مصر الإسلامية.

(52/12)

كان من قضاة مصر في أوائل القرن الثالث الهجري، الحارث بن مسكين، ولي قضاء مصر الأعلى من قبل الخليفة المتوكل سنة 237هـ. ويصف لنا الكندي مؤرخ قضاة مصر حتى منتصف القرن الرابع، شخصية الحارث بن مسكين وطريقته في الحكم، نقلا عن ابن قديد، وهو فقيه ومحدث مصري عاصر الحارث وعرفه. كان الحارث شخصية غريبة قوية، وكان شديد الحرص على حريته واستقلاله، وكان مقعداً، يركب حمارا مبرقعا، ويحمل في محفة إلى مجلس الحكم بالمسجد الجامع (جامع عمرو)، وكانارما شديد الوطأة جريئا في أحكامه يأبى تلقى الولاة والسلام عليهم. وطلب إليه أن يلبس السواد، وهن شعار بني العباس فأبى حتى انتهى بعض أصحابه بإقناعه بأنه إذا لم يرتد السواد اتهم بالانحراف عن بني العباس والميل إلى بني أمية، فارتدى عندئذ كساء اسود من الصوف. وكان كثير الاجتهاد والابتكار في إجراءاته وأحكامه. ويورد لنا الكندي طرفا من هذه الإجراءات والأحكام، ويذكر لنا كيف أن الحارث بن مسكين آثر الاستقالة على قبول التدخل في أحكامه. وذلك أنه رفع إليه نزاع على ملكية دار الفيل، وهي إحدى دور الفسطاط الشهيرة، وكانت لأبي عثمان مولى الصحابي مسلمة بني مخلد الأنصاري؛ وكان قد قضى في شإنها قبل الحارث عدة من قضاة مصر، فقضى فيها أولا هرون بن عبد الله بإخراج بني البنات من العقب باعتبار أن لا حق لهم في الميراث؛ ولكن خلفه محمد بن أبى الليث قضى بإلغاء هذا الحكم، وحكم لبني السائح المدقين بنصيبهم في الدار؛ فلما رفع النزاع مرة أخرى إلى الحارث بن مسكين، فسخ حكم بن أبى الليث، وقضى بإخراج بني السائح من الميراث، فسافر ابن السائح إلى بغداد، ورفع إلى الخليفة المتوكل تظلما من حكم الحارث والتماسا بإعادة النظر في قضيته، فأحال المتوكل القضية إلى الفقهاء، فحكموا فيها على مذهب الكوفيين، وقضوا بإلغاء الحكم، وكان حكم الحارث على مذهب المدنيين. فلما بلغ الحارث ما وقع، كتب في الحال إلى المتوكل يرفع إليه استقالته من منصبه؛ وقدر المتوكل دقة الموقف فقبل الاستقالة، وكتب وزيره إلى الحارث بقبولها فيما يأتي (إن كتابك وصل باستعفائك فيما تقلدت بأمر القضاء بمصر، وأمر (أمير المؤمنين) أيده الله بإجابتك إلى ذلك. . استعافا لك مما سالت، وتفضل لما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل بحسبه) وغادر الحارث بن مسكين منصبه سنة 245هـ، وضرب باستقالته مثلا

(52/13)

قويا في الكرامة والاستقلال بالرأي والحرص على حرمة القضاء وقدسه.
ولما تولى المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون قضاء المالكية بمصر سنة 786هـ، في عهد الظاهر برقوق، أبدى في تصرفاته وأحكامه تمسكا شديدا بالرأي، وإعراضا قويا عن كل مؤثر وشفاعة، خلافا لما كانت عليه أحوال القضاء يومئذ، وكان المؤرخ الفيلسوف يسبق عصره بمراحل في فهم استقلال القضاء ووجوبونه عن كل مؤثر؛ ولكنرامته في تطبيق هذا المبدأ أثارت عليه عاصفة من الحقد والسعاية؛ ويقول لنا ابن خلدون في هذا الموطن في (تعريفه) كلاما طويلا عما كان يسود القضاء المصري يومئذ من فساد واضطراب، وما يطبع الأحكام من غرض وهوى، وعما كان عليه معظم القضاة والكتاب والشهود من جهل وفساد في الذمة، وانه حاول إقامة العدل الصارم المنزه عن كل شائبة، وقمع الفساد بحزم وشدة، وسحق كل سعاية وغرض يقول (فقمت بما دفع إلى من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة، مسويا بين الخصمين اخذ الحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين)
وهذا تصوير قوي لاستقلال القضاء لا يتفق كثيرا مع روحالعصر، ولكن يتفق مع شخصية الفيلسوف القوية، ومع ثقته بنفسه، وسموه برأيه. وفد انتهت العاصفة التي آثارها عليه خصومه باستقالته أو إقالته من منصب القضاء لعام فقط من توليته، وينسب خصوم الفيلسوف تخليه عن منصب القضاء، لأسباب غير استقلاله برأيه ونزاهته في أحكامه، ولكن مؤرخا مصريا كبيرا قريبا من عصره هو أبو المحاسن بن تغري بردي يفر الفيلسوف على عليله، ويقول لنا مشيرا إلى ولايته للقضاء (فباشره بحرمة وافية وعظمة زايدة، وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة، وشفا عات الأعيان. . .)
على أن فهم استقلال القضاء على هذا النحو كان من الأمور النادرة في تلك العصور وكان مرجعه شخصية القضاة أنفسهم، وليس روح العصر أو نظمه. وفد كانت القاعدة العامة كما قدمنا انه لا استقلال للقضاء إلا في حدود رأي السلطة العليا وهواها؛ وكان خضوع القضاء لرأي هذه السلطة ووحيها يبدو بنوع خاص في بعض القضايا الجنائية الهامة التي تريد السلطة العليا أن تسبغ فيها لون القانون والعدالة على قصاص أو انتقام ترى إجراءه، أو

(52/14)

القضايا المدنية الهامة التي يراد فيها اغتيال مال وثروات يطمع فيها باسم الشريعة وقضائها. وكثيرا ما كانت السلطة العليا تغفل في إجراءاتها وأعمالها هذه الصبغة الشرعية، ولكنها كانت في أحيان كثيرة ترى من حسن السياسة إلا تحمل مسئولية القصاص أو الانتقام أو مصادرة الأموال، وان ترد هذه المسئولية إلى القضاء، وهو في نظرها ورأيها أداة من أدوات التنفيذ التي تسيطر عليها وتسيرها طبقا لمصالحها وأهوائها.
وإذا كنا لا نستطيع أن نظفر في تاريخ القضاء في تلك العصور بأمثلة كثيرة لتطبيق مبدأ استقلال القضاء، فأنا نستطيع أن نظفر بالعكس بكثير من الأدلة والوقائع على خضوع القضاء للسلطة العليا ايا كانت وتبعيته لها وتوقفه على إرادتها وهواها. ونكتفي بان نورد لتأييد هذه بالحقيقة مثلا واحدا من تاريخ القضاء في أوائل الفرن التاسع الهجري، نقله إلينا المقريزي وهو من معاصريه وشهوده. وخلاصته انه في عهد الناصر فرج سلطان مصر، أنشأ الأمير جمال الدين الاستادار مدرسة عظيمة بالقاهرة، أوقف عليها أوقافا جليلة، وكان إنشاؤها على ارض عليها أبنية موقوفة على بعض الترب، فاستبدل بها الأمير أرضا من جملة الأراضي الخراجية بالجيزة، وحكم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم بصحة الاستبدال وهدم البناء أقام مكانه المدرسة. ثم نكب الأمير جمال الدين وقتله السلطان، وحسن له بعض وزرائه أن يستولي على المدرسة وان يضع اسمه عليها، فادعى السلطان عندئذ أن الأرض الخراجية المستبدل بها كانت ملكه واغتصبها الأمير جمال الدين دون إذنه، وحكم له قاضي قضاة المالكنة، بان بناء المدرسة الذي أقيم على ارض لم يملكها الواقف، لا يصح وقفه، وانه باق على ملكية بانيه إلى حين موته، وعندئذ انتدب الشهود لتقدير قيمة البناء، فقدر باثني عشر ألف دينار ودفع المبلغ إلى أولاد جمال الدين وباعوا المدرسة للسلطان، فصارت ملكه، ثم أوقف السلطان أرض المدرسة وبنائها بعد أن قضى له قاضي الحنفية بصحة الاستبدال، وحكم له القضاة الأربعة بصحة هذا الوقف؛ بعد أن قضوا من قبل بصحة وقف الأمير جمال الدين. فلما قتل الملك الناصر، وتولى مكانه الملك المؤيد، تولى الوزارة بعض أصدقاء جمال الدين، وسعوا لدى السلطان ليرد أملاك جمال الدين المغتصبة إلى أخيه وأولاده، فأجاب السلطان ملتمسهم، وأحيلت القضية مرة أخرى على القضاة الأربعة، وعقدت لذلك جلسة مشهودة (815هـ)، وقضى برد المدرسة وأوقافا

(52/15)

إلى جمال الدين وما نص عليه في وقفيته؛ ورد النظر فيها لأخيه؛ ثم نزع منه النظر بحكم جديد وأعطى لكاتب السر، وهكذا يقول المقريزي (فكانت قصة هذه المدرسة من أعجب ما سمع به في تناقض القضاة وحكمهم بإبطال ماححوهم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، كل ذلك ميلا مع الجاه، وحرصا على بقاء رياستهم، ستكتب شهادتهم ويسألون)
وهذا مثل بارز يصور لنا مبلغ خضوع القضاء للسلطة التنفيذية وتأثره بأهوائنا في بلك العصور، فلم يكن القضاء يومئذ هو ذلك الملاذ النهائي للحق والحرية، ولم يك ثمة احترام لما نسميه اليوم بقوة الأحكام النهائية؛ فما يفتى به اليوم تحقيقا لرغبة سلطان أو أمير أو وزير، يفتي غدا بعكسه تحقيقا لرغبة السلطان الجديد أو وزيره، ويقضي بهذه الأحكام المتناقضة نفس القضاة في كل مرة. وما يقوله لنا المقريزي من أن بواعث هذه الحالة كلها ترجع إلى ميل القضاة مع الجاه وحرصهم على بقاء رياستهم، هو أصدق تعليل لهذا الصدع الخطير في بناء الدولة ونظمها. ونستطيع أن نضيف إلى قول المقريزي، أن هنالك عاملا آخر له قيمته في خضوع القضاء للسلطة التنفيذية على هذا النحو، هو أن القضاء الأعلى لم يكن يتمتع في بلك العصور بما أسبغ عليه في العصر الحديث من الضمانات الكفيلة باستقلاله وحمايته من تدخل السلطة التنفيذية وانتقامها، وأهم هذه الضمانات كما هو معروف هو عدم قابلية القضاة الأكابر للعزل أو النقل، وعدم مسئوليتهم أمام أية سلطة أخرى؛ ولكن القضاء في العصور الوسطى لم يكن يعرف مثل هذه الطمأنينة سواء في الشرق أوفي الغرب، وكان القاضي يخاطر دائما بمركزه وجاهه ورزقه وأحيانا بحياته إذا لم يذعن لرأي السلطة التنفيذية وهواها؛ ولم يكن يستطيع مغالبة هذا التيار الخطر أو تحديه سوى شخصيات قوية جريئة تستهين في سبيل كرامتها في تلك العصور منها سوى القليل.
محمد عبد الله عنان المحامي
روائع عصر الأحياء
حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه
مثل أعلى للترجمة الشخصية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
قد تفوق الحقيقة أحياناً من حيث الغرابة والروعة والميل إلى المدهش الخارق، كل ما يتصوره الخيال المغرق. وهذه ظاهرة نلمسها في كثير من حوادث التاريخ، كما نلمسها في الحوادث الفردية. ومن الأشخاص العاديين من تهيأ له حياة فياضة بالمخاطر والمغامرات المدهشةتجعل منه شخصية فريدة تخلق بذكر التاريخ، وإن لم تؤثر في مجرى حوادثه. وكثيراً ما تبدو هذه السير الشخصية العجيبة برائع حوادثها ومفاجآتها في لون خارق لا تسبغه الحوادث العظيمة على التاريخ نفسه، ولا يسبغه الخيال المغرق على القصة المبتكرة.
ومن هذه النماذج الخارقة للحياة الفردية، حياة الفنان الإيطالي بنفونوتو وهو نموذج ليس له فيما نعتقد مثيل في الغرب أو الشرق؛ ومما يزيد في قيمته وروعته انه صورة رسمتها يد ذلك الفنان البارع الذي نقرأ حياته، عن نفسه وعن حوادث حياته. وكم من تراجم شخصية بديعة انتهت إلينا لشخصيات عظيمة وبأقلام قوية ساحرة؛ ولكنا لا نستطيع أن نلمس فيها رغم روعتها، تلك الحياة المضطرمة التي تفيض بها سيرة بنفونوتو تشلليني. ومن الغريب أن تشلليني لم يكن كاتبا ولا أديبا، يسبغ من أدبه وقلمه على حوادث حياته سحراً وقوة؛ ذلك أن معظم التراجم الشخصية العظيمة التي انتهت إلينا أتيحت لها أقلام بارعة صاغتها في أوضاع أدبية باهرة، وكثيرا ما يتفوق الجمال الأدبي فيها على روعة القصة وسحر الحوادث. ويعرف الذين قرأوا (اعترافات) جان جاك روسو، أو ترجمة المؤرخ الفيلسوف جيبون لنفسه، أي جمال يسبغه القلم ويسبغه البيان الرائع على تلك الصحف الشائقة التي يقدمها إلينا كل من روسو وجيبون عن نفسه، حتى أن سحر البيان ليسمو في مواطن كثيرة، على روعة الحوادث ذاتها. ولكن تشلليني كان اكثر من كاتب وأديب؛ كان فناناً عظيماً تتجلى عبقرية الطبيعة في مواهبه، ويستمد منها سحر البيان وآية

(53/11)

الوصف؛ وأنا لنلمس في تلك الصحف القوية التي تركها لنا عن حياته العجيبة، روعة هذه المواهب الساذجة، وتحملنا بساطتها المؤثرة إلى أعماق هذه النفس التي تحدثنا لا بواسطة اللفظ الساحر، ولكن في نوع من الوحي والتأثير الروحي، ونكاد نشعر ونحن نتتبع تلك الصورة الحية التي يرسمها لنا تشلليني عن نفسه، إننا نرى تشلليني نفسه، لا تفصلنا عنه القرون، ونشهد معه تلك الحوادث العجيبة التي يقصها علينا، نشهد أحوال عصره ماثلة أمامنا، في ألوان ساطعة، تسبغ عليها ريشته البارعة كل ما في الحقيقة من قوة وروعة وحياة.
كان تشلليني من غرس عصر الأحياء، ذلك العصر الذي تفتحت فيه مكامن العبقرية البشرية، وأخرجت لنا ثبتاً حافلا من تلك الشخصيات التي يزدان بها تاريخ الإنسانية؛ وقد بزغ فجر هذا العصر في إيطاليا، منذ القرن الرابع عشر، وأشرقت طلائعه على يد دانتي وبتراركا وبوكاشيو وماكيافيللي، وميراندولا وجاليلو، ثم على يد رافائيل سانزيو وميشيل انجيلو وعشرات آخرين من أبطال الفن الرائع ترجمهم لنا جميعا، جورجو فازاري في أثره الضخم؛ وكان بنفونوتو تشلليني من جنود ذلك الجيش الباهر الذي لبث ضوء عبقريته يسطع في جنبات إيطاليا زهاء قرنين. ولم يكن في الصف الأول من ذلك الثبت الحافل، ولكنه يقدم إلينا بحياته الغريبة أقوى وأصدق مثل لعصره، بكل ما فيه من حسنات ورذائل؛ ولا غرو فقد عاش تشلليني في عصر البابوية الذهبي، وعصر الحروب الأهلية والغزوات الأجنبية في إيطاليا، واشترك بقسط وافر في كثير من الحوادث العظيمة التي كانت تهز أسس المجتمع الإيطالي يومئذ، وشهد عن كثب سير أولئك البابوات والأحبار الذين كانت أقوالهم ونزاعاتهم يومئذ كل شيء في الملك والحياة العامة.
ولد تشلليني في أسرة متوسطة الحال في سنة 1500 بمدينة فلورنس (فيرنتزا) التي كانت يومئذ في طليعة المدن الإيطالية الزاهرة، وكانت موئل الفنون والآداب؛ وكان أبوه مهندساً وموسيقياً يجيد العزف بالمزمار، وفناناً يقوم بصنع التحف العاجية الدقيقة؛ وكان يحاول أن يغرس في نفس طفله بنفونوتو حب الموسيقى ويرغمه على العزف والغناء. ولكن بنفونوتو كان يتضجر من الموسيقى، ويؤثر عليها الرسم. ولما بلغ الخامسة عشرة التحق على كره من أبيه بحانوت صائغ ماهر؛ وكان يهوى هذه الصناعة بطبيعته؛ ولكنه لم يلبث أن

(53/12)

اضطر إلى مغادرة فلورنس على أثر اشتراكه في شجار دموي وقع بين أخيه وبين جماعة من جند الأمير، وقضى من جرائه بنفي الأخوين من فلورنس؛ فسار تشلليني إلى مدينة سيينا، واشتغل هنالك حيناً لدى صائغ آخر؛ ثم سعى والده لدى الكردينال دى مديتشي الذي انتخب لكرسي البابوية باسم كليمنضوس السابع، فسمح للأخوين بالعودة إلى فلورنس؛ واقترح الكردينال على الأب أن يرسل ولده بنفونوتو إلى بولونيا ليتعلم هنالك الموسيقى على أساتذة الفن بتوصية منه، فاغتبط الأب لذلك أيما اغتباط، وقبل الفتى رغم إرادته لأنه كان يكره الموسيقى وينعتها (بالفن الملعون)، ولبث مدى أشهر يتعلم الموسيقى، ويشتغل أيضاً بصناعته المحبوبة أعني الصياغة وصنع القطع الفنية الدقيقة؛ ثم عاد إلى فلورنس يزاول صناعته حتى اشتهر رغم حداثته، وتحدث الناس بمواهبه. وهنا اتصلت أواصر الصداقة بينه وبين فتى يدعى تاسو، وهو فنان حفار؛ فاقترح عليه أن يسافر الاثنان إلى رومه؛ وكانت هذه أمنية تثير خيال فتى ذكي مخاطر مثل بنفونوتو، فقبل الاقتراح؛ وسافر الاثنان إلى رومه، وكان تشللينى يومئذ في التاسعة عشرة من عمره
وفي رومه اشتغل تشلليني لدى أقطاب فنه، وزاد كسبه، وتفتحت أمامه الآمال الكبيرة؛ وكانت رومه في ذلك العصر مدينة الأحبار، ومعقل الفاتيكان، تنثر عليها البابوية من سلطانها وبذخها وبهائها ألوانا رائعة؛ وكان الاتصال بذلك المجتمع القويالباهر أشد ما يثير طلعة ذلك الفتى الطامح؛ وكانت البابوية وأولياؤها من الأحبار الأكابر يومئذ موئل الفن الرفيع، وملاذ الفنانين الموهوبين؛ فاستقر تشلليني في رومه يرقب فرصه، ولبث إلى جانب عمله يشتغل بدراسة النقوش والصور الخالدة التي خلفها ميشيل انجلو ورافائيل، في صروح رومة؛ ولم يمض سوى قليل حتى أتيحت له فرصة الاتصال بحبر كبير هو أسقف شلمنقة أصلح له بعض التحفوسر من مهارته وعهد إليه بصنع إناء بديع مزخرف؛ وعهدت إليه زوج الأمير تشيجى بصنع حلية من الجواهر. وهنا يفض تشلليني في وصف التحف والحلي البديعة التي كان يصنعها إفاضة تدل على ما كان يجيش به من شغف بفنه ومهنته، وهنا أيضا يطلق تشلليني العنان لأهوائه المضطرمة ويصف لنا بمنتهى الصراحة والجرأة مواطن لهوه، ومواطن عبثه وفسقه مهما كانت من الوضاعة، ويقص علينا كيف أصابه الوباء الذي عصف يومئذ برومة، عقب ليلة غرام قضاها مع فتاة خادمة لبغي حسناء

(53/13)

جاءت لزيارة صديق له، فاختص الصديق بها، واقتنص هو الخادمة خلسة عنها. وقد قص علينا روسو في اعترافاته كثيراً من مواطن لهوه وفسقه، في أحاديث صريحة واضحة؛ ولكن روسو يسبغ من بيانه على تلك الأحاديث في كثير من الأحيان لوناً من الحشمة، وتكاد تنم عن شعوره بالآثم والندم واحتقار مواطن الضعف الإنسانية. أما تشلليني فانه يقص علينا تلك المناظر الآثمة بكل بساطة، ويصف لنا طبيعته المضطرمة الجامحة دون استحياء، ويكشف لنا عن دخائل نفسه دون تحفظ، وأخص ما يلفت النظر في ما يقصه علينا من تلك الصفات النفسية، انه
كان كثير الإفراط والعنف، شغوفاً بالمخاطرة، تواقا إلى الانتقام، كثير المجون والاستهتار.
ونجا تشلليني من الوباء، بينما احتمل كثيراً من أصحابه، ولكن رومه لم تكد تفيق من عيث الوباء حتى دهمتها مصائب الحرب والحصار، وزحفت الجنود الإمبراطورية - جنود الإمبراطور شارلكان - على رومه بقيادة الكونستابل دى بوربون (سنة 1527). وهنا يبدو تشلليني في ذروة الجرأة والمخاطرة، فنراه رئيس سرية من الجند المأجورين يتولى حراسة قصر الساندرو دلبيني، ثم يخف مع سيده إلى الأسوار المحصورة ليرى الجيش المحاصر. وفى ذلك الموطن يقص علينا تشلليني قصه لا ينقضها التاريخ؛ وهي أنه حينما اشرف على الأسوار مع زملائه ليرقب سير المعركة، رأى وسط الدخان رجلاً يرتفع عن الجميع، فصوب رصاصه نحوه، وأطلق مع زملائه في تلك الناحية عدة رصاصات، وحدثت على أثر ذلك في قلب الجيش ضجة كبيرة؛ وشاع بعد ذلك أن الكونستابل دى بوربون قد قتل من رصاصة أطلقت عليه من وراء الأسوار. ويدعي تشلليني أنه هو الذي أصاب الكونستابل برصاصه. وليس في ذلك ما ينقضه التاريخ، ولكن ليس فيه أيضا ما يؤيده. فقد سقط بوربون قتيلا في بدء القتال من رصاص الجند المحصورين؛ ولكن ليس ثمة ما يؤيد أن تشلليني هو صاحب الطلقة القاتلة. وعلى أي حال فأن الحادث دليل على جرأة تشللينيووافر شجاعته. ولم يمنع مقتل بوربون جنوده من اقتحام المدينة، فدخلوها في عدة مواضع دخول الضواري المفترسة، وأضطر البابا كليمنضوس السابع أن يفر مع بطانته إلى حصن سانت انجيلو الذي يتصل بقصر الفاتيكان بأقبية سرية؛ وكان ذلك الحصن الشهير الذي ما يزال إلى اليوم قائما في رومه على ضفة نهر تفيرى، من أمنع وأعجب

(53/14)

معاقل العصور الوسطى، يلجأ إليه البابوات بكنوزهم كلما دهم رومه خطر السقوط في يد العدو، ويتخذ في أوقات السلم سجناً تزج إليه البابوية أعداءها. واختار الجنرال دى مديتشى قائد الحرس تشللينلي ضمن حرس الحصن إذ كان يعرف شجاعته؛ وكان الحصن مجهزا بالمدفعية من جميع نواحيه، فانتخب تشللينيليتولى إطلاق إحدى وحدات المدفعية، ولبث مدى شهر يتولى هذه المهمة. ويقول لنا تشلليني انه أتى في ذلك بالعجب العجاب، وحصدت قنابله كثيرا من جند العدو، وباركه أكابر الأحبار وهنأوه على براعته. وفى خلال ذلك استدعاه الباباكليمنضوس، وكان قد عرفه من قبل وعهد إليه بصنع بعض التحف وأعجب بافتنانه، وطلب إليه أن يقوم باستخراج جميع التحف والحلي الرسولية من علبها وإطاراتها الذهبية؛ وبعد أن خبا البابا الجواهر في بطانة ثيابه وثياب بعض خواصه، أمره أن يصهر القطع الذهبيةسرأ؛ فأخذتشللينيواشتغل بصهرها في ركن صغير إلى جانب مدفعيته؛ ولبث أثناء العمل يطلق القنابل على جند العدو؛ وهنا يقول لنا تشلليني انه أطلق قنابله ذات يوم على فارس يسير حول خنادق العدو فأرداه وتبين انه هو البرنس دى اورانج كبير الجيش المحاصر.
وبعد أيام قلائل عقد الصلح؛ وسار تشللينيإلى فلورنس ليزور أباه وأسرته، ملئ الجيب، يركب فرساً جميلاً، وورائه خادم خاص. وبعد أن مكث قليلا سار إلى مانتوا ليزورها، واتصل بأميرها دوق مانتوا، وصنع له بعض التحف الجميلة. ثم عاد إلى فلورانس، فألفاها تتاهب للدفاع عن نفسها ضد جنود البابا كليمنضوس، فاعتزم أن يشترك في الدفاع عن وطنه، ولكن البابا كليمنضوس أرسل يستدعيه إليه، ويعده بوعود حسنة، فعاد إلى رومه، واستقبله البابا مراراً، وعهد إليهبصنع حلي وتحف خاصة بثيابه وتاجه، ثم عهد إليه بصنع نماذج للنقود تستعمل في دار الضرب البابوية، وأبدى تشللينيفي ذلك كله من المهارة والدقة ما جعل البابا يضاعف له العطف والبذل ويعينه ناظراً لدار الضرب. وهنا وقع حادث جديد يدل على صرامة تشللينيوعنفه؛ ذلك أن أخاه الأصغر جوفانيالذي كان يومئذ في رومه ضمن جند الدوق الساندرو دى مديتشي اشتبك وبعض فتيان من صحبه ذات مساء مع جماعة من الحرس كانت تقود إلى السجن صديقاً لبعض أولئك الفتيان، فأصيب جوفانى خلال المعركة بجرح خطير، وحمل مغشياً عليه إلى قصر الدوق الساندرو، فهرع إليه

(53/15)

بنفونوتو، ولكنه أسلم الروح بين ذراعيه؛ وعرف بنفونوتو الرجل الذي طعن أخاه الطعنة القاضية، فسار إلى منزله ذات مساء، وكان الرجل يتنزه أمام داره، فطعنه بخنجره طعنة نجلاء خر لها صريعاً، وبذا انتقم لأخيه وشفى نفسه. وعاد إلى عمله كأن لم يحدث شيء. وكان القانون يومئذ صريع الجاه والهوى، فمن كان ذا جاه أو حماية استطاع أن يجري القصاص لنفسه وأن يستبيح دم خصومه
واستمر بنفونوتو حيناً يقوم بخدمة البابا، فأعاد صنع التحف الرسولية كما كانت قبل الحصار، وكلفه البابا بصنع تحف أخرى، فوضع رسومها ونماذجها، وكان البابا دائماً فارغ الصبر يستحثه على السرعة، وبنفونوتو لا يدخر وسعاً في العمل، وأصابه ذات يوم مرض في عينيه، وعاقه عن العمل حيناً، فغضب البابا واعتقد البابا انه يتقاعد عن إتمامه قصداً، وكان ثمة بعض رجال البطانة ممن يحقدون على بنفونوتو، ويستكثرون عليه هذه الرعاية، يدسون دائماً حقه ويلتمسون الفرص لإحفاظ البابا عليه بحجة انه مقصر في أعمال قداسته وانه كثير الحب للمال لا يقنع أبداً بما يدفع إليه من الأجور والهبات، وأنه كثير الادعاء والغرور؛ فأثمرت هذه السعاية ثمرها، وطلب البابا من بنفونوتو ما لديه من تحفه، فامتنع من بنفونوتو من تسليمها بحجة أنها لم تتم وانه لم يقبض أجرها، فقبض عليه بأمر البابا، وأخذت التحف قسراً عنه، ثم أطلق سراحه؛ بيد أنه كان قد فقد عطف البابا. فحاول أن يجد يومئذ عزائه في الحب وكان قد تعرف بسيدة صقلية ذات ابنة حسناء، هام بحب الابنة، واعتزم أن يختطفها ويفر بها إلىفلورنس.
ولكن الأم شعرت بمشروعه، فسافرت مع أبنتها خلسة إلى صقلية؛ ولجأ بنفونوتو إلى ساحر في رومه ليعاونه على الاجتماع بحبيبته، ولبث أياماً يحضر الجلسات السحرية خارج رومه؛ ولكنه لم يفز طبعاً ببغيته. ثم نسى غرامه، ووجد عزاءه مرة أخرى في فنه وفي التماس صنعبعض الحلي والتحف النادرة التي تدلل على أنه أستاذ عصره، وانه لا يجارى في ابتكاره وبراعته.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
3 - من روائع عصر الأحياء
حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه
مثل عال للترجمة الشخصية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
زج بنفونوتو تشلليني إلى غيابة الحصن الرهيب (حصن سانت انجيلو) مرة أخرى، وهو كسير الساق، طريح الفراش وألقي في تلك المرة إلى غرفة مظلمة ضيقة رطبة، تتمثل فيها روعة الأسر، ورهبة العدم؛ وشعر أن لهب حياته يخبو، فانكب على قراءة الكتاب المقدس استعداداً للقاء ربه؛ ولكنه بعد أن لبث أياماً في قراءته، شعر أن قبساً جديداً يضئ حياته، وتولاه نوع من السكينة المعنوية وصفاء النفس؛ ويصف لنا تشلليني ذلك التطور النفسي الغريب الذي حقق له خلال الألم المبرح نوعاً من السعادة، وحوّله من فتى مضطرم الأهواء والنزعات، إلى شبه قديس يتجرد بعواطفه نحو الملكوت الأعلى، لا يذكر شيئاً من ملاذ هذا العالم وحواسه؛ ويقص علينا في عدة صحف شائقة حوادث حياته في ذلك الظلام الدامس، وكيفعرضة للأحلام الروحية البديعة، ويبدو تشلليني في هذا الوصف كاتباً بارعاً، في بيانه كثير من القوة والسحر؛ والمحن تطلق البيان والشاعرية؛ أجل، وغدا تشلليني شاعراً أيضاً، يكتب فوق الصفحات البيضاء من (توراته) أبياتاً من الشعر الصوفي، ويشتغل بوضع قصيدته الكبيرة (الكابيتولو) في وصف السجن ومديحه، ووصف ما عانى من ألم، وما آنس من سعادة نفسية
ثم توفي محافظ الحصن، صديقه القديم الذي كان يرعاه ويجتهّد في تخفيف محنته وخلفه أخوه في منصبه. وكان البابا كلما خطر له أن يطلق تشلليني من أسره تدخل ولده السنيور بيرلويجي وحال دون قصده. وكان خصوم تشلليني يودون موته بأي الوسائل، وكان السم بالطبع أيسر وأنجح الوسائل التي تستعمل في هذا العصر الفياض بالجريمة والغدر. وعلى ذلك عهد أحد رجال البطانة إلى أحد حراس السجن أن يضع شيئاً من مسحوق الماس في طعام تشلليني، وعهد بسحق الماس وإعداده إلى صائغ من أريزو؛ وقدم الطعام المسموم إلى تشلليني فأكله، ولكنه لاحظ في النهاية ذرات تلمع في أحد الصحون، فخفق قلبه، واعتقد

(55/17)

بعد فحصها أنها ذرات الماس القاتلة. يقول: (فأيقنت عندئذ بأني هالك، وامتزج الحزن والإيمان في قلبي حينما هرولت إلى الصلاة. ولبثت مدى ساعة أواجه الموت المحقق، وأضرع إلى الله، وأشكره على أن هيأ لي هذا الموت الهين، وشعرت برضى عميق، وباركت العالم والزمن اللذين عشت فيهما؛ والآن فإني أعود إلى أرض أفضل برعاية الله التي أيقنت إني كسبتها). ولكن أملاً غامضاً في الحياة حمله على أن يتأمل الذرات اللامعة مرة أخرى، وأن يفحصها بواسطة مدية صغيرة، فانتهى بعد فحصها وسحقها إلى أنها لا يمكن أن تكون من الماس، وأنها مسحوق مادة لامعة أخرى لعلها لا تؤذي الحياة. والظاهر أن الصائغ الذي عهد إليه بسحق الماس قد طمع فيه واستبقاه لنفسه واستبدله بهذه المادة. وعلى أي حال فقد نجا تشلليني من هذه المحاولة، واستمر أياماً يرفض الطعام الذي يحمل إليه ما لم يذقه أمامه حارس السجن
وقضى ربك أخيراً أن تختم المأساة المروعة وأن يطلق سراح البريء. ذلك أن الكردينال دي فرارا مبعوث فرانسوا الأول ملك فرنسا قدم إلى رومة لمفاوضة البابا في بعض الشئون، وانتهز هذه الفرصة فالتمس من قداسته أن يفرج عن تشلليني، وأن يسلمه إليه، منوهاً باهتمام ملك فرنسا بأمره، فاضطر بولس الثالث أن يجيب ملتمسه، وأوفد رسوله في الحال إلى الحصن مع كبيرين من حاشية الكردينال، وأفرج عن تشلليني، وأخذ إلى الكردينال دي فرارا، فاستقبله بترحاب، وأنزله بقصره. فلبث به مدى حين ينفض عنه عثار السجن، ويستجمع قواه الذاهبة، ويستعيد مواهبه التي كادت أن تخبو. ولما انتعشت نفسه، عاد فانكب على عمله المحبوب، وأخذ يشتغل بطائفة من الأواني والتحف التي عهد إليه الكردينال دي فرارا بصنعها. ولما أتم الكردينال مهمته في رومة اعتزم السفر إلى فرنسا، فسار تشلليني في ركبه مع فتاه اسكانيو وزميل له يدعى باجولو، وسبفه الكردينال إلى فرنسا، وتخلف هو حيناً في فلورنس وفيرارا، ثم كتب إليه الكردينال ليوافيه إلى باريس، فسار إليها مع عامليه، ولم يكن راضياً عن معاملة الكردينال له من الوجهة المادية، ولكنه لم يستطع التخلف قياماً بحق الوفاء والعرفان لأنه هو الذي أنقذه من إسار السجن. ووصل إلى باريس، ثم سار إلى فونتنبلو حيث كان يقيم الملك وبلاطه، وهنالك لقي الكردينال، فأكرمه وأنزله منزلاً حسناً، ثم استقبله الملك فرانسوا الأول بترحاب وأغدق

(55/18)

عليه عطفه، وقدم إليه التحف والحلي التي صنعها لحسابه، فأعجب بجمالها ودقتها وهنأه على براعته، وعهد إليه بصنع تحف أخرى، وأقطعه منزلاً للعمل والإقامة، وأجرى عليه راتباً حسناً. وهنا يفيض تشلليني كعادته في وصف التحف التي عهد إليه ملك فرنسا بصنعها والزخارف التي وضع نماذجها لبعض أبواب قصر فونتنبلو، ثم يصف لنا حياته اليومية في عاصمة فرنسا. وكانت كالمعتاد حياة عاصفة مليئة بالشجار والمنازعات، وكان قد اتخذ له صاحبة جديدة، هي فتاة فرنسية تدعي كاترينا، تشتغل لديه كنموذج فني، فكانت هذه العلاقة مثاراً لعدة منافسات وفضائح غرامية يصفها لنا تشلليني بصراحته المعروفة. ويقص علينا كيف فاجأ ذات يوم فتاه باجولو متلبساً بالخيانة مع كاترينا، وكيف تسممت بينهما العلائق من أجل ذلك، وطرد الفتاة الخائنة وصاحبها، ثم انتهى بأن رتب لهما انتقاماً جهنمياً هو أنه عقد زواجهما بالإكراه، وسيفه معلق على رأسيهما ثم عاد بعد ذلك فاستخدم كاترينا نموذجاً وخليلة لكي يذل بذلك أنف عامله السابق باجولو، وكيف أنه استخدم بعد ذلك فتاة أخرى، وأولدها طفلة ثم صرفها مع طفلتها بشيء من المال، ولم يرهما بعد ذلك قط
ولبث تشلليني في خدمة ملك فرنسا حيناً من الدهر، ولكنه لم يحظ بعطف الدوقة دتامب صاحبة الملك، وكانت تستأثر يومئذ بالنفوذ في البلاط، وأنفت نفسه من أن يترضاها بوسائل لا تتفق مع كبريائه، فلبثت من جانبها تدس له لدى الملك وتخلق الصعاب في وجهه. ولكن الملك أعرض عن تحريضها حيناً، وعهد إلى تشلليني بأعمال فنية كبيرة منها تماثيل فضية عديدة، وأحواض زهر، وباب برنزي وغيرها، وأدى الفنان هذه الأعمال كلها ببراعته الفائقة، وأعجب بها الملك أيما إعجاب. وأخيراً شعر تشلليني بأن عطف الملك قد فتر، وعاف هذه الحياة المضطربة الفياضة بالأحقاد والدس، فاستأذن في السفر، وذهب إلى الكردينال دي فرارا يلتمس إليه العون في العودة إلى وطنه، فأجاب ملتمسه، وغادر فرنسا غير آسف على فراقها، ووصل إلى إيطاليا بعد رحلة شاقة، وقصد إلى مدينة فلورنس مسقط رأسه، وكان ذلك في صيف سنة 1445. وبعد أن أقام أياماً إلى جانب أسرته، سعى إلى لقاء الدوق كوزيمو دي مديتشي أمير فلورنس، فاستقبله بترحاب وعهد إليه بصنع تمثال (لبرسيوس) وتمثال نصفي له، وقضى حيناً في خدمته، ولكن سوء تفاهم وقع بينه وبين الدوقة زوج الأمير، حمله على مغادرة فلورنس، وعندئذ سافر إلى البندقية وأقام بها

(55/19)

حيناً ثم سافر إلى رومة وزار هنالك ميشيل أنجلو المهندس والفنان الخالد، وكان يومئذ يعني ببناء كنيسة القديس بطرس وزخرفتها، ليفاوضه في بعض المسائل الفنية. ثم عاد إلى فلورنس، بعد أن عاد التفاهم بينه وبين الدوق، واشترى هنالك ضيعة صغيرة بما اجتمع له من المال، واستقر هنالك منكباً على تحفه وتماثيله
وهنا ينتهي ما كتبه بنفونوتو تشلليني عن حياته. وقد كتب تشلليني هذه الصحف بين سنتي 1558 و1566، ولكنه يقف فيها عند سنة 1562. وكانت أوصاب الشيخوخة قد دهمته يومئذ، وذهبت بذلك العزم المضطرم الذي كان يلتهب أبدا؛ وملك تشلليني سحر القلم فكتب في ذلك الحين أيضاً قصته (تراتاتي) يكرر فيها القصة القديمة المعروفة بذلك الاسم. وليس في حياته ما يستحق التدوين يومئذ غير زواجه سنة 1565، وهو في الخامسة والستين من خادمته بيرا دي سلفادوري، تزوجها عرفاناً بما قدمته في خدمته أثناء مرضه من الغيرة والإخلاص، ورزق منها بولدين هما أبنه أدريا سيموني، وأبنته مادلينا، وتبنى أيضاً أبناءها من زوجها الأول. وتوفي الفنان الكبير في 13 فبراير سنة 1571، بمنزله في فلورنس، ودفن باحتفال فخم، وخبت تلك الحياة التي لبثت سبعين عاماً تملأ ما حولها حركة ونشاطاً واضطراما.
هذه خلاصة لذلك المجلد الضخم الذي تركه لنا بنفونوتو تشلليني عن حياته الغريبة الحافلة. وإذا كان تشلليني قد عُدّ من أقطاب الفنانين في عصر الأحياء، فانه يرتفع بأثره إلى صف أقطاب كتاب هذا العصر. ولم يكن تشلليني كاتباً كما قدمنا، ولم تهيئه تربيته الساذجة، ولا حياته الشريدة المضطربة لمعالجة الكتابة؛ ولكن البيان هبة الطبيعة؛ وقد كان تشلليني أبن الطبيعة، وهبته كثيراً من خلالها الباهرة؛ فكان القلم في يده يدون به حوادث حياته، كالريشة يرسم بها نماذج تحفه. وليست روعة ترجمة تشلليني في هذا البيان القوي الساذج الساحر فقط، ولكنه أيضاً في تلك الصراحة الخشنة التي يحدثنا بها تشلليني، وفي تلك البساطة الرائعة التي يكشف لنا بها عن دخائل نفسه. ويقول لنا تشلليني في الخطاب الذي يوجهه إلى صديقه بنديتو فارشي بشأن ترجمة أنه لم يكتب إلا ما وعته الذاكرة من حقائق حياته. يقول: (والواقع أنني لم أكتب سوى الصدق، وقد أغضيت عن كثير من الحوادث العجيبة التي كان غيري يعطيها أهمية خاصة. ذلك أن لدي شئوناً عظيمة كثيرة أقصها،

(55/20)

وقد تركت كثيراً مما هو أقل أهمية منها لكي لا يفيض بي القول فأخرج مجلداً ضخماً جداً). ولم ينته إلينا قبل تشلليني أو بعده أثر كأثره يمتاز بتلك الروعة والصراحة والحقائق المدهشة، وإن كانت هنالك ثمة تراجم شخصية عديدة غربية وشرقية ترتفع إلى ذروة البيان والطرافة الأدبية. وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما بين ترجمة تشلليني و (اعترافات) جان جاك روسو من وجوه الشبه والتباين، وأخصها أن جمال ترجمة تشلليني مستمد بالأخص من روحه التي تكاد تمثل في كل صفحة من صفحاته؛ أما جمال الاعترافات، فهو مستمد على الأغلب من السحر الذي يسبغه بيان روسو وقلمه على حوادث حياته. وفي رأينا أن ترجمة تشلليني تتفوق من ناحية الفن والطرافة والروعة على اعترافات روسو؛ وعلى أي أثر غربي آخر من نوعها.
ولدينا في العربية أثر هام من نوع التراجم الشخصية القوية. ذلك هو ترجمة المؤرخ الفيلسوف أبن خلدون لنفسه، وهي المشهورة (بالتعريف). فقد دوّن أبن خلدون حوادث حياته في مجلد خاص في أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر، أعني قبل أن يكتب تشلليني ترجمته بقرن ونصف؛ و (التعريف) ترجمة شخصية، ولكن الحياة السياسية العاصفة التي خاض أبن خلدون غمارها والتي يقصها علينا في هذا السفر، تسبغ على (التعريف) لون التاريخ العام؛ ذلك أبن خلدون ضنين علينا بمواطن الإفضاء الشخصي التي تملأ ترجمة تشلليني، وهو يؤثر دائماً أن يدون من حوادث حياته ما يرتفع إلى أهمية الحياة العامة وحوادث التاريخ؛ بيد أنه يحدثنا أيضاً عن نفسه وعن خلاله، ولا يتردد في الافضاء بكثير مما لا يحسن الإفضاء به، لا عن حياته الداخلية ولكن عن حياته العامة. وفي تعريف أبن خلدون، كما في ترجمة تشلليني عنصر القصة الشائقة لحوادث حياة حقيقية. فان فيلسوفنا يصف لنا في تعريفه كيف يجوز من قصر إلى قصر، ويتعرض لمخاطر النقمة والاعتقال والمطاردة، ويسير في ركب الجند، ويمثل إلى جانب أميره في المعارك الحربية، ويقوم بقضاء المهام الخطرة في أعماق الهضاب والصحاري. ونراه في دمشق في السبعين من عمره يجوز مخاطر جديدة، وينزل من أبراج المدينة المغلقة مدلى بحبل ليقصد إلى معسكر الفاتح التتري تيمورلنك، وغير ذلك من الحوادث الغريبة الشائقة. والواقع أن هنالك شبهاً عظيما بين ترجمة أبن خلدون وترجمة تشلليني مع اختلافهما في

(55/21)

النوع، فكلتاهما تفيض بمواطن الجرأة والمخاطرة ومواطن الإفضاء والصراحة. وإذا كانت ترجمة الفنان الإيطالي تعتبر في الأدب الغربي نموذجاً بديعاً للترجمة الشخصية، وقطعة رائعة من العرض الساحر والقصص الشائق، فان (تعريف) أبن خلدون يتبوأ مثل هذه المكانة في أدبنا العربي.
ولأثر تشلليني فوق ذلك أهمية تاريخية، فهو يصور لنا كثيراً من ألوان الحياة الاجتماعية في عصر الاحياء، وهو عصر تطور عظيم في تاريخ الإنسانية؛ وفيه وصف شائق لكثير من أحوال البابوات وبذخهم وقصورهم، ووصف لأخلاق الأحبار ودسائسهم واستغلالهم لطبقات المجتمع الأخرى، ووصف لأحوال الجمهوريات الإيطالية في ذلك العصر وأمرائها وسادتها؛ والخلاصة أنه يلقى أكبر الضياء على تاريخ عصر من أهم عصور إيطاليا، وعصر يعتبر بحق فجر التاريخ الحديث. وفي رأينا أن كتاب تشلليني من أجدر الآثار الغربية وأحقها بالترجمة العربية؛ وقد ترجم فعلاً من الإيطالية إلى جميع اللغات الأوربية؛ فعسى أن يتقدم بعض شبابنا المثقف فيتحفنا بترجمة عربية بديعة لذلك الأثر البديع.
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان المحامي
أدب الرواة المسلمين
فن في الأدب العربي يحتفظ بقيمته وجدته
للأستاذ محمد عبد الله عنان
فن من فنون الأدب العربي لم تذهب الأيام بجدته؛ ولا يزال تراثه رغم كر الزمن يحتفظ بقيمته الفنية فضلاً عن قيمته التاريخية؛ ذلك هو فن السياحة والمشاهدة. ففي الأدب الغربي، القديم والحديث، تتبوأ كتب السياحة والمشاهدة مكانة رفيعة، سواء كانت لمكتشف يرود مجاهل القارات ثم يسجل اكتشافاته، أو لكاتب يجوب البلاد بقصد الدرس والمشاهدة ويدون ملاحظاته ومشاعره. وقد كانت كتب السياحة قبل قرنين أو ثلاثة تعتبر دائماً بالنسبة للمجتمعات التي كتبت لها كتب استكشاف تلقي أضواء جديدة على أحوال المجتمعات التي كتبت عنها؛ فلما تقدمت المواصلات وتقاربت الشعوب، وكثر تعارفها، وتوثقت بينها الصلات العلمية والأدبية، لم يبق للسائح المتجول ما يكتشفه من أحوال الشعوب المتمدنة أو التي تأخذ بقسط من الحضارة، إلا ما يمليه عليه الدرس الخاص لأحوال هذه الشعوب، وأصبحت كتب الاستكشاف وقفاً على رواد المجاهل والعلماء الذين يجوبون معهم مجاهل البحار أو اليابسة ليكشفوا جديداً من الآثار أو الأنواع. وكتب الفريق الأول يغلب عليها الطابع الأدبي، وأما كتب الرواد الفنيين فيغلب عليها الطابع العلمي.
وقد عرف الأدب العربي فن السياحة والمشاهدة في عصر مبكر جداً. فمنذ القرن الثالث نرى الجغرافيين العرب يطوفون أرجاء العالم المعروف يومئذ للوقوف على أحوال البلدان والأقاليم المختلفة وخواصها ويدونون مشاهداتهم في كتب لا زالت حجة عصرها. ومن أعظم هؤلاء الجغرافيين الرحل، اليعقوبي الذي طاف العالم الإسلامي من السند إلى الأندلس وتجول في جميع بلاد فارس والجزيرة ومصر والمغرب والأندلس في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، ووضع كتابه الجامع (البلدان)، والمسعودي المؤرخ والجغرافي الذي طاف أنحاء العالم الإسلامي شرقاً حتى الهند والصين وجزائر الهند الشرقية، واخترق المحيط الهندي حتى شواطئ أفريقية الشرقية وجزيرة مدغشقر، وشهد عجائب هذه الآفاق، ودونها في كتبه ولاسيما مروج الذهب والتنبيه والإشراف، وذلك في أوائل القرن الرابع الهجري. بيد أننا لا نريد أن نتحدث هنا عن هؤلاء العلماء

(56/16)

والجغرافيين، وإنما نتحدث بالأخص عن طائفة من الرحل والمكتشفين المسلمين الذين تصور آثارهم أحوال البلاد والمجتمعات التي شهدوها، وتعتبر من الوجهة الفنية آثاراً وصفية اجتماعية قبل أن تعتبر آثاراً جغرافية. ولدينا في الواقع ثبت حافل من أولئك الرواد المشغوفين بالسياحة ودراسة أحوال الأمم، ولدينا كثير من آثارهم التي ما زالت تعتبر رغم قدمها نماذج حسنة لهذا النوع من الأدب المفيد الشائق معاً. وما نذكره منهم ومن آثارهم في هذا الفصل، نذكره على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر؛ وإنما نلاحظ أن الذين عرفوا منهم وعرفت آثارهم هم أقلية صغيرة بالنسبة إلى أولئك الذين لم تصل إلينا آثارهم أو التي انتهت آثارهم إلينا، ولكنها ما زالت مخطوطات منسية في ظلمات المكاتب العامة والخاصة.
ومن أقدم أولئك الرواد الوصفيين الذين انتهت آثارهم إلينا أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي الذي أنفق نحو ثلاثين عاماً في الطواف بالأمم الإسلامية من بغداد إلى الأندلس، يدرس أحوالها وخواصها وأحوال شعوبها ومجتمعاتها، وذلك في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي). وقد دون ابن حوقل رحلته ومشاهداته في كتاب أسماه (المسالك والممالك)، وهو أثر يجمع بين الناحية الجغرافية والناحية الوصفية. بيد أنه يعنى بالمشاهدات الوصفية عناية خاصة، وفيه يدون ابن حوقل خلال أخبار رحلته أحوال الأمم التي مر بها وما شاهده فيها من المناظر والمعاهد والآثار والخواص التي تستحق الذكر. وقد مرّ ابن حوقل خلال رحلته بمصر، في أواخر الدولة الأخشيدية، وخصص لمشاهداته فيها فصلاً طويلاً يصف فيه مصر الفسطاط ومعاهدها والنيل ومجراه، وكثيراً من أحوال المجتمع المصري يومئذ. وأسلوبه يجمع بين الطابعين العلمي والأدبي. ولدينا في القرن السادس رحالتان شهيران أحدهما يجوب العالم المعروف يومئذ من المشرق إلى المغرب، والآخر يجوبه من المغرب إلى المشرق، والأول هو أبو الحسن علي بن أبي بكر المعروف بالسائح الهروي، نسبة إلى هراة بلدة أسرته. وقد ولع أبو الحسن بالأسفار منذ حداثته، وخرج من الموصل مسقط رأسه يجوب أنحاء العالم لغير قصد سوى التفرج والاستكشاف، وذلك نحو سنة 568هـ (1173م)، وأنفق زهاء ربع قرن في رحلته، فطاف أرجاء الشام وفلسطين ومصر، وقبرص وغرب الأناضول وزار قسطنطينية

(56/17)

عاصمة الدولة البيزنطية، واخترق البحر الأبيض وتجول في جزائره حتى صقلية؛ ولم يترك، على قول ابن خلكان (براً ولا بحراً ولا سهلاً ولا جبلاً من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلا رآه، ولم يصل إلى موضع إلا كتب خطه في حائطه). واشتهر ذلك في الآفاق كلها، وهو الوحيد الذي تلقبه الرواية الإسلامية (بالسائح) وأسره الفرنج والقرصان مراراً، وضاعت كتبه ومذكراته، كما يخبرنا بذلك كتابه الذي انتهى إلينا، وهو سفر صغير عنوانه (الإشارات إلى معرفة الزيارات) وفيه يقص باختصار سير رحلته، وما شاهده من الأماكن والمعاهد، دون وصف ولا إسهاب. وفي أواخر القرن السادس استقر أبو الحسن في حلب بعد طول التجوال، ونال حظوة لدى أميرها وتوفي سنة 611هـ (1214م) ودفن بتربة أعدها لنفسه، وكتب عليها حسب وصيته ومن إنشائه تلك الكلمات المؤثرة: (هذه تربة العبد الغريب الوحيد علي بن أبي بكر الهروي، عاش غريباً، ومات وحيداً، لا صديقاً يرثيه، ولا خليلاً يبكيه، ولا أهطل يزورونه، ولا إخوان يقصدونه، ولا ولد يطلبه، ولا زوجة تندبه؛ آنس الله وحدته، ورحم غربته).
وأما الثاني فهو أبو الحسين محمد بن احمد بن جبير الأندلسي. رحل من الأندلس شرقاً إلى أفريقية ومصر والشام والحجاز. وكان رحالة بطبيعته قوي الملاحظة والوصف. رحل من غرناطة إلى المشرق ثلاث مرات، الأولى سنة 578هـ والثانية سنة 585هـ، والثالثة في أواخر القرن السادس، وقطع البحر الأبيض مراراً، وطاف بمعظم جزائره وثغوره الجنوبية والشرقية، وتجول في بلاد مصر والشام والحجاز، وقاسى في أثناء تجواله كثيراً من الشدائد، وأشرف مراراً على الهلاك في البحر، واستقر أخيراً بالإسكندرية وتوفي بها سنة 614هـ (1217م) ودون أخبار رحلاته في سفر كبير ممتع يسميه (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار). وفيه يدون مشاهداته في الأمم والبلاد التي زارها؛ ويقص حوادث أسفاره مفصلة بالتواريخ في نوع من (المذكرات)؛ وهو أثر شائق الأسلوب والوصف يعتبر نموذجاً بديعاً لأدب الرواد.
ونستطيع أن نذكر من الرواد المسلمين في هذا العصر أيضاً، عبد اللطيف البغدادي الطبيب العلامة الذي وفد على مصر في أواخر القرن السادس الهجري، وطاف بعد ذلك فلسطين والشام وبلاد الروم الأناضول يدرس أحوالها ومجتمعاتها. وقد دون عبد اللطيف مشاهداته

(56/18)

في مصر في كتاب كبير لم يصل إلينا، ولكن وصلت إلينا منه عدة فصول اختارها عبد اللطيف وسماها كتاب (الإفادة والاعتبار) وهي فصول قوية بديعة عن أحوال مصر وخواصها الطبيعية والاجتماعية، يغلب عليها الأسلوب العلمي الذي يمتاز به مؤلفها.
على أن أعظم الرواد المسلمين هو أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الطنجي الشهير بابن بطوطة. ولم يكن ابن بطوطة رحالة عظيماً فقط يجوب أنحاء العالم المعروف يومئذ، بل كان أيضاً مكتشفاً عظيماً يقصد إلى مجاهل البر والبحر. وكتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) وهو المعروف برحلة ابن بطوطة أجمل وأنفس أثر عربي في هذا النوع من الأدب. وقد خرج ابن بطوطة من طنجة مسقط رأسه في سنة 725هـ (1325م) يجوب أقطار العالم، واخترق بلاد المغرب ومصر والشام وبلاد العرب وبلاد الروم وقسطنطينية، وفارس وخراسان وتركستان والهند وسيلان والصين وجزائر الهند الشرقية؛ واخترق في عوده قلب أفريقية من السودان إلى بلاد النيجر؛ ووقف على كثير من مجاهل بعض الأقطار والأمم التي لم تكن معروفة يومئذ تمام المعرفة؛ ووصل إلى أعالي نهر النيجر وإلى تمبكتو وسكوتو قبل أن يصل إليها الرواد الأوربيون ويكتشفها الرحالة الإنجليزي منجوبارك بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون. وسلخ في رحلاته نحو ربع قرن؛ وترك لنا عن أسفاره واكتشافاته ومشاهداته ذلك الأثر الذي يعتبر بحق من أبدع آثار السياحة والاكتشاف.
وقد لبث أدب الرواد متصلاً في العربية حتى العصر الحديث؛ فنجد المقري مؤرخ الأندلس - مثلاً - يصف لنا فاتحة (نفح الطيب) رحلته البحرية من المغرب إلى المشرق في أسلوب رائع؛ ونجد العلامة الصوفي عبد الغني النابلسي يجوب بلاد الشام ومصر والحجاز، وذلك سنة 1105هـ (1694م)، ويترك لنا عن أسفاره ومشاهداته أثراً نفيساً هو كتاب (الحقيقة والمجاز) الذي تحتفظ دار الكتب بنسخة خطية منه.
ومما تقدم نرى أن أدب السياحة قد بدأ في العربية في عصر مبكر، واستمر على كر العصور. وكثيراً ما قيل إن تراث الأدب العربي أضحى قديماً لا يساير العصر، وأن فنونه قد عفت، وأنه ليس في تعداد فنونه ومناحيه كالأدب الغربي. ولكنا نستطيع أن نقول هنا على الأقل، إن الأدب العربي قد سبق الأدب الغربي في فن السياحة والمشاهدة بعصور

(56/19)

طويلة؛ وهذا مترتب بالطبع على إن الرواد المسلمين كانوا أسبق من الرواد الغربيين إلى التجوال في أنحاء العالم المعروف يومئذ، وإلى ارتياد الكثير من الأنحاء المجهولة. والواقع أن أول رحالة غربي كبير ارتاد أنحاء المشرق وآسيا هو الرحالة الإيطالي مركو بولو؛ وكانت رحلته إلى المشرق في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر؛ هذا بينما يرجع نشاط الرواد المسلمين إلى القرنين الثاني والثالث من الهجرة (القرنين الثامن والتاسع من الميلاد). وأقدم أثر غربي قيم في السياحة هو أثر مركو بولو الذي يصف فيه أحوال الأقطار الأسيوية ولاسيما الشرق الأقصى. وقد كان أول أثر استطاع الغرب أن يقف فيه على عظمة الشرق يومئذ وبذخه وبهائه وروعة حضارته. ولكن الأمم الإسلامية كانت تعرف أقصى الأمم الشرقية ومعظم الأمم الغربية على يد جغرافييها وروادها قبل ذلك بقرون.
على أنه مما يؤسف له أن أدب السياحة في العربية قد انحط في العصر الأخير، كما انحط كثير من فنونها، وأضحى نوعاً من المشاهدات الطائرة تكرر في كل فرصة وفي كل أثر جديد، وتكتب بالأسلوب الصحفي الركيك، وتقف عند الأخبار والمشاهدات السطحية، كوصف السفينة والبحر والشوارع والفنادق والملاهي، بأساليب وعبارات مملة؛ وقلما يعنى السائح المتفرج بالمشاهدات والدراسات العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ومن الأسف أننا لا نستطيع أن نجد بين كتب السياحة التي أخرجت في العصر الأخير كثيراً من الآثار التي تمتاز بقيمتها الأدبية والفنية.
محمد عبد الله عنان المحامي
أزمة الكتاب ومصير الكتب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان القرن التاسع عشر عصر الآلات والاختراعات الصناعية، فحلت الآلة مكان اليد العاملة في معظم الصناعات، وحرم ملايين العمال من العمل اليدوي، وساد البؤس في الطبقات العاملة، واستمر هذا التطور طول النصف الأخير من القرن الماضي حتى استقرت الصناعة أخيراً على قواعدها الجديدة، وحل العمل النفي والآلي مكان العمل اليدوي.
واليوم نشهد انقلابا عظيما آخر في مصير الإنتاج العقلي؛ فقد كان (الكاتب) حتى أوائل هذا القرن أهم وانفس غذاء علي للطبقات المثقفة، وكانت قراءة الكتب المختارة أسمى وأمتع وسائل التربية والتهذيب والرياضية العقلية، ولكن التطورات العلمية والأدبية والاجتماعية التي حدثت منذ الحرب الكبرى كان لها اثر كبير في تطور الذوق الأدبي أو بعبارة أخرى في قيمة الكتب وفي مركز القراءة وميول القراء. وليس من ريب في أن الكتاب قد فقد اليوم كثيرا من سحره وقيمته المادية والاجتماعية، وقل الإقبال كثيرا على اقتنائه وقراءته، ولكن ذلك لا يعني أن منسوب القراءة قد هبط، فالقراءة بالعكس قد كسبت من هذا التطور بصفة عامة، وزاد منسوبها بلا ريب تبعا لازدياد نسبة المتعلمين في مختلف الأمم؛ وإذا كان الذوق الأدبي قد تطور وخسر الكتاب القيم كثيرا من قرائه، فان أولئك القراء تحولوا إلى ألوان جديدة من الأدب الحفيف والى قراءة الصحف والمجلات. والواقع أن الصحافة أول وأقوى العوامل الجديدة التي آثرت في مركز الكتاب ومدى انتشاره. ففي ربع القرن الأخير تقدمت الصحافة تقدماً عظيماً، وغزت كل ميادين التفكير والعلوم والفنون، ولم تبق دوريات خبرية فقط؛ ومعظم الصحف اليومية السياسية، في جميع الأمم، تخصص للأدب والنقد والعلوم والفنون والمسرح والاقتصاد والمالية والرياضة صحفا خاصة حافلة بمختلف البحوث والشذور القيمة، هذا عدا القصة الصغيرة اليومية، وعدا الرواية المسلسلة، وعدا الصور الكثيرة؛ ثم هنالك المجلات الأدبية والعلمية، الأسبوعية والشهرية، وقد بلغت مدى عظيما من التقدم والذيوع، وأضحت مسرحا لأعظم الاقلام، ومعرضا لمختلف البحوث وأهمها. وتمتاز المجلة على الكتاب بتنوع مادتها، فهي تجمع بين الفصول الأدبية والعلمية

(57/10)

والسياسية، والقصة والمسرح والأزياء، ويكاد كل عدد منها يكون كتابا مستقلا بذاته، وهي دائما متنوعة متجددة ترضي مختلف القراء والأذواق بأكثر مما يرضي الكتاب الموحد الفكرة والموضوع، والصحافة الأدبية هي بلا ريب اشد خصوم الكتاب ومنافسيه، واشدها تأثيراً في مركزه ومدى انتشاره لأنها تبدو في بعض ألوان من الكتاب، وتأخذ بالسهل الموجز منها، حتى انك لترى أحياناً موضوعات وبحوثا خطيرة تشغل في الكتاب مجلدا أو مجلدات تلخصها المجلة في فصل لا يتجاوز عدة صفحات، وربما كان ملخصها مؤلف الكتاب ذاته؛ هذا إلى ما تتوخاه المجلة من اختيار الموضوعات الشائقة والأساليب السهلة التي تغري كثيراً من القراء على تفضليها على الكتاب.
هذه المنافسة الأدبية القوية كانت وما تزال شديدة الوطأة على الكتاب، ولم يكن في وسع الكتاب أن ينافسها، لأنها تجري طبقا للعوامل النفسية وطبقا لتطور الظروف الاجتماعية؛ أضف إلى ذلك المسالة الاقتصادية اعني مسالة الثمن، فالصحف والمجلات تعرض بضاعتها الأدبية على الجمهور بأثمان بخسة يستطيع إن يؤديها الملايين، معتمدة في ذلك على كثرة انتشارها وما تجنيه من أجور الإعلانات. ولكن الكتاب القيم لم يستطع حتى اليوم وليس في الإمكان ان ينزل إلى هذا المستوى. نعم حاول كثير من المؤلفين والناشرين أن يسايروا هذا التطور في الذوق الأدبي، فعمدوا إلى إخراج الكتب السهلة الموجزة، والى معالجة الموضوعات العلمية الخطيرة في أساليب خفيفة عادية مما يعرف اليوم بتبسيط العلوم، وهي طرية تعالج بها اليوم اخطر واعقد الموضوعات العلمية في الصحف والمجلات، وان كانت لا تؤديها دائما بما يجب من الدقة والتحقيق، وكذلك عمد كثير من المؤلفين والناشرين إلى إخراج الموضوعات الخطيرة العلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها في ملخصات صغيرة، وفي فصول متناثرة، أو إلى جمع القطع المختارة في كتاب وأحد ليكون له بذلك ما للمجلة أو الصحيفة من التنوع، وعمدوا فوق ذلك إلى إخراج هذه الكتب في طبقات شعبية رخيصة لتكون في متناول جميع الطبقات، ومن المعروف أيضاً أن كثيراً من كتاب القصص العالميين يخرجون اليوم كتبهم في طبعات شعبية عديدة، ويتحرون اختيار القصص والحوادث المثيرة والشائقة، وكثير منهم يفضل كتابة القصص الشرطية، وقطع السينما لأنها تدر عليهم أرباحا حسنة. والخلاصة ان الكتاب اضطر تحت

(57/11)

ضغط هذه المنافسة الشديدة التي شرحناها أن يتطور نوعا وان يساير الذوق الأدبي والظروف الاجتماعية الجديدة. ولكنه مع ذلك لا يزال بعيداً عن أن يسترد مركزه أو يقاوم هذا التيار الجارف الذي يهدد مركزه وقيمته وتقاليده وقد غدت السينما والراديو من اشد خصوم الكتاب، ففي السينما تلخص أو تمسخ أمهات القصص حتى يمكن إخراجها في صور تلائم الجمهور، ولا يقع الجمهور منها إلا على الجانب القصصي، ولا يلمس شيئا من قيمتها الأدبية أو الفنية الهامة، وتذاع فيه ملخصات عن معظم المباحث والموضوعات الخطيرة التي تعني بها الحركة الفكرية، ومزيته في انه ينقل ذلك كله للسامع وهو جالس في مكانه الوثير في المقهى أو المنزل، لا يكلفه عناء القراءة، وخطره على الكتاب والحركة الفكرية في أن الإذاعة الموجزة السهلة تمسخ معظم الموضوعات العلمية والأدبية التي تتناولها، وتصرف بذلك ملايين السامعين عن قراءتها وتتبعها في مصادرها القيمة.
وفي ظل الطغيان السياسي الذي يسود اليوم بعض الأمم المتمدنة تواجه الحركة الفكرية ويواجه الكتاب اشد المخاطر والأزمات، ففي بلاد كإيطاليا وألمانيا وتركيا وبولونيا وروسيا تسودها النظم (الدكتاتورية)، وتخمد الحريات السياسية والفكرية، تصطبغ الثقافة والتفكير بنفس الألوان التي يفرضها الطغيان وتقتضيها مصلحته وغاياته السياسية؛ وحيثما تنعدم حرية الفكر، تخبو حركة التأليف الحر وتغدو الصحافة والمفكرون والكتاب طوعاً أو كرها جنود النظام القائم، ويطارد المفكرون الأحرار، وتطارد كتبهم بلا رافة؛ وفي ظل هذه الأنظمة الطاغية، التي يزعم فيها الطغاة وأعوانهم انهم يعبرون عن رغبات الشعب وأماله وتفكيره، يختفي الإنتاج الفكري القيم ويتحول إلى نوع من الأدب الذليل الخاضع، يشيد جله بالطغاة ونظمهم ومبادئهم وأعمالهم. وقد شهدنا من مناظر هذا الاضطهاد الفكري في العهد الأخير ألوانا شنيعة في ألمانيا، في ظل الطغيان الهتلري، حيث طورد جميع المفكرين والكتاب الذين لم يسايروا الطغيان الجديد ولم يرتضوا فظائعه، ففر منهم من فر خارج ألمانيا، وقتل من قتل، واعتقل من اعتقل؛ وشرد كثير من أقطاب الأدب الألماني المعاصر، وحظرعلى دور النشر الألمانية أن تتعاقد معهم أو تنشر لهم شيئا، ومنعت كتبهم من التدأول، واحرقت كتب كثيرة في أوائل عهد النازي في شوارع برلين على نحو ما كان يجري في العصور الوسطى على يد محاكم التحقيق؛ والخلاصة إن الإنتاج الأدبي في

(57/12)

ألمانيا قد أصيب في عهد الطغيان الهتلري بضربة مميتة، وأضحت الثقافة الألمانية والأدب الألماني الحاضر والصحافة الألمانية الحاضرة صورة متماثلة مملة للمبادئ والنظريات والآراء التي يفرضها الطغيان السياسي يمر الإنتاج الأدبي دائما بهذا الدور، ويصاب التأليف بمثل هذا العقم والتماثل ويواجه الكتاب اشد المحن.
وهنالك أخيرا روح العصر؛ فعصرنا عصر سرعة ورياضة، والسرعة تدفع كل الناس بلا هوادة، وشغف الرياضة يستغرق اهتمام الشباب وفراغه؛ فلا يجد من الوقت أو الرغبة ما يحمله على التماس القراءة، ولا سيما القراءة الرزينة الهادئة. وإذا أتيحت للشباب فرصة القراءة اليوم فماذا يقرأ؟ الكتب أو المجلات الخفيفة، المبتذلة غالبا، لأنه لا يقرأ وإنما يقرأ للهو فقط، ولا يريد أن يبذل جهودا عقلية في استيعاب كتب الثقافة الرفيعة، وهذه الروح السيئة بلا ريب، من أقوى العوامل في صرف أنظار الشباب عن الكتاب.
وهل نحن بحاجة للقول بان جميع ما قدمنا من العوامل والظروف ينطبق على سير الحركة الفكرية والإنتاج الأدبي في مصر كل الانطباق؟ إن الكتاب يواجه في مصر نفس الأزمة الخطيرة التي يواجهها في جميع الأمم المتمدنة؛ وقد صرفت الصحافة والمجلات الأدبية والقصصية ولا سيما المجلات الخفيفة والماجنة أنظار الشباب عن القراءة الرزينة المفيدة؛ وافسد الأدب المبتذل، ولا سيما الأدب الجنسي ذوق الشباب وعقليته، فأنحط مستوى تفكيره وتقديره؛ وأضحى الكتاب القيم لا يجد بكل أسف بين الشباب كثيرا من الأنصار. أضف إلى ذلك ظرف مصر الخاص وهو انتشار الأمية فيها، وضعف نسبة المتعلمين إلى حد لا يزال يزري بكرامتها، ولولا إن الشعوب التي تتكلم العربية التي نكتب بها في مصر تبلغ زهاء سبعين مليوناً، لكان خطب الإنتاج الأدبية العربي مضاعفاً؛ ومع ذلك فالمعروف أن الكتب العربية القيمة تواجه اشد الأزمات، وان الكتاب الذي لا يطبع منه سوى ألفي أو ثلاثة آلاف نسخة يمكث أعواماً طويلة قبل أن تنفذ نسخه بين السبعين مليوناً من الشعوب التي تتكلم العربية والخلاصة أن الكتب تواجه اشد أزمة عرفتها في العصر الحديث. وقد تتفاقم هذه الأزمة، ويزداد ذيوعه كساداً، ولكن الكتاب لا يمكن مع ذلك أن يختفي أو يموت. ذلك أن الكتاب قد ولد مع المدنية الإنسانية، ولبث مدى العصور اقدس متنفس للذهن البشري، وما دام الذهن البشري ينتج ويعبر عما يجول فيه، فلا بد من التجائه إلى الكتاب،

(57/13)

وقد مر الإنتاج الفكري ومرت الكتب خلال العصور المظلمة بمحن شديدة، ولاذت بالاختفاء أيام الغزوات البربرية في عهد الهون والوندال، ولبثت في الأمم الأوربية مدى قرون تقبع في ظلمات الاديرة، ولم تجد متنفساً وملاذاً إلا في الدول الإسلامية، في ظل المدنية الإسلامية الزاهرة؛ واستمرت محاكم التحقيق (التفتيش) عصورا تجد في مطاردة التفكير الإنساني وفي مصادرة الكتب وحرقها؛ ولكن هذه الخطوب والمحن كلها لم تخمد جذوة التفكير الإنساني، ولم تقض على حياة الكتاب؛ وخرج الكتاب ظافرا من هذه المحن، وجاءت المطبعة في فجر العصر الحديث فاستطاع بعونها أن يغمر العالم؛ ولم تقو عصور الطغيان ونظمه على مغالبة الذهن البشري؛ فإذا كان الكتاب يجوز اليوم أزمة فكرية اجتماعية، نظرا لتطور الحياة والاختراعات العلمية، فتلك أزمة مؤقتة، سوف يتاح للكتاب أن يتغلب عليها متى استطاع أن يهيئ نفسه للسير مع الظروف الجديدة في ألوان لا تغض من قدره ورفيع مكانيه.
محمد عبد الله عنان المحامي
شخصية نسوية أندلسية
1 - صبح أو صبيحة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
حظية خليفة، أم خليفة؛ سيدة مطلقة الرأي، تولي وتعزل الوزراء والقادة؛ وتدير شئون السلام والحرب، حسناء يغنم جمالها ملكاً، ويأسر خليفة، ويسيطر على قصر وحكومة؛ صاحبة السلطان المطلق في دولة من أعظم دول الإسلام؛ نصرانية نافارية مع ذلك؛ تلك هي صبح أو صبيحة أو (اورور) قرينة الحكم المستنصر بالله الأموي خليفة الأندلس، وأم ولده هشام المؤيد بالله يقدم إلينا التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة لنساء أجنبيات من الرقيق أو الأسرى، سطعن في قصور الخلفاء والسلاطين، وتمتعن بالسلطان والنفوذ؛ ولكنه لا يقدم إلينا كثيراً من لمواطن التي تستأثر فيها أجنبية نصرانية بالسلطان والحكم المطلق في دولة إسلامية قوية، وتسهر على مصاير هذه الدولة بذكاء وعزم، وتقودها لخير الإسلام والخلافة. والواقع أننا لا نستطيع أن نجد لذلك مثلاً أسطع من مثل صبح أو (اورور)، تلك الفرنجية الحسناء التي لبثت زهاء عشرين عاماً تسيطر بسحرها ونفوذها على خلافة قرطبة، وتقوم بتدبير شئونها في السلام والحرب مع أعظم رجالات الأندلس. ولم تك صبح سوى إحدى كواكب هذا الثبت الحافل من النساء الفرنجيات اللائي يقدمهن إلينا تاريخ الأندلس منذ الفتح، واللائي يتركن أثرهن في سير الحوادث أحياناً. ونستطيع ان نذكر منهن (ايلونا) القوطية أرملة ردوريك (لذريق) ملك القوط عند الفتح، وهي التي يسميها العرب (بأم عاصم)، فقد تزوجها عبد العزيز بن موسى بن نصير أول حاكم للأندلس بعد الفتح، وكان نفوذها ووحيها السيء من الأسباب التي أدت إلى مقتل عبد العزيز بن موسى (سنة 95 هـ)؛ ومنهن لامبيجيا الفرنجية الحسناء ابنة اودو أمير اكوتين، تزوجها عثمان بن أبي نسعة الذي تسميه الرواية الفرنجية (منوزا) أو (مونز)، وكان حاكماً للولايات الشمالية (البرنيه)، وتحالف مع أبيها الدوق اودو، وأخذ يدبر الخروج على حكومة الأندلس والاستقلال بولايته؛ ولكن عبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس يومئذ وقف على مشروعه وأرسل لقتاله جيشا قوياً لبث يطارده في الجبال حتى أخذ وقتل وأسرت زوجته الأميرة الحسناء لامبيجيا وأرسلت إلى بلاط دمشق (سنة 113 هـ)؛

(59/8)

ومنهن ماريا الأسبانية النصرانية زوج الأمير محمد بن محمد ووالدة عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء الإسلام في الأندلس ويسميها العرب (مزنة)؛ ومنهن أخيراً (ثريا) النصرانية زوج السلطان أبي الحسن النصري ملك غرناطة، وهي فتاة أسبانية وأبنة قائد شهير، أخذت أسيرة في بعض المعارك التي وقعت بين المسلمين والنصارى وألحقت وصيفة بقصر الحمراء، فأحبها السلطان أبو الحسن وتزوجها؛ وكان لنفوذها ودسائسها أثر كبير في إضرام نار الحرب الأهلية في غرناطة وفي سير الحوادث التي أدت إلى ذهاب دولة الإسلام في الأندلس.
ظهرت صبح في بلاط قرطبة في أوائل عهد الحكم المستنصر بالله (350 - 366هـ) (961 - 976م). ولسنا نعرف كثيراً عن نشأتها وحياتها الأولى؛ وكل ما تقدمه إلينا الرواية الإسلامية في ذلك هو أن (صبحاً) كانت جارية بشكنسية أي نافارية؛ ولا تذكر الرواية إن كانت قد استرقت بالأسر في بعض المواقع بين المسلمين والنصارى، أم كانت رقيقا بالملك والتداول؛ ولكنها تصفها بالجارية والحظية. وصبح أو صبيحة ترجمة لكلمة (اورورا) ومعناها الفجر أو الصبح الباكر، وهو الاسم النصراني الذي كانت تحمله صبح فيما يظهر. وكانت صبح فتاة رائعة الحسن والخلال فشغف بها الحكم، وأغدق عليها حبه وعطفه وسماها بجعفر، ولم تلبث أن استأثرت لديه بكل نفوذ ورأى. وكان الحكم حينما تولى الملك بعد وفاة أبيه عبد الرحمن الناصر قد بلغ السابعة والأربعين من عمره، ولم يكن رزق ولد بعد؛ وكان يتوق إلى ولد يرث الملك من بعده؛ فحققت أمنيته على يد صبح، ورزق منها بولد سماه عبد الرحمن سنة 352هـ (962م) وفرح بمولده أيما فرح، وسمت لديه مكانة صبح؛ ثم ولدت له بعد ذلك بثلاثة أعوام ولدا آخر سماه هشاماً (سنة 354هـ)، ولكن الحكم رزئ بعدئذ بقليل بوفاة ولده عبد الرحمن فاشتد حزنه عليه، وعقد كل آماله على ولده هشام؛ ولبثت صبح تستأثر في البلاد والحكومة بكل نفوذ وسلطان. بيد أنها كانت وافرة الذكاء والحزم، بارعة في تدبير الشؤون، مخلصة لسيدها تعاونه في تدبير مهام الحكم بذكاء وبصيرة، وتسهر معه على سلامة الدولة والعرش. ولم تك صبح يومئذ جارية أو حظية فقط، بل كانت ملكة حقيقية. ولا تشير الرواية الإسلامية إلى أنها غدت زوجة حرة للحكم المستنصر بعد أن كانت جارية وحظية؛ ولكن هنالك ما يدل على أن صبحا كانت

(59/9)

تتمتع في البلاط والحكومة بمركز الملكة الشرعية، فالرواية الإسلامية تنعتها بالسيدة صبح أم المؤيد، وتصفها التواريخ الأفرنجية (بالسلطانة صبح). بيد أن هنالك ما يقطع مع ذلك بأنها بقيت من الوجهة الشرعية جارية و (أم ولد) فقط. وتصفها الرواية الإسلامية بعد موت الحكم بأنها (أم ولد)، وهو في الشريعة وصف الجارية التي حملت من سيدها وأصبحت أماً لولده.
وعلى أي حال فقد كانت صبح تحتل مكان الملكة الشرعية، وتتمتع في البلاط والحكومة بنفوذ لا حد له؛ وكان الحكم يثق بإخلاصها وحزمها ويستمع لرأيها في معظم الشؤون؛ وكانت كلمتها هي العليا في تعيين الوزراء ورجال البطانة. وكان كبير الوزراء، الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي يجتهد في خدمتها وإرضائها، ويستأثر لديها ولدى الحكم بنفوذ كبير. واستمرت الحال حيناً على ذلك حتى دخلت في الميدان شخصية جديدة قدر لها أن تضطلع فيما بعد بأعظم قسط في توجيه مصاير الأندلس. تلك هي شخصية فتى مغمور يدعى محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري؛ أصله من الجزيرة الخضراء من قرية طرش، ووفد على قرطبة حدثاً ودرس في معاهدها درساً مستفيضاً، وبرع في الآداب والشريعة. وكان طموحاً مضطرم النفس والعزم، رفيع المواهب والخلال، وكان في نحو السابعة والعشرين من عمره حينما أراد الحكم أن يعين مشرفاً لإدارة أملاك ولده عبد الرحمن، ورشحه الحاجب المصحفي في من رشح لتولي هذا المنصب. وأعجبت صبح بذكائه وحسن روائه وظرف شمائله فاخترته دون غيره، وعين بمرتب قدره خمسة عشر ديناراً في الشهر، وذلك في أوائل سنة 356هـ (967م). ولما توفي عبد الرحمن عين مشرفاً لأملاك أخيه هشام. وتقدم بسرعة في وظائف الدولة فأضيف إليه النظر إلى الخزانة العامة، ثم عين للنظر على خطة المواريث، فقاضياً لكورة إشبيلية، ثم عينه الحكم مديراً للشرطة، وفي أواخر أيامه عينه ناظراً على الحشم (ناظراً للخاص).
ويرجع الفضل في تقدم محمد بن أبي عامر بتلك السرعة إلى مواهبه وكفاياته الباهرة، ولكنه يرجع بالأخص إلى عطف صبح عليه وحمايتها له. وقد انتهى هذا العطف غير بعيد إلى النتيجة الطبيعية. كانت صبح امرأة حسناء لا تزال في زهرة شبابها، ولا يزال قلبها يضطرم حباً وجوى، وكان سيدها الحكم قد أشرف على الستين وهدمه الإعياء والمرض؛

(59/10)

أما ابن أبي عامر فقد كان فتى في نضرة الشباب، وسيم المحيى، حسن القد والتكوين، ساحر الخلال، وكان يفتن من جهة أخرى في خدمة صبح وإرضائها ولا ينفك يغمرها بنفيس الهدايا والتحف، حتى لقد أهداها ذات مرة قصراً صغيراً من الفضة بديع الصنع والزخرف لم ير مثله من قبل بين تحف القصر وذخائره، وشهده أهل قرطبة حين حمله من دار ابن أبي عامر إلى القصر، فكان منظراً يخلب الألباب ولبثوا يتحدثون بشأنه حيناً. فكانت هذه العناية تقع من قلب صبح أحسن موقع وتزيدها عطفاً على ابن أبي عامر وشغفاً به. وكان الحكم يشهد هذا السحر الذي ينفثه ابن أبي عامر إلى حظيته وإلى نساء قصره جميعاً ويعجب له؛ ويروى أنه قال يوماً لبعض ثقاته: (ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا
هداياه، ولا يرضين إلا ما أتاه؛ إنه لساحر عليم أو خادم لبيب. وإني خائف على ما بيده)، ولم تلبث علائق صبح ابن أبي عامر أن ذاعت وغدت حديث أهل قرطبة؛ ولم يك ريب في أنها استحالت غير بعيد إلى علائق غرامية. وربما ارتاب الحكم في طبيعة هذه العلائق، وثاب له رأي في نكبة ابن أبي عامر؛ وسعى لديه بعض خصومه واتهموه بأنه يبدد الأموال العامة التي عين للنظر عليها في شراء التحف والأنفاق على أصدقائه؛ فأمره الحكم أن يقدم حساب الخزانة العامة ليتحقق من سلامتها؛ وكان بالخزانة عجز لجأ ابن أبي عامر في تداركه وسده إلى صديقه الوزير ابن جدير فأغاثه؛ وتقدم إلى الحكم سليم العهدة برئ الذمة؛ فزالت شكوكه، وتوطدت ثقته فيه، واستمر ابن أبي عامر متمتعاً بنفوذه، ينتدب لعظيم المهام والشئون؛ وهو خلال ذلك كله يحرص على عطف صبح ويستزيد منه، ويصانع الحاجب جعفر ويجتهد في إرضائه وكسب ثقته، ويخلق حوله حزباً من الصحب والأنصار بسحر خلاله، ووافر بذله ومروءته وبارع وسائله وأساليبه.
وكانت أعظم أمنية للحكم في آخر أيامه أن يضمن البيعة من بعد وفاته لولده أبي الوليد هشام، وهو يومئذ غلام في نحو العاشرة من عمره؛ وكانت أمه صبح تشاطره هذه الأمنية؛ وكان أشد ما يخشاه الحكم أن ينتزع الملك من بعده أخوه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر؛ فرأى تفادياً من ذلك أن يعلن بيعة ولده أثناء حياته ويضع رجال الدولة والأمة أمام الأمر الواقع. نفذ هذا المشروع في جمادي الآخر سنة 365هـ (فبراير سنة 976 م) وعقدت

(59/11)

البيعة لهشام في حفل جامع بالقصر، وأعلن الحكم أنه يقلد ولده الخلافة من بعده، وأخذت البيعة من الحاضرين ودعي له في الخطبة على المنابر ونقش أسمه في السكة، وأنفذت الكتب إلى النواحي لأخذها من الأكابر والأعيان، وتولى تنظيم البيعة والشهادة محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ مدير الشرطة وناظر المواريث، وميسور الكاتب مولى صبح، واطمأن الحكم بذلك على مصير ملكه ومستقبل ولده نوعاً. ولكنه لم يعش بعد ذلك سوى بضعة أشهر؛ وكان المرض يشتد عليه منذ حين، ثم أصابه الشلل، وتوفي في الثالث من صفر سنة 366 (أول أكتوبر سنة 976م).
ولما توفي الحكم المستنصر بالله كانت مقاليد السلطة مجتمعة في أيدي ثلاثة: هم صبح أم هشام، والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، ومحمد بن أبي عامر، وكان قد أضيف إليه النظر على الحشم (نظر الخاص). ولم يكن يعترض على بيعة هشام سوى صقالبة القصر، وكانوا زهاء ألف، ولهم نفوذ عظيم؛ وكان رأيهم أن تؤخذ البيعة للمغيرة بن الناصر أخي الحكم؛ ولكن الحاجب جعفر وقف على مشروعهم في الحال، واستدعى القواد والجند الذين يثق بإخلاصهم تحوطا للطوارى، واتفقت الكلمة على توليت هشام، وقتل المغيرة؛ ولم تمض ثلاثة أيام على وفاة الحكم حتى بويع ولده هشام ولقب المؤيد بالله، وتولى الحاجب جعفر ابن أبي عامر تنظيم البيعة، وتولى ابن أبي عامر في نفس الوقت تدبير مقتل المغيرة بن الناصر، فنفذ إليه الجند ليلة البيعة وقتلوه؛ ومنحت السيدة صبح الوصاية على ولدها، وكان في نحو الثانية عشرة من عمره؛ وتم بذلك مشروع الحكم المستنصر، ومشروع الثلاثة ذوي السلطان من بعده. وكان طبيعياً أن تحرص صبح على تولية ولدها لتحكم باسمه؛ وكان طبيعياً أن يؤازر ابن أبي عامر صاحبته والمحسنة إليه ليستمر بواسطتها محتفظاً بنفوذه، وليستطيع أن يحقق على يدها ومن طريق تغلبها على ولدها ما يضطرم به من الأطماع الخفية، أما الحاجب جعفر فكان له مثل ذلك الباعث في تولية هشام، إذ كان يخشى أن يتولى الملك رجل قوي كالمغيرة فيفقد نفوذه وسلطانه. وهكذا جمعت البواعث والغايات المشتركة بين الثلاثة، ولكن هذا التحالف الذي أملته الضرورة المؤقتة لم يكن طبيعياً، ولا سيما بين الحاجب جعفر ومنافسه القوي محمد بن أبي عامر، وكانت العلائق بين صبح ابن أبي عامر تزداد كل يوم تمكناً ووثوقاً، وكان ابن أبي عامر يرى عندئذ في

(59/12)

صبح ملاذ حمايته ورعايته لدى الحكم، وكان وجود الحكم يحد يومئذ كثيراً من أطماعه ومشاريعه، ولكنه مذ توفي الحكم، وأضحت جميع السلطة الشرعية مجتمعة في يد صبح بوصايتها على أبنها هشام، أخذ يتأهب للعمل في طريق آخر، ويرى في خليلته صبح أداة صالحة هينة يستطيع أن يخضعها لإرادته، ويسخرها لمعاونته، وكانت صبح من جانبها تغدق كل عطفها وثقتها على هذا الرجل الذي سحرها بخلاله وقوة نفسه وباهر كفاياته، وتضع كل آمالها فيه لحماية العرش الذي يشغله ولدها الفتي. فلم تمض بضعة أيام على تولية هشام، حتى رفع ابن أبي عامر من خطة الشرطة إلى رتبة الوزارة، في نفس الوقت الذي أقر فيه هشام حاجب أبيه جعفر المصحفي حاجباً له، وهكذا أشرك ابن أبي عامر في تولي السلطة المباشرة مع المصحفي، ولم يعترض أحد من رجال القصر أو الحكومة على ذلك الاختيار سوى الحاجب جعفر، فقد كان يرى في هذا التعيين انتقاصاً لسلطته ونكراناً لجميله، بعد أن حمل أعباء السلطة كلها دهراً، وكان يرى في ابن أبي عامر بالأخص منافساً يخشى بأسه، ويرتاب في أطماعه ونياته ومن ذلك اليوم أضطرم بين الرجلين صراع عنيف صامت لم يك ثمة شك في نتيجته.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
شخصية نسوية أندلسية
صبح أو صبيحة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة
تولى محمد بن أبي عامر مقاليد الحكم مع الحاجب جعفر بمعونة صبح وتدبيرها كما بينا، وبدأ الصراع بين الرجلين على الاستئثار بالسلطة. وكان أبن أبي عامر هو القوى بلا ريب، سواء بمواهبه وقوة نفسه أم بمؤازرة صبح له. ولم تكن هذه المؤازرة ترجع فقط إلى ذلك الحب القديم الذي تضطرم به جوانح صبح نحو ذلك الرجل القوي، ولكنها كانت ترجع أيضاً إلى ثقة صبح في مقدرته وبراعته، وفي أنه هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يحمي ملك ولدها الفتى، وأن يوطد السلام والأمن في المملكة. فكان ابن أبي عامر في الواقع هو السيد المطلق، وكانت صبح تفوض إليه كل سلطة وكل أمر، فكان يدير الشئون كلها بمهارة تثير إعجاب خصومه وأصدقائه على السواء.
وكان الأمير الفتى، هشام المؤيد بالله، ميالاً بطبعه وسنه إلى اللهو والدعة، ولم يكن له شيء من تلك الخلال الرفيعة التي تهيئ الأمراء للاضطلاع بمهام الملك، فكان يلزم القصر والحدائق، ويقضي كل أوقاته في اللهو واللعب بين الخصيان وآلات الطرب. وكان أبن أبي عامر يشجع هذا الميول السيئة في نفس الأمير ويراها ملائمة لمقاصده؛ ومذ ولى هشام، حجر عليه أبن أبي عامر؛ ولم يسمح لأحد غيره برؤيته أو مخاطبته، وكان يحمل صبحاً بدهائه وقوة عزمه على أن تخلق الأعذار لحجب ولدها، حتى غدا هشام شبه معتقل أو سجين في قصره لا يعرف شيئاً من العالم الخارجي إلا ما يسمح له من ضروب اللهو واللعب. وفي ذلك يقول لنا مؤرخ أندلسي: (حجر المنصور بن أبي عامر على هشام المؤيد بحيث لم يره أحد مذ ولى الحجابة. وربما أركبه بعض سنين وجعل عليه برنساً فلا يعرف، وإذا سافر وكل من يفعل به ذلك). ويروي كوندي أن سيداً فارسياً يدعى سابور كان من أمناء القصر أيام الحكم، جاء من ماردة إلى قرطبة يوم البيعة لهشام ليؤدي يمين الطاعة، وحاول رؤية الأمير فلم يستطع. وفي الفرص النادرة التي كان يسمح فيها للأمير بالخروج

(60/17)

كان ابن أبي عامر يتخذ أشد التحوطات، فيحيط موكب الأمير حين يخترق شوارع قرطبة بصفوف كثيفة من الجند تمنع الشعب من رؤيته أو الاقتراب منه. وكان الحجر على هشام عماد ذلك الانقلاب العظيم الذي اعتزم ابن أبي عامر أن يحدثه في نظم الدولة لتمكين سلطانه وطغيانه وجمع سلطات الخلافة كلها في يده.
ولا يتسع المقام للإفاضة في شرح الوسائل والإجراءات المتعاقبة التي تذرع بها ابن أبي عامر لتحقيق مشروعه؛ ولكنا نقول فقط إنه سار إلى غايته بسرعة مدهشة، ولجأ في تحقيقها إلى أشد الوسائل؛ واستطاع بعزمه وصرامته وبراعته أن يستحق كل عقبة، وأن يروع كل منافس ومناوئ. وفي ذلك يقول لنا ابن خلدون: (ثم تجرد (أي ابن أبي عامر) لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه، فمال عليهم، وحطهم عن مراتبهم، وقتل بعضهم ببعض، كل ذلك عن أمر هشام وخطه وتوقيعه حتى استأصل شأفتهم ومزق جموعهم). وكان أشد ما يخشى منافسة الحاجب جعفر، ودسائس الخصيان الصقالبة بالقصر؛ فبدأ بالتخلص من الصقالبة وحمل جعفر على نكبتهم وتشريدهم، فقتل منهم عدد كبير واعتقل الباقون أو شردوا؛ ولبث بعد ذلك حيناً يتربص بجعفر، ويحرض صبحاً عليه، وينوه كلما سنحت الفرص بقصوره وسوء تدبيره، ثم اعتقله أخيراً وأودعه السجن حتى مات؛ وجدّ بعد ذلك في مطاردة كل من يخشى بأسه من بني أمية أو غيرهم من زعماء القبائل، وسحق كل من يصلح للولاية والرآسة. وفي ذلك يقول ناقم منه:
أبنى أمية أين أقمار الدجى ... منكم وأين نجومها والكوكب
غابت أسود منكم عن غابها ... فلذاك حاز الملك هذا الثعلب
وعمد ابن أبي عامر إلى الجيش فنظمه من جديد ليؤكد عونه وإخلاصه، وأبعد عنه كل العناصر المريبة، وملأه بصفوف جديدة من البربر والمرتزقة؛ وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أنشأ مدينة جديدة في ضاحية قرطبة على ضفة الوادي الكبير وسماها بالزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة والدواوين؛ وأنشأ له حرساً خاصاً من البربر والصقالبة؛ واتخذ سمة الملك، وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والأوامر باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر، ونقش اسمه في السكة؛ وتم بذلك استئثاره بجميع السلطات والرسوم، ولم يبق من الخلافة الأموية سوى الاسم.

(60/18)

ماذا كان موقف صبح إزاء ذلك الانقلاب؟ لقد كانت أكبر عون لابن أبي عامر على إحداثه؛ وكان حبها المضطرم لذلك الرجل الذي ملك عليها كل مشاعرها وعقلها يدفعها دائماً إلى مؤازرته والإذعان لرأيه ووحيه؛ وكان إعجابها الشديد بمقدرته وتوفيقه يضاعف ثقتها به، ويعميها دائماً عن إدراك الغاية الخطرة التي يسعى إلى تحقيقها؛ هذا إذا لم نفترض أن تلك الفرنجية المضطرمة الجوانع كانت تذهب في حبها إلى حد الائتمار بولدها وتضحية حقوقه ومصالحه. والظاهر أن علائقها بابن أبي عامر، أو المنصور كما نسميه فيما بعد، انتهت بالخروج عن كل تحفظ، وغدت فضيحة قصر ذائعة، شهر بها مجتمع قرطبة وتناولها بلاذع التعليق والهجو؛ وظهرت في ذلك الحين قصائد وأناشيد شعبية كثيرة، في التشهير بحجر المنصور على هشام، وعلائقه بصبح. فمن ذلك ما قيل على لسان هشام في الشكوى من الحجر عليه:
أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعاً عليه؟
وتملك باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شيء في يديه؟
ومن ذلك ما قيل في هشام وأمه صبح؛ وقاضيه ابن السليم:
اقترب الوعد وحان الهلاك ... وكل ما تحذره قد أتاك
خليفة يلعب في مكتب ... وأمه حبلى وقاض. . .
وهذه المقطوعات اللاذعة وأمثالها تعبر عن روح العصر، وتدل على ما كان يثيره موقف صبح وسمعتها من الحملات المرة. وتتفق الرواية الإسلامية في الإشارة إلى هذه العلائق الغرامية بين صبح والمنصور، وإن كانت تؤثر التحفظ والاحتشام؛ ولم نجد ما يعارضها سوى كلمة لكاتب مغربي يدافع فيها عن المنصور ويدفع عن صبح تهمة شغفها به، ويرمي أولئك الشعراء بالتحامل والكذب.
ولم يخمد جذوة هوى صبح زواج صاحبها المنصور، بل كان موقفها من هذا الزواج دليلاً جديداً على إخلاصها ووفائها، وكانت زوج المنصور أسماء ابنة غالب مولى الحكم وصاحب (مدينة سالم)، وهي فتاة بارعة الجمال والخلال؛ زفت إلى المنصور سنة 376، في حفلات كانت مضرب الأمثال في البذخ والبهاء؛ ونظم الاحتفال في قصر الخليفة ذاته بإشراف الخليفة، وبعبارة أخرى بإشراف أمه صبح؛ وأغدقت صبح على العروس رائع

(60/19)

الهدايا والتحف؛ وكان زواجاً سعيداً موفقاً لبث مدى الحياة وإن كان غالب قد خرج بعد ذلك بأعوام قلائل على صهره المنصور، ووقعت بينهما حرب هزم فيها غالب وقتل.
لبث المنصور زهاء عشرين عاماً يقبض بيديه القويتين على مصاير الأندلس، ويسير من ظفر إلى ظفر، ويثخن في ممالك أسبانيا النصرانية؛ ولم تبلغ أسبانيا المسلمة ما بلغته في عهد المنصور من القوة والسؤدد، ولم تبلغ أسبانيا النصرانية ما بلغته في عهده من التمزق والضعف؛ وقد غزا المنصور زهاء خمسين غزوة، وجاز إلى أمنع وأنأى معاقل أسبانيا النصرانية، ومع ذلك لم يشغله تعاقب الغزو عن مهام السلام؛ فكانت الأندلس في عهده تتمتع بفيض من الرخاء والأمن؛ ووطد أيضاً سلطة حكومة قرطبة في المغرب الأقصى، وكان قد فُتح في عهد الحكم المستنصر؛ ولكن المنصور كان يفرض على الأندلس حكماً من الطغيان المطبق، وكانت وسائله العنيفة الصارمة، الدموية في أحيان كثيرة، تذكى من حوله أوار البغض والتربص؛ وكان اجتراؤه بالأخص على مقام الخلافة واستلاب سلطاتها، والحجر على صاحبها الشرعي، تقدمه دائماً إلى الشعب في ثوب الطاغية المغتصب، فكان الشعب يعجب به ولا يحبه. على أن المنصور كان يسير دائماً في طريقه، معتمداً على قوته ووسائله، لا يحفل برأي الزعماء أو الشعب؛ فلما استتب له كل أمر، واجتمعت في يده كل السلطات ثاب له رأي في الاستئثار بما بقى من رسوم الملك ومظاهره، فبدأ بالتخلي عن لقب الحاجب، وخلعه على ولده عبد الملك، وهو فتى في الثامنة عشرة؛ وتسمى بالمنصور فقط؛ ثم أصدر أمره بأن يخص دون سائر أهل الدولة بلقب (السيادة) في المخاطبات، وتسمى عندئذ (بالملك الكريم) وكانت هذه دلائل واضحة على حقيقة الغاية التي يعمل لها المنصور ويرجو أن ينتهي إليها، وهي أن ينسخ الخلافة الأموية حكماً كما نسخ سلطانها فعلاً، وأن ينشئ دولة عامرية تتمتع بمراسيم الملك والخلافة.
ولم تك ثمة معارضة يخشى بأسها المنصور؛ وكان هشام المؤيد قد أشرف على الثلاثين من عمره، ولكنه لبث خاملاً ضعيف العزم والإرادة، لا تسنده أية قوة؛ وقد سحق المنصور كل زعامة وكل قوة خصيمة، وجمع حوله الجيش. ولكن كانت ثمة قوة لم يحسب المنصور حسابها: تلك هي صبح أو (أورور) صاحبته القديمة، وعونه السابق في الوصول إلى ذرى الحكم، وفي الحجر على الخليفة واستغلال ضعفه. ثارت صبح لما تبينته من نيات

(60/20)

المنصور وغايته، وكانت صبح يومئذ في نحو الخمسين من عمرها، وقد تضرم ذلك الحب الذي شغفها بالمنصور دهراً، وأضحت تبغض ذلك الرجل الذي سلب ولدها كل سلطة؛ وأخذت تبث في نفس ولدها هشام مثل هذه العاطفة، وتدفعه بكل ما وسعت إلى مناوأة المنصور ومنازعته واسترداد سلطانه، وتولى مقاليد الحكم بنفسه؛ وأذاعت بواسطة أعوانها من الناقمين على المنصور دعوة شديدة، واتهمته بأنه يسجن الخليفة الشرعي ويحكم رغم إرادته ويغتصب سلطته. ولم تقف عند هذا الحد، بل فكرت في القيام بمحاولة عملية لمقاومة المنصور وإسقاطه، ففاوضت زيرى بن عطية حاكم المغرب الأقصى من قبل المنصور وأرسلت إليه الأموال سراً ليحشد الجند وليتأهب للعبور إلى الأندلس؛ وكان زيرى بن عطية أقوى زعماء المغرب، وكان مخلصاً لبني أمية يقوم بدعوتهم ويؤيدها، فلبى دعوة صبح، وأخذ يشهر بالمنصور وسياسته وحجره على الخليفة. ولكن المنصور فطن إلى المؤامرة قبل نضجها فبادر برؤية هشام المؤيد سراً، وتفاهم معه، وانتهى بأن أخذ منه تفويضاً كتابياً جديداً بالحكم؛ ونقل الأموال من القصر إلى الزاهرة حتى لا تمتد إليها يد خصومه. ثم تحول إلى زيرى بن عطية فعزله من منصبه وقطع رواتبه؛ فرد زيرى بأن محا اسمه من الخطبة وطرد عماله بالمغرب، وتأهب للحرب. وبعث المنصور إلى المغرب الأقصى جيشاً ضخماً بقيادة مولاه واضح فهزمه زيرى وارتد إلى طنجة؛ واستمرت الحرب حيناً بين الفريقين، وسار المنصور بنفسه إلى الجزيرة الخضراء وبعث إلى المغرب جيشاً كثيفاً بقيادة ولده عبد الملك، ونشبت بين الفريقين معارك شديدة هزم في نهايتها زيرى ومزق جيشه وفر إلى الصحراء الداخلية (388هـ - 997م).
وهكذا فشلت صبح في محاولتها، ولم يسفر ذلك الصراع المتأخر إلا عن توطيد سلطان المنصور وسحق البقية الباقية من خصومه ومعارضيه. ولم تك صبح في الواقع أهلاً لمقاومة ذلك الرجل القوي، خصوصاً بعد أن مكن له في كل شيء، ولم يكن الخليفة الأموي سوى شبح فقط. ونستطيع أن نقول إن الدولة الأموية بالأندلس قد انتهت فعلاً بانتهاء عهد الحكم المستنصر، ولم يكن استمرارها صورة على يد هشام المؤيد، أيام المنصور، ثم تجددها بعد ذلك على يد الزعماء الثائرين من بني أمية، إلا مرحلة السقوط النهائي. ولما أيقنت صبح أن المقاومة عبث، وأنه لا منقذ لولدها من ذلك النير الحديدي، لجأت إلى

(60/21)

السكينة والعزلة؛ فلا نسمع عنها بعد ذلك في تأريخ الأندلس؛ ولا نعرف تأريخ وفاتها بالتحقيق؛ ولا نعرف إن كانت وفاتها قبل وفاة المنصور (سنة 393هـ - 1002م) أو بعدها، وكل ما تقوله الرواية الإسلامية في ذلك إن وفاتها كانت أيام ولدها هشام. والظاهر أنها توفيت قبيل وفاة المنصور حوالي سنة 390هـ، لأننا لا نعثر باسمها بعد ذلك في حوادث الأندلس. وقد أورد صاحب يتيمة الدهر للشاعر الأندلسي أبي عمر بن محمد بن دراج القسطلي قصيدة يرثى فيها صبحاً (أم هشام المؤيد بالله) نقتطف منها ما يأتي:
هل الملك يملك ريب المنو - ن أم العز يصرف صرف القضاء
ألم تر كيف استباحت يدا - هـ حريم الملوك وعلق النساء
هو الرزء أودى بعزم الملو - ك مصاباً وأودى بحسن العزاء
وحاشا لرزئك أن يقتضيه ... عويل الرجال ولدم النساء
لبيض أياديك في الصالحا ... ت تمسك وجه الضحى بالضياء
فتلك مآثرها في التقى ... وبذل اللهى ما بها من خفاء
جزاك بأعمالك الزاكيا ... ت خير المجازين خير الجزاء
ولقيت من ضنك ذاك الضريح ... نسيم النعيم وطيب الثواء
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان المحامي
الأفق الدولي
حديث الحرب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن الحرب المقبلة، وعن أسبابها المحتملة، وعن مواطن نشوبها والدول التي قد تشترك فيها. وكلما أظلم أفق السياسة الأوربية، وتفاقمت مشكلة من المشاكل، تكرر حديث الحرب، وازداد المتشائمون تمسكاً باعتقادهم في قرب نشوبها. ومنذ أشهر نشهد في جو السياسة الأوربية ما ينذر فعلاً باضطراب العلاقات الدولية وتوترها؛ فمن محالفات سياسية وعسكرية تعقد بين مختلف الدول، ومن اعتمادات مالية ضخمة تقررها معظم الدول لتعزيز قواتها واستكمال أهباتها الحربية، ومن تصريحات سياسية هنا وهناك تحمل على التشاؤم والجزع. ولقد كشفت الأزمة النمسوية التي وقعت منذ أسابيع قلائل من جراء الثورة التي أضرمها دعاة التحريض الألماني لقلب النظام في النمسا والتمهيد لإعلان انظمامها إلى ألمانيا عن مبلغ توتر أعصاب الدول العظمى، وعما يجثم في ثنية المشكلة النمسوية من خطر على السلام الأوربي؛ ولم تحجم إيطاليا في هذا الظرف الدقيق عن حشد جنودها على حدود النمسا الجنوبية استعداداً للطوارئ. فإذا ذكرنا أن الحرب الكبرى أضرمت شرارتها الأولى في تلك المهاد، أي في إمبراطورية النمسا والمجر القديمة، استطعنا أن نقدر طرفاً من العوامل التي تملى بحديث الحرب ونبؤاتها.
على أننا مع تقديرنا لخطر هذه الظواهر المزعجة في سير الحوادث الأوربية، نخشى أن يكون خطر الحرب جاثماً في جهة أخرى غير أوربا القديمة؛ ففي الشرق الأقصى تقع حوادث ذات مغزى خطير؛ وهذا التلاحم المستمر بين اليابان وروسيا يبطن من الخطر على السلام أكثر مما يدلي به ظاهر الحوادث. ولنلاحظ أولاً أن هناك خصومة تاريخية خالدة بين اليابان وروسيا منذ الحرب الروسية اليابانية في سنة1904؛ وأن بينهما منافسة قديمة مستمرة مدارها التنازع على النفوذ في الصين واقتسام المصالح الصينية؛ وهما يلتقيان في الصين في مناطق ومراكز في منتهى الأهمية. وفي الأنباء الأخيرة أن حادثاً جديداً قد وقع في منشوريا، وزاد في تحرج العلائق بين البلدين. ذلك أن سلطات منشوكيو (منشوريا) قد قبضت على عدد كبير من الموظفين الروس في الخط الحديدي الشرقي،

(61/11)

وأنها تتحرش بممثلي روسيا القنصليين. وحكومة منشوكيو كما نعلم هي التي أنشأتها اليابان في منشوريا بعد افتتاحها، وهي التي تسيرها كما شاءت. وليس هذا التصادم هو الأول من نوعه، فقد تكرر مراراً في الفترة الأخيرة، ومصدره دائماً هو النزاع على الخط الحديدي الشرقي. ولكي نعرف أهمية هذا الخط الذي يجمع بين الدولتين المتنافستين، نقول إنه يخترق منشوريا من غربها مبتدئاً من مدينة منشولي، ثم يسير نحو الجنوب الشرقي في قلب منشوريا حتى يتصل بخط (أسوري) الذي يمتد إلى ثغر فلاديفوستك على شاطئ المحيط الهادي. ومنه يمتد فرع إلى الجنوب من هربين ويتصل بخط منشوريا الجنوبي. وقد أنشئ هذا الخط في أوائل القرن الماضي بالاتفاق مع حكومة الصين الإمبراطورية بأموال روسية وفرنسية، وتحملت روسيا أكبر قسط في نفقاته، واشتركت الحكومة الصينية فيه بقسط ضئيل؛ وبع الحرب ادعت حكومة منشوريا بتحريض اليابان على الخط حقوقاً؛ ثم ظهرت اليابان في الميدان واحتلت القسم الشرقي من الخط بحجة حماية مصالحها وحماية الخط من العصابات؛ ولما افتتحت اليابان منشوريا منذ نحو عامين أصبحت تسيطر على الخط الشرقي كله. وكان النزاع قد اشتد بين الروسيا واليابان على شئون هذا الخط الحديدي في سنة 1929، ووقعت بين قواتهما بعض المعارك الدموية، وخشي يومئذ أن تقع بينهما الحرب. ولكنهما انتهيا بالاتفاق والتفاهم على شئون الخط ونظامه في مؤتمر عقد بينهما في سنة 1930.
ومنذ افتتحت اليابان منشوريا وسيطرت على شئونها، شعرت روسيا أن مصالحها في هذه المنطقة من الشرق الأقصى أضحت مهددة، وأضحى التلاحم مستمراً بينهما. ولروسيا في الخط الحديدي الشرقي مصالح حيوية جداً. لأنه يتصل بخط سيبيريا الكبير، ويقصر أمد المسافة إلى فلاديفوستك، وهو الآن تحت رحمة اليابان. ثم إن حلول اليابان في منشوريا واقترابها بذلك من منطقة النفوذ الروسي في منغوليا، يهدد الروس في هذه المنطقة، ويحول دون التوسع الروسي؛ ولا تخفي السياسة اليابانية مذ وطدت أقدامها في منشوريا أنها تعمل على سحق النفوذ الروسي في تلك الأنحاء؛ ولا تخفي حكومة موسكو من جانبها أنها تحرض على مصالحها ونفوذها في الشرق الأقصى كل الحرص، وأنها دائماً على أهبة لحمياتها بالقوة المادية؛ وروسيا تحتفظ منذ أعوام بقوات كبيرة في منطقة شيتا على مقربة

(61/12)

من الحدود المنشورية؛ وهي تحيط بمنشوريا من الشرق والشمال والغرب، واليابان تحتفظ في منشوريا بقوات كبيرة وتحتل الخط الحديدي الشرقي كله، وتثبر في وجه موظفي الخط الروس كل الصعاب الممكنة وتعتقلهم من آن لآخر بتهم مختلفة على نحو ما حدث أخيراً. وقد احتجت حكومة موسكو لدى الحكومة اليابانية احتجاجاً شديداً، وطالبت بالإفراج عن رعاياها المعتقلين، ونوهت في مذكراتها بروح العداء الذي تبديه بعض المقامات اليابانية نحو روسيا، وحملت اليابان كل تبعة فيما يترتب على هذه السياسة من العواقب الخطيرة.
ومما يلفت النظر أنه في نفس الوقت الذي يتفاقم فيه النزاع بين اليابان وروسيا إلى هذا الحد، تذاع أنباء عن عقد معاهدة أو تحالف بين اليابان وبريطانيا العظمى. ولهذا الحادث إذا صح مغزى دولي خطير، ذلك أن المنافسة الصناعية والتجارية بين اليابان وإنكلترا بلغت في العهد الأخير مدى بعيداً، واستطاعت اليابان أن تنفذ بتجارتها إلى جميع الأسواق التي تسيطر عليها التجارة البريطانية، وأثارت بذلك في وجه التجارة البريطانية صعوبات فادحة. واستعملت بريطانيا كل نفوذها وسلطانها المادي لمحاربة هذا الخطر؛ فإذا صح أن التفاهم قد عاد بين البلدين، وأنهما سيؤكدان أن هذا التفاهم بمعاهدة سياسية تجارية، أو أنهما قد عقدا بالفعل مثل هذه المعاهدة، فمعنى ذلك أن نوعاً من التوازن الدولي يقوم في الشرق الأقصى، وأن اليابان قد استطاعت بعد عزلتها منذ نحو عامين على أثر حوادث منشوريا وانسحابها من عصبة الأمم، أن تجد حليفة قوية تؤازر سياستها في الشرق الأقصى ضد روسيا. والمعروف أن بريطانيا العظمى هي ألد خصوم روسيا البلشفية، وأشدهم مقاومة لسياستها، وأنها مثل اليابان تخشى دائماً من تقدم نفوذها ودعواتها الثورية في الصين، وتخشى بالأخص من دسائسها في الهند؛ على أن مثل هذا التحالف سيحمل روسيا بالطبع على التماس المعونة من جهة أخرى، والظاهر أن أمريكا هي الدولة التي يمكن أن تميل إلى محالفة روسيا على مقاومة التوسع الياباني؛ والمنافسة شديدة بين أمريكا واليابان على سيادة المحيط الهادي، وقد ظهرت خصومة أمريكا لليابان في العهد الأخير حينما احتجت غير مرة ضد توسعها في الصين وأنذرتها بسوء عواقب هذه السياسة، وظهر تصميم اليابان على تحدي أمريكا وغيرها من دول الغرب حينما أعلنت أنها ستعتبر الصين منذ الآن فصاعداً ميداناً للتوسع الياباني وحده، وأنها ستقاوم كل مجهود تبذله الدول الغربية

(61/13)

لاكتساب نفوذ جديد في الصين. وعلى ذلك فقد نشهد في القريب العاجل قيام هذا التوازن الخطر في الشرق الأقصى بين الدول ذات الشأن، وقد تتفاقم الحوادث بسرعة، ويضطر البلاشفة أخيراً إلى خوض حرب ما زالوا منذ بعيد يحاولون اجتنابها.
هذا ونرى مثل هذه السحب القاتمة يحلق أفق القارة الأوربية. وصحافة أوربا كلها تفيض اليوم بحديث الحرب، بعد أن كانت منذ أعوام قلائل تفيض بحديث السلام والتعاون الدولي. وقد توارت عصبة الأمم من الميدان وغاضت كل الآمال التي علقت على جهودها في تعزيز السلم؛ ولا يحجم الساسة المسئولون اليوم عن التحدث بوقوع الحرب؛ وأقرب شاهد على ذلك ما صرح به السنيور موسوليني في خطاب ألقاه أخيراً على أثر انتهاء الجيش الإيطالي من تمارينه السنوية، من (إن الشعب الإيطالي يجب أن يكون شعباً عسكرياً لأن بقاء الأمم رهين بقوتها، ومن أنه إذا لم يكن أحد في أوربا يرغب في الحرب، فإن نذير الحرب يرى مع ذلك ظاهراً في الأفق، ومن المحتمل أن تنشب الحرب في أية لحظة، فعلى إيطاليا أن تستعد لحرب اليوم لا حرب الغد؛ ولقد نشأت في أواخر شهر يوليو (يريد حوادث النمسا) حالة تشبه الحالة التي كانت عليها أوربا قبل نشوب الحرب الكبرى، فلبت إيطاليا في الحال دعوة الخطر وأرسلت جنودها إلى الحدود، وقضت بذلك على الأزمة). والسنيور موسوليني سياسي عملي، وقد كانت تلميحاته إلى الحرب تثير منذ أعوام في أوربا كلها عواصف من النقد القارص. ذلك أن أوربا كانت ما تزال يومئذ غارقة في أحلام السلام؛ وكانت الآمال معلقة على مواثيق السلام والتحكيم التي سادت الأفق الدولي حيناً، وظن المتفائلون أنها ستقضي على كثير من أسباب الاحتكاك بين الأمم؛ ولكن الأمم الأوربية تشعر اليوم أنها تعيش في جو من التشاؤم والجزع؛ وقد توالت في العامين الأخيرين أحداث سياسية خطيرة، كقيام الوطنية الاشتراكية في ألمانيا وعملها لأحياء الروح العسكري القديم، وتفاقم المشكلة النمساوية من جراء تهديد ألمانيا بالقضاء على استقلال النمسا، ونشاط السياسة الفرنسية لجمع أمم أوربا الشرقية والوسطى حولها بمعاهدات سياسية وعسكرية، وتفاهم فرنسا مع روسيا واهتمامها بمضاعفة تحوطاتها وأهباتها العسكرية رداً على نشاط ألمانيا العسكري، واهتمام إنكلترا بزيادة تسليحاتها البحرية والجوية، وتصريح المستر بلدوين زعيم حزب المحافظين الإنكليز بأن حدود إنكلترا تمتد

(61/14)

حتى نهر الراين؛ فهذه كلها أحداث وتطورات ترجع بأوربا إلى عهد ما قبل الحرب، وتثير في أفقها سحباً قاتمة، وتجعلها تشعر بأن تصريحات كالتي يلقيها السنيور موسوليني إنما تعبر عن الحقيقة والواقع.
والخلاصة أن خطر الحرب يجثم في الشرق والغرب معاً. والدول العظمى تعمل كلها لمضاعفة تسليحاتها وأهباتها. ولكن متى تقع الحرب، وفي أي ساحة، ومن أي جانب؟ هذه أسئلة تستحيل الإجابة عنها الآن. وكل ما يمكن قوله أن ما نراه اليوم من توتر أعصاب أوربا يجعل خطر الحرب محتمل الوقوع لأي بادرة أو احتكاك يحدوه التحرش أو سوء القصد، كما دلت عليه تطورات المسألة النمساوية، فلو لم تبادر ألمانيا بوقف تحريضاتهم الثورية وتعديل خطتاه نحو النمسا، ولو دفعت ألمانيا الجرأة إلى حد إرسال الخوارج النمساويين الذين تجندهم في أرضها إلى النمسا، لبادرت إطاليا باختراق الحدود النمساوية، ولتحركت في الحال دول الوفاق الصغير، ووقعت مصادمات يخشى أن تثير حرباً عالمية أخرى. وقد تقع الحرب نتيجة للنزاع الألماني الفرنسي أو الإيطالي الفرنسي، أو نتيجة لما بين إطاليا ويوجوسلافيا من التنافس؛ وقد تقع في الشرق الأقصى بين روسيا واليابان؛ وقد تكون ساحتها الأولى في النمسا أو في ألبانيا أو على حدود الرين. تلك احتمالات تبررها الحوادث والتطورات الجارية، ولكنها لا تخرج عن حد الاحتمالات.
لسنا من المغرقين في التفاؤل أو التشاؤم، ولكنا لا نستطيع أن نؤمن بقول مستر لويد جورج أن الحرب لا يمكن أن تقع قبل عشرة أعوام.
محمد عبد الله عنان
المحامي
المأعظم حادث في حياة روسو:
روسو ومدام دي فرنس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
صدر أخيراً في باريس كتاب عنوانه (مدام دي فرنس) وهو عنوان لا يثير لأول وهلة كبير اهتمام؛ ولكنا متى علمنا أن صاحبة هذا الاسم هي المرأة التي كان لها أكبر أثر في حياة جان جاك روسو الكاتب والفيلسوف الأشهر، وأنها إذا لم تكن معروفة شهيرة لذاتها فان روسو يخلدها في آثاره، ويفرد لها في (اعترافاته) أو ترجمة حياته أكبر مكانة، استطعنا أن نقدر أهمية بحث يتناول هذا الجانب من حياة روسو، وما كان له من عظيم أثر في تكوين تفكيره وفلسفته.
نلمس أثر المرأة في حياة كثير من عظماء الرجال، وتمتاز هذه الشخصيات النسوية في أغلب الأحيان بخلال قوية بارزة تمكن لها في النفوذ والتأثير؛ ولكن مدام دي فرنس تبدو لنا في صورتها وخلالها شخصية عادية، لا تخلق في ذاتها لأن توحي بشيء من مقومات العظمة أو البطولة؛ وكان مثولها في حياة روسو أيام كان فتى مغموراً شريداً لا قيمة له في مجتمع وطنه وعصره. على أن هذه الصلة طبعت نفس روسو وروحه بأعمق طابع، وأثرت في عواطفه وتفكيره أعظم تأثير، وأثارت من قلمه عن مدام دي فرنس وعن صلاته بها تلك الصحف المؤثرة البديعة التي نعتقد إنها أجمل ما في (الاعترافات).
كانت لروسو مع مدام دي فرنس قصة من أغرب القصص وأجملها، قصة (أم) وولد، ومربية وتلميذ، وحامية ومحسوب، وأخيراً قصة عاشق ومعشوق، وصاحب وخليلة؛ وكان اتصاله بها سنة 1728 وهو حدث في نحو السادسة عشرة من عمره؛ ففي ذلك الحين فر روسو من جنيف مسقط رأسه، وغادر أسرته بعد أن التحق حين كان صبياً بمكتب محام ولم يأنس ميلاً للعمل فيه، ثم بحانوت حفار لم يطق خشونته وسوء معاملته؛ وسافر على غير هدى إلى بلدة كفنيون من أعمال سافوا، وقصد قسيسها المسيو دي بونفير وكانت بينه وبين أسرته صداقة، فأرسله بتوصية منه إلى سيدة خيرة محسنة هي مدام دي فرنس، لكي تعاونه على البحث عن عمل يعيش منه.
وكانت مدام دي فرنس تقيم يومئذ في بلدة (أنسي)؛ فقصد إليها الفتى جان جاك، وقلبه يتردد

(62/15)

بين الخيبة والأمل. ويقول لنا روسو إنه لما وصل إلى (أنسي) فكر في وسيلة مؤثرة يكسب بها عطف مدام دي فرنس، فكتب إليها خطاباً منمقاً ضمنه كل ما وسع من الكلمات والعبارات البليغة، ووضع معه خطاب المسيو دي بونفير. ثم ذهب إلى منزلها فلم يجدها هنالك، وقيل له إنها سارت تواً إلى الكنيسة على مقربة من المنزل، فهرول في أثرها ولحق بها وناداها. ثم يقول؛ (وإني لأذكر هذه البقعة بلا ريب. وكثيراً ما بللتها بعد بدموعي وغمرتها بقبلاتي. وإني لأود أن أسور هذه البقعة السعيدة بقضيب من الذهب، وأود أن ألتمس لها إجلال العالم. ومن يقدس آثار إنقاذ الإنسان فعليه أن لا يقربها إلا راكعاً). وشد ما كانت دهشة روسو حينما رأى مدام دي فرنس لأول مرة، وكان يتصورها عانساً مظلمة المحيى شديدة الورع، وما كانت المحسنة التي يختارها القس دي بونفير لتكون في نظره غير ذلك. ولكنه رأى بالعكس محيا يفيض بالسحر، وعينين زرقاوين نجلاوين تفيضان بالرقة، وبشرة ناصعة باهرة. فاستقبلته باسمة وتناولت الخطابين وقرأتهما. ثم طلبت إليه برفق أن ينتظرها في المنزل حتى تعود من القداس.
وهنا يحدثنا روسو طويلاً عن مدام دي فرنس؛ فهي لويزا لينور دي فرنس، سليلة أسرة نبيلة من لوزان؛ تزوجت صغيرة بالمسيو دي فرنس؛ وكان الزواج عقيماً، ولم يكن سعيداً؛ فعافت حياة الأسرة؛ وانتهزت فرصة وجود الملك فكتور أمدية (ملك سافوا) ذات يوم في أفيان، فغادرت أسرتها ووطنها واستغاثت به، فمنحها حمايته ورعايته ورتب لها نفقة حسنة. ثم ذاع بعد ذلك إنه يهواها، فأبعدها إلى (أنسي)، وهناك نبذت مذهبها البروتستانتي واعتنقت الكثلكة إرضاء لمليكها وكان كاثوليكياً متعصباً. وكان قد مضى عليها ستة أعوام في أنسي يوم وفد عليها روسو؛ وكانت يومئذ في الثامنة والعشرين من عمرها. وكانت حسناء (جمالها من ذلك النوع الباقي الذي يبدو في المحيى أكثر مما يبدو في التقاسيم، هذا إلى أن جمالها كان ما يزال في ذروته الأولى؛ وكانت ذات هيئة ناعمة جذابة، ونظرة ساحرة، وبسمة ملائكية. وكانت صغيرة القد، أميل إلى القصر، عبلة نوعاً ولكن دون قبح، بيد أنه لم يك أجمل منها رأساً، ولا أجمل صدراً ويدين ومعصمين).
وقد تلقت مدام دي فرنس تربية مضطربة متنوعة ترجع إلى أنها فقدت أمها عند مولدها، فتعلمت شيئاً من مربيتها، وشيئاً من والدها، وشيئاً من أساتذتها، وكثيراً من عشاقها. وتلقت

(62/16)

بالأخص عن والدها قشوراً من الطب والسمياء، وكان للأفاقين من الأطباء والسميائين نفوذ كبير عليها، فكانت تقلدهم في عمل المركبات والأدوية، وتبدد في ذلك ذكاءها وسحرها اللذين كانا يخلقان بأرفع المجتمعات. بيد أنها لبثت خلال هذه الغمار محتفظة بطيبة قلبها، ورقة شمائلها، وبشرها وصراحتها، وحبها للبائس والمسكين، وكان جديراً بذكائها ورفيع خلالها أن تشغل مكانة غير التي وجدت فيها، وأن تؤدي عملاً أجل من ذلك الذي كانت تؤديه.
ولقي روسو مدام دي فرنس (فغزت لبه وحازت ثقته من أول مقابلة وأول كلمة وأول نظرة). ولا يستطيع روسو أن يدرك كنه هذه العاطفة العميقة التي بثتها إليه مدام دي فرنس منذ الساعة الأولى، ويتساءل إذا كانت هذه العاطفة حباً، فكيف اقترنت منذ البداية بسلام القلب، والسكينة، والبشر، والثقة؟ وكيف أنه وهو في حضرة امرأة رفيعة رائعة الحسن، يتوقف عليها مصيرمستقبله في معنى من المعاني، استطاع أن يشعر بمنتهى الحرية والطمأنينة، ولم يخالجه أي اضطراب أو وجل؟ هذا وهو الحدث الحيي الذي لا يعرف شيئاً عن العالم.
وسألته عن أحواله ورغباته، فقص عليها قصته، وبعد أن فكرت ملياً في أمره ولم تجد له حلاً موافقاً، اقترح أحد ضيوف المنزل على مضيفته أن يسافر الفتى الشريد إلى تورينو ليلتحق هنالك بمعهد لتخريج الكهنة، وفيه يلقى العون المادي والروحي، فوافقت مدام دي فرنس لأنها لم تجد حلاً آخر، وساعدت روسو ببعض المال، فسافر إلى تورينو بعد أن أقام لديها بضعة أيام أسرته فيها بساحر خلالها وبثت إليه شعوراً خالداً بالمحبة والعرفان؛ وهنالك قدم أوراق التوصية التي يحملها. وكان المعهد معهد تبشير للكثلكة، فلم يمض حين حتى حمل روسو على تغيير مذهبه البروتستانتي واعتناق الكثلكة، ثم أخرج على أثر ذلك من المعهد ونفح بمكافأة صغيرة فلبث حيناً يتجول في المدينة، وينتقل من مسكن إلى آخر، وهو شريد لا يدري ماذا يصنع، حتى ألقى به القدر إلى خدمة سيدة نبيلة تدعى الكونتة دي فرتشلي. وكانت أرمل متقدمة السن ولا ولد لها، وكانت أديبة قارئة، فكان روسو يكتب ما تمليه عليه من القطع والخطابات؛ ولكنها لم تلبث طويلاً حتى مرضت ثم توفيت؛ وغادر روسو المنزل آسفاً شريداً؛ حتى سنحت له فرصة أخرى، فألحق بتوصية من بعض

(62/17)

الأصدقاء بخدمة الكونت دي جوفون أحد رجال البطانة، وتعرف عندئذ بالأب دي جوفون أحد أعضاء هذه الأسرة، وتلقى عليه دروساً في اللاتينية والأدب القديم، ولبث في عمله الجديد أشهراً أخرى، ثم أقيل منه فخرج خالي الوفاض مهموم النفس وكره البقاء في تورينو، وأعتزم العودة إلى أنسي وإلى مدام دي فرنس.
فغادر تورينو على قدميه، ووصل إلى أنسي بعد رحلة شاقة، وقصد إلى منزل المحسنة إليه؛ وآنس في الحال منها ذلك العطف القديم، فارتمى على قدميها وهو يلثم يدها فرحاً، وفاض قلبه سعادة إذ علم أنها أعدت له غرفة بالمنزل وأنه سيقيم إلى جانبها باستمرار. وهنا يفيض روسو في وصف عواطفه نحو هذه السيدة البارة الساحرة، فيقول إن علائقهما لم تثر منذ الساعة الأولى أية كلفة، فكانت تسمية (ولدها الصغير) ويسميها (أمه) وأن هذه التسمية كانت أصدق معبر عن بساطة هذه العلائق وسذاجتها، وبالأخص عن تجاذب قلبيهما، وأن الشهوة الجنسية كانت بعيدة عن ذهنه، ولكنه كان سعيداً إذ وجد (أماً) فتية حسناء تغمره مداعباتها وقبلاتها - أجل قبلاتها - سحراً، وإنه كان يشعر إلى جانبها ولدى نظراتها وأحاديثها بمتعة خالدة لا يستطيع أن يدرك كنهها، يقول روسو: (كان يأخذني سحر المقام معها، ورغبتي المضطرمة في أن أقضي حياتي إلى جانبها، فكنت أرى فيها دائماً، أكانت غائبة أم حاضرة، أماً رؤوماً، وأختاً محبوبة، وصديقاً ممتعاً، ليس غير؛ وكانت صورتها التي لا تفارق قلبي قط لا تفسح مجالاً لأية صورة أخرى، فلم أك أرى في العالم امرأة سواها، وكانت عذوبة المشاعر التي تبثها إلي تمنع حواسي من أن تنتبه إلى مشاعر أخرى، وتحميني منها ومن جنسها كله، وبعبارة أخرى كنت عفيفاً لأني أحببتها، فتأمل هذه النتائج التي لا أكاد أحسن عرضها، وقل لي من ذا الذي يستطيع أن يصف طبيعة شغفي بها. . .)
البقية في العدد القادم
محمد عبد الله عنان المحامي
أعظم حادث في حياة روسو:
2 - روسو ومدام دي فرنس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
والحقيقة أن مدام دي فرنس نفثت في جان جاك ضرباً غريباً من السحر والجوى، لا هو بالحب الجنسي الخالص، ولا هو بالحب البنوي الخالص، ولا هو بالصداقة الحميمة، بل كان مزيجاً من ذلك كله، يقترن بنوع من عبادة الجمال والسحر، وعاطفة عميقة من العرفان وشكر الصنيعة. وسنرى أن له إلى جانب هذه الناحية الأفلاطونية ناحية أخرى. وعلى أي حال فقد كان لهذا السحر الذي بثته مدام دي فرنس في جان جاك أعظم أثر في تكوين عواطفه وفلسفته في الجمال والحب والمرأة، وكان مستقى خياله ومشاعره في بضعة الأعوام التالية التي اكتمل فيها شبابه، وتفتحت أمامه عوالم الحياة. وفي ظلال هذه السعادة أقام جان جاك معززاً مكرماً يقضي أوقات فراغه في القراءة ودرس الموسيقى والأحلام اللذيذة، والسمر مع مدام دي فرنس. وكان يشعر أن السعادة قد بلغت ذروتها، وأنها لذلك لن تدوم، ويرتجف فرقا كلما تصور يوم البعاد وانقضاء هذا العهد الأمثل.
وأقام روسو على هذا النحو زهاء عام وبعضه، ثم رأت مدام دي فرنس أن ترسله إلى ليون لقضاء بعض المهام، فسافر إليها، ولم يغب سوى أيام قلائل. ولكنه لما عاد إلى أنسى لم يجد (أمه) وموئل سعادته، ولم يستطع أن يعلم شيئاً عن غيابها سوى أنها سافرت إلى باريس مع خادمها كلود آنيه، فلم ير سبيلا سوى الانتظار، وأقام وحده بالمنزل يتنسم أخبارها وموعد عودها، وهو يدرس الموسيقى ويؤلف الأناشيد. وهنا يقص علينا روسو عدة حوادث غرامية تافهة وقعت له خلال هذه الفترة. وكانت معرفته بالموسيقى سبباً في اتصاله ببعض الهواة. ولما طالت غيبة مدام دي فرنس، سافر إلى جنيف، ثم إلى نيوشاتل، وهناك استقر حيناً يكسب عيشه بتدريس الموسيقى، ولكن شبح مدام دي فرنس كان يساوره أبداً، وكان العود إليها أبداً أعز أمانيه، فلم تمض عليه بضعة أشهر في هذا التجوال حتى عاد إلى سافوا وكانت مدام دي فرنس، قد غادرت يومئذ أنسى إلى شامبرى واستقرت هناك. فسافر إليها وتحققت أمنيته بالمقام إلى جانبها كرة أخرى، واستطاع بنفوذها أن يحصل على وظيفة في ديوان مسح الأراضي في تلك الناحية نفسها، فكانت سعادة

(63/12)

مزدوجة، وكان الهدوء والسكينة والاستقرار، وكان ذلك سنة 1732.
وهنا فقط يكتشف روسو حقيقة مرة غابت عنه طيلة هذه الأعوام الثلاثة؛ تلك هي علاقة مدام دي فرنس بخادمها وأمينها كلود آنيه؛ فقد عرف روسو فجأة أن الخادم ينعم بحب سيدته؛ وعرف ذلك من مدام دي فرنس ذاتها، ففي ذات يوم ثارت بين السيدة وخادمها مناقشة عاصفة وجهت إليه خلالها بعض الألفاظ الجارحة؛ فهرول كلود آنيه خفية إلى زجاجة من (اللادونوم) فابتلع ما فيها لكي يزهق نفسه، ثم أوى إلى غرفته ينتظر حشرجة الموت؛ ورأت سيدته وخليلته الزجاجة الفارغة فأدركت الأمر، وهرولت صارخة إلى غرفته، ونادت روسو واعترفت له بكل شيء ورجت منه العون؛ فعاونها على إسعافه، ونجا الخادم المحبوب. ودهش روسو لغبائه إذ خفيت عليه هذه الحقيقة من قبل. ولكنه لم يشعر نحو كلود آنيه بشيء من الحقد، برغم أنه يسلبه معبودة قلبه، لأنه يحرص على سعادتها وهنائها. .
ولبث روسو مدى الأعوام التالية إلى جانب مدام دي فرنس، ولم يفارقها إلا في فترات قليلة ولأسباب طارئة. كانت شامبرى موطنه ومستقره، وكانت مدام دي فرنس أمه وأسرته وكل شيء في الوجود بالنسبة إليه. وكانت الحياة عندئذ هادئة منظمة، وقد أخذ روسو يشعر بشيء من الثقة بنفسه وبمستقبله؛ وكان يوزع وقته بين عمله، ودرس الموسيقى، ومدام دي فرنس. وكانت ثمة سعادة أخرى لم يكن يتوقعها روسو، ترفرف عليه في ذلك المقام الرغد، بل كان ثمة حادث لعله أعظم مفاجأة في حياة روسو. ذلك أن علاقته الساذجة الأفلاطونية مع مدام دي فرنس تحولت فجأة إلى علاقة حب عملي. ولذلك التحول قصة غريبة يرويها لنا روسو في عدة صفحات ساحرة مؤثرة. فقد كان روسو يعطي دروساً في الموسيقى لبعض أكابر السيدات في شامبرى، وكانت علائقه النسوية تزداد يوما عن يوم؛ وكان بين أولئك السيدات، سيدة تدعى الكونتة دي منتون كان روسو يعلم ابنتها الغناء؛ وكانت سيدة مضطرمة الأهواء تحب الدسائس الغرامية، وبينها وبين مدام دي فرنس صلة ومنافسات نسوية. فلما اتصلت بجان جاك وقدرت ذكاءه ومقدرته على الكتابة الساخرة ونظم الأناشيد والأغاني، فكرت في استهوائه والانتفاع بمقدرته، واستقبلته بعطف وإكرام، وشعرت مدام دي فرنس بذلك، ففكرت في إنقاذ روسو من شراكها وشراك غيرها من النسوة اللائي

(63/13)

يحطن به. والتمست لذلك أغرب وسيلة يمكن تصورها. فاختلت بروسو ذات يوم، وأفهمته أنها لم تر وسيلة لانقاذه من أخطار الشباب سوى أن تقدم نفسها إليه، وأن تفتدي بجسمها كل ما يهدده من الأخطار، وأنها تمهله ثمانية أيام للتفكير والعزم. ويقول لنا روسو إنه دهش لهذه المفاجأة أيما دهشة، وإنه لم يكن يتوقع قط هذا المصير لعلائقه مع المحسنة اليه؛ بيد أنه يقول لنا إن ذهنه لم يكن بعيداً عن تصور هذه السعادة؛ فقد كان يضطرم جوى نحو النساء؛ ولم يكن قد لامس إحداهن بعد؛ وإن مدام دي فرنس وإن كانت تكبره بنحو عشر سنين، كانت ما تزال فتية فتانة وافرة الأنوثة والسحر، ولم يثره أنها كانت خليلة غيره، وأنها بذلك توزع متاعها على أكثر من رجل، فقد كانت هذه الشركة مؤلمة حقا، ولكنها لم تغير ذرة من عواطفه نحوها.
ويحاول روسو أن يحلل عواطفه نحو مدام دي فرنس مرة أخرى. لقد كان يحبها حقاً، بل كان يهيم بها حباً؛ ولكن ذلك الهيام كان أقوى من أن يحمله على الرغبة في وصالها. وقد أنفق هذه الأيام الثمانية في اضطراب ذهني لا يمكن تصوره، وكأنها كانت قروناً ثمانية، ولكنه كان يبغى المزيد منها. ثم جاء اليوم المروع أخيراً؛ فهرول روسو إليها، وصرح بالقبول والأذعان؛ وبر في الحال بوعده. ويصف لنا روسو ذلك اللقاء المدهش في تلك العبارات القوية المؤثرة: (لقد توج قلبي كل نذوري دون أن أرغب في المكافأة. بيد أني حصلت عليها، وألفيت نفسي لأول مرة، بين ذراعي إمراة - وامرأة أعبدها. فهل كنت سعيداً؟ كلا! ولقد تذوقت السرور، ولكن شعوراً قاهراً من الحزن كان يسمم سحره؛ وكنت أشعر أني أرتكب عشرة محرم؛ ولقد بللت صدرها بدموعي مرتين أو ثلاث مرات، بينما كنت أضمها إليّ في شغف وهيام. أما هي فلم تكن حزينة ولا مضطرمة، ولكنها كانت ناعمة هادئة. ولم تكن تحدوها الشهوة، ولم تكن ترجو المتاع، ولهذا لم تشعر بمتعة، ولم يؤنبها الضمير قط).
وهنا يفيض روسو في تحليل عواطف مدام دي فرنس وميولها الغرامية، ويحاول أن يعتذر عن أخطائها وزلاتها؛ فقد نشأت نشأة حسنة، ذات فضيلة واستقامة، وذوق رفيع، وخلال بديعة، ولكنها كانت تصغي إلى العقل والفلسفة دون القلب؛ وقد عنى معلمها وأول عشاقها، مسيو دي تاقل، بأن يغرس في ذهنها جميع المبادئ التي تسهل له إغواءها؛ فعلمها أن

(63/14)

الاخلاص الزوجي سخف، وأن الاجتماع الجنسي أمر تافه، وأن الفضيلة والعفة والحشمة أمور ظاهرية فقط. فغزتها هذه المبادئ وطغت عليها حتى أصبحت تعتقد دائماً أنه لا يصفد الإنسان بحب امرأة قدر الوصل. وفي تلك الصحف التي يصف لنا فيها روسو ذلك التحول في علائقه مع مدام دي فرنس، يبلغ روسو ذروة البلاغة والافتنان، ولعلها أبدع قطعة في (الاعترافات).
وهكذا تحولت القصة البنوية الأموية إلى قصة غرامية، وغدا روسو خليل المرأة التي لبث بضعة أعوام يقدسها كأم رؤوم. واستمرت هذه العلاقة ما بقى إلى جانبها، واستمر الخادم كلود آنيه شريكه في الوصل مدى حين، ولكنه لم أن توفى. ثم انتقلت مدام دي فرنس وروسو إلى منزل خلوي في ضيعة (لاشارميت)، وهنالك قضى روسو، في ذلك المقام المنعزل أياماً سعيدة في الدرس، مستأثرا بصحبة (أمه) وحبيبته. ثم اعتلت صحته، واشتد به الهزال والضعف، وفكر في السفر لينتجع العافية، وأشير عليه أن يسافر إلى مونبلييه حتى يجد من الأطباء من يستطيع معالجته، ولم تمانع مدام دي فرنس في تنفيذ ذلك العزم، فسافر إلى مونبلييه، ووقعت له أثناء رحلته بعض حوادث غرامية بثت في ذهنه إضطرابا وجوى. وبعد أشهر عاد إلى (أمه) وكانت تلك العاطفة المضطرمة التي لبثت مدى أعوام تدفعه إلى جانب مدام دي فرنس قد خبت نوعاً، واستحالت إلى نوع من الصداقة الهادئة، والظاهر أيضاً أن مدام دي فرنس كانت تبحث عن صداقة جديدة وغذاء جديد لعواطفها الهائمة، فلما عاد روسو ألفى إلى جانبها في المنزل رجلاً آخر يدعى فنتز نريد، ولم يلبث روسو أن أدرك من تصرفاته ولهجته أنه غدا صاحبا لمدام دي فرنس، وأنه قد حل مكانه، فحزن روسو لذلك ولم يطق البقاء حيثما هدمت سعادته، فسافر إلى ليون، ولم تبد (أمه) كبير أسف لسفره. وبعد أن أقام بها حيناً عاد إلى مدام دي فرنس كرة أخرى، وأقام بالمنزل حينأ في عزلة عنها لا يكاد يراها إلا وقت الطعام، وكانت آخر زياراته لها. وكان يومئذ قد أشرف على الثلاثين من عمره، ونضجت دراساته ومواهبه وآنس في نفسه طموحاً إلى غزو ميدان الحياة الواسع، فاتجه ببصره إلى باريس، فودع (أمه) الوداع الأخير، سافر إليها تحدوه مختلف العواطف والآمال. .
وكان ذلك ختام قصة روسو ومدام دي فرنس، فلم يرها بعد ذلك ولم يحاول رؤيتها، وألقى

(63/15)

به القدر في باريس إلى غمار حياة جديدة عاصفة، ولكنه لم ينس ذكرى المحسنة إليه قط، ولما توفيت بعد ذلك بنحو عشرين عاماً - سنة 1764 - اشتد حزنه لفقدها، وهو يعرب لنا عن ذلك الحزن في نفثة مؤثرة في (الأعترافات).
محمد عبد الله عنان المحامي
انقلاب عظيم في السياسة الدولية
روسيا البلشفية في عصبة الأمم
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تجوز العلائق الدولية في تلك الآونة أعظم انقلاب عرفته منذ الحرب الكبرى، وتستعد عصبة الأمم لإستقبال أعظم حادث عرفته في تاريخها، فمنذ أشهر يجري الحديث بأن روسيا السوفيتية ستدعى إلى الالتحاق بعصبة الأمم. وستغدو عما قريب عضواً فيها، وتتمتع بكرسي دائم في مجلسها. وقد كان ذلك مثار دهشة وريب ممن يعرفون ظروف روسيا السوفيتية، ونزوعها إلى التباعد عن الدول الغربية، وما تقضي به طبيعة ونظمها من مخاصمة الحكومات (الرأسمالية)، ومناوأتها بكل الوسائل الخفية، والعمل على هدمها وهدم النظم التي تحميها، إضرام نار (الثورة العالمية). وقد كان للبلاشفة في عصبة الأمم منذ قيامها رأي يناقض ما يرونه اليوم كل المناقضة، فقد كانت في نظرهم عصابة من الدول الرأسمالية تحركها هذه الدول وتوجهها كيف شاءت، وهيئة إستعمارية منافقة تعمل من وراء ستار لتحقيق غايات الاستعمار الغربي، وأداة لتمكين نير الأمم القوية الغالبة من أعناق الأمم الضعيفة المغلوبة، وكانت الحوادث تؤيد كثيراً من هذه الريب الظنون، فلم تر الأمم الضعيفة ولاسيما الأمم الشرقية شيئاً من الأنصاف على يد عصبة جنيف، بل إبتدعت لها نظام الانتدابات أو الحماية المقنعة لتسبغ على استعبادها صفة مشروعة، ولم تحول مرة أن تحد من مزاعم الدول الاستعمارية أو أطماعها - وهذه الدول هي بعينها التي تسيطر على مجلس العصبة - ولم تجرؤ مرة على أن تصدر في أي المسائل التي طرحت أمامها أي قرار يناقض آراء هذه الدول أو غاياتها، ولازلنا نذكر موقفها من النزاع بين تركيا وإنكلترا على كردستان، والصراع بين الصين واليابان على منشوريا، وخذلانها حينما احتلت إيطاليا كورفو، وتملها فيما اقتضته من العراق شرطاً لالتحاقها بالعصبة، وموقفها من أماني فلسطين وسوريا، ولا زلنا نذكر بالأخص موقفها العقيم من مسألة نزع السلاح وفشلها الذريع في معالجتها، وسواء كانت روسيا السوفيتية مخلصة في رأيها بالنسبة لعصبة الأمم أم كانت تمليه بواعث السياسة فقط، فأن العصبة لم تحقق خلال هذه الأعوام العديدة من حياتها شيئاً مما علق عليها من الآمال في إنصاف الشعوب المظلومة أو تخفيف

(64/10)

الخصومات القوية أو توطيد دعائم السلام.
والآن ماذا حدث؟ لقد تورطت العلائق الدولية خلال الأعوام الأخيرة تطوراً سريعاً مدهشاً، وأخذت روسيا تخصم من خصومتها للدول الغربية شيئاً فشيئاً، وأخذت الدول الغربية في التقرب من حكومة موسكو البلشفية، بعد ما لبثت أعواماً تحاول القضاء عليها، وتحشد لمناوأتها كل ما استطاعت من القوى الخفية والظاهرة، وعاد عهد التوازن الأوربي القديم وعهد المعاهدات السرية والمحالفات السياسية والعسكرية، وغاض ذلك الأفق المصطنع الذي ساد فيه حديث السلام والتضامن الدولي مدى حين. وقد كان من الطبيعي أن يعتبر التحاق روسيا بعصبة الأمم عاملاً في صفاء الأفق الدولي، وتعضيد قضية السلام، لأن تباعدها عن الدول الغربية كان عقبة دائمة في سبيل تقدم التفاهم الدولي واستقرار العلائق الدولية، وعدم اعترافها بالعصبة يعرض جهودها في سبيل السلام للانهيار: هذا على الأقل ما كان يتردد في دوائر جنيف حبط مسعى في سبيل التفاهم أو مجهود في سبيل نزع السلاح. ولكن التحاق روسيا اليوم بعصبة الأمم يدلي بمعان أخرى. وروسيا لم تغير رأيها في العصبة ولا في الدول (الرأسمالية) التي تتكون منها، ولكن روسيا اليوم تعلق على هذا الانضمام آمالاً كبيرة وترى أنه يحقق لها من المصالح ما لم تحققه سياسة القطيعة والعزلة، والسياسة الغربية التي تسعى منذ حين لتحقيق هذا الانضمام تحاول أن تقنعنا بأنه يزيد العصبة قوة ويزيد كلمة أوربا توحيداً، ويقرب أمد التفاهم في مسألة نزع السلاح، ويعاون على استقرار السلم في أوربا، ولكن الحقيقة أن هذه النظرية القديمة قد تطورت اليوم، وما ترشيح روسيا لدخول العصبة إلا نتيجة لسياسة التوازن الأوربي الجديدة التي ظهرت بوادرها قوية منذ قيام الحركة الوطنية الاشتراكية في ألمانيا وظهورها بمظهر المهدد لسلام أوربا، وفشل مفاوضات نزع السلاح وعود فرنسا صراحة إلى السياسة القومية القديمة بحجة الدفاع عن نفسها أمام الخطر الألماني. ومنذ عامين ونحن نشهد نتائج هذا التطور الجديد، في وقوع الجفاء بين ألمانيا وروسيا أولاً، ثم انتهاز فرنسا لهذه الفرصة وتقربها من روسيا، وتفاهم الدولتين على إحياء التحالف الفرنسي الروسي القديم الذي كان قائماً قبل الحرب، ثم مساعي السياسة الفرنسية المتواصلة في جمع كلمة دول أوربا الشرقية حولها في كتلة واحدة تخاصم ألمانيا جميعاً، وحملها حليفاتها دول الاتفاق الصغير على الاعتراف

(64/11)

بروسيا السوفيتية إلى عصبة جنيف.
ولروسيا صلة قديمة بعصبة الأمم وإن لم تكن من أعضائها، فقد اشتركت في لجنة نزع السلاح ومؤتمراته بصفة رسمية منذ سنة 1925، وقدمت أليها عدة مشاريع لنزع السلاح كانت جميعها مثار البحث والمناقشة ولكنها رفضت جميعاً، وكانت السياسة الروسية خلال هذه الأعوام تثار على خصومتها لعصبة الأمم وعلى الطعن فيها وفي نزاهة مقاصدها، وتتخذ من فشل مؤتمر نزع السلاح دليلاً على نفاق الدولة الغربية وتمسكها بسياسة الحرب السوفيتية. أما اليوم فأن روسيا لا تأتي التفاهم مع الدول الغربية والاندماج في عصبة جنيف. ووراء هذا التطور الخطير في سياسة البلاشفة عاملان جوهريان: الأول حوادث الشرق الأقصى، والثاني موقف الدول الغربية من روسيا السوفيتية، فأما من الشرق الأقصى حيث تسيطر روسيا على أراض ومصالح عظيمة، فقد نشط الاستعمار الياباني في الأيام الأخيرة نشاطاً عظيماً وأنتزع إقليم منشوريا من الصين، ولم تحفل اليابان باحتجاج الدول الغربية أو تدخل عصبة الأمم، وآثرت أن تنسحب من العصبة لكي تكون مطلقة اليدين في تنفيذ برنامجها الاستعماري، ولم تحجم عن أن تصرح بأنها تعتبر الصين ميدان نشاطها وتوسعها دون غيرها من دول الغرب، وإنها ستقاوم كل محاولة جديدة تقوم بها الدول الغربية لتوسيع نفوذها أو مصالحها في الصين، ولما كانت روسيا تجاوز اليابان في الشرق الأقصى في أكثر من منطقة، فأن هذه السياسة اليابانية الجديدة التي تؤازرها عسكرية قوية تهدد أملاكها ومصالحها أعظم تهديد، وروسيا تريد من أجل ذلك أن تصفي خصومتها مع الدول الغربية لكي تستطيع أن تتفرغ لمقاومة هذا الخطر. وأما عن موقف الدول الغربية إزاء روسيا السوفيتية، فأن هذه الدول قد نبذت خصومتها المطلقة القديمة لروسيا بعد ما اقتنعت بأنه يستحيل عليها أن تسحق الثورة البلشفية، وبعد ما تطورت البلشفية ذاتها وتركت كثيراً من تطرفها القديم وآثرت جانب الاعتدال، أصبحت روسيا تميل إلى العودة إلى حظيرة أوربا القديمة والتفاهم مع الدول الغربية و! عطاء بعض الضمانات السياسية والاقتصادية، وقد كانت السياسة الفرنسية روح هذه التطور كما بينا لأن فرنسا أشد الدول اهتماماً باكتساب تلك القوة العظيمة في شرق أوروبا، لتعود كما كانت قبل الحرب مصدراً للخطر على ألمانيا يزعجها ويشغلها.
وقد نجحت السياسة الفرنسية في إقناع إنكلترا وإيطاليا بتعضيد التحاق روسيا بالعصبة، وهذه الدول هي التي تسيطر على مجلس العصبة (بعد انسحاب اليابان وألمانيا) وجرت مفاوضات تمهيدية بين فرنسا ومعظم الدول المنضمة إلى العصبة لتوافق على قبول روسيا، واستطاعت أن تحقق الأصوات اللازمة لذلك، ويشترط لقبول الدولة المرشحة أن يؤيد قبولها ثلثا أصوات الجمعية العمومية وإليك ما ورد في ميثاق العصبة بخصوص ذلك.
(كل دولة، أو ملك مستقل (دومنيون) أو مستعمرة تحكم نفسها حرة لم يرد أسمها في الملحق (ملحق الدول المنضمة) تستطيع أن تغدو عضواً في العصبة إذا وافق على دخولها ثلثا الجمعية العمومية بشرط أن تقدم الضمانات اللازمة على إخلاص مقاصدها وعلى مراعاة تعهداتها الدولية، وأن تقبل القواعد التي تقررها العصبة بخصوص القوات والتسليحات العسكرية والبحرية والجوية) (المادة الأولى الفقرة الثانية).
(تتآلف الجمعية العمومية من ممثل أعضاء العصبة، وتجتمع في أوقات معينة أو في وقت آخر إذا اقتضت الظروف ذلك في مركز العصبة أو في محل آخر يختار لذلك، وتختص الجمعية بالنظر في كل مسألة تدخل في دائرة نشاط العصبة أو تتعلق بسلام العالم، ولا يجوز لأي عضو في العصبة أن يختار لتمثيله في الجمعية أكثر من ثلاثة مندوبين ولا يحق له اكثر من صوت) (المادة الرابعة)
وأما عن مجلس العصبة فقد ورد الميثاق ما يأتي: (يتكون المجلس من ممثلي الدول الكبرى المتحالفة والمشتركة، وكذلك من ممثلي أربعة أخر من أعضاء العصبة. وهؤلاء الأربعة تختارهم الجمعية حسب رغبتها وفي الوقت الذي تختاره لذلك. . . ويستطيع المجلس بموافقة أغلبية الجمعية أن يعين أعضاء آخرين من أعضاء العصبة يكون لهم كرسي دائم في المجلس، ويستطيع بنفس الطريقة أن يزيد في عدد أعضاء العصبة الذين تختارهم الجمعية للمثول في المجلس) (المادة الرابعة فقرة أولى وثانية)
أوردنا هذه النصوص لنبين الإجراءات اللازمة لالتحاق دولة ما بالعصبة، ثم لنبين أهمية الكرسي الدائم في المجلس، ذلك أن روسيا مرشحة للفوز بكرسي دائم في المجلس إلى جانب باقي الدول العظمى، وقد تمت الإجراءات الخاصة بترشيح روسيا في الجمعية العمومية، وحصلت روسيا على أكثر من ثلثي أصوات الجمعية، ولم يعارض في قبولها

(64/13)

سوى ثلاث دول أو أربع هي سويسرا وهولندا والأرجنتين وبلجيكا، وعقب ذلك دعوة العصبة لروسيا للانضمام إليها وقبول روسيا لهذه الدعوة، وبذا تمت الإجراءات وغدت روسيا عضواً في عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى في الهيئة التي شد ما خاصمتها وحملت عليها، ومما يلفت النظر أن هذه الإجراءات تجري وروسيا بعيدة عنها لا تحرك ساكناً ولا تصرح بشيء ولا تعلق صحفها بكلمة، ولتفينوف المشرف على الشئون الخارجية الروسية يقيم في أحد مصايف فرنسا الجنوبية. ذلك أن هذه الحركة كلها من صنع فرنسا وهي التي تحمل كل أعبائها وتسهر على تنفيذها، وقد جرت جميع المفاوضات بشأنها وراء الستار مما أدى إلى احتجاج بعض أعضاء العصبة، فقد حمل مستر دي فاليرا ممثل أيرلندة على هذه السرية، ونوه بما فيها من الشذوذ. ولكن كل شيء يسير مع ذلك وفقاً للبرنامج المرسوم.
ومن المعروف أن دخول تركيا في العصبة إنما هو نتيجة لدخول روسيا فيها. وقد كانت تركيا تحذو حذو حليفتها الكبيرة في موقفها إزاء العصبة وتنظر إليها بنفس نظرتها، وهي الآن تسير وراءها في سياستها الجديدة.
ولهذا التطور الذي انتهى بإقبال روسيا على عصبة الأمم واندماجها في زمرة الدول الغربية مغزى عظيم فيما يتعلق بمصاير روسيا البلشفية ذاتها، فقد كان شعار موسكو منذ ظفر البلشفية في سنة 1917، خصومة العالم (الرأسمالي) كله، والعمل على إضرام نار الثورة العالمية في سائر جنباته، ولم يقبل البلاشفة في ذلك أي مناقشة أو هوادة، وكانت الشيوعية تتقدم في غزو الدول الصناعية تقدماً حثيثاً، وتؤازرها موسكو بكل ما وسعت. ولكن البلشفية لم تستطع أن تعيش طويلاً بمثلها وغايتها المتطرفة ولم تلبث أن تأثرت بقطيعة العالم ومقاومته، اضطرت أخيراً أن تسلك مسلك الاعتدال سواء في سياستها الداخلية أو الخارجية. ورأى سادة موسكو أن موارد روسيا البلشفية وقواها المادية والمعنوية تتحطم تباعاً أمام ضربات الدول الغربية، وأن روسيا لا تستطيع الحياة إلى الأبد في ظل نظام يؤلب عليها العالم كله، ويحرمها من كل عطف وتعاون، فجنحوا إلى تغيير السياسة القديمة ومدوا يدهم إلى الدول الغربية، ولم تهمل الدول الغربية الانتفاع بهذه الفرصة فمدت يدها إلى روسيا وجذبتها إلى حضيرتها، فالآن نستطيع أن نقول أن البلشفية قد دخلت في دور

(64/14)

انحلالها، وأنها تنزل شيئاً فشيئاً عن مثلها وغاياتها الثورية المتطرفة، وأن روسيا تعود شيئاً فشيئاً إلى حظيرة الماضي، في ظل نوع من اشتراكية الدولة لا يلبث أن يستقر أو يختفي مع الزمن.
وترى الدولة الغربية أن دخول روسيا في العصبة بقوتها كهيئة دولية ويزيد في هيبتها ونفوذها في سير السياسة الأوربية خصوصاً بعد أن غادرتها اليابان ثم ألمانيا. وقد يكون ذلك صحيحاً من الوجهة المحلية، لأن العصبة تتخلص بذلك من خصم قوي كان يشتد في مناوأتها، وتكسب نفوذاً جديداً في مسائل أوروبا الشرقية. ولكن العصبة لا تكسب كثيراً من الوجهة العامة، ذلك لأنها قد خسرت كثيراً من هيبتها ونفوذها خلال الأعوام الأخيرة، ونستطيع أن نقول إنها فقدت نهائياً ثقة العالم كعامل في توطيد السلم العالمي، وأداة من أدوات التفاهم الدولي والعدالة الدولية، وقد اختفت مثل العصبة القديمة بعد تخبط وفشل استمرا منذ قيامها، وبعد أن قدمت الأدلة العملية العديدة على أنها لا تستطيع العمل إلا في الدائرة التي ترسمها الدول المستعمرة المسيطرة على مجلسها وعلى إرادتها. على أنه تترتب على هذا التطور نتيجة هامة هي توطيد دعائم التوازن الأوربي وإقصاء شبح الحرب من أوروبا إلى حين. ذلك أن وقوف روسيا إلى جانب فرنسا ودول الاتفاق الصغير على نحو ما بينا القوى الجبهة الشرقية المعادية لألمانيا، ويحمل ألمانيا على التأمل والتريث، ويزيد من جهة أخرى في طمأنينة فرنسا، وفرنسا وألمانيا هما طرفا الخصومة الأوربية، وعلى موقفها وعلائقهما يتوقف السلام والحرب إلى حد كبير. وهذا التحالف بين فرنسا وروسيا يعود بنا إلى ما قبل الحرب، وهو نتيجة طبيعية للسياسة التقليدية التي سارت عليها روسيا وفرنسا منذ الحرب الفرنسية الألمانية في سنة 1870، وأثناء الحرب الكبرى.
محمد عبد الله عنان المحامي
حركات الشباب
خواصها وأثرها في بناء أوربا الجديد
للأستاذ محمد عبد الله عنان
من أهم الظواهر التي يمتاز بها المجتمع الأوربي الجديد، أن الشباب يقوم في بنائه وتوجيهه بأعظم قسط؛ وقد هلكت زهرة الشباب الأوربي القديم في الحرب، وخلفها شباب جديد حائر يتخبط في غمار المتاعب والأزمات العديدة التي خلفتها الحرب؛ ولكن الحركات والانقلابات السياسية العنيفة التي تمخض عنها العهد الجديد أفسحت للشباب مجالاً كبيراً للعمل، وأسبغت عليه كثيراً من النفوذ والسلطان، وخصته في بناء الدولة الجديدة والمجتمع الجديد بأعظم قسط. ويلاحظ أن هذا التطور قد بدأ في أواخر الحرب ذاتها؛ حيث قامت الثورة البلشفية في روسيا وحطمت صرح المجتمع القديم كله، ولبثت منذ قيامها تعمل بجد ومثابرة على خلق جيل جديد وشباب جديد يضطرم بالمبادئ والمثل الجديدة ويكون لها في المستقبل عماداً وسياجاً، ثم قامت الثورة الفاشستية في إيطاليا بعد نهاية الحرب بأعوام قلائل، وأدركت ما للشباب من أهمية في بناء المستقبل، فأقبلت عليه واجتهدت في حشده وتنظيمه وتدريبه، وطبعته بطابعها القوي فاصبح من طلائعها وجندها المخلصين؛ وأخيراً قامت الثورة الوطنية الاشتراكية في ألمانيا (الثورة الهتلرية) وكان قوامها منذ البداية ذلك الشباب البائس الذي دفعته خيبة الأمل إلى أحضان التطرف والى لواء أولئك الذين يعدونه بالعمل ورفاهة العيش في ظل دولة جديدة يكون الشباب فيها كل شيء؛ ويستأثر بكل شيء، وفي تركيا الكمالية يشغل الشباب في المجتمع التركي الجديد اعظم مكانة، ويعلق عليه زعماء الثورة الكمالية اعظم الآمال، وقد حذت الثورة التركية حذو الثورة البلشفية والثورة الفاشستية في حشد الشباب وتدريبه وطبعه بالمبادئ والمثل الجديدة، وفي معظم الأمم الأوربية الأخرى مثل إسبانيا وفرنسا وبولونيا يجتمع الشباب حول المثل الجديدة، ويحاول أن يشق طريقه إلى بناء دولة جديدة ومجتمع جديد يكون له فيهما ما يطمح إليه من السلطان والنفوذ. وحتى في إنكلترا التي عرف شعبها بالروية والاتزان إزاء الآراء والتطورات الجديدة يبدي الشباب الإنكليزي ميلاً كبيراً إلى التطور، ولا يأبى تأييد الشيوعية والفاشستية إلى حد ما.

(65/15)

ونلاحظ أيضاً أن الشباب اشد ما يكون تطوراً ونفوذاً في بناء الدولة الجديدة والمجتمع الجديد في ظل حركات الطغيان، كالبلشفية والفاشستية والوطنية الاشتراكية الألمانية. ذلك أن هذه النظم الطاغية تقوم على القوة والعنف وتحتاج أولاً إلى السواعد الفتية توازنها وتحقق لها ما شاءت من ضروب العنف والإرهاب، فإذا ما استقرت بفضل هذه السواعد القوية والأذهان الملتهبة الطامحة، اضطرت أن تفسح لها مجال النشاط والعمل تحت إشرافها ووحيها، وان توليها من النفوذ والمكانة ما يحقق بعض أطماعها، على أنها لأتقنع بحشد الشباب الناضج المكتمل، لأنها لا تأمن تطوره وانقلابه، فتعمد إلى الشباب الفتى تبث إليه تعاليمها، وتدربه على أساليبها؛ ولا تفر الأحداث والأطفال، لأنها ترى فيهم أجيالاً متعاقبة من الشباب الذي ترى أن تخلد زعامتها على يده؛ ولذلك نراها تخضع نظم التعليم والتربية لصولتها، وتطارد حرية التفكير والرأي بكل ما وسعت من ضروب العنف والشدة حتى لا تفضح مثلها ووسائلها، وحتى لا يلقى الشباب الذي تستعبده وتذله لغاياتها من النور والضياء ما يهديه إلى الحقيقة ويدفعه إلى تحطيم ذلك النير الوحشي الذي تضعه في أعناقه. وتلجأ هذه الحكومات الطاغية دائما إلى حشد الشباب في جماعات شبه عسكرية، تحت أسماء وصفات مختلفة، وتعنى عناية خاصة بتنمية الميول العسكرية والرياضية في نفسه، لتعوده أولاً على الطاعة العمياء، ثم لتحكم قيادته وتوجيهه بواسطة رياسة متدرجة مباشرة؛ وقد استطاعت الفاشستية الإيطالية أن تحشد حولها بهذه الوسيلة ملايين الشباب والأحداث، وحذت حذوها الوطنية الاشتراكية في ألمانيا فجندت الملايين باسم فرق الهجوم والحرس الأسمر، وجيش العمل، والشباب الهتلري وغيرها. ويتخذ الطغيان، الوطنية والغايات القومية ستارا لهذه الحركات؛ وقد يحقق بالفعل كثيرا من الغايات القومية المحلية أو القريبة المدى، ولكنه يعمل دائما بروح حزبي عميق، ويؤثر المبادئ والغايات الحزبية على غيرها، ويخضع الدولة لسلطان الحزبية، كما فعلت الفاشستية في إيطاليا والهتلرية في ألمانيا.
وتثير حركات الشباب اليوم في أوربا كثيرا من الاهتمام، ولا سيما بعد أن أصبحت عماد انقلابات خطيرة في نظم القارة ومجتمعاتها القديمة، وأضحت عاملا قويا في حياة أوربا السياسية. هل توجد بين حركات الشباب في مختلف البلدان خواص مشتركة؟ وما هي هذه

(65/16)

الخواص المميزة وما علاقتها بالتطور الاجتماعي والسياسي في كل بلد؟ وهل تحفز الشباب في جميع البلدان آمال وغايات مشتركة؟ هذه الأسئلة وما إليها تثير كثيرا من البحث والجدل. وقد ظهرت في الأعوام الأخيرة عدة كتب ومباحث هامة بأقلام جماعة من كبار الباحثين والساسة عن حركات الشباب الأوربية وخواصها وآثارها، ومن اشهر هذه الدراسات وأحدثها كتاب بقلم الكاتب الفرنسي ايليا ايرنبور عنوانه (اليوم الثاني من أيام الخلق) وفيه يدرس حركات الشباب في روسيا السوفيتية، ويستعرض خواصها وتطوراتها بطريقةروائية، وفي رأيه إن الشباب الروسي إنما هو شعب جديد، يفيض بمادة جديدة تستنفد اليوم في مرحلة التوطيد الاشتراكي، كل قواه بملء الحرية؛ وان الماركسية (الشيوعية) قد انسابت إلى دمه، واصبح يتذوق الأوضاع التي تقررها، وأنها قد أسبغت عليه بالأخص صفتين: الأولى عاطفة التضامن البشري الذي دعا إليه من قبل سولوسييف، وتولستوي، ودستويفسكي؛ والثانية هي الثقة التي لا حد لها بالعقل والمنطق وما يترتب عليهما من الطموح المستمر إلى النور، واستعمال القوة المفكرة، ونبذ الخرافات القديمة. ومن هذه الدراسات أيضاً كتاب الدكتور جريندل عن حركات الشباب الألماني وعنوانه: (رسالة الجيل الفتي) وقد ظهر قبل قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا، ولكنه لا يزال مرجعا في موضوعه. ويصف الدكتور جريندل الشباب الألماني بأنه (وطني) يخاصم الشيوعية اشد الخصومة، وانه يطمح إلى إقامة (اشتراكية ألمانية) تضع حدا لمساوئ النظام الرأسمالي وتقضي على الشيوعية أتم قضاء، وتوفق بين مصالح جميع الطبقات والأفراد. ويمتاز الشباب الألماني بصفة خاصة، هي انه يعتبر نفسه ذا قيمة في نفسه، ولا يكتفي بان يعتبر ذخر المستقبل كما هو الشان في معظم الامم؛ فليس الشباب في نظره حالة نضوج ينتهي عملها بعد حين، ولكنها حالة نضوج تام تترك ورائها كل الأجيال السالفة والقادمة، وهي ذات قيمة في نفسها تتمتع بأعظم الخلال؛ وإذا كان الشباب يتكون في الأمم الأخرى على مثل الرجل الناضج، فانه يرى في ألمانيا أنه أتم نضوجاً وأوفر قيمة من الرجل الكامل. وليس أدل على ذلك من (حركة الشباب) الألمانية الشهيرة التي استطاعت أن تنشئ ثقافة شباب حق لها كل مميزاتها، ولها مثلها الأعلى الخاص؛ ومن المعروف أن الطموح الألماني إلى المثل الأعلى، الذي غدا منذ الفيلسوف (كانت) ظاهرة الحياة العقلية الألمانية،

(65/17)

هو مصدر هذه النزعة التي تدفع الشباب الألماني إلى الأمام، فهو يتقدم في سبيله لا يقعده شيً من الاعتبارات العملية التي تسحق الرجل الناضج، وهو لا يعبأ بالمصاعب الخارجية، بل يتحرى الغايات البعيدة دون النظر إلى الحقائق، وهذا الطموح الحر إلى المثل الأعلى هو الذي خلق الشباب الألماني.
هذا عن الدراسة الخاصة لحركات الشباب، وقد صدرت كتب وبحوث عديدة عن الفاشستية وأثرها في تكوين الشباب الإيطالي. وهناك بحوث عامة عن حركات الشباب الأوربي، منها كتاب لرنيه دبوي والكساندر مرك عنوانه (أوربا الفتاة) وكتاب لارنوداندييه عنوانه (الثورة المحتومة) وكلها تدور حول تنظيم أوربا الجديد من الوجهتين السياسية والاجتماعية، وحول تطور المجتمع الأوربي القديم، وفشل الديمقراطية في حشد الشباب، وخصومة الشباب للنظم الرأسمالية والشيوعية معا. وسر هذه النزعة نحو النظم الاقتصادية القائمة، هو أن معظم شباب ما بعد الحرب من اسر فقيرة ومتوسطة؛ وهو يشعر بأنه ضحية إغراق النظم الرأسمالية في استثمار الطبقات العاملة، ويشهد من جهة أخرى أخطار الشيوعية ووسائلها المخربة، فهو يرغب عن النظامين، ويطمح إلى نوع من الاشتراكية المعتدلة؛ وأحياناً يرى مثله الأعلى في الفاشستية، وأحياناً في الاشتراكية الوطنية؛ غير أن الفاشستية والاشتراكية الوطنية لم تتمخضا بعد عن مثل هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ينشده الشباب. ومن الغريب أن هذه الحركات الطاغية قد استطاعت أن تستعبد هذا الشباب الطموح المتوثب وأحيانا بالوعود الخلابة، أحياناً بالمنح المتواضعة في ميدان الكسب والعمل، ولكنها تعمد بنوع خاص إلى كسبه بالملق، فتصوره دائما بأنه كل شي في حياة البلاد، وانه صاحب السلطان المطلق في شئونها، وتمنحه من اجل ذلك بعض المناصب الرئيسية، ثم تسيره من ورائها وفق مشيتها، مصوره إياه بأنه هو الذي يقود نفسه بنفسه، على يد زعمائه الشبان.
ومن الحق أن نقول إن هذه الحركات الطاغية - الفاشستية والوطنية الاشتراكية والكمالية - كان لها مع ذلك في تكوين الشباب من بعض النواحي الخلقية والقومية آثار حسنة، تدعو أحياناً إلى الإعجاب، فهي فضلا عن العناية بتكوينه من الوجهة الرياضية والعسكرية، والسهر بذلك على رعايته الجسمية والصحية، تعني عناية خاصة بصقل رجولته وتقوية

(65/18)

خلاله ومبادئه الأخلاقية، وتعويده على الحياة الخشنة العملية، وتدريبه على احتمال المشاق، والاعتماد على النفس، فهي تنشئه من هذه الناحية نشأة إسبارطية حسنة؛ وأما من الوجهة القومية فان لها كل الفضل في جعله جنديا متحمسا من جنود الوطن، فهي تحشده باسم الوطن أولاً وتذكي في نفسه حب الوطن وكل ما يتصل به، تاريخه وماضيه، ومدينته، وربوعه، وخواصه، ثم تبعث إليه حب المثل القومية التي تجيش بها الزعامة السياسية وتدخره لتحقيقها، وتذكي في نفسه العزة القومية إلى أقصى حدودها؛ وتحميه من أخطار المبادئ الشيوعية والثورية الهدامة، أو بعبارة أخرى تتخذه درعا لحمايتها منها. ولا يستطيع منصف أن ينكر ما لهذه التربية الأخلاقية والقومية من المزايا البديعة. على أن هذه الحركات تذهب أحياناً إلى حدود بعيدة، وتركب متن الإغراق في تصوير العواطف والغايات القومية، ففي ألمانيا مثلا تبث الاشتراكية الوطنية في نفوس الشباب نزعة قومية مغرقة تذهب إلى حد الأحقاد الجنسية؛ وشعار الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) في هذه الناحية أن الجنس الألماني هو خير الأجناس البشرية، وانه يتفوق عليها جميعا بمواهبه وخواصه، وتستتر الوطنية الاشتراكية وراء التفرقة بين الأجناس الآرية والسامية، وتعلم الشباب والشعب الألماني جميعا أن الجنس الآري (ويجب أن نقرا دائما الجنس الألماني) هو اجدر الأجناس بإنشاء المدنيات، وان الشعوب السامية والآسيوية كلها شعوب هدامة للحضارة يجب أن تستعبد وان تستغل لمصلحة المدنية الآرية والجنس الآري؛ وتنظر الشبيبة الألمانية اليوم إلى جميع أمم العالم من عل وتتوغل في الأحلام المغرقة، وكان من آثار هذه المبادئ المغرقة التي تبثها زعامة محدثة متطرفة لا تتمتع بشي من المواهب الممتازة أن وقعت تلك الحوادث والمناظر الدموية المثيرة في ألمانيا باسم خصومة السامية ومطاردة اليهودية؛ ومن الأسف أن هذه المبادئ المغرقة تهيمن اليوم على الثقافة الألمانية كلها. وقد شهدنا بأنفسنا آثار الفاشستية في إيطاليا واثار الثورة الكمالية في تركيا، فأما في إيطاليا فان الفاشستية تغذي العاطفة القومية بقوة، ولكن في نوع من الرزانة وحسن التوجيه. وقد تحمل الشبيبة الإيطالية بعيدا في كبريائها وأحلامها، بل تذهب أحياناً إلى حد التعصب والخشونة. ولكنها لم تذهب قط إلى تلك الحدود المغرقة التي انتهت إليها الوطنية الاشتراكية في ألمانيا. وتتجه الشبيبة الإيطالية اليوم ببصرها إلى ماضي إيطاليا المجيد،

(65/19)

إلى مجد روما ومجد القياصرة، فتتصور بعث الدولة الرومانية بكثير من حدودها وأملاكها القديمة، وتتجه أيضا إلى إحياء الفضائل والخلال الرومانية القديمة؛ وهي اليوم افضل مما كانت عليه بكثير من حيث الأخلاق والهمم والثقافة. وأما في تركيا فان العاطفة القومية تبلغ بالشباب حد التعصب الأعمى، ومع أن الشبيبة التركية لا تتمتع بدرجة محترمة من التعليم والثقافة، فإنها مع ذلك شديدةالكبرياء والغطرسة تتصور أنها سيدة الشباب في العالم كله، وأنها على حداثة عهدها بالمدنية الأوربية وضالة ثقافتها تضارع أرقى شباب أوربا ذكاء وثقافة ومدنية، وليس هذا بغريب في بلد يدعي زعماؤه انه هو مهد الحضارات البشرية، وان لغته (أي التركية) هي اصل اللغات البشرية، ويحسبون أن ما اسبغ على تركيا الجمهورية في أعوامها القلائل من قشور المدنية الأوربية يكفي لوضعها إلى جانب اعظم الأمم رقيا وحضارة.
هذا وأما عن حركات الشباب في الأمم الإسلامية والعربية فلا نستطيع أن نبسط القول، ومن الأسف انه لم تنتظم في أممنا الإسلامية والعربية حركات منظمة قوية من الشبيبة. نعم قام الشباب في مصر وفي البلدان العربية بحركات متقطعة، واشتركوا في الحركات القومية، وكان لهم فيها يوم قيامها اكبر الأثر. ولكن هذا العمل القومي لم يكن منظما ولا مستمرا، ولم تدعمه من الناحية الأخرى تلك المزايا القومية والأخلاقية التي ننشدها. ومن الأسف أيضاً أن شباب الشرق يتأثر من آن لآخر بنزعات الشبيبة الأوربية، فيحاول أن يقلدها تقليدا أعمى. مثال ذلك ما أذيع من أن شباب بعض البلدان العربية يحاول أن يقتبس من مبادئ الحركة الهتلرية، مع أن الحركة الهتلرية هي من اشد الحركات الحديثة نزعة إلى الاستعمار، وابلغها عداوة للحرية، واشدها احتقارا للأمم الشرقية؛ فمن الواجب على شبابنا أن يسترشد في حركاته وأمانيه بالظروف المحلية والغايات القومية قبل كل شي، ومن الواجب أن يعمل ولكن في روية واستنارة؛ ومن الواجب أن يسترشد دائما بمحن الوطن وماضيه المجيد في تغذية العاطفة القومية، وأن يكون شعاره العمل الرزين المنظم في سبيل الأماني القومية.
محمد عبد الله عنان المحامي
عصبة الأمم والأمم الشرقية
لمناسبة انضمام أفغانستان إليها
للأستاذ محمد عبد الله عنان
انتظمت في سلك عصبة الأمم دولة شرقية جديدة هي أفغانستان، وكان قبولها في العصبة بإجماع الآراء تقريباً، ولم يبق خارج العصبة من أمم الشرق الأدنى والأوسط بعد دخول تركيا وأفغانستان سوى مصر وسوريا والمملكة السعودية واليمن. ولعلائق الأمم الشرقية بعصبة الأمم وموقفها منها تاريخ خاص، يصح أن نستعرضه بهذه المناسبة. وقد بدأت هذه العلائق منذ مولد العصبة ذاتها، وكانت العصبة يومئذ إحدى نفثات ذلك الإنجيل الجديد الذي بشر به توماس ودرو ولسون أعظم ذهن هائم في التاريخ المعاصر، والذي انهارت مبادئه ووعوده في فرساي مهد تطبيقه. كان إنجيل الصلح بين الأمم المتحاربة على قواعد التسامح والعدالة، وإنجيل السلام والتفاهم، وإنجيل الحريات الدولية والاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصايرها، فاستحال في فرساي، وفي نصوص معاهدة الصلح، إلى بركان من الشهوات القوية، ومزقت باسمه شعوب، وأرهقت أخرى، ومنحت الحرية لشعوب، وسلبت أخرى حرياتها، وفرضت عليها العبودية بأسماء وصور جديدة. وكان المفروض أن عصبة الأمم ستغدو عصبة دولية إنسانية تجمع الأمم على احترام السلام والمثل الإنسانية الخالدة، ولكنها جاءت منذ مولدها نفثة من تلك الروح التي أملت معاهد الصلح؛ روح الظفر والأثرة؛ وكان موقفها من الأمم الشرقية بالأخص مناقضاً لجميع العهود التي قطعت، والمبادئ التي قررت.
كانت اليابان والصين والهند وسيام والحجاز هي الأمم الشرقية التي وقعت على ميثاق عصبة الأمم ومعاهدة الصلح (وميثاق العصبة هو القسم الأول من المعاهدة) منذ وضعهما في يونيه سنة 1919، وبذلك غدت أعضاء في العصبة منذ إنشائها، وقد أبى الوفد الصيني أن يوقع معاهدة الصلح احتجاجاً على بعض نصوصها التي تمنح الانتداب لليابان على بعض الأراضي الصينية التي كانت بيد ألمانيا، ولكن الصين اعتبرت عضواً في العصبة لأنها وافقت على الميثاق. أما الحجاز فقد كانت يومئذ هي المملكة العربية الجديدة التي أنشأها الإنكليز للحسين بن علي، والتي انهارت قبل أعوام قلائل. وكانت فارس من الأمم

(66/10)

التي دعيت إلى دخول العصبة منذ إنشائها، وقد انضمت إليها غير بعيد، وإما تركيا فقد كانت من أمم الأعداء، وكان مقضياً عليها بالتمزيق والإعدام، وكانت أفغانستان تخوض يومئذ حرب الحرية مع الإنكليز. وأما العراق وسوريا وفلسطين، فقد كانت من ضحايا الانتداب الذي ابتدع لتوزيع أسلاب الدولة العثمانية الذاهبة على الحلفاء. وكانت مصر ضحية الحماية الإنكليزية التي أعلنت عليها قسراً أيام الحرب، وكانت تضطرم بثورتها التحريرية التي انتهت بعد ذلك بعامين بإلغاء إنكلترا للحماية وإعلان استقلال مصر من الوجهة النظرية. والواقع أنه لم يكن للشرق في العصبة عند قيامها سوى صوت قوي واحد هو صوت اليابان. ولكن اليابان كانت من دول الحلفاء، وكان دخولها في العصبة لتأييد نفس المبادئ وتحقيق نفس الغايات التي تؤيد وتعمل على تحقيقها الدول الغربية، وكان لها نصيبها من أسلاب الحرب، ولم تكن في سياستها الاستعمارية أقل شرهاً من إنكلترا أو فرنسا. وأما الصين فقد كانت تتخبط في غمار الحرب الأهلية، وكان تمثيلها في العصبة على يد وحدة صغيرة فيها هي جمهورية كنتون الناشئة. وأما الهند فقد دخلت باعتبارها من الأملاك البريطانية لتشد إلى جانب استراليا وكندا وجنوب أفريقية أزر بريطانيا العظمى في سياستها ومشاريعها داخل العصبة. ودستور العصبة يجيز دخول الأملاك المستقلة والمستعمرات الحرة. وأما الحجاز فلم تكن لها يومئذ أية أهمية سياسية أو دولية، ولم يكن مثولها في مؤتمر الصلح، ودخولها في العصبة إلا ضرباً من المجاملة النظرية.
كانت عصبة الأمم منذ قيامها إذاً هيئة غربية في روحها وفي جوهرها، ولم تكن تمثل من الوجهة العملية شيئاً من المبادئ الرنانة التي أعلنها الرئيس ولسون في ختام الحروب، والتي أريد أن تكون قاعدة لعقد الصلح الحر بين الأمم المتحاربة وقيام عصبة حرة من الأمم تعمل على تخليد مبادئ الحرية والعدالة والوئام فيما بينها، ومع ذلك فقد بعثت مبادئ الرئيس ولسون المتعلقة بحريات الأمم ومصير الشعوب في بعض الأمم المغلوبة شيئاً من الأمل، وكان مفروضاً أن ذلك الهيكل الجديد الذي أقيم ليعاون في تطبيق هذه المبادئ الخالدة - أعني عصبة الأمم - سيكون بالفعل سنداً للأمم الشرقية في جهادها في سبيل الحرية والاستقلال، ولكن ذلك الأمل كان وهماً، وجاءت عصبة الأمم بالعكس لتقر من المبادئ والأساليب إزاء بعض الأمم الشرقية ما يخالف كل عدالة وكل حق وكل عهد

(66/11)

مقطوع. ونذكر بهذه المناسبة أن الوفد المصري برئاسة المغفور له سعد زغلول باشا كان يوم وضع معاهد الصلح في باريس يعمل في سبيل القضية المصرية، وقد احتج عبثاً على نصوص معاهد الصلح التي تمس مصر، والتي تقر حماية إنكلترا المفروضة عليها رغم إرادتها؛ ونذكر أيضاً أن سعد باشا أرسل إلى الرئيس ولسون يرجوه باسم مبادئه مقابلة يبسط له فيها ظروف القضية المصرية، فلم يجبه الرئيس ولسون إلى هذا الرجاء. وكانت أول خطوة عملية اتخذتها عصبة الأمم لتأييد الاعتداء الواقع على الأمم العربية هو أنها أقرت نظام الانتداب الذي وضعه الحلفاء لتقسيم البلاد العربية وحكمها رغم العهود الصريحة التي قطعت خلال الحرب بمعاهدات ووثائق رسمية، فأقرت الانتداب على سوريا لفرنسا؛ وأقرت انتداب إنكلترا على فلسطين وشرق الأردن والعراق. وأقرت عهد بلفور وما ترتب عليه من إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين؛ ولم تحاول العصبة أن تتدخل يوم قسم الحلفاء تركيا إلى مناطق ودفعوا اليونان لاحتلال أزميرا والتوغل في قلب الأناضول؛ ولما وقع الخلاف بين تركيا وإنكلترا على مسألة الموصل واتفقنا على رفع الأمر إلى عصبة الأمم، كان موقف العصبة مريباً ظاهر التحيز؛ وكثيراً ما حاولت الأمم العربية أن تتقدم إلى العصبة بالشكوى من نظام الانتداب وما يرتكب في ظله من ضروب الجور والتعسف، فلم تفز منها بالإصغاء قط؛ ولم تكن لجنة الانتدابات الدائمة بالعصبة إلا سيف المستعمر الشرعي مصلتاً على رقاب الأمم الواقعة تحت الانتداب.
هكذا كان موقف عصبة الأمم الشرقية المغلوبة منذ البداية. وقد أثبتت العصبة خلال أعوامها الأربع عشرة أنها غير أهل لتحقيق شيء من المبادئ والمهام العظيمة، التي عهد إليها بالعمل على تحقيقها. وأسطع مثل لذلك موقفها إزاء مسألة تخفيض السلاح، وعجزها المطبق عن أن تحقق شيئاً في هذا السبيل، لأن تحقيقه لا يروق للدول المسيطرة على مجلس العصبة؛ وأسطع مثل لوقوع العصبة تحت نفوذ الدول القوية ووحي النزعة الاستعمارية، موقفها في مسألة منشوريا، التي ثارت منذ ثلاث أعوام بين اليابان والصين، وكلتاهما من أعضاء العصبة؛ فقد استغاثت الصين بالعصبة حين غزو اليابان لمنشوريا، فلبثت العصبة بين التردد والتمهل حتى تم استيلاء اليابان على منشوريا ولم تستطيع أن تتخذ أي إجراء حاسم تنوه فيه باعتداء اليابان على الأراضي الصينية، مع أنه قد نص في

(66/12)

ميثاق العصبة على عدة عقوبات تأديبية واقتصادية يتقرر اتخاذها ضد الدولة المعتدية في مثل هذه الظروف. ولم ترض اليابان عن هذا التدخل رغم عقمه. فانسحبت من العصبة لتكون مطلقة اليدين في تنفيذ سياستها الاستعمارية. وقد كان فشل العصبة في مسألة منشوريا ذروة ضعفها وانحلال هيبتها، فعملت الدول الغربية التي تستتر في العمل وراء العصبة على تدارك هذا الضعف، بحمل روسيا السوفيتية على الالتحاق بعصبة الأمم، ولبت روسيا هذه الدعوة، والتحقت بالعصبة بعد أن كانت تخاصمها وتعتبرها من أدوات الاستعمار المستترة حسبما فصلنا في فصل سابق في (الرسالة). وأرادت الدول الغربية من جهة أخرى أن تقوي المظهر الشرقي لعصبة الأمم، فسعت لدى تركيا حتى التحقت بالعصبة، وكان التحاقها بها نتيجة مباشرة لانضمام روسيا إليها، لأن السياسة التركية الخارجية تسير مع السياسة البلشفية الخارجية جنباً إلى جنب، ولأن موقف الخصومة الذي اتخذته تركيا نحو العصبة من قبل لم يكن إلا مجاراة لسياسة حليفتها موسكو. ثم كان دخول أفغانستان أخيراً نتيجة أيضاً لنفس السياسة؛ وأفغانستان تتأثر بنصائح موسكو، وهي مدينة باستقلالها الأخير إلى معاونة موسكو ومؤازرتها، وهي تتأثر أيضاً بنصائح إنجلترا، وإنجلترا يهمها تقوية المظهر الشرقي لعصبة الأمم؛ ولذلك رأينا أغاخان مندوب الهند وأحد أبواق السياسة الإنكليزية يقول في خطابه الذي ألقاه لمناسبة انضمام أفغانستان: إن أخطار الطابع الغربي للعصبة كانت واضحة، وكانت دائما تغشى صبغتها العالمية، فدخول أفغانستان يقوي طابعها العالمي، ويزيدها قوة في القيام بمهمتها.
هذا ويجب ألا ننسى أن العراق أيضاً عضو في عصبة الأمم، وقد دخلت العصبة منذ نحو عامين، وكان دخولها نتيجة لعقد المعاهدة العراقية الإنكليزية التي نالت بها العراق استقلالها الذاتي (سنة 1930) وخروجها بذلك من ربقة الانتداب الذي كان مفروضاً عليها من قبل عصبة الأمم لمصلحة إنكلترا. ويجب ألا ننسى أن دخول العراق في العصبة كان مقروناً من جانب العصبة بمظاهرة تؤكد صبغة الغربية والاستعمارية معاً، فقد وضعت العصبة لقبول العراق شروطاً تلفت النظر بتحاملها وشدتها، ولاسيما فيما يتعلق بحماية الأقليات الدينية والجنسية، وحرية البعثات التبشيرية في القيام بأعمالها، وتقرير الحق لكل دولة أن تشكو العراق إلى العصبة إذا رأت أنها قصرت في تنفيذ تعهداتها.

(66/13)

ولم تنضم المملكة السعودية (نجد والحجاز) بعد إلى عصبة الأمم، وليس في سياستها ما يدل على أنها تنوي أن تسعى إلى هذا الانضمام في القريب العاجل، غير أنه يلاحظ أن المملكة السعودية معترف بها من جميع الدول الكبرى التي تسيطر على مجلس العصبة، وأن علائقها بهذه الدول ولاسيما إنكلترا حسنة؛ وقد يكون في الحوادث الأخيرة التي انتهت بدخول تركيا وأفغانستان في العصبة ما يحمل المملكة السعودية على التفكير في السعي إلى الانضمام إلى العصبة، إما اليمن فليست لها سياسة خارجية منظمة معروفة، ومن الصعب أن يعرف موقفها في هذا الشأن، وإن كان المرجح أن الإمام لا يعلق على مثل هذا الانضمام أية أهمية. أما سوريا فهي لازالت ترزح تحت الانتداب الفرنسي، ومن المعروف أن السياسة الفرنسية تنوي متى استطاعت أن تعقد المعاهدة المنشودة مع سوريا، أن تحذو فيها حذو المعاهدة الإنكليزية العراقية من حيث العمل على التحاق سوريا بعصبة الأمم.
بقيت كلمة عن مصر وعن موقفها من العصبة، فأما عن حق مصر في الدخول في عصبة الأمم فليس عليه غبار من الوجهة الدولية، أولاً لأن مصر قد نالت استقلالها من الوجهة الدولية بتصريح فبراير سنة 1922، وهي طبقاً لهذا التصريح دولة مستقلة ذات سيادة، وثانياً لأنه لا يوجد في ميثاق العصبة ما يمنع دولة في ظروف مصر السياسية من الانضمام إليها، فالفقرة الثانية من المادة الأولى من الميثاق تنص على أنه يحق لكل (دولة أو ملك مستقبل (دومنيون) أو مستعمرة حرة في حكم نفسها أن تغدو عضواً في العصبة إذا وافق على انضمامها ثلثا أعضاء الجمعية العامة)، ومصر ليست ملكا مستقلا ولا مستعمرة، بل هي من حيث المركز الدولي دولة مستقلة ذات سيادة، وقد سلمت السياسة البريطانية لمصر بهذا الحق في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة 1929، فنص فيه في المادة الثالثة على ما يأتي (إن مصر رغبة منها في أن تصبح عضواً بجمعية الأمم، ستقدم طلباً للانضمام إلى تلك الجمعية، طبقاً للشروط التي تنص عليها المادة الأولى من عهد الجمعية، وتتعهد حكومة جلالة الملك البريطانية بتأييد هذا الطلب) ونص في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة 1930 على ما يأتي (بما أن مصر تنوى أن تكون عضواً في جمعية الأمم فان صاحب الجلالة البريطانية يعترف بحقها كدولة مستقلة ذات سيادة في أن تصبح عضواً في جمعية الأمم عندما تقوم بالشروط التي نص عليها في

(66/14)

عهد الجمعية).
ولكن هل تفيد مصر من الانضمام إلى عصبة جنيف سواء في الحال أو الاستقبال؟ لسنا ممن يعتقد ذلك. إن تاريخ عصبة الأمم إزاء الأمم الشرقية والأمم الضعيفة حسبما بسطناه لا يدلي بأن العصبة تأخذ بمبادئ المساواة والعدالة الدولية بين مختلف الأمم؛ والعصبة سواء بنشأتها أو القوى المهيمنة عليها، أو الغايات التي تعمل لها، تنم عن روح غربية عميقة، وربما نمت أيضاً عن روح نصرانية كما ظهر من موقفها نحو العراق فيما اشترطته عليها ثمناً لانضمامها إليها. ولن يكون شأن المثول في العصبة في ظروفنا الحاضرة إلا كشأن التمثيل السياسية الذي يكبد مصر مئات الألوف دون أن تجني من ورائه مزايا عملية يعتد بها. وحتى لو سويت المسائل المعلقة بين مصر وإنكلترا وعقدت المعاهدة المصرية الإنكليزية المنشودة، وتأكد استقلال مصر من الناحية العملية، فأنا لا نجد ما يحمل مصر على السعي إلى الالتحاق بعصبة جنيف. ومن الخطأ أن يتصور البعض أن المثول في العصبة من مظاهر الاستقلال، فان بين أعضاء العصبة مستعمرات وأملاكاً مستقلة طبقاً لما ينص عليه ميثاقها.
لقد تمزق الحجاب أخيراً عن ذلك الرياء الدولي الذي استمر زهاء خمسة عشر عاماً، والذي لبث حيناً يحتضن الدعوى إلى السلام وتفاهم الأمم، ويعقد المواثيق للتحكيم وتحريم الحرب؛ وعادت أوربا القديمة إلى سياستها القومية القديمة، عمادها القوة والعنف، وغايتها افتراس الأمم الضعيفة؛ وما عصبة الأمم إلا عرين الأمم المفترسة قبل كل شيء، ولا خير لأمة ضعيفة أن تقر الذئاب على ريائها، ولا خير لها بالأخص في أن تندمج معها في صعيد واحد.
محمد عبد الله عنان المحامي
الترجمة في الأدب العربي وتراجم عظمائنا المحدثين
للأستاذ محمد عبد الله عنان
في العام الماضي فكر جماعة من الأساتذة والكتاب في إصدار مجموعة من التراجم القوية المحققة لعظماء مصر في العصر الحديث. وكانت الغاية من إصدار مثل هذه المجموعة علمية قومية قبل كل شئ؛ فليس في تراثنا التاريخي المعاصر مثل هذه السلسلة؛ وما زالت سير الكثيرين من عظمائنا مجهولة مغمورة، وما زال شبابنا المتعلم يتوق إلى استعراض هذه السير في بحوث محققة ممتعة تغري بالقراءة والدرس فلا يجدها. وسير العظماء زينة التاريخ القومي، والتاريخ القومي غذاء للشعور الوطني.
ولكن هذا المشروع العلمي الجليل لم يجز مع الأسف طور التفكير، وطوي كما طويت مشاريع مثله من قبل.
إن تراجم العظماء تشغل في آداب الأمم العظيمة وفي تاريخها أسمى مكانة، فأقطاب الأمراء والساسة والقادة والعلماء والشعراء والأدباء والفنانين، هؤلاء جميعاً يأخذون مكانهم في التاريخ القومي العام، ثم يأخذون مكانهم في تراجم خاصة، تذهب أحياناً إلى البحوث النقدية المستفيضة التي تشغل مجلدات بأسرها وتخصص للمراجعة العلمية والدراسة العليا؛ وتقتصر أحياناً على صور موجزة، ولكن قوية ممتعة تخصص لدرس الشباب وللقراءة العامة. ويخص هؤلاء العظماء بالدرس في كل عصر ووقت، ويحظون بمختلف البحوث والدراسات، وقد تصدر عن أحدهم عشرات التراجم والسير، ولكل مقامها العلمي والأدبي. أما نحن فكما أن النقص يعتور تاريخنا القومي، وكما أن هذا التاريخ لم يكتب بعد بما يجب من تحقيق وإفاضة، فكذلك يعتور النقص لدينا هذه الناحية الخاصة، أعنى ناحية التراجم والسير المفردة؛ وقلما حظيت آدابنا التاريخية بترجمة محققة وافية لعظيم من عظمائنا المحدثين.
على أن هذه الناحية الخاصة من الباحث التاريخية تشغل في الأدب العربي القديم مكانة هامة. وقد بدأت العناية بها في عصر مبكر جداً. فمنذ القرن الثاني للهجرة يعني الرواة والمؤرخون المسلمون بالسير والتراجم المفردة.
وقد لبثت تراجم العظماء الخاصة حتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري تملأ فراغاً كبيراً

(67/16)

في الآداب التاريخية العربية؛ ولم تقف الترجمة الخاصة عند نوع معين أو طائفة معينة من العظماء، بل تناولت رجال السيف والقلم، والملوك والوزراء، القادة والمفكرين، الكتاب والشعراء من كل ضرب؛ ومنها الموسوعات العامة، ومنها المجموعات الخاصة لطوائف معينة، ومنها التراجم والسير الفياضة، ومنها الموجزة. وفي الآداب العربية، ونهضت فيه الآداب الأخرى. غير أن هذا التراث الحافل يقف مع الأسف عند بدء تاريخنا الحديث، وينقطع سيره انقطاعاً تامًا، فلا نكاد نظفر في ذلك العصر بآثار قيمة في التراجم العامة أو الخاصة؛ وهذه ثغرة في آدابنا التاريخية لم نوفق إلى تداركها حتى اليوم.
ويجدر بنا أن نستعرض بهذه المناسبة طرفاً من تراث التراجم والسير الخاصة في الأدب العربي، لنذكر شبابنا المتعلم بما خص به هذا الفن في أدبنا من العناية والاهتمام، وما انتهى إليه من النضج والتقدم. وما نذكره هنا هو على سبيل التمثيل فقط، إذ يقتضي الإلمام بجميع آثار هذا الفن فصولا بأسرها. وفي مقدمة هذه الآثار السيرة النبوية الكريمة، وأشهرها وأنفسها سيرة أبن إسحاق التي دونت في منتصف القرن الثاني من الهجرة. وكتب ابن النديم كتاب الفهرست الشهير في أواخر القرن الرابع، وألم فيه بطائفة كبيرة من تراجم الفلاسفة والمفكرين والكتاب وآثارهم حتى عصره؛ ومنذ القرن الخامس يعظم ميدان هذا الفن ويتسع، وتوضع فيه الموسوعات الكبيرة؛ فنجد الخطيب البغدادي المتوفى في أواخر هذا القرن يستعرض في كتابه الضخم (تاريخ بغداد) مئات من تراجم العظماء والخاصة في جميع الدول الاسلامية؛ وفي القرن السابع وضع القاضي الأجل شمس الدين بن خلكان موسوعته العامة (وفيات الأعيان) في تراجم العظماء من كل ضرب. ولا ريب أن معجم ابن خلكان من أنفس آثار الترجمة العربية إن لم يكن أنفسها جميعاً. فهو موسوعة شاسعة تحتوي على أكثر من ثمانمائة ترجمة لأعلام الأمم الاسلامية، ومنها تراجم ضافية تملأ جميعاً بالتحقيق ودقة التصوير؛ وقد عني ابن خلكان عناية خاصة بتحقيق الأسماء والتواريخ، ونستطيع أن نقول إنه أول مؤرخ عربي جعل من الترجمة فناً حقيقياً، وما زال معجمه إلى عصرنا من أهم المراجع التاريخية وأنفسها. وبلغ فن الترجمة ذروة ازدهاره في القرنين الثامن والتاسع؛ وظهرت فيه الموسوعات الغنية الشاسعة، وخص كل عصر وكل قرن بأعيانه وأعلامه، ونستطيع أن نذكر من آثار هذا العصر، كتاب (أعيان العصر

(67/17)

وأعوان النصر) لصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764هـ، وهو موسوعة كبيرة في تراجم الأعلام المعاصرين لم يصلنا منها سوى بضع مجلدات. وللصفدي أيضاً كتاب (الوافي بالوفيات)، وهو موسوعة عامة في تراجم أعلام الأمم الإسلامية من سائر الطبقات والطوائف منذ الصحابة إلى عصره، ولم يصلنا منها أيضاً سوى بضعة مجلدات؛ وقد ذيل عليها مؤرخ مصر أبو المحاسن بن تغري بردي بكتاب الأعلام منذ منتصف القرن السابع إلى عصره أي إلى منتصف القرن التاسع. ولدينا منذ القرن الثامن سلسلة متصلة من معاجم الترجمة، يختص كل معجم منها بقرنه، وأولها كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) للحافظ بن حجر العسقلاني؛ ثم كتاب (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) لشمس الدين السخاوي، وهو من أنفس معاجم الترجمة وأقواها من الوجهة النقدية؛ ثم كتاب (الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة) لنجم الدين الغزي العامري، ثم (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي الحموي؛ ثم (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) لأبي الفضل المرادي. وقد ترجم لنا عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ مصر في عهد الفتح الفرنسي طائفة كبيرة من أعيان مصر في القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، وهو يصل بذلك سلسلة التراجم. وترجم لنا المغفور له العلامة علي باشا كثيراً من أعيان مصر في العصر الأخير في كتابه (الخطط التوفيقية)؛ ووضع المغفور له العلامة أحمد تيمور باشا عدة تراجم لبعض أعيان مصر في القرن الرابع عشر، وهي التي نشرتها (الرسالة) تباعاً في أعدادها الأخيرة.
هذا عن التراجم العامة. وأما عن الترجمة المفردة التي تقتصر على سيرة شخص معين، والترجمة الخاصة التي تعالج طائفة خاصة من الأعلام، فلدينا منها الكثير أيضاً، ونستطيع أن نمثل للترجمة المفردة بسيرة عمر بن عبد العزيز لمحمد بن عبد الحكم المتوفى في أوائل القرن الثالث؛ وسيرة المعز لدين الله لابن زولاق المصري المتوفى في أواخر القرن الرابع، وقد ضاعت ولم يصلنا منها سوى شذور قليلة؛ وسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي من علماء القرن السادس، وتاريخ تيمورلنك المسمى (بعجائب المقدور) لابن عربشاه الدمشقي من علماء القرن الثامن؛ وترجمة المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون بقلمه؛ وترجمة الحافظ ابن حجر بقلم تلميذه السخاوي، وترجمة ابن الخطيب للمقرى، وغيرها.

(67/18)

ولدينا الكثير أيضاً من تراجم الطوائف الخاصة كالفلاسفة والأدباء والقضاء والنحاة وغيرهم، مثل أخبار الحكماء للقفطي، وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ويتيمة الدهر للثعالبي، ومعجم الأدباء لياقوت، وقضاة مصر لابن حجر، وكثير غيرها؛ هذا عدا كتب الطبقات الخاصة بتراجم فقهاء المذاهب المختلفة وهي كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
والخلاصة أن الأدب العربي غني بتراثه في فن الترجمة، وقلما تنافسه في ذلك آداب أخرى، إذا استثنينا العصر الحديث. ولكن هذا التراث الحافل يقف مع السف عند بدء تاريخنا الحديث؛ ولو لم يوهب لمصر مؤرخها البارع عبد الرحمن الجبرتي في القرن الثاني عشر (القرن الثامن عشر الميلادي) ويتحفنا بموسوعته النفيسة (عجائب التراجم والآثار) لضاعت إلى الأبد حقائق ومعالم كثيرة عن تاريخ مصر في هذا العصر؛ ولطمست سير الكثيرين من أعلامه. نعم إن الترجمة العربية لم تعرف الأسلوب النقدي، ومنهج التحقيق العلمي، لأنها ازدهرت في عصر كان التاريخ فيه أقرب إلى الرواية؛ ولكنها مع ذلك تتمتع فضلاً عن غزير مادتها بكثير من التحقيق التاريخي، وفي وسع المؤرخ الحديث أن يستخرج منها نفائس مادته؛ وقد كان الجبرتي خاتمة هذا الثبت الحافل من مؤرخين عنوا بتدوين الحوادث والتراجم المعاصرة، ولم يقع لتراثنا مثل هذا الأثر النفيس منذ الجبرتي أي منذ أوائل القرن التاسع عشر. وقد تقدمت المباحث لتاريخية في العصر الأخير تقدماً واضحاً، وبدئ بكتابة تاريخ مصر الحديث؛ ولكنا حتى في هذه الناحية العامة ما زلنا في مستهل جهودنا؛ ومما يبعث على أشد الأسف واللم أن نجد عناية الكتاب الغربيين بكتابة تاريخنا الحديث سواءً من الوجهة العامة أو من بعض الوجوه الخاصة أوفر من عنايتنا، وان نجد في مختلف اللغات الأوربية من الآثار المتعلقة بتاريخنا أكثر مما نجده في لغتنا العربية.
أما النواحي الخاصة في تاريخنا القومي، وأما سير عظمائنا، وهي التي أوحت إلينا بكتابة هذا الفصل. فما زالت مغمورة منسية. وأي نسيان، بل وأي نكران أشد من أن يبقى ذلك الثبت الحافل من عظمائنا ومفكرينا في لعصر الحديث دون ذكر محقق منظم؟ أليس مما يشين نهضتنا العلمية والأدبية أن يحرم رجال مثل عرابي والبارودي وعلي مبارك ومحمد عبده ومصطفى كامل وسعد زغلول وغيرهم من أبطال نهضتنا القومية من تراجم ضافية،

(67/19)

نقدية محققة يقرأها الشباب والخلف؟ إن العظماء في الأمم المتمدينة يذكرون دائماً أثناء حياتهم بما يخلد ذكرهم بين مواطنيهم، فإذا توفي أحدهم صدرت غداة وفاته الفصول والكتب المحققة، هذا عدا ما يكون قد صدر منها أثناء حياته. أما نحن فننظر إلى التاريخ المعاصر نظرة الجمود والاستخفاف، ونكتفي يوم يذهب أحد عظمائنا بأن نشيعه إلى قبره ببعض المقالات والمراثي، ثم لا يلبث أن يغمره النسيان إلى جانب أسلافه! وهكذا يتكدس أمامنا ثبت عظمائنا فلا نتلقى من سيرهم وأعمالهم إلا صوراً مشوهة، بينما نعرف الكثير عن عظماء الأمم الأخرى، لأننا نجد في سيرهم كتباً محققة ممتعة تشوق قراءتها.
ولا ريب أن معظم التبعة في ذلك الإهمال المشين ترجع إلى نوع الثقافة التاريخية الذي نتلقاه في مدارسنا؛ فهذه الثقافة ما تزال قاصرة، بعيدة عن أن تذكى الشعور الوطني في نفوس النشء. والشعور بالكرامة القوية هو أول دافع للشباب والباحثين على استقصاء سير عظماء الوطن ثم على تحقيقها وتدوينها.
هذه كلمة أخرى نرسلها على صفحات (الرسالة) لننبه على إحدى مواطن الضعف في ثقافتنا وآدابنا التاريخية؛ ولنذكر بها إخواننا الذين فكروا منذ عام في وضع تراجم وافية محققة لعظماء مصر في العصر الحديث أن يعاودوا البحث في هذا المشروع العلمي الوطني الجليل، ولعلهم موفقون هذه المرة إلى تحقيقه وإخراجه؛ فيسدون بذلك ثغرة مشينة في تاريخنا القومي ويضعون سنة حسنة في آدابنا التاريخية، ويستحقون بذلك عرفان الجيل الحاضر والأجيال القادمة.
محمد عبد الله عنان المحامي
القتل السياسي
جريمة مرسيليا المروعة
عرض تاريخي لظروفها وبواعثها
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم يشهد العالم منذ مقتل الأرشيدوق فرنز فردينند ولي عهد الإمبراطورية النمسوية في يونيه سنة 1914، جريمة سياسية أشد روعة وأبعد أثراً من تلك الجريمة التي وقعت في التاسع من هذا الشهر في مرسيليا، والتي ذهب ضحيتها المرحومان الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا، ومسيو لوي بارتو وزير الخارجية الفرنسية. وقد كان مقتل الأرشيدوق فرنز فردينند فاتحة الأزمة الدولية الخطيرة التي انتهت بنشوب الحرب الكبرى، وكانت من أسبابها المباشرة. ومن المحقق إن جريمة مرسيليا ستحدث أثرها في شئون يوجوسلافيا الداخلية، وفي سير السياسة الأوربية بوجه عام؛ ومن الصعب أن نقدر منذ الآن مدى هذه الآثار، وإن كنا نشهد منذ الآن نذرها ومقدماتها.
كان الاغتيال وما زال على مر العصور وسيلة لتحقيق مآرب السياسة. وجريمة الأمس جريمة سياسية وقومية كما كانت جريمة سنة 1914. وقد شهدت أوربا في العصر الحديث طائفة حافلة من الجرائم السياسية الرنانة؛ وكان الملوك، والملوك الطغاة بنوع خاص هدف هذه الجرائم، ولم تكن هذه الجرائم شخصية، ولم تقع على الملوك أو الطغاة لمجرد أشخاصهم، ولكن لأنهم يمثلون في نظر الجناة نظاماً أو فكرة لا تتفق مع مثلهم القومية أو الديموقراطية. وكانت (النهليزم) الروسية أعظم مصادر الوحي للقتل السياسي خلال القرن التاسع عشر؛ وفي ظلها وبتدبيرها ارتكبت عدة جرائم رنانة على أشخاص القياصرة وأعوانهم من الطغاة؛ وذهب ضحية هذه الجرائم قيصران: اسكندر الثاني سنة 1881، واسكندر الثالث سنة 1885، وعدة من أكابر الحكام والساسة. ولما خبت ريح النهليزم في أواخر القرن الماضي خلفتها الدعوة اللاحكومية (الانارشي) في تنظيم الجريمة السياسية؛ وذهب ضحية هذه الدعوة عدة من الملوك والأكابر مثل كارنو رئيس الجمهورية الفرنسية، والإمبراطورة اليزابيث النمسوية، وماكفللي رئيس جمهورية الولايات المتحدة، ثم الملك

(68/18)

أومبرتو ملك إيطاليا الذي قتل سنة 1900 بعد عدة محاولات دموية مروعة. ووقعت في الأعوام الأخيرة على الملوكية عدة محاولات جديدة دبرها اللاحكوميون أيضاً، كان منها الاعتداء الذي وقع على الفونسو الثالث عشر ملك أسبانيا السابق (سنة 1926)، والاعتداء الذي وقع على جلالة ملك إيطاليا (سنة 1928).
هذه أمثلة قليلة من ثبت القتل السياسي الحافل الذي شهدته أوربا في العصر الأخير. ولكن جريمة مرسيليا تختلف عما تقدم في ظروفها وبواعثها؛ فهي جريمة قومية عنصرية كما سنرى؛ وهي أثر بارز من آثار ذلك الصراع الجنسي الذي تضطرم به أمة ينقصها التناسق الجنسي، والتضامن القومي، وتمثل فيها اقليات قومية غير راضية عن مركزها ومصايرها؛ وهي كذلك أثر من آثار ذلك الطغيان الحديدي الذي تعيش في ظله يوجوسلافيا منذ ستة أعوام، والذي تشعر بوطأته الأقليات الساخطة بنوع خاص. والقاتل بتروس كاليمن كرواتي الأصل، ينتمي إلى الشعب الكرواتي، أو إلى تلك الأقلية القوية التي ترزح تحت حكم الأغلبية الصربية ولا تشعر نحوها إلا بعواطف الغيرة والسخط. وقد وقعت الجريمة المروعة في ظل هذه المعركة الجنسية المضطرمة، واندفع الجاني أو الجناة في طريقهم بوحي الفكرة الجنسية التي تسيطر على شعب يعتقد أنه مغبون مضطهد مسلوب الحقوق.
ويجب لكي نفهم ظروف الجريمة وبواعثها الحقيقية أن نعود بضعة أعوام إلى الوراء، ففي سنة 1928، وقع الفصل الأول من حوادث هذه المأساة في بلغراد في بهو الجمعية الوطنية (اسكوبشتينا) ذاتها، وكان ذلك في مساء 20 يونيه، وكانت المناقشة تدور حادة بين نواب الأكثرية من الصرب والسلوفين، ونواب الاقلية المعارضة، وهم نواب الشعب الكرواتي حول العلائق اليوجوسلافية الإيطالية وموقف الحكومة منها، وكانت المعارضة ممثلة في حزب الفلاحين الكرواتي ورئيسه استيفان رادتش زعيم كرواتيا الوطني، والحزب الديموقراطي المستقل وزعيمه بربتش فتش؛ فلم تلبث المناقشة أن تحولت إلى نوع من السباب والتراشق المقذع؛ وعندئذ نهض أحد نواب الحزب الراديكالي الصربي، وهو حزب الأغلبية أو حزب الحكومة، وأطلق الرصاص على مقاعد حزب الفلاحين فقتل من نوابه اثنان أحدهما بول رادتش قريب الزعيم رادتش وأحد أقطاب الحزب، وجرح ثلاثة آخرون منهم استيفان رادتش نفسه زعيم كرواتيا الوطني. ووقع على أثر هذه الجريمة المروعة

(68/19)

اضطراب لا يوصف في بلغراد وفي كرواتيا، وأوقفت جلسات الجمعية الوطنية واستقالت الوزارة القائمة، واستمرت الأزمة الوزارية نحو شهرين. ثم كانت الطامة الكبرى بوفاة استيفان راديتش زعيم كرواتيا متأثراً من جراحه بعد ذلك بأسابيع قلائل؛ فشيعه مواطنوه إلى قبره في مظاهرات فخمة مؤثرة تجلت فيها البغضاء الجنسية التي يضطرم بها الكرواتيون نحو الصربيين ونحو حكومة بلغراد.
كان لهذه الفاجعة الوطنية أثر عظيم في إذكاء الأحقاد الجنسية في مملكة يوجوسلافيا الجديدة، وهي أحقاد تقوم على تراث التاريخ، وتنافر العناصر التي تتألف منها. ذلك أن مملكة الصرب القديمة المتواضعة استحالت عقب الحرب الكبرى إلى مملكة جديدة تسمى مملكة الصرب والسلوفين والكروات؛ تضم مملكة الصرب القديمة، وأمارة الجبل الأسود، وسلوفينا، وكرواتيا، ودلماسيا، والبوسنة والهرسك، وبعض أنواع أخرى من إمبراطورية النمسا والمجر القديمة. والشعب الصربي هو الكثرة بين هذه الأجناس المتنافرة، وهو صاحب الحكم والسيادة، وإليه تنتمي الأسرة الملكية ومعظم الوزراء والحكام والقادة. وكانت كرواتيا أو بلاد الكروات بين الولايات الجديدة أشدها مراساً وأعرقها قومية وتعصباً. وتشغل كرواتيا نحو خمس المملكة الجديدة وعاصمتها (زغرب) أو (أجرام) مدينة قديمة سكانها نحو ربع مليون وبها جامعة. والكروات شعب جبلي فلاح ساذج يبلغ زهاء ثلاثة ملايين من مجموع قدره ثلاثة عشر مليوناً. وكان الشعب الكرواتي قبل الفتح التركي في القرن الخامس عشر يتمتع باستقلاله في ظل مملكة بلقانية قوية، ثم غدت كرواتيا كما غدت صربيا والمجر ولاية عثمانية، وضمت منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى النمسا والمجر. ولم ينس هذا الشعب الجبلي الوعر استقلاله ونزعته القومية، فكان في ظل الإمبراطورية النمسوية يجيش بالأماني الوطنية، ويطمح إلى الاستقلال الذاتي؛ ولم يقف إلى جانب آل هبسبورج أثناء الحرب إلا طمعاً في تحقيق شئ من أمانيه القومية. واستمرت تحفزه مثل هذه الأماني في ظل يوجوسلافيا الجديدة؛ وكان بطل كرواتيا الوطني استيفان رادتش رئيس حزب الفلاحين أقوى الأحزاب الكرواتية وأشدها نفوذاً؛ وكان هذا الزعيم القومي الذي كونه مزيج من الثقافات الألمانية والفرنسية والروسية يسيطر ببيانه الساحر وخلاله القوية على مواطنيه ويقودهم حيثما شاء؛ وكان حزب الفلاحين حتى سنة 1925 جمهوري النزعة

(68/20)

يطالب بالاستقلال الذاتي؛ وكانت كرواتيا تضطرم من حين لآخر بالقلاقل والمظاهرات القومية؛ فتخمدها حكومة بلغراد الصربية بمنتهى الشدة؛ وتذكى بذلك أحقاد الكروات الجنسية. وفي سنة 1925 أدرك الملك اسكندر خطر هذه الحركة على وحدة يوجوسلافيا؛ فاستدعى الزعيم رادتش وتفاهم معه؛ وعقد اتفاق بين الصرب والكروات يمنح به الكروات بعض الحقوق والمزايا القومية؛ فهدأت حركة الكروات الاستقلالية نوعاً وأبدى الشعب الكرواتي شيئاً من الولاء نحو العرش والحكومة؛ واحتل الكروات مقاعدهم في الجمعية الوطنية؛ واشتركوا في حكم البلاد؛ وكان لهم في الجمعية 85 كرسياً أي نحو ربع مجموع الكراسي. ولكن هذا التفاهم لم يلبث طويلاً؛ لأن الجبهة العسكرية المحافظة التي تحكم البلاد من وراء الملك اسكندر لم يرق لها هذا التسامح مع الأقلية؛ ورأى الكروات من جهة أخرى أنهم لم ينالوا بهذا التهاون كل ما يطمحون إليه من المزايا الاستقلالية؛ فعاد سوء التفاهم بين الفرقين مرة أخرى؛ واشتدت الخصومة بينهما منذ سنة 1928؛ ووقعت في كرواتيا قلاقل جديدة؛ واتخذت المعارضة الكرواتية في المجلس اتفاقات (نتونو) التي عقدت يومئذ بين يوجوسلافيا وإيطاليا بشأن الحدود مادة لحملات قوية على حكومة بلغراد والملك اسكندر؛ واستمرت هذه الحملات في شدتها حتى ضاقت حكومة بلغراد وضاقت الأكثرية الصربية البرلمانية بها ذرعاً؛ ووقعت بين الفريقين في الجمعية مناقشات ومناظر عاصفة انتهت في 20 يونيه سنة 1928 بوقوع تلك المذبحة البرلمانية الرائعة، وسفك دم الزعماء الكروات في نفس المجلس الذي دعوا إلى الاشتراك في أعماله، ومصرع استيفان رادتش زعيم كرواتيا القومي ومعبودها الوطني.
وهناك أدرك الملك اسكندر خطورة الموقف، وحاول مرة أخرى أن يعمل على تهدئة الأحقاد القومية التي أثارتها الجريمة، ولكنه لم يستطع فيما يظهر أن يغالب نفوذ العسكرية المسيطرة على الحكم؛ فلم تتخذ حكومة بلغراد في شأن النائب أو النواب القتلة إجراءات جدية تهدئ الشعور المضطرم؛ وكان موقفها في ذلك كموقفها يوم مقتل الارشيدوق فردينند من عطف على الجريمة ورفق بالجناة؛ وأخمدت حركات زغرب عاصمة كرواتيا ومظاهراتها بشدة، وساد حكم الإرهاب في كرواتيا، وطورد زعماؤها وأبناؤها أشد مطاردة؛ وأبدت حكومة بلغراد وعمالها الصربيون في معاملة الشعب المغلوب منتهى الخشونة

(68/21)

والقسوة؛ فتوجست العناصر الأخرى شراً واشتدت الأحقاد القومية، وتعقدت الأزمة، وكادت يوجوسلافيا تنحدر إلى الحرب الأهلية؛ عندئذ لجأ الملك اسكندر إلى إجراء خطير حاسم؛ ففي 29 يناير سنة 1929 أعلن إلغاء الدستور والجمعية الوطنية، وأعلن نظام جديد يقبض الملك في ظله على كل السلطات، وتؤلف الحكومة من ستة عشر وزيراً، يُسألون أمام الملك شخصياً؛ وألغى تقسيم يوجوسلافيا القديم إلى ولايات عنصرية، وقسمت إلى تسع ولايات جديدة لكل ولاية حاكم مطلق؛ وغير اسمها من مملكة الصرب والسلوفين والكروات إلى مملكة يوجوسلافيا؛ وحل حزب الفلاحين الكرواتي، وقمعت كل حركة ومظاهرة عنصرية بمنتهى الشدة. وساد على يوجوسلافيا كلها حكم مطلق حديدي حتى اليوم. ولكن الملك اسكندر أبدى في اضطلاعه بمهام الحكم المطلق كثيراً من الحزم وبعد النظر؛ فاستقرت السكينة في البلاد، وخبت الأحقاد والنزعات القومية المحلية أمام البطش؛ ولكنها لبثت كالنار تحت الرماد تسري في صمت، وتتربص فرص الاشتعال. وكان من المستحيل إزاء هذه المشاكل العنصرية الخطيرة، وإزاء استئثار العنصر الصربي بالسيادة والحكم أن تحكم يوجوسلافيا بغير الحكم المطلق؛ ولم يكن في تقاليد العسكرية الصربية التي تحكم من وراء العرش، ولا في تقاليد أسرة كاراجورج فتش الجالسة عليه ما يؤيد النظم البرلمانية، أو يفسح لها أي مجال حقيقي.
وقد تولت أسرة كاراجورج فتش التي ينتمي إليها المرحوم الملك اسكندر بوسائل عنيفة أيضاً. وكان العرش قبلها لأسرة أوبرينوفتش يتولاه الملك اسكندر أوبرينوفتش حتى سنة 1903. وفي يونيه من هذا العام دبر الحزب العسكري بتحريض أسرة كاراجورج فتش مؤامرة كانت نتيجتها أن قال الملك اسكندر أوبرينوفتش وزوجته مدام دراجا ماشين التي أثار زواجه بها قبل ذلك بعامين ضجة كبيرة، في غرفة نومهما؛ وعلى أثر ذلك أعلن بطرس كاراجورج فتش، والد الملك اسكندر ملكاً؛ وعهد بمهام الحكم إلى الجناة الذين اشتركوا في مقتل سلفه، فدلل بذلك على إنه لم يكن بعيداً عن الجريمة. واستمر ملكاً حتى سنة 1921، وخاض غمار الحروب البلقانية والحرب الكبرى، وتولى ولده الملك اسكندر الحكم من بعده، وكان مولده سنة 1888، وكان أثناء حياة أبيه يتولى أخطر المهام العسكرية والسياسية، فأبدى حزماً ومقدرة في قيادة يوجوسلافيا الكبرى، ولكنه لم يوفق إلى حل

(68/22)

المشاكل العنصرية، ولم يستطع كبح جماح العسكرية كما قدمنا، وشاء القدر أن يذهب ضحية الأحقاد العنصرية على ذلك النحو المؤسي.
هذه هي حقيقة البواعث والظروف التي أدت إلى مقتل الملك الراحل، فالأحقاد القومية هي التي سلحت القاتل كاليمن وزملاءه الكرواتيين، وهي التي دفعتهم إلى ارتكاب جريمتهم الفظيعة انتقاماً لمصرع زعماء كرواتيا الوطنيين، وانتقاماً لما تلاقيه من آلام الاضطهاد المنظم. ومن المحقق أن سيكون للحادث أخطر الآثار في مصاير يوجوسلافيا، وإن كان من المستحيل أن نتنبأ اليوم بما سيكون. وقد تكون ثمت وراء الجريمة عوامل تحرض أجنبية عرفت أن تستغل الأحقاد العنصرية وأن توجهها، ولكن الجريمة تبقى مع ذلك جريمة عنصرية، باعثها الانتقام القومي.
إن المسألة الكرواتية تعتبر بالنسبة ليوجوسلافيا كالمسألة الأرلندية بالنسبة لإنكلترا، وستبقى خطراً دائماً على الوحدة اليوجوسلافية، مادامت العسكرية الصربية تأخذ بسياسة السيادة العنصرية، ومادام الشعب الكرواتي يشعر بأنه لم يأخذ حقه من العدالة والمساواة والاشتراك في أعباء الحكم.
أما المرحوم مسيو لوي بارتو، فقد كان ضحية بريئة للجريمة، ولم يقصده الجناة بالذات، وسيكون لمقتله أثر عميق في شئون فرنسا الداخلية، وربما في سياستها الخارجية.
محمد عبد الله عنان المحامي
ابوانكاريه وبارتو
للأستاذ محمد عبد الله عنان
فقدت فرنسا في أسبوع واحد رجلين من أعظم رجالها، وسياسيين من أقدر ساستها وكاتبين من أكبر كتابها، هما مسيو لوي بارتو وزير خارجيتها، ومسيو رايمون بوانكاريه رئيس جمهوريتها الأسبق؛ فذهب مسيو بارتو ضحية بريئة في حادث مرسيليا المروع الذي اغتيل فيه الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا، وتبعه مسيو بوانكاريه إلى القبر بعد أيام قلائل. وكان السياسي العظيم مريضا منذ حين، يستشفي في الرفييرا، ولكنه عاد إلى باريس منذ أشهر ممتعاً بالصحة والنشاط، ثم توفي فجأة، بينما كان يتابع الكتابة في مذكراته؛ فذهب بموته ركن من أعظم أركان السياسة الفرنسية المعاصرة. ولا يشغل بوانكاريه وبارتو مكانتهما الممتازة في عالم السياسة فقط، ولكنهما يشغلان مكانتهما الممتازة في عالم البيان والأدب أيضاً، ولكل منهما آثار أدبية تتبوأ المقام الأول بين تراث الأدب الفرنسي المعاصر
كان رايمون بوانكاريه فرنسياً عظيماً من غلاة الوطنية الفرنسية التي تذهب إلى حد التعصب؛ وكان يمثل مدرسة سياسية خاصة شعارها القومية المغرقة في كل شئ، ووسيلتها القوة والتفوق المادي قبل كل شئ؛ وكانت سياسته قبل الحرب وفي خلالها، ثم من بعدها، تمثل دائما روح العسكرية المحافظة، وروح الاستعمار الجشع، فكان بوانكاريه من أعظم بناة العسكرية الفرنسية، وكان من أعظم بناة الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية.
وكان مولده في (بارلد يك) من أعمال اللورين في أغسطس سنة 1860، ودرس الحقوق في باريس؛ وبدأ حياته العملية في الصحافة، فتولى حيناً تحرير القسم القضائي لجريدة (لي فولتير) ثم عين موظفاً في وزارة الزراعة، ولكن جو الوظائف الحكومية لم يرقه، فاستقال لنحو عام من تعيينه؛ وكانت أحداث السياسة وتهزه وتستغرق اهتمامه، فخاض المعركة الانتخابية ودخل البرلمان لأول مرة في سنة 1887 نائباً عن مقاطعة الموز. ومن ذلك الحين بدأ نجمه السياسي في التألق؛ وامتهن المحاماة في باريس، فظهر فيها بمقدرته وساحر بيانه؛ وجدد انتخابه لمجلس النواب سنة 89، ثم في سنة 93. وفي هذا العام دخل الوزارة وزيراً للمعارف وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ثم تولى وزارة المالية في العام التالي، ثم المعارف مرة أخرى سنة 95. وأستمر في مجلس النواب حتى سنة

(69/20)

1903. ثم دخل مجلس الشيوخ. وتبوأ بوانكاريه مركزه في الزعامة السياسية؛ كما تبوأ مركزه في الزعامة الأدبية؛ وكان إلى جانب مقدرته السياسية كاتباً ممتازاً؛ يلفت الأنظار بروعة كتاباته السياسية والأدبية. وفي سنة 1906 تولى وزارة المالية مرة أخرى. وفي سنة 1909 توجت زعامته الأدبية بانتخابه عضواً في الأكاديمية الفرنسية. وفي يناير سنة 1912 ألف بوانكاريه وزارته الأولى خلفاً لوزارة كايو المستقيلة، وتولى إلى جانب الرياسة وزارة الخارجية. وهنا بدرت بوادر الأزمات الدولية التي مهدت إلى الحرب الكبرى، فأبدى بوانكاريه خلال هذه العواصف قوة ومقدرة، وظهرت قوة وسائله بالأخص في مسألة مراكش حيث استطاع أن يرغم السلطان على الاعتراف بالحماية الفرنسية، وظهرت ميول بوانكاريه العسكرية واضحة في عنايته بمسألة التسليحات، ومضاعفة قوى فرنسا البحرية. وفي سنة 1913 أنتخب بوانكاريه رئيسا للجمهورية الفرنسية خلفاً للرئيس فاليير؛ وأستدعى ارستيد بريان لرياسة الوزارة. وكانت أوربا تسير يومئذ إلى الأزمة الكبرى بخطى سريعة؛ وكان بوانكاريه يسهر على ثمار سياسته، وعلى المحالفات التي انتهت إليها. وفي يوليه سنة 1914 كان بوانكاريه إلى جانب نيقولا الثاني قيصر روسيا في بطرسبرج؛ وكانت بواعث هذه الزيارة ظاهرة واضحة، وهي تمكين التحالف الروسي الفرنسي ضد ألمانيا والنمسا والمجر، وتنظيم الخطط للمعركة القادمة
ولما عاد بوانكاريه إلى فرنسا كانت الأزمة قد وصلت ذروتها ولاح شبح الحرب جلياً في الأفق. وكتب بوانكاريه بهذه المناسبة إلى جورج الخامس ملك إنجلترا خطاباً أشتهر بقوة منطقه وبيانه. ثم كانت الحرب؛ فكان بوانكاريه رجل الموقف؛ وأبدى خلال هذه الأعوام العصيبة كثيراً من الحزم والقوة والبراعة في تدبير شؤون الحرب ومعالجة المشكلات الخطيرة التي كانت تثيرها، واستطاع أن يقف البرلمان عند حده وأن يحمي الجيش من نفوذه وأن يرد حملاته عن الحكومة، وأن يقضي على التنافس الحزبي وآثاره في سير الأمور. ولم يحجم في سنة 1917 عن استدعاء خصمه القديم جورج كليمنصو إلى تولي الحكم، فكان موفقاً في اختياره، وكان كليمنصو وزارة النصر النهائي
وهنا نقطة خطيرة يجب أن نشير إليها تلك هي موقف بوانكاريه الحقيقي إزاء الحرب الكبرى ومبلغ مسئوليته في العمل لأثارتها. وقد أثارت مسئولية الحرب منذ عقد الصلح

(69/21)

كثيراً من البحث والجدل، وألقى عليها كثير من الضوء سواء من الوثائق الرسمية المختلفة التي نشرت، أو تصريحات أقطاب السياسية الأوربية الذين اتصلوا بمقدماتها. وقد ظهر منها جميعاً أن رايمون بوانكاريه يحمل في إثارة الحرب الكبرى أكبر التبعات وأنه كان مت العاملين لها قبل نشوبها بأعوام؛ وظهر بالأخص من الوثائق التي نشرها مسيو أزفولسكي سفير روسيا في باريس قبيل الحرب، أن بوانكاريه كان دائب العمل بالتفاهم مع القيصر على تنظيم الخطط لإذكاء الأزمة، وأن زيارته للقيصر في يوليه سنة 1914 لم تكن إلا لأحكام خطط العمل والدفاع في الحرب المنشودة. وهذه نقطة خطيرة تثقل كاهل بوانكاريه بلا ريب، ولم يوفق هو قط إلى دحضها رغم كل ما قال وكل ما كتب.
وانتهت رياسة بوانكاريه للجمهورية في سنة 1920، وخلفه مسيو دي شانل الذي لم تطل رياسته سوى أشهر؛ وعاد إلى مجلس الشيوخ، وإلى العمل في المحاماة والصحافة، وفي يناير سنة 1922، ألف بوانكاريه وزارته الثانية، وتولى وزارة الخارجية، وكان الجدل يشتد يومئذ بين فرنسا وألمانيا حول تنفيذ شروط معاهدة الصلح وأداء التعويضات المفروضة على ألمانيا؛ وكان بوانكاريه يرى منذ البداية أن تذل ألمانيا، وتسحق حتى النهاية، وكان من أشد خصوم الهدنة ووقف الحرب، وكان يرى مع فوش أنه يجب مطاردة الجيش الألماني حتى عاصمة بلاده، وجعل الرين حداً لألمانيا؛ فلما بدأت ألمانيا في التذمر من شروط الصلح، ومن أداء التعويضات، رأى بوانكاريه الفرصة سانحة للعمل، فقرر احتلال الروهر في أوائل سنة 1923 تنفيذاً للعقوبات التي نصت عليها المعاهدة في حالة التخلف عن التنفيذ، وكان هذا الأجراء من أشنع الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الفرنسية؛ ولم يقف إلى جانب فرنسا فيه سوى بلجيكا؛ وانتهى إلى عكس المقصود منه إذ أثار في ألمانيا روح السخط والمقاومة، وفقدت فرنسا من جرائه كثيراً من العطف، وظهرت فيه بمظهر التحامل والتحرش؛ وفقد بوانكاريه أيضاً كثيراً من ثقة مواطنيه وتقديرهم؛ وظهر ذلك جلياً في انتخابات سنة 1924 حيث فاز فيها خصومه ومعارضوه واضطر إلى الاستقالة؛ وتتابعت من بعده عدة وزارات ضعيفة كانت تسحقها الأزمة المالية وأزمة الفرنك بنوع خاص. ولما تفاقم خطب الفرنك وكادت فرنسا تنكب بكارثة مالية شنيعة دعي الرجل القوي (بونكاريه) إلى الحكم مرة أخرى في يوليه سنة 1926، فلبى الدعوى؛ واستطاعت

(69/22)

وزارته بما اتخذت من التدابير السريعة القوية أن تجتنب الكارثة وأن ترد إلى الفرنك ثباته، وأستمر بوانكاريه في الرياسة إلى سنة 1929، ثم استقال لأسباب صحية، وتفرغ إلى كتابة مذكراته التي بدأ بإخراجها قبل ذلك بأعوام تحت عنوان (في خدمة فرنسا) وفيها يبسط مراحل حياته السياسية، وما اضطلع به من الأزمات السياسية قبل الحرب وفي أثنائها، وما بذله من جهود لإحراز النصر. وكان بوانكاريه أثناء اعتزاله الحكم يكتب في الصحف فصولاً سياسية قوية، واشتهرت منها بالأخص سلسلة مقالات يكتبها تحت عنوان (الوعاء المتكسر)، وفيها يندد دائماً بسياسة الضعف نحو ألمانيا؛ وكما أن بوانكاريه كان يعرب في سياسته عن عميق تعصبه القومي، فكذلك تطبع كتاباته مثل هذه النزعة القومية العميقة، وهو ينحو في ذلك نحو مواطنه الكاتب اللوريني الأشهر موريس باريس الذي أشتهر بعنف حملاته على ألمانيا، وتحريضه على سحق العنصر الجرماني؛ ولبوانكاريه آثار أدبية وتاريخية أخرى، وله في المحاماة مواقف مشهورة، وقد وصل أثناء العمل بها إلى أرفع ما يطمح إليه محام، وأنتخب نقيباً للمحامين، ورفع بذلك إلى صف أعلام الفصاحة القضائية، كما رفع من قبل إلى ذروة المجد السياسي.
وقد لبثت السياسة الفرنسية مشربة بروح الأثرة والقومية العميقة، الذي عمل لإذكائه رجال مثل فوش وبوانكاريه وكليمنصو؛ ثم تطورت منذ سنة 1926، أي منذ اشتد ساعد الاشتراكيين والاشتراكيين الراديكاليين، وقويت الدعوة إلى السلام والتضامن الدولي، وتولى ارستيد بريان توجيه السياسة الخارجية الفرنسية، ولاح مدى حين أن التفاهم ممكن بين أعداء الأمس، وأن سلام العالم يمكن تحقيقه بالمواثيق والمعاهدات الصريحة، ولكن بريان توفى بعد أن ازور نجمه؛ ثم قامت الاشتراكية الوطنية في ألمانيا، وعادت موجة التطرف الهتلري توجه النذير إلى فرنسا؛ فعادت فرنسا إلى سياستها القومية المتطرفة، وظهر بوانكاريه لمواطنيه مرة أخرى بأنه في دعوته إلى هذه السياسة، أبعد نظراً من الوجهة العملية، من أولئك الذين ينشدون السلام بالتفاهم والحسنى.
وقد كان لوي بارتو من تلاميذ هذه المدرسة السياسية المغرقة في القومية، وكان مثل صديقه وزميله بوانكاريه يؤمن بسياسة القوة والتحالف العسكري. وكان مولده في بيارن من أعمال فرنسا الجنوبية سنة 1862، ودرس الحقوق أيضاً ثم انتظم في سلك المحاماة، تلك

(69/23)

المهنة الخلابة التي يتخرج فيها معظم الساسة الفرنسيين. ودخل بارتو مجلس النواب لأول مرة في سنة 1889، ولم يلبث أن ظهر بقوة منطقه وبيانه. ودخل الوزارة لأول مرة سنة 1894، إلى جانب بوانكاريه وهو يومئذ في الثانية والثلاثين من عمره. وكانت يومئذ بدعة أن يتولى الوزارة فتيان أحداث مثل بارتو وبوانكاريه. ولكن النبوغ المتفتح كان يسود كل اعتبار آخر؛ واستمر بارتو بين النيابة والمحاماة، مدى حين. وتولى الوزارة بعد ذلك مراراً، في وزارة الأشغال والداخلية. ثم وزارة الحقانية منذ سنة 1909 في وزارة بريان، وأستمر في هذا المنصب أربعة أعوام. وفي سنة 1913 استدعي بارتو لرئاسة الوزارة، فاستمر مضطلعاً بأعبائها إلى ما قبيل الحرب الكبرى؛ واستطاع في هذه الفترة أن يحمل البرلمان على إصدار قانون الخدمة العسكرية الجديد الذي يمدها إلى ثلاثة أعوام؛ ثم تولى وزارة الأشغال مرة أخرى في سنة 1917، ثم وزارة الحقانية في وزارة بوانكاريه الثانية (سنة 1924). وعني بارتو بدرس حركة النقابات وأصدر عنها كتاباً جامعاً بعنوان العمل النقابي ' في عالم الأدب ظهوراً قوياً، واشتهر أسلوبه التحليلي؛ وكتب تراحم نقدية بديعة لميرابو خطيب الثورة الفرنسية ولامارتين وغيرهما وهي من أقيم كتب الترجمة لفرنسية، وكتب كتاباً عن غرام فكتور هوجو ' وهو من أرق ما كتب عن هذا الشاعر؛ وكتب رسالة عن فاجنر؛ وكتب غير ذلك من الكتب والرسائل مما يضيق المقام بذكره؛ وأنتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية منذ سنة 1924؛ وكان محاضراً ومحدثاً ساحراً، أشتهر بغزير ثقافته وقوة عارضته وتدفق بيانه.
ولما نشيت الحرب الكبرى دفع بارتو بابنه الوحيد إلى صفوف المدافع عن الوطن، فقتل في المعارك الأولى، وأصاب فؤاد الوالد الكسير جرح لم يندمل قط.
وغادر بارتو مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ في سنة 1922 واستمر يخوض المعركة السياسية؛ ولكنه كان من فريق الساسة الهادئين الذين لا يظهرون كثيراً على مسرح المعارك الصاخبة، ثم تولى وزارة الخارجية منذ فبراير الماضي، وكانت منذ سنة 1927 وقفاً على ارستيد بريان حتى توفي سنة 1932؛ وتولاها من بعده بول بونكور. وكانت وفاة بريان نذيراً بتطور سياسة فرنسا الخارجية، وعودها إلى الخضوع لروح الأثرة والوطنية المغرقة؛ فلما تولاها بارتو كانت نظريات فوش وبوانكاريه قد غلبت في توجيهها

(69/24)

مرة أخرى؛ وبارتو من أبناء هذه المدرسة كما قدمن. وجاء عنف الحركة الهتلرية في ألمانيا نذيراً جديداً لفرنسا بوجوب التحوط ومضاعفة الأهبات والمحالفات العسكرية. وقد أبدى بارتو في تنفيذ هذه السياسة نشاطاً وبراعة فائقين فطاف بالبلاد المحالفة لفرنسا مثل بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا ويوجوسلافيا ليحكم أواصر التحالف بينها وبين فرنسا، ولكي تحاط ألمانيا بسياج قوي من الأمم التي تقف وقت نشوب الحرب إلى جانب فرنسا. بيد أن أعظم ظفر استطاع بارتو أن يتوج به سياسته هو تقوية التفاهم الفرنسي الروسي واستئناف سياسة التحالف القديم بين روسيا وفرنسا، وإدخال روسيا في حظيرة عصبة الأمم وحظيرة الدول الغربية بعد أن لبثت بعيدة عنها زهاء ستة عشر عاما. وكانت هذه أول مرحلة في سياسة فرنسا الجديدة لتحقيق عزلة ألمانيا عن باقي الدول الأوربية؛ وكانت المرحلة الثانية هي توثيق أواصر التحالف بين يوجوسلافيا وفرنسا ثم حمل يوجوسلافيا على التقرب من إيطاليا، وأخيراً تحقيق التفاهم بين فرنسا وإيطاليا وتسوية المسائل المعلقة بيتهما وحملها بذلك على نبذ سياسة التفاهم مع ألمانيا بصورة نهائية. وكانت زيارة الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا تحقيقاً لهذا البرنامج. ولكن وقعت فاجعة مرسيليا التي ذهب ضحيتها الملك اسكندر ومسيو بارتو؛ ولقيت السياسة الفرنسية بذلك صدمة قوية. بيد أنها صدمة مؤقتة، والظاهر أن فرنسا ستمضي في تنفيذ برنامجها السياسي، وأن مسيو لافال وزير الخارجية الجديد، سيستأنف العمل حيث وقف مسيو بارتو؛ وسيقوم مكانه بزيارة رومه، كما كان مقرراً من قبل. ولكن الموقف ما يزال غامضاً، ولا سيما إزاء وقوعه في يوجوسلافيا عقب وفاة الملك اسكندر من الحوادث والتطورات الخطيرة
تلك سيرة الرجلين اللذين فقدتهما فرنسا في أسبوع واحد. وقد فقدت فرنسا في الأعوام الثلاثة الأخيرة جل أقطاب زعمائها القدماء، مثل كليمنصو وفوش ودومير وبريان وبوانكاريه وبارتو؛ وطويت بذهابهم مرحلة أو مراحل من تاريخ فرنسا المعاصر، ولم يبق من أقطاب ساسة الجيل المنصرم سوى القلائل، مثل تاريدو الذي يمثل الكتلة القومية، وهريو الذي يمثل السياسة الاشتراكية. ولا ريب أن فرنسا ستشعر بفداحة هذه الخسارة خصوصاً في هذه الآونة العصيبة التي تقتضي كثيراً من العمل السياسي المستنير. بيد أن للسياسة الفرنسية تقاليد راسخة، وسوف يبرز إلى الميدان السياسي رهط من الساسة

(69/25)

والزعماء الجدد ليملأوا ذلك الفراغ، وليقودوا الجمهورية الثالثة إلى نفس المثل والغايات التي عمل لها ساسة الجيل الراحل
محمد عبد الله العنان
المحامي


نُذُرُ الحرب الجديدة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تشهد معظم العواصم الأوربية منذ اشهر فترة غير عادية من النشاط السياسي؛ وقد تحول هذا النشاط منذ مأساة مرسيليا التي ذهب ضحيتها الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا ومسيو بارتو وزير الخارجية الفرنسية، إلى نوع من الحمى الدبلوماسية وتلوح اليوم في أفق السياسة الأوربية سحب كثيفة تثير الجزع في كثير من العواصم والأمم. ما الذي سيعقب مأساة مرسيليا من الحوادث والتطورات سواء في يوجوسلافيا ذاتها أم في أوربا بصفة عامة؟ وهل يكون السلم في خطر حقيقي؟ وهل نشهد اليوم مقدمات أزمة دولية مستعصية قد تفضي إلى نشوب الحرب؟ هذه الأسئلة الخطيرة تتردد اليوم في جميع دوائر السياسة العليا لا على إنها هواجس واحتمالات بعيدة الوقوع ولكن على إنها فوض حقيقية خطيرة يجب التحوط لها
وقد لوحظ بحق أن للجريمة السياسية شأناً كبيراً في إثارة هذه السحب التي تحلق اليوم في أفق السياسة الأوربية فمنذ اشهر قتل مسيو دوكا رئيس الوزارة الرومانية فترتبت على مقتله صعاب وأزمات ما زالت رومانيا تعاني من أثرها. وفي أواخر يوليه الماضي قتل الهير دولفوس رئيس الحكومة النمساوية في ظروف وحشية فأثار مقتله أزمة سياسية خطيرة لا في النمسا وحدها ولكن في أوربا الوسطى كلها وذهبت إيطاليا في إجراءاتها وتحوطاتها لصون استقلال النمسا من اعتداء ألمانيا وعمالها المأجورين إلى حشد الجنود على حدود النمسا الجنوبية، ولاح شبح الحرب واضحاً مدى حين. ثم كان مقتل الملك اسكندر ومسيو بارتو أخيرا في مرسيليا فبدت الأزمة الأوربية في أروع مظاهرها، وتجددت نذر الخطر وأحاديث الحرب ويخشى المتشائمون أن يكون التاريخ إنما يعيد نفسه وان تكون مأساة مرسيليا قرينة مأساة سيراجيفو ونظيرتها في الظروف والنتائج. والحقيقة أن مؤرخ الحرب الكبرى لا يسعه إلا أن يعتبر مأساة سيراجيفو من أهم العوامل - الظاهرة على الأقل - في إثارة الحرب فقد اتخذت إمبراطورية النمسا والمجر مقتل الأرشيدوق فرنزفردينند وقرينته في سيراجيفو في 28 يونيه سنة 1914 بيد طالب سربي سبباً لاعتبار حكومة سربيا مسئولة عن الجريمة مباشرة ومطالبتها في بلاغ نهائي بمطالب

(70/28)

عدتها سربيا افتئاتاً على سيادتها وشدت ألمانيا أزر النمسا في موقفها ولكن روسيا تدخلت لتعضيد سربيا ضد النمسا باعتبارها حامية الشعوب السلافية. وكانت الأزمة الخطيرة التي أدت إلى وقوع الحرب بعد ذلك بأسابيع قلائل
وإذا لم يكن لجريمة مرسيليا مثل هذه النتائج السريعة الحاسمة فلا ريب إنها زادت الأزمة الأوربية تعقيداً وخطورة، وكانت عاملاً جديداً عميق الأثر في زعزعة السلام الأوربي. وإذا وقعت حرب جديدة في القريب العاجل، فان جريمة مرسيليا تكون بلا ريب بين عواملها الأولى. ومن المعروف أن السياسة الأوربية كلها تقوم اليوم على تهيئة أسباب الهجوم والدفاع في الحرب القادمة، وأنها تأخذ الطابع القديم الذي يوصف في لغة السياسة بالسلم المسلح أو السعي إلى صون السلام بالاستعداد للحرب دائماً. ومثل هذه السياسة تخضع دائماً لأزمات الساعة، لأنها تقوم على الأثرة والقومية المغرقة وليست تحدوها أية مُثل إنسانية أو دولية عامة. وقد وقعت جريمة مرسيليا في وقت تجتمع فيه أوربا في معسكراتها القديمة التي حالت آثار الحرب الكبرى مدى حين دون بعثها وتكونها. والدول التي تسيطر على مصاير السياسة الأوربية اليوم هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا؛ وهي التي تتجاذبها في تكوين المعسكرات الهجومية والدفاعية وفرنسا اشدها سيطرة على الموقف ونفوذاً في تطوراته؛ ومقصد السياسة الفرنسية معروف هو العمل بكل الوسائل لعزل ألمانيا عن باقي الدول الأوربية حتى لا تقوى بالتحالف على مهاجمة فرنسا، وأحاطتها بسياج من الدول الخصيمة المتأثرة بالسياسة الفرنسية حتى تبقى دائماً في موقف الأحجام والضعف؛ وإذا وقعت حرب فان فرنسا تستطيع بمعاونة حلفائها أن تتغلب على ألمانيا. وقد سارت فرنسا في هذه السياسة إلى ما قبل جريمة مرسيليا شوطاً بعيداً، واستطاعت أن تجذب روسيا السوفيتية إلى معسكرها وان توثق سياسة التحالف الروسي الفرنسي القديم بعد أن لبثت روسيا مدى حين بعيدة عن حظيرة الدول الغربية وان تتوج هذا التحالف بالعمل على ضم روسيا إلى عصبة الأمم بعد أن لبثت تخاصمها منذ قيامها. وقد كانت السياسة الألمانية ما قبل الحرب تغالب التحالف الروسي الفرنسي بالتحالف الألماني النمساوي ولكن إمبراطورية النمسا والمجر القديمة قد ذهبت وقامت على أنقاضها دول تخاصم ألمانيا أو تتأثر بالسياسة الفرنسية. والسياسة الفرنسية هي التي خلقت كتلة التحالف الصغير في

(70/29)

أوربا الوسطى من يوجوسلافيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، وهي التي توجهها في سياستها الأوربية. ولما قامت الحركة الهتلرية في ألمانيا وظهرت ألمانيا في صورة المهدد لفرنسا والمهدد للسلام الأوربي ضاعفت فرنسا جهودها في توثيق التحالف بينها وبين روسيا ودول التحالف الصغير خصوصاً بعد أن شعرت أن بولونيا قد أخذت تتحرر من نفوذها وتتجه نحو ألمانيا. وكان من أهم أغراضها أن تجذب يوجوسلافيا بصورة نهائية إلى جانب السياسة الفرنسية لأنها شعرت أن السياسة الألمانية قد أخذت تتجه نحو يوجوسلافيا وتحاول كسبها بوسائل شتى. ولكن فرنسا رأت من جهة أخرى أن هذا التحالف لا يحقق الغاية المنشودة إلا إذا آزرته إيطاليا. وبين إيطاليا ويوجوسلافيا خصومة قديمة فيجب أن تذلل قبل كل شيء
لهذا كانت رحلة مسيو بارتو إلى يوجوسلافيا وكانت رحلة الملك اسكندر إلى فرنسا وكان المقرر أن تكون مفاوضات الملك اسكندر مع الحكومة الفرنسية تمهيداً لمفاوضات فرنسية إيطالية تجرى في روما وتسوى فيها جميع المسائل والخصومات القائمة بين إيطاليا ويوجوسلافيا من جهة وبين فرنسا وإيطاليا من جهة أخرى وكان الأفق مناسباً لتحقيق هذا البرنامج، لأن إيطاليا كانت قد بدأت في الآونة الأخيرة تتباعد عن ألمانيا على آثر حوادث النمسا التي انتهت بمقتل الهير دلفوس وافتضاح نيات ألمانيا ومشاريعها نحو الاعتداء على النمسا؛ وتم الشطر الأول من هذا البرنامج بالمفاوضات التي وقعت في بلغراد بين فرنسا ويوجوسلافيا ولكن الشطر الآخر لم يتحقق لأن الملك اسكندر ما كاد يطأ ارض فرنسا حتى سقط قتيلاً برصاص الوطنيين الكرواتيين وسقط إلى جانبه مسيو بارتو؛ وأخرت هذه المأساة مشاريع السياسة الفرنسية؛ إلى حين؛ وأودت بمشاريع حكومة بلغراد وبعثت إلى أفق السياسة الأوربية ولا سيما أوربا الوسطى، ريباً وهواجس جديدة وأثارت صيحة الحرب مرة أخرى والواقع أن مقتل الملك اسكندر كان ضربة شديدة ليوجوسلافيا؛ وقد بينا في مقال سابق كيف أن تكوين يوجوسلافيا الجديدة من عناصر متنافرة خصيمة يعرض وحدتها للتمزق دائماً وكيف أن هذه الوحدة تقوم على أسس مصطنعة في ظل طغيان حديدي كان الملك اسكندر عماده وقائده، فالآن يحدق الخطر بهذه الوحدة المغصوبة وتقف حكومة بلغراد حائرة متوجسة من المستقبل القريب؛ وتقف إيطاليا أيضا مترددة تسبر غور

(70/30)

الاحتمالات الجديدة. هل تستمر في الإصغاء إلى عرض السياسة الفرنسية فتهادن يوجوسلافيا وتحالفها وتدخل في حظيرة هذا التحالف الذي يجمع دول الاتفاق الصغير وروسيا إلى جانب فرنسا؟ ومما يزيد في تردد إيطاليا ما تحاوله ألمانيا لديها الآن من تحويلها عن ذلك الطريق، وإعلان استعدادها لضمان استقلال النمسا وتسوية المسائل الأخرى التي تهم إيطاليا بيد أن السنيور موسوليني يقف الآن وقفة المنتظر ليرى أولاً ما يمكن أن تحدثه آثار جريمة مرسيليا في شئون يوجوسلافيا الداخلية وهل يوجد ثمة ما يحمل على الاعتقاد بقرب تفكك هذه الكتلة السلافية الخطرة التي خلفتها معاهدة الصلح، والتي تنازع إيطاليا سيادتها في بحر الأدرياتيك وتهدد نفوذها في البلقان وأواسط أوربا وهل تقوم في يوجوسلافيا حركة انفصالية يقوم بها العنصر الكرواتي خصيم العنصر السربي الذي يستأثر بالسلطة في يوجوسلافيا ويضطهد العناصر الأخرى؟ فإذا آنس موسوليني شيئاً من هذه البوادر فقد يفضل أن يستبقي حريته في العمل؛ مدى حين وعندئذ تعمل إيطاليا من جانبها على تشجيع العناصر الانفصالية في يوجوسلافيا حتى يتم تفكك هذه الكتلة السلافية وتستطيع إيطاليا أن تتجه ببصرها نحو دلماتيا التي تطمح إلى امتلاكها، وعندئذ ينهار التحالف الصغير وأيضاً وينفتح أمامها مجال العمل في أوربا الوسطى على أن فرنسا تعمل من جهة أخرى بكل ما وسعت لتحقيق التفاهم والتحالف مع إيطاليا. وهي على أهبة لأن تضحي في هذا السبيل ببذل بعض المطالب التي تطمح إيطاليا إلى تحقيقها. وما تعرضه فرنسا على إيطاليا ينحصر فيما يأتي: (1) تعديل الحدود الطرابلسية من جهة تونس والتجاوز لإيطاليا عن بعض المناطق المتاخمة لبرقة (2) عدم مقاومة التوسع الإيطالي في طرابلس من جهة الجنوب في اتجاه بحيرة تشاد (3) عدم مقاومة مشاريع إيطاليا وأطماعها في الحبشة (4) تسوية مسألة الرعايا الإيطاليين في تونس ومنحهم بعض الحقوق والمزايا الخاصة؛ فهذه عروض ومزايا لا تستطيع إيطاليا أن تأبى قبولها خصوصاً إذا علمنا أن التوسع الاستعماري قد غدا من اعظم أهداف السياسة الفاشستية. وعلى أي حال فان برنامج السياسة الفرنسية لم يتغير بمقتل مسيو بارتو وقد أعلن مسيو لافال وزير الخارجية الجديد انه سيعمل لإتمام ما بدأ به سلفه؛ وسوف يقوم بزيارة روما كما كان مقرراً من قبل للمفاوضة في تحقيق البرنامج المرسوم

(70/31)

هذه هي خلاصة العوامل التي تسيطر الآن على مجرى السياسة الأوربية. والظاهرة الجوهرية التي تبدو خلال ذلك كله هي اشتداد التنافس في أحياء المعسكرات الأوربية القديمة وإنشاء الكتل الهجومية الدفاعية التقليدية. لماذا؟ استعداداً لحرب تلوح في الأفق. وما زالت فرنسا هي المتفوقة في هذا الميدان ولكن ألمانيا تعمل أيضا، رغم عزلتها السياسية على إنشاء معسكرها وحشد حلفائها. وقد ظفرت أخيراً بكسب بولونيا وسلخها عن كتلة الدول المتأثرة بالسياسة الفرنسية وأحداث أول ثغرة بذلك في المعسكر الفرنسي ولم تعبأ ألمانيا بفداحة الثمن الذي دفعته لتحقيق هذه الغاية وهو التسليم بالممر البولوني الذي يشق أراضيها إلى البحر. ومازالت ألمانيا تتمتع بشئ من العطف في المجر ويوجوسلافيا لأنها تشتري محاصيل البلدين. ولكن ذلك لا يمكن أن يعوض عليها خسارتها الفادحة بفقد معاونة روسيا ومحالفتها؛ وقد كان إغضاب روسيا وفقدها من اعظم أخطاء ألمانيا الهتلرية خصوصاً وان روسيا لم تتحول عن ألمانيا إلا لكي تتفاهم وتتحالف مع فرنسا ألد واخطر خصومها وروسيا السوفيتية قوة لا يستهان بها
وقد يكون من المبالغة أن يقال أننا الآن على أبواب حرب قريبة ولكن ليس من المبالغة أن نقول أننا نشهد الآن نذر الحرب القادمة ومقدماتها. ومتى هذه الحرب؟ قد تقع بعد اشهر وربما بعد أسابيع إذا تطورت الحوادث في يوجوسلافيا فجأة وافلت زمام الموقف من يد حكومة بلغراد؛ وقد لا تقع إلا بعد عامين أو أعوام قلائل إذا بذلت جهود صادقة لاتقائها أو لتأخيرها. وعلى أي حال فليس مبالغة أن نقول أننا نشهد الآن من تطورات السياسة الأوربية أقربها أشبهها بتلك المرحلة التي تقدمت الحرب الكبرى وبلغت ذروة خطورتها في صيف سنة 1914. والواقع أن أسباب الأزمة الأوربية الكبرى تجتمع وتتفاقم منذ عامين؛ وأهمها بلا ريب لخفاق مشروع نزع السلاح، والفشل الذريع الذي لقيته عصبة الأمم في حل مختلف المشاكل الدولية؛ وانهيار سياسة التفاهم الدولي والتحكيم التي بلغت ذروتها بعقد ميثاق تحريم الحرب، ولم يلبث أن ظهر عقمها من الوجهة العملية ثم قيام الحركة الهتلرية في ألمانيا وما جنحت إليه من سبل العنف والوعيد، وما أثارته في فرنسا من هواجس ومخاوف جديدة. بيد أن هذه الأسباب كلها ترجع إلى اصل واحد، هو معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) التي لم يراع في وضعها سوى تحقيق شهوات الظافرين واطماعهم، ولم

(70/32)

يقصد بها إلى وضع أي سلام شريف دائم، ولكن أريد بها تحطيم قوى الأمم المغلوبة وتمزيق وحداتها القومية دون مراعاة الحدود الجغرافية ووحدة العناصر وتراث التاريخ، فجاءت كالبركان الصامت يضطرم في خفاء ولكن تسري ناره تحت الهشيم وغدت اعظم عامل في إثارة الأحقاد والأطماع القومية، وخلقت مشاكل الحدود والأقليات الشائكة في طول أوربا وعرضها ومهدت إلى هذه الأزمة الشاملة التي تهب ريحها اليوم على أوربا منذرة بشر العواقب وكما أن الأزمة الدولية الكبرى التي اجتمعت أسبابها قبيل الحرب قد لقيت نذير انفجارها في مأساة سيراجيفو، فكذلك تلقى الأزمة الدولية الحاضرة نذيراً خطراً في مأساة مرسيليا، وإذا كانت الحكومة النمسا الإمبراطورية قد رأت يومئذ أن تحمل الحكومة السربية تبعات هذه الجريمة الرائعة، وان ترتب عليها من المطالب الفادحة ما ثارت له روسيا وعجل بوقوع الكارثة، فكذلك ترى حكومة بلغراد أن تحمل الحكومة المجرية تبعة جريمة مرسيليا، إنها تأوي في أرضها عدداً كبيراً من اللاجئين الكرواتيين، وتتقدم إليها بمطالب ترى فيها افتئاتاً على سيادتها؛ وقد يكون ثمة فارق بين وقع الجريمتين في سير الأزمة الأوربية، ولكن الذي لا ريب فيه هو أن جريمة مرسيليا من اخطر العوامل في تفاقمها. فسلام أوربا وربما سلام العالم في خطر لا ريب فيه، وذا تركت الأمور في مجراها الحاضر ولبثت الأحقاد والأطماع القومية على حالها مطلقة العنان، وإذا لم تتضافر القوى النزيهة المخلصة لقضية السلام وتقف سداً منيعاً في وجه هذا التيار الخطر فسوف نشهد في القريب العاجل انفجار البركان المروع مرة أخرى.
محمد عبد الله عنان المحامي
فردريش شيلر
بمناسبة احتفال ألمانيا بذكراه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ عامين احتفلت ألمانيا بذكرى شاعرها الأكبر (جيته) لمناسبة مرور قرن على وفاته؛ وتحتفل ألمانيا اليوم بذكرى شاعرها الثاني (شيلر) لمناسبة مرور مائة وخمسة وسبعين عاماً على مولده. وإذا كانت حياة الخالدين تمثل دائماً في الأذهان المستنيرة، فإن الاحتفاء بهذه الذكريات يضاعف الاهتمام بسيرتهم وآثارهم. ومن ثم فأنا نلتمس هذه المناسبة لنأتي على ترجمة الشاعر العظيم.
كانت حياة شيلر صفحة مؤثرة من ذلك الكفاح الذي يضطر إلى خوضه أصحاب المثل الأعلى حتى يفوزوا بمثلهم أو يزهقوا دونها؛ وقد أنفق حداثته وشبابه في خوض هذا الغمار، حتى إذا اكتملت له أسباب الفوز والطمأنينة، غادر هذه الحياة شاباً في إبان ظفره، وذروة خصبه، وروعة شاعريته؛ وكان مولده في العاشر من نوفمبر سنة 1759 في مدينة مارباخ الواقعة على نهر نكز في أسرة رقيقة الحال؛ وكان أبوه يوهان كاسبار جراحاً مساعداً في الجيش، استقر في مارباخ بعد عوده من الحرب وتزوج اليزابيث كودفايس، وهي ابنة صاحب فندق؛ فرزق منها أولاً بابنة تدعى اليزابيث؛ ثم كان مولد الشاعر، ثم ابنة أخرى تدعى لويزا. ونشأ الطفل فريدريش أو فرتز (شيلر) ضعيف البنية، كثير الحياء والوجل، وتلقى دروسه الأولى في مدرسة لورش، ثم انتقلت الأسرة إلى مدينة لودفجسبورج حيث نقل الأب، وكانت يومئذ مقام دوق فرتمبورج؛ وهنالك التحق شيلر (بالمدرسة اللاتينية)، وبدأ دارسة الأدب واللاتينية، وقرأ هوراس وأوفيد وفرجيل؛ وكان لأستاذه القس موزر أثر كبير في تكوينه. وفي سنة 1773 دخل شيلر (أكاديمية كارل) التي أسسها الدوق في شتوتجارت، ودرس الحقوق أولاً ثم الطب والتاريخ، وأظهر تفوقاً في اليونانية واللاتينية؛ بيد أنه لم يكن ميالاً إلى هذا النوع من الدراسة، وكان شغوفاً بالأدب، تهجس به في أوقات فراغه شاعرية قوية؛ وكان يكثر من قراءة هومير وفرجيل وكلوبشتوك شاعر ألمانيا في هذا العصر، وبتأثر تفكيره أيما تأثير. وفي ذلك الحين ظهرت قطعتان مسرحيتان قويتان هما: (أوجولينو) لجرستنبرج، و (جتزفون برلنخجن) لجيته؛

(71/10)

فتأثر شيلر بقراءتهما واتجه ذهنه إلى المسرح؛ وكتب بعض القصائد والمناظر المسرحية الأولى، ولكنه مزقها، ثم بدأ بكتابة روايته المسرحية الأولى: (قطاع الطريق). وفي سنة 1779 أتم دراسته وحصل على إجازته، وسنحت له بهذه المناسبة أول فرصة لرؤية الشاعر العظيم الذي ملأ صيته ألمانيا يومئذ، ونعني (جيته)؛ فقد وفد مع دوق فيمار على شتوتجارت في فاتحة سنة 1780 ليشهدا احتفال الأكاديمية بتوزيع الإجازات. وكان شيلر يومئذ فتى في عشرينه، يحمل إجازة الطب والجراحة، ولكن هوى الشعر يحمله ويملأ جوانحه. وكان يتوق إلى التعرف بزعيم الشعر وإمامه؛ ولم يكن يحلم أنه سيغدو في أعوام قلائل قرينه وزميله الأوفى. ولم يهتم جيته في هذا اللقاء الأول بأمر الشاعر الحدث الذي لم يسمع به أحد بعد، ولكن نجم الشاعر الحدث كان على وشك البزوغ. ذلك أنه ما كاد يعين على أثر تخرجه طبيباً في حامية شتوتجارت بمرتب يسير، حتى عكف على إتمام درامته (قطاع الطريق)، ولكنه لم يلق ناشراً يقوم بطبعها، فاقترض نفقات الطبع من بعض أصدقائه وظهرت القصة سنة 1781 غفلاً من اسم مؤلفها؛ وهي قطعة مسرحية عنيفة تحمل طابع البداية، وفيها يصور شيلر كثيراً من عواصف حداثته. ومثلت (قطاع الطريق) عقب صدورها في شتوتجارت، ثم مثلت في العام التالي في مانهايم؛ وأحدث ظهورها وتمثيلها ضجة كبيرة. ولكن شيلر لم يؤخذ بهذا النجاح الجزئي. وكانت وظيفته العسكرية تثقل على نفسه، فاعتزم مغادرة شتوتجارت خفية إلى أفق أوسع، وفي أكتوبر سنة 1782 غادرها مع صديق موسيقي يدعى شترايشر إلى مدينة مانهايم. وكان يحمل معه مخطوط درامة جديدة هي (فيسكو) فعرضها على مدير مسرح يدعى (دالبرج) فأعجب بها ومثلت بنجاح، وكتب في الأشهر التالية (المؤامرة والحب) ومثلت أيضاً. وكلتاهما قرينة (قطاع الطريق) في طابعها العنيف وحماستها الساذجة. بيد أنه رأى المسرح لم يحقق أمله، ولم تسعفه موارد القطع التمثيلية، فاضطر أن يبحث للعيش عن وسيلة أخرى، ولكن في دائرة الأدب أيضاً، فأصدر مجلة أدبية نقدية اسمها (تاليا) وظهر العدد الأول منها في مارس 1785 وفيه قسم جديد من درامته الجديدة (دون كارلوس) ولكنها لم تستقبل بحماسة. وفي ذلك الحين جاء دوق فيمار إلى (دار مشتات) لزيارة صهره (اللاند جراف) وكان شيلر قد سمع كثيراً عن نبله ورفيع خلاله وتعضيده للآداب والفنون، فسار لرؤيته مزوداً ببعض

(71/11)

خطابات التوصية، فاستقبله الدوق بعطف، وأذن له أن يتلو بين يديه الفصل الأول من (دون كارلوس) فاستحسنه وشجع المؤلف بكلمات طيبة، واستأذنه شيلر في أن يهديه قصته فأذن له، وأنعم عليه بلقب (مستشار) في خدمته، وهو لقب لم تكن له سوى قيمة أدبية واجتماعية.
وكان شيلر يومئذ فتى في الخامسة والعشرين يضطرم أملاً نحو العلياء والمجد؛ وكان يقضي حياة عاصفة في الدرس والتفكير والكتابة؛ وكان قلبه الكبير يخفق أحياناً للحب، ولكن في اعتدال ورزانة. ولم تحمل شيلر نحو النساء تلك النوبات الغرامية العاصفة التي كانت تملأ حياة جيته؛ ولكنه عرف الحب في تلك الفترة؛ وتعلق بادئ بدء بفتاة تدعى مرجريت شفان، وهي ابنة كتبي في مانهايم، وكانت فتاة ساحرة لعوباً خطرة الأهواء؛ وفكر شيلر في الاقتران بها ولكن أباها رفض في رقة وأدب لأنه لم يأنس في الشاعر بلا ريب مستقبلاً يحمل على الطمأنينة. ثم تعرف شيلر بعد ذلك على فتاة تدعى شارلوت دوستايم، وشغفت هي به حباً؛ ولكنها لم تلبث أن اقترنت بضابط يدعى (فون كالب)؛ وانتقلت معه إلى فيمار؛ واستحال حب الشاعر ومدام فون كالب بعد ذلك إلى صداقة حميمة استمرت مدى الحياة.
وأنفق شيلر في مانهايم زهاء عامين ونصف عام، وهو يشهد آماله تنهار تباعاً، وموارد العيش تضيق به. وأخيراً اعتزم أن يغادر مانهايم، وأن يهجر تلك المهنة التي لم تؤته قوته - مهنة القريض؛ وأن يلتمس العيش من مهنة أخرى مستبقياً للشعر أوقات فراغه؛ فغادر مانهايم بعد وداع ممزق لصديقه الحميم شترايشر؛ وقصد إلى قرية جوليس بالقرب من لايبزج حيث كان يقيم صديقه العزيز (كرنر) وكان كرنر ذهناً رفيعاً وقلباً كبيراً، ألفى فيه الشاعر مثل الصداقة الأعلى؛ فأقام إلى جانبه مدى حين في جوليس ثم في درسدن، وأتم في تلك الفترة قصته (دون كارلوس) (سنة 1786). وكان ظهورها طفراً حقيقياً للشاعر، وكانت في الواقع بداية مجده، وحداً فاصلاً بين ماضيه الغامر ومستقبله الباهر. وكانت مدينة فيمار يومئذ كعبة الشعر ومقام إمامة جيته، وفيها يجتمع حول الشاعر الأكبر جمهرة من الشعراء والأدباء مثل هردر، وفيلاند، وماير، ويظللهم دوق فيمار جميعاً برعايته؛ وكان شيلر يفكر منذ حين في السفر إلى فيمار ليجرب حظه في ذلك المحيط الأدبي الزاهر؛

(71/12)

وكانت صديقته الحميمة مدام فون كالب تقيم هنالك منذ حين؛ وكان فيلاند يدعوه فوق ذلك للاشتراك معه في تحرير مجلته (مركور)؛ فقصد إلى فيمار في أغسطس سنة 1787، وقلبه مفعم بالآمال الكبيرة؛ فاستقبله الدوق بفتور، ولكن مدام فون كالوب استقبلته بعطف مؤثر؛ ورحب به فيلاند الشاعر أيما ترحيب، واشترك معه في تحرير مجلته؛ واشترك أيضاً في تحرير مجلة أخرى في (يينا) وترك مجلته الخاصة؛ واستمر يعاون فيلاند مدى عامين، ثم ترك التحرير معه، ولكنه لبث صديقه الحميم.
وفي سنة 1788، أقام شيلر حيناً في قرية (فولكشتات) الهادئة، وهنالك أتم قصته (الهائم)، وتاريخ (ثورة الأراضي السفلى) الذي بدأه من قبل
في ذلك الحين كان جيته في إيطاليا يطوف ربوعها؛ ثم عاد من رحلته في سبتمبر. وكان شيلر يرقب مقدمه ليراه ويتعرف به. وسنحت له هذه الفرصة؛ واجتمع بالشاعر الأكبر وصديقته مدام دي شتاين وهردر في منزل أسرة لنجفلد التي صاهرها شيلر فيما بعد. وهنالك رأى شيلر ذلك الرجل الذي بلغ ذرى المجد، والذي رآه من قبل لأول مرة في حفلة توزيع الإجازات عام تخرجه من المدرسة؛ وكان شيلر يعلق على هذه المقابلة آمالاً كبيرة؛ ولكن جيته استقبله بفتور ظاهر، ولم يكن قد لفت نظره إلى ذلك الحين. وكانت صدمة مؤلمة لشيلر؛ فكتب إلى صديقه كرنر يصف أثر هذا اللقاء في نفسه: (يلوح لي من كل الظروف أن الفكرة السامية لدي عن جيته لم يزعزعها هذا التعارف الشخصي، بيد أني أشك أننا نستطيع أن نتقارب بأي وجه. إن قسماً عظيماً مما يزال يشغلني، ومما زلت أؤمل قد انتهى وقته لديه، والواقع أن كل شخصه يميل إلى ناحية غير التي أميل إليها، وبين وجهات نظرنا اختلاف جوهري. وعلى أي حال فلسنا نستطيع أن نستخلص من هذه المقابلة شيئاً مؤكداً أو ثابتاً. وسوف يعلمنا الزمن ما تبقى). ولما عاد شيلر إلى فيمار من مقامه المنعزل لم يحاول كثيراً أن يرى جيته. بيد أن فتور جيته نحوه لم يدم طويلاً فقد رأى في قصيدته (آلهة اليونان) جمالاً يلفت النظر؛ ويعترف شيلر من جهة أخرى بأنه كان من ذلك الحين يخشى نقد جيته، وأنه كان متأثراً بتلك العاطفة حينما وضع قصيدته (الفنانون) وتأنق في صياغتها.
على أن الذي لا ريب فيه هو أن لقاء الشاعرين - جيته وشيلر - كان من أعظم حوادث

(71/13)

حياتهما إن لم يكن أعظمها جميعاً. وسرعان ما تحول ذلك الفتور الذي أبداه الشاعر الأكبر نحو زميله الفتي إلى حب وإعجاب خالصين، ولم تمض أعوام قلائل حتى توثقت بينهما أواصر صداقة عميقة؛ ولم يمنع تنافسهما النبيل في آفاق الشعر أن تبقي هذه الصداقة إلى الأبد، مقرونة بالوفاء الخالص والإعجاب المتبادل، وأن تغدو صفحة خالدة في تاريخ التعاون الأدبي. كان شيلر رجل المثل العليا، وفيلسوفاً ذا آراء ونظريات خاصة في الحياة. ولكن جيته كان رجل الحقيقة، يعرض ما في الطبيعة ويصوره كما يراه؛ وكان شيلر شاعر (الدرامة) وكان جيته شاعر الخيال والفروسية؛ ولكن كلا منهما كان جندياً عظيماً لبناء الآداب الرفيعة وتحطيم الآداب المبتذلة؛ وكان كلاهما قائد عظيم لحركة (العاصفة والدفع) التي كانت ظاهرة التفكير والآداب الألمانية في أواخر القرن الثامن عشر، والتي كانت ترمي إلى تحطيم القديم وتجديد كل شئ؛ وكان لهذه الصداقة الحميمة، وهذا التعاون الأدبي الوثيق بين الشاعرين الكبيرين أثره في نفس جيته وفي نظمه، يبدو ظاهراً في (أغانيه) وفي قصة (هرمان ودروتيا)، وغيرهما مما أخرج في هذا العهد.
وفي سنة 189 عين شيلر أستاذاً للتاريخ بجامعة بينا بمعاونة صديقه وأستاذه جيته، وفي العام التالي اقترن بالآنسة لنجلفد التي تعرف بها وبأسرتها قبل ذلك بأشهر قلائل؛ وبذلك استقرت حياته، وعاش في نوع من الصفاء والرغد؛ وانكب في هذه الفترة على دراسة التاريخ؛ وألف كتابه عن (حرب الثلاثين) وأصدر مجلة أدبية فلسفية بعنوان (الساعات) كانت نموذجاً بديعاً للتفكير الرفيع، وفيها كان يكتب أئمة العصر: جيته، وهردر، وكانت، وفخته، وماير، وانجل، وجاكوبي، وغيرهم؛ وكان لها أثر عظيم في سير الثقافة الألمانية والتفكير الألماني في ذلك العصر. وكان شيلر من أنصار الثورة الفرنسية التي كانت تضطرم في ذلك الحين، وظهر ذلك العطف في كثير من كتاباته وقصائده حتى أن (المؤتمر الوطني) الفرنسي منحه لقب (مواطن فرنسي). وفي تلك الفترة أيضاً أخرج شيلر درامته القوية (فالنشتاين) (1799)، واستمر في تدريس التاريخ في يينا حتى سنة 1800، ثم استقال من منصبه، وعاد فاستقر في فيمار إلى جانب جيته؛ وهنالك أخرج عدة قطع جديدة: ماريا ستوارت؛ وعذراء أورليان وعروس مسيني فكان لصدورها جميعاً دوي عظيم؛ وكانت جميعاً من أبدع ما كتب.

(71/14)

واستقر شيلر في فيمار نهائياً، ولم يغادرها إلا ليزور برلين زيارة قصيرة ليشرف هنالك على إخراج بعض قطعه. وكانت فيمار يومئذ كعبة الأدب الرفيع، يجتمع فيها حول إمامي الشعر، جيته وشيلر، صفوة من أقطاب الشعر والأدب؛ وكانت صداقة جيته وشيلر أبدع وأروع مظاهر هذا المجتمع الأدبي الباهر. وفي سنة 1804 كتب شيلر درامته (ولهلم تل) فكانت أعظم قصصه وأروعها. والمعروف أنه استقى موضوعها من صديقه جيته، وكان جيته قد زار سويسرا قبل ذلك بقليل ودرس هنالك تاريخ تل بطل سويسرا القومي، وزار الأمكنة التي تقول الأسطورة إنها كانت ميادين بطولته، لينتفع بذلك الدرس في قصة يعتزم كتابتها عن تل. ولكنه لما عاد إلى فيمار نبذ الفكرة، وأعطى مواد دراسته إلى شيلر لينتفع بها هو؛ فاستقى منها موضوع قصته (ولهلم تل) فجاءت أبدع ما كتب، وأثارت من جيته أيما إعجاب. بيد أنها كانت أيضاً آخر ما أخرج شيلر. ذلك أنه مرض في أوائل سنة 1805، ومرض أيضاً جيته في الوقت نفسه؛ واشتدت عليهما وطأة المرض، حتى صرح جيته بأنه يشعر بدنو أجله، وأن أحدهما لا بد ذاهب. ولكن الذي توفي هو شيلر. توفي في الثامن من شهر مايو، في الخامسة والأربعين فقط، فوقع موته في فيمار وقع الصاعقة، وارتدت ثوب الحداد مدى حين. وتلقى جيته نبأ الفاجعة وهو في فراش مرضه، فبعثت إلى نفسه أيما حزن، وسمع ليلاً وهي يبكي أحر بكاء. وكتب يومئذ إلى أحد أصدقائه مشيراً إلى فقد شيلر: (لقد فقدت نصف حياتي)، وغلب عليه الحزن حيناً فأضرب عن العمل والكتابة؛ والى ذلك يشير بقوله: (إن مذكراتي في هذه الفترة صحف بيضاء. والصحف البيضاء عنوان الفراغ في حياتي. ولم يك ثمة شئ يستهويني في تلك الأيام).
وهكذا مات شيلر في إبان مجده وذروة شاعريته، ولم ينعم بالحياة الناعمة المستقرة إلا ردحاً قليلاً؛ فكانت حياته كلها صفحة كفاح مستمر، بيد أنه خرج من هذا الكفاح ظافراً متسماً بميسم المجد والخلود. ولم يكن شيلر شاعراً مبدعاً فقط، ولكنه كان فيلسوفاً عظيماً، وفناناً كبيراً، ومؤرخاً بارعاً؛ وكان يؤمن بالثقافة كوسيلة لرفع الإنسانية إلى ذرى القوة والعظمة، ويرى أن الفن ليس ترفاً لذوي الفراغ والجدة. وليس لهواً يستمرئه الخامل، ولكنه قوة عظيمة ذات أغراض جدية وإن كانت وسائله شائقة سارة، وإن قرين الدين يعاون على تنظيم هذا العالم. وكان ذهناً ثائراً جريئاً جلداً يمجد بالحرية، ويمقت كل صنوف الاستعباد؛

(71/15)

وكان قلباً رقيقاً يفيض حساً وإنسانية؛ خبيراً بأسرار الطبائع والنزعات البشرية؛ وكان مؤرخاً بارعاً ينفذ إلى أسرار التاريخ، ويستوعبها بقوة ودقة. وهذه النزعة التاريخية الناقدة تبدو في كثير من قطعه المسرحية. ولو مد في حياة شيلر، كما مد في حياة صديقه جيته، لظفرت منه الآداب الألمانية بأضعاف ما ظفرت؛ وكان على الأرجح ينازع جيته إمارته في الشعر الألماني، بيد أنه مع ذلك يتبوأ إلى جانبه المقام الأول في عالم المجد والخلود.
محمد عبد الله عنان المحامي
صحف مطوية من التاريخ الإسلامي
العرب في غاليس وسويسره
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ عامين كشفت المباحث الأثرية في وادي اللوار بفرنسا على مقربة من مدينة تور، عن عظام بشرية، وسيوف ودروع قيل إنها عربية؛ ورأى فريق من الباحثين الأثريين أن هذه الآثار هي على الأرجح من مخلفات الموقعة العظيمة التي نشبت بين العرب والفرنج في سهول نهر اللوار منذ ألف ومائتي عام (732م)، وارتد فيها العرب أمام جيوش كارل مارتل زعيم الفرنج بعد أن قتل قائدهم عبد الرحمن الغافقي، وأن اكتشافها يلقي ضياء جديداً على حقيقة المكان الذي نشبت فيه الموقعة، والذي مازال مثار خلاف بين المؤرخين.
وتلك الموقعة الشهيرة هي التي تسميها الرواية الإسلامية بموقعة بلاط الشهداء أو موقعة البلاط، لكثرة من استشهد فيها من عظماء المسلمين وقادتهم، وتعرف في الرواية الفرنجية بموقعة تور أوبواتييه لأنها وقعت في السهول التي تمتدد بينهما؛ وتضع الرواية الإسلامية تاريخها في رمضان سنة 114 من الهجرة، متفقة بذلك مع الرواية النصرانية التي تضع تاريخها في أكتوبر سنة 732م. وقد كانت هاتيك السهول التي تمتد بين تور وبواتييه وتشرف على ضفاف اللوار هي أقصى ما بلغه العرب في فتوحاتهم في قلب فرنسا؛ وقد عبر العرب جبال البرنيه لأول مرة عقب افتتاحهم لأسبانيا، وغزوا سبتمانيا (أو لانجدوك) سنة 94هـ (713م) واستولوا على مدينة قرقشونة وثغر أربونة؛ ثم توالى عبورهم بعد ذلك لجبال البرنيه وتوالت غزواتهم في غالة أو غاليس (جنوب فرنسا)، في سبتمانيا وفي أكوتين، ثم في وادي الرون شمالاً حتى بورجونيه؛ وأنشأوا من فتوحاتهم في غاليس ولاية سميت بالثغر أو الرباط وعاصمتها أربونة؛ ولما ارتدوا أمام الفرنج في بلاط الشهداء، احتفظوا مدى حين بفتوحاتهم في غاليس؛ واستمر لظى الحرب يضطرم بينهم وبين الفرنج في تلك الأنحاء مدى ربع قرن، والفرنج يستردون مدنهم وأراضيهم تباعاً من أيدي الغزاة، حتى انتهوا أخيراً بالاستيلاء على أربونة آخر معقل إسلامي في غاليس سنة 759م.
وكان ذلك خاتمة الفتوحات الإسلامية المستقرة في فرنسا، ولكنه لم يكن خاتمة الغزوات الإسلامية أو خاتمة النفوذ الإسلامي في تلك الأنحاء. ذلك أن المسلمين عادوا فنفذوا إلى

(72/14)

الجنوب فرنسا، ثم إلى بييمون وسويسره، وغلبوا على كثير من المواقع والأراضي في تلك الأنحاء أحقاباً طويلة، ولكنهم كانوا في تلك المرحلة جماعات مستقلة مغامرة تعمل لحساب نفسها أكثر مما تعمل لحساب الحكومات التي تنتمي إليها، وكانوا مستعمرين أكثر منهم غزاة؛ وتلك صفحة من تاريخ النضال بين الشرق والغرب والإسلام والنصرانية قلما تعنى بذكرها الرواية الإسلامية، وإن كانت الرواية النصرانية تشير إلى الكثير من وقائعها وتفاصيلها. وسنعنى في هذا الفصل بسرد حوادث هذه الصفحة الغريبة المجهولة، وبما كان للاستعمار الإسلامي في تلك الأنحاء من الخواص والآثار. كانت أول غزوة إسلامية لفرنسا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس، في عصر أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن الأموي، ففي سنة 793م دعا هشام إلى الجهاد، وأرسل إلى فرنسا جيشاً بقيادة وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، فعبر البرنيه، وزحف على أربونة، فلما لم يستطع افتتاحها، ارتد إلى قرقشونه؛ وكان شارلمان (أو كارل الأكبر) ملك الفرنج يشتغل يومئذ بمحاربة خصومه على ضفاف الدانوب بعيداً عن فرنسا؛ فتأهب أمير أكوتين لرد العرب، وأوفد لمحاربتهم جيشاً بقيادة الكونت دي تولوز، فالتقى الفريقان في مكان يسمى (فيل دني) بين أربونة وقرقشونه، ونشبت بينهما موقعة غير حاسمة ارتد على أثرها العرب إلى الجنوب مثقلين بالغنائم. وتشير الرواية العربية إلى تلك الغزوة وتقول أن المسلمين استولوا خلالها على أربونه، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة لا تذكر شيئاً عن هذا الفتح.
وفي سنة 806م هاجمت شرذمة قوية من البحارة العرب جزيرة كورسيكا؛ فبعث ببين بن شارلمان ملك إيطاليا أسطولاً لقتالهم، ولكنهم هزموه وقتلوا قائده، وحصلوا كثيراً من الغنائم، ولم يمض عامان حتى عاد البحارة العرب إلى غزو شواطئ كورسكيا وسردانية. ثم توالت غزواتهم إليها بعد ذلك؛ وكانت شواطئ فرنسا الجنوبية عرضة أيضاً لمثل هذه الغزوات البحرية الناهبة، وكان قوام هذه الغزوات عصابات قوية مغامرة من مسلمي الأندلس وأفريقية تجوس خلال هذه المياه في سفن خاصة وتثخن في هذه الشواطئ، وتعود مثقلة بالغنائم؛ وكان البحارة المسلمون كالبحارة النورمانيين، رعب هذه الشواطئ، وكانت أخبار غزواتهم تدوي في جنوب فرنسا، وتعنى الروايات الفرنسية المعاصرة، ولاسيما الروايات الكنسية بتدوين أخبار هذه الغزوات، وتبالغ في تصوير عصفها ووقعها، وتقول

(72/15)

لنا إن البحارة العرب ذهبوا في جرأتهم إلى حد التجول في مياه الاطلنطيق ومهاجمة شواطئ فرنسا الغربية، وإن سفينة عربية كبيرة اجتازت في ذلك الحين مياه الاطلنطيق حتى مصب نهراللوار.
وفي سنة 838م خرج أسطول عربي من ثغر طراكونه (تراجونا) ومياه البليار، ورسى في مياه بروفانس، وهاجم ثغر مرسيليا وما حوله من المواقع والأراضي، وأثخن فيها، وحمل كثيراً من الغنائم والسبى. وكان على عرش فرنسا يومئذ لويس (لي ديبونير) بن شارلمان، وكان ملكاً عاجزاً ضعيفاً، فلما توفي في سنة 840م، اضطربت أحوال المملكة، وضعفت الثغور، فانتهز البحارة العرب تلك الفرصة، وغزوا بروفانس عند مصب نهر الرون، وهاجموا مدينة آرل، وخربوا معاهدها. ثم توالت غزواتهم بعد ذلك في تلك المياه، وهاجموا مراراً مرسيليا وآرل. وفي سنة 850، في عهد عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، عبر المسلمون جبال البرنيه مرة أخرى بقيادة موسى حاكم سرقسطة وغزوا سبتمانيا، وأثخنوا في نواحيها، واضطر شارل (الأصلع) ملك فرنسا أن يعقد الصلح معهم؛ ومن المرجح أن هذه الغزوة كانت ذات صفة رسمية، وأن حكومة قرطبة هي التي نظمتها أو أوحت بتنظيمها. وفي سنة869، هاجمت شراذم من البحارة العرب بروفانس مرة أخرى، واستولت على جزيرة كامارج الواقعة في مصب الرون، وأسرت أسقف آرل الذي كان يقيم فيها، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى.
- 2 -
ولقد أذكى نجاح هذه الغزوات المتوالية في نفوس المغامرين والمجاهدين من مسلمي الأندلس وأفريقية حب التوغل في هاتيك الأنحاء ورغبة استعمارها والاستقرار فيها. وكانت أحوال غاليس (جنوب فرنسا) قد اضطربت يومئذ، وغاب سيد من سادة تلك الأنحاء يدعى بوسون على ولايتي دوفينه وبروفانس وتلقب بملك آرل، وقام يناوئه بعض منافسيه، ونشبت بينه وبينهم حروب أهلية (نحو سنة 890). ففي تلك الآونة رست سفينة عربية صغيرة عليها عشرون بحاراً من المسلمين في خليج جريمو أو خليج سان تروبيه، ونزلوا إلى الشاطئ، ولجأوا إلى غابة كثيفة تظللها الجبال، ثم هاجموا بعض الضياع القريبة وفتكوا بسكانها. ولما رأوا منعة معقلهم سواء من جهة البر أم البحر، عولوا على الاستقرار

(72/16)

فيه، ودعوا إخوانهم من الثغور الإسلامية القريبة إلى القدوم؛ وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومتي الأندلس وأفريقية؛ فوفد عليهم كثير من المغامرين البواسل، ولم تمض أعوام قلائل حتى استقروا في ذلك المكان وأنشأوا له سلسلة من المعاقل والحصون أمنعها وأشهرها حصن تطلق عليه الرواية الفرنجية المعاصرة اسم (فراكسنتم) والمظنون أنه هو المكان الذي تقوم عليه اليوم قرية (جارد فرينيه) - الواقعة في سفح جبال الألب، وما زالت ثمة آثار تدل على قيام معاقل قديمة في ذلك المكان. ولما كثر جمعهم واشتد ساعدهم، أخذوا في الإغارة على الأنحاء المجاورة، وأصبحوا قوة يخشى بأسها؛ وسعى إليهم بعض الأمراء والسادة المتنافسين يستظهرون بهم بعضهم على بعض، فلبوا الدعوة، وانتزعوا من بعض السادة أراضيهم، وأعلنوا أنفسهم سادة في الأنحاء المغلوبة؛ وبثوا الذعر والروع في جنوب بروفانس حتى وصفهم كاتب معاصر (بأن واحداً منهم يهزم ألفاً واثنين يهزمان ألفين).
وكانت هذه أول خطوة في استعمار العرب لجنوب فرنسا. وفي خاتمة القرن التاسع اتخذ المستعمرون خطوة أخرى. فتقدموا نحو جبال الألب غرباً وشمالاً. وكانت مملكة آرل قد ضعفت واضمحلت، وخلف بوسون ولده لويس، ولكنه ذهب إلى إيطاليا ليحارب إلى جانب حلفائه، فهزم هنالك وأسر، وتركت مملكته بلا دفاع؛ وساد الانحلال والفوضى في غاليس كلها. فانتهز المسلمون تلك الفرصة، واخترقوا مفاوز دوفينه، وعبروا (مون سنى) أهم ممرات الألب الفرنسية، واستولوا على دير نوفاليس الشهير الواقع في وادي (سيس) على حدود بييمون، وفر الأحبار في مختلف الأنحاء (سنة 906م) وأغار المسلمون على القرى والضياع المجاورة ونهبوها وفتكوا بأهلها، وأسر بعضهم وأخذوا إلى (تورينو) (بإيطاليا) وسجنوا في ديرها، ولكنهم استطاعوا أن يحطموا أغلالهم، وأضرموا النار في الدير وفي المدينة، وفروا عائدين إلى زملائهم؛ واشتد بأس العرب في تلك الأنحاء، واحتلوا معظم ممرات الألب، فسيطروا بذلك على طرق المواصلة بين فرنسا وإيطاليا؛ ثم انحدروا من آكام الألب إلى سهول بييمون، وأغاروا على بعض مناطقها.
وفي سنة 908 نزلت سرية قوية من البحارة العرب في شاطئ بروفانس على مقربة من (إيج مورت) ونهبت دير بسالمودي. وكانت الأديار والكنائس يومئذ مطمح أنظار الغزاة لما

(72/17)

كانت تغص به من الذخائر والأموال. وانتشر العرب بعد ذلك في جميع الأنحاء المجاورة، واجتاحوا كل ما في طريقهم من البسائط؛ وهاجموا مرسيليا وهدموا كنيستها، وغزوا ايكس، وسبوا النساء وتزوجوا بهن ليكثر نسلهم ويقووا به، وانضم إليهم كثير من النصارى المغامرين من أهل هذه الأنحاء؛ وهجر السادة والأغنياء حصونهم وقصورهم والتجئوا إلى الداخل خشية القتل أو الأسر، وأغلق العرب طريق الألب إلى إيطاليا. وكان يمر بها كل عام ألوف من الحاج الذين يقصدون إلى رومة، واقتضوا منهم الضرائب الفادحة ليسمحوا لهم بالمرور.
- 3 -
ثم أتخذ العرب خطوة جديدة في سبيل التقدم إلى أواسط أوربا، فدفعوا غزواتهم إلى بيمون ومونفراتوا. وتقول لنا الرواية الكنسية المعاصرة إنهم وصلوا في أوائل القرن العاشر إلى حدود ليجوريا على شواطئ خليج جنوه؛ ويروي ليوتبراند وهو كاتب معاصر أن العرب غزوا سنة 906 مدينة (آكي) من أعمال مونفراتو الشهيرة بحماماتها (وهي على مقربة من تورينو)، ثم غزوها ثانية سنة 935 بقيادة زعيم يدعى (ساجيتوس) ولكنهم هزموا ومزقوا؛ وفي هذا الوقت أيضاً، نزلت شرذمة قوية من البحارة الأفريقيين بساحل جنوه، وقتلت عدداً كبيراً من أهلها، وأسرت جموعاً كثيرة من النساء والأطفال. وفي سنة 939 غزا العرب منطقة (فاليه) في جنوب سويسرا، ونهبوا دير (أجون) الشهير، وغزوا في الوقت نفسه منطقة (تارانتيز) من أعمال سافوا الوسطى، ثم اتخذوا منطقة (فاليه) قاعدة للأغارة على الأراضي المجاورة في سويسرا وإيطاليا ونفذوا منها إلى أواسط سويسرا ثم إلى (جريزون) في شرق سويسرا، ونهبوا دير ديزنتي أشهر وأغنى الأديار السويسرية، ونهبوا طائفة أخرى من الأديار والكنائس الغنية. وفي بعض الروايات أيضاً أن العرب وصلوا في غزواتهم إلى بحيرة جنيف، وجازوا إلى مفاوز جورا الواقعة في شمالها. وكانت سويسره يومئذ من أقاليم مملكة بورجونيه، وملكتها يومئذ (الملكة برت) الوصية على ولدها الطفل كونراد، فارتدت حين اقتراب العرب إلى حصن ناء في جهة نيوشاتل.
وفي سنة 940 غزا العرب فريجوس، وكانت يومئذ من أكبر وأمنع ثغور فرنسا الجنوبية؛ وغزوا أيضاً ثغر الطولون، ففر السكان إلى الجبال، وعاث العرب في تلك الأنحاء،

(72/18)

وخربوا المدن والحصون، وأحرقوا الأديار والكنائس.
ولما اشتدت وطأة العرب في جنوب فرنسا وبلغ السخط من غزواتهم وعيثهم ذروته، اعتزم سادة الجنوب وعلى رأسهم هوج ملك بروفانس أن يبذلوا كل ما في وسعهم لسحق ذلك العدة المزعج؛ ورأى هوج أن يبدأبافتتاح حصن فراكسنيه (فراكسنتم) الذي يمنع به العرب ويتخذونه قاعدة تأمين مواصلاتهم مع أسبانيا وأفريقية، وقاعدة للإغارة على الداخل، وكتب إلى صهره إمبراطور قسطنطينية يطلب منها أسطولاً من قاذفات النار اليونانية حتى يستطيع مهاجمة العرب من البر والبحر معاً. فلبي نداءه، وفي سنة 943 رسا أسطول بيزنطي في مياه نروبيه، وزحف هوج في نفس الوقت بجيشه على فراكسنيه؛ وهوجم العرب من البر والبحر بمنتهى الشدة وأحرقت سفنهم؛ ونفذ هوج إلى الحصن بعد قتال رائع، وفر العرب إلى الآكام والربى، وكاد يسحق سلطانهم في تلك الأنحاء. ولكن حدث عندئذ أن علم هوج أن خصمه ومنافسه بيرانجيه قد عاد إلى إيطاليا لينازعه في انتزاع عرشها، فصرف هوج الأسطول، واضطر أن يعقد الصلح مع العرب بشرط أن يبقوا في رؤوس الألب وممراته وأن يغلقوا الطريق إلى إيطاليا في وجه خصمه؛ وبذلك استعاد العرب قلاعهم وسيادتهم في جنوب بروفانس.
واحتل العرب آكام الألب وممراتها، وفرضوا الضرائب الفادحة على المسافرين، واستطاعوا بسيطرتهم على ممر سان برنار الكبير الموصل بين سويسره وإيطاليا وغيره من الممرات والمعاقل الجبلية، أن يجتاحوا الأنحاء المجاورة، وأن يبثوا فيها الذعر والروع واستقرت منهم جموع كبيرة في السهول والضباع القريبة من معاقلهم، وتزوجوا النساء الأسيرات، وزرعوا الأرض، واكتفى أمراء هذه النواحي بأن يحصلوا منهم بعض الضرائب.
ونفذ العرب أيضاً إلى منطقة نيس أجدى ولايات مملكة آرل
الجنوبية، واجتحاوا شاطئ ليجوريا كله (جنوه)؛ بل يظهر أن
سرية منهم استقرت في نيس ذاتها، وما زال في نيس إلى
اليوم حي يعرف بحي العرب وأخيراً نفذ العرب إلى قلب

(72/19)

ولاية دوفينه وغزوا مدينة جرينوبل واحتلوها مدى حين،
واحتلوا واديها الخصيب، (جريزيفودان) الذي يجري فيه نهر
الازير فرع الرون، وفر أسقف جرينوبل وزملاؤه إلى الشمال
حاملين لرفات قديسهم. للبحث بقية
محمد عبد الله عنان المحامي

(72/20)