Difference between revisions 287632 and 288630 on arwikisource{{عنوان الملعب}} <!-- مرحبا! خذ راحتك في تجربة مهارتك في التنسيق والتحرير أسفل هذا السطر. هذه الصفحة لتجارب التعديل ، سيتم تفريغ هذه الصفحة كل 12 ساعة. -->عنان عنان حلقات في الأدب في الفسطاط للأستاذ محمد عبد الله عنان كانت مدينة الفسطاط منذ القرن الثاني للهجرة مركزاًللتفكير والآداب , يحج إليها كثير من أعلام المشرق. وكانت مصر قد بدأت تتبوأ مكانتها الفكرية والأدبية بين الأمم الإسلامية، منذ استقرت شئونها السياسية في عهد الدولة العباسية. ولم تكن مصر منذ افتتحها الإسلام أكثر من ولاية تابعة للخلافة. ولكنها كانت بين ولايات الخلافة أشدها احتفاظاً بشخصيتها وألوانها القومية؛ وكانت منذ البداية تأخذ نصيبها في بناء صرح التفكير الإسلامي؛ ولكنها كانت تشق طريقها الخاص. وكانت منذ الفتح مركزاً هاماً للسنة والرواية، يحتشد فيها جماعة كبيرة من الصحابة الذين اشتركوا في الفتح والتابعين الذين عاصروهم. وفي القرن الأول أيضا وضعت بذور الحركة الأدبية فنمت وأزهرت بسرعة , حتى أنه يمكن القول أن مصر كانت منذ القرن الثالث قد كونت أدبها الخاص. ولم يأت القرن الرابع حتى كان هذا الأدب يتميز بخواصه المصريةالقوية مما عداه من تراث التفكير العربي في المشرق والأندلس. وكانت الفسطاط عاصمة الإسلام في مصر منذ قيامها عقب الفتح سنة 21هـ (641م) حتى منتصف القرن الرابع. وقد قامت بجوارها مدينتا العسكر والقطائع دهراً. ولكن العسكر كانت مركزاً للإمارة والإدارة فقط، وكانت القطائع وهي مدينة بنى طولون مدينة بلاط فقط، أما الفسطاط فكانت قلب الإسلام النابض في مصر، ومهد التفكير والآداب في تلك العصور وحتى بعد أن قامت القاهرة المعزية سنة 358هـ (969م) لم تفقد الفسطاط أهميتها الفكرية والأدبية، بل لبثت بعد ذلك عصوراً تشتهر بحلقاتها ولياليها الأدبية. وكانت هذه الحلقات والليالي الأدبية من محاسن الفسطاط، يشيد بأهميتها وجمالها أدباء المشرق والمغرب الوافدين على مصر. وكانت في الواقع نوعا من الأبهاء الأدبية فيها الأدباء والشعراء، للقراءة والسمر والجدل والمساجلة , وكانت مهاد اللقاء والتعارف بين الأدباء المحليين والنزلاء الوافدين من عواصم الإسلام الأخرى. وقد بدأت هذه الحلقات الأدبية في الفسطاط منذ القرن الأول. ولكنها كانت في بدايتها فقهية (1/29) دينية , وكانت لها أهميتها في تمحيص السنة والرواية. وكانت تجمع بين جماعة من أقطاب الفقهاء والحفاظ والمحدثين الذين يعتبرون في الطبقة الأولى بين فقهاء الإسلام ورواة السُنة، مثل يزيد بن حبيب، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ثم الشافعي وأصحابه. ثم اتخذت هذه الحلقات طابعاً أدبياً، فكان يمزج فيها بين الكلام والأدب، وكان معظم فقهاء هذا العصر أدباء أيضا ًيأخذون من الأدب بحظ وافر، ولبعضهم في الشعر والنثر براعة خاصة. ونستطيع أن نذكر من هؤلاء الأمام محمد بن إدريس الشافعي قُطبْ الشريعة وحُجة التشريع، فقد كان أيضاً أديباً مبرزاً له في الشعر والنثر محاسن وروائع وكذلك آل عبد الحكم الذين نذكرهم بعد؛ وأبو بكر الحداد قاضي مصر؛ والحسن بن زولاق المؤرخ فقد كان هؤلاء جميعاً من كبار الفقهاء والأدباء وكان الفقه والحديث والأدب تمتزج معاً في مجالسهم وأسمارهم. . ولعل أبهى حقبة في هذه الحلقات الشهيرة في تاريخ الفسطاط مستهل القرن الثالث الهجري ففي ذلك الحين كان الإمام الشافعي نزيل الفسطاط وكان مدى الأعوام التي قضاها بمصر منذ قدومه إليها في أواخر سنة 198هـ (813م) حتى وفاته في رجب سنة 204هـ (819م) قطب الحركة الفكرية فيها وكعبة الصفوة من فقهائها وأدبائها يجذبهم إليه غزير علمه ورفيع أدبه، وبارع خلاله. وكانت حلقات الفسطاط الأدبية شهيرة قبل مقدمه لكنه اسبغ عليها بهاءً وسحراً وروعة. وكان أبو تمام الطائي الشاعر الأكبر إذا صحت الرواية عن مقدمه إلى مصر صبياً واشتغاله بسقي الماء في المسجد الجامع يغشى هذه المجالس الأدبية في حداثته وفيه تفتحت مواهبه الأدبية والشعرية. والظاهر انه كان طبقاً لهذه الرواية يقيم في الفسطاط في خاتمة القرن الثاني أو فاتحة القرن الثالث أعني في نحو الوقت الذي كان فيه الشافعي نزيلها. وكان أشهر هذه الحلقات أو الأبهاء حلقة بني عبد الحكم , وهم أسرة مصرية نابهة كثيرة المال والوجاهة؛ أنجبت عدة من كبار الفقهاء منهم عميد الأسرة عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو من أقطاب الفقه المالكي وأولاده محمد وسعد إبنا عبد الحكم وكلاهما فقيه ومحدث كبير وعبد الرحمن بن عبد الحكم أقدم مؤرخ لمصر الإسلامية. وقد كان بنو عبد الحكم منذ القرن الثاني أعلام الفقه والتفكير والأدب في مدينة الفسطاط وكانت دارهم كعبة العلماء والأدباء ومنتدى للدراسات والأسمار الأدبية الرفيعة، وكانت حلقاتهم العلمية والأدبية تجذب أكابر (1/30) العلماء الوافدين على مصر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فلما قدم الإمام الشافعي إلى مصر كان بنو عبد الحكم أول من استقبله وأكرم وفادته؛ وأمدته الأسرة النابهة بالمال ونظمت له سبل الإقامة والدرس؛ وكانت أول من انتفع بعلمه وأدبه. وبث مقدم الشافعي في آداب الفسطاط روحاً جديدة واشتهرت مجالسه وحلقاته الفقهية والأدبية. وكانت حقبة علمية أدبية زاهرة (198 - 204هـ) وكانت حلقات المسجد الجامع أو جامع عمرو منذ إنشائه سنة 21هـ (641م) قلب الفسطاط الفكري وكانت تعقد فيه مجالس القضاء الأعلى كما كانت تعقد مجالس الفقه والأدب الخاصة. وصحن المسجد الجامع شهير في تاريخ الفسطاط الأدبي وقد كان مدى قرون ندوة فكرية أدبية جامعة وكانت بين جدرانه توجه حركة التفكير والآداب في مصر الإسلامية. ويبدو مما كتبه مؤرخو الفسطاط في هذا العصر أن هذه الحلقات دورية وكانت منظمة برغم صفتها الخاصة. أنها كانت تعقد كل يوم تقريباً في المسجد الجامع. ولكن الظاهر أن أهمها ما كان يعقد يوم الجمعة؛ وأن مجالس الجمعة كانت تعتبر كموسم أسبوعي يغص المسجد فيه بجمهرة الفقهاء والأدباء والقراء والنظارة. وفيها كانت البحوث الكلامية، والمناظرات الأدبية، والمطارحات الشعرية والرواية التاريخية تنظم في حلقات فرعية أو متعاقبة. وكانت هذه الحلقات الأدبية الشهيرة تتأثر بتطور السياسة والأهواء السياسية والدينية، إذ كانت موئل التفكير والدعوة إلى مختلف المذاهب الفقهية والأدبية. ففي سنة 226هـ مثلاً أمر محمد أبن أبي الليث قاضي قضاة مصر تنفيذا لرغبة الخليفة الواثق بالله، بالقبض على جميع الفقهاء والمحدثين والأدباء باسم الامتحان في مسألة خلق القرآن وهي المعروفة بالمحنة فملئت السجون بالمنكرين لخلقه من العلماء والأدباء، وأغلِقَ المسجد الجامع في وجه المالكية والشافعية، وفضت حلقاتهم العلمية والأدبية، ومنعوا من زيارة المسجد، ومن بث آرائهم ونظرياتهم وأخذ بنو الحكم فوق أخذهم بالمحنة بتهمة أخرى، وهي تبديد أموال طائلة ائتمنوا عليها من علي بن عبد العزيز الجروي، وهو زعيم خارج تغلب حيناً على بعض نواحي مصر ثم أخمدت ثورته، وأتهم بالخيانة، وقضي بمصادرة أمواله، فأتهم بإخفائها بنو عبد الحكم، وقبض عليهم وعذبوا واستصفيت أموالهم أداء لما قضي به وتوفي بعضهم في السجن (سنة 237هـ) ثم أفرج عنهم بعد ذلك، ولكن هذه المحنة ذهبت بوجاهة (1/31) الأسرة النابهة وجاهها وهيبتها فأضمحل نفوذ هذه الأسرة وتضاءلت أهمية هذه الحلقات الأدبية الباهرة التي اشتهرت بتنظيمها وعقدها زهاء نصف قرن. وفي نفس العام أمر الحارث بن مسكين قاضي القضاة بمطاردة الفقهاء الحنفية والشافعية وإخراجهم من المسجد الجامع وقطع أرزاقهم وحظر اجتماعاتهم. وهكذا شتت شمل المجتمع الفكري في الفسطاط حينا وانزوت حلقاتها الأدبية الزاهرة حتى منتصف القرن الثالث ولكنها عادت فانتظمت وازدهرت واستعاد المسجد هدوءه وسكينته وردت حرية الاجتماع والدرس. وجاءت الدولة الطولونية (254 - 292هـ) (868 - 905م) فازدهرت في ظلها الآداب والفنون وكان أحمد بن طولون أميراً مستنيراً يحب العلوم والآداب ويرعاها بتعضيده وحمايته، ويجل مجالس العلم وحلقات الأدب. وكانت الفسطاط ومسجدها الجامع أيضاً مثوى الحلقات والمجالس العلمية والأدبية في هذا العصر؛ لأن مدينة القطائع التي شيدها إبن طولون لم تكن كما قدمنا سوى مدينة بلاط وبطانة. ونبغ في هذه الحقبة القصيرة عدد كبير من الأدباء والشعراء وبكت دولة الشعر دولة بني طولون عند ذهابها أيما بكاء فقال شاعرها سعيد القاص من قصيدة طويلة رائعة: - طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها ... بفقد بني طولون والأنجم الزهر وفقد بني طولون في كل موطن ... أمر على الإسلام فقداً من القطر تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا ... كما أرفض سلك من جمان ومن شذر فمن يبك شيئاً ضاع من بعد أهله ... لفقدهم فليبك حزناً على مصر لبيك بني طولون إذ بان عصرهم ... فبورك من دهر وبورك من عصر وفي أوائل القرن الرابع كانت الفسطاط تضم جماعة كبيرة من أقطاب المفكرين والأدباء وكانت أبهاؤها ومجالسها الأدبية حافلة زاهرة. ففي تلك الفترة اجتمع من زعماء التفكير والأدب أبو القاسم بن قديد وتلميذه أبو عمر الكندي مؤرخ الولاة والقضاة، وأبو جعفر النحاس المصري الكاتب والشاعر، وأبو بكر الحداد قاضي مصر، وأبو القاسم طباطبا الحسيني الشاعر، وأبو بكر بن محمد بن موسى الملقب بسيبويه مصر، والحسن بن زولاق المؤرخ الأشهر وكثيرون غيرهم؛ فكان لاجتماع هذه الصفوة العلمية والأدبية البارزة في هذه الفترة أثر كبير في ازدهار الحركة الفكرية بمصر في أوائل القرن الرابع. (1/32) فكانت حلقات الأدب في أوج نشاطها وكان المسجد الجامع يومئذ جامعة حقة يموج بهذه الاجتماعات العلمية والأدبية الشهيرة. وكانت دولة التفكير والأدب في بغداد قد أخذت في الضعف والاضمحلال وأخذت مصر تتأهب للقيام بدورها في رعاية التفكير الإسلامي في المشرق وكان بنو الإخشيد، محمد بن طغج وولداه انوجور وعلي ثم وزيرهم الخصي النابه كافور، مدى دولتهم التي استمرت زهاء ثلث قرن (324 - 358هـ) (935 - 969م) حماة للعلوم والآداب. وقد انتهى إلينا من آثار الحسن بن زولاق المؤرخ، أثر هام يلقي ضياء على تاريخ الحركة الأدبية المصرية في هذا العصر وهو كتاب (أخبار سيبويه المصري) وهو أبو بكر بن موسى الذي سبقت الإشارة إليه وقد كان صديقاً لابن زولاق وزميلا له في الدرس على ابن الحداد. وكانت له أخبار ومُلح ونوادر أدبية طريفة عُني ابن زولاق يجمعِها في هذا الكتاب. وفي دار الكتب نسخة خطية وحيدة من هذا الأثر لا ريب إنها من اقدم المخطوطات العربية التي وصلت إلينا بل لقد انتهينا في تحقيق شأنها إلى أنها اقدم مخطوط أدبي مصري وصل إلينا وأنها من آثار عصر الفسطاط ذاته وبخط ابن زولاق نفسه. وفي اثر ابن زولاق هذا إشارات كثيرة إلى حلقات الفسطاط الأدبية في عصره في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. ويبدو من سياق كلامه أن المسجد كان مثوى لأهم هذه الحلقات وأشهرها وأنها كانت كما قدمنا دورية منتظمة تعقد على الأغلب في عصر يوم الجمعة وتجتمع بين الفقهاء والأدباء وينعقد فيها الجدل الكلامي والحوار الأدبي والشهري. والظاهر أيضاً أن هذا الجدل والحوار كان ينتهي أحياناً إلى بعض ما ينتهي إليه في عصرنا من مرارة واتهام وتراشق وأن بعض المفكرين الأحرار كانوا ينقمون من عصرهم ما ننقم من عصرنا أحياناً من اعتداء على حرية الرأي والبحث وأن بعضهم كان يرمى بتهم المروق والإلحاد إذا أطلق لنفسه حرية البحث والرأي على نحو ما يشير إليه سيبويه المصري في قوله من قصيدة أوردها ابن زولاق: أما سبيل اطراح العلم فهو على ... ذي اللب أعظم من ضرب على الرأس فأن سلكت سبيل العلم تطلبه ... بالبحث أبت بتفكير من الناس (1/33) وإن طلبت بلا بحث ولا نظر ... لم تضح منه على إيقانٍ إيناس وأنبذ مقالة من ينهاك عن نظر ... نبذ الطبيب بذل القرحة الآسي وهذه ظاهرة فكرية خطيرة يسجلها الشاعر المصري على عصره أعني أوائل القرن الرابع (حول سنة 320 - 340هـ) وهي تدل على أن الجدل العلمي والأدبي كان يرتفع يومئذ الى مرتبة الأيمان والعقيدة وينحدر أحيانا أخرى إلى درك التراشق والمهاترة. كذلك هنالك في قول الشاعر ما يدل على أن بعض المفكرين والأدباء كانوا يؤثرون الصمت على الجهر بآرائهم خيفة الاتهام والوقيعة. وقد كانت حلقات المسجد الجامع بلا ريب أهم الحلقات الأدبية العامة ولكن هناك في أقوال ابن زولاق ما يدل على أنها كانت تعقد أيضاً في المساجد الأخرى. فمثلا كان الشاعر الأكبر أبو الطيب المتنبي الذي وفد على مصر سنة 346هـ (957م) ليستظل بحماية الأخشيد يجلس في مجلس يعرف بمسجد ابن عمروس وهناك يجتمع إليه الأدباء والشعراء؛ وكانت حلقة المتنبي بلا ريب من أهم مجالس الشعر والأدب والفلسفة في هذا العصر. وأما عن الحلقات والأبهاء الخاصة فيشير ابن زولاق إلى المجالس العلمية والأدبية التي كان يعقدها محمد بن طغج (الإخشيد) وولده انوجور ثم مجالس الوزيرين ابن الفضل جعفر بن الفرات والحسين بن محمد المارداني. والظاهر أن هذه المجالس والحلقات الأدبية كانت يومئذ من تقاليد الحياة الرفيعة وكانت نوعا من الترف الذي يأخذ به الأمراء والعظماء والأسر الكبيرة فان لهم جميعاً على نحو ما بينا في سير الأبهاء الأدبية في تلك العصور أكبر نصيب وذكر، ويرجع إليهم في أقامتها ورعايتها أكبر الفضل. في الأدب العَرَبيّ حلقات الأدب في الفسطاط للأستاذ محمد عبد الله عنان (2) لبثت الفسطاط عاصمة الإسلام في مصر منذ قيامها سنة 21 هـ (641م) حتى سنة 358هـ (969م). وفي ذلك العام كان الفتح الفاطمي، وكان قيام القاهرة المعزية التي وضعت خططها الأولى في شعبان سنة 358، ونشأت القاهرة بادئ بدء مدينة ملكية فقط لتكون قاعدة للدولة الجديدة ومنزلا للخلافة الفاطمية، ونشأ جامعها الأزهر الذي أسس بعد قيامها بأشهر قلائل (جمادى الأولى سنة 359هـ) مسجدا للإمامة الجديدة فقط. ومضى زهاء نصف قرن قبل أن تبدو العاصمة الجديدة في شيء مما تميزت به بعد ذلك بين الأمصار الإسلامية من عظمة وروعة وبهاء، وقبل أن يبدأ الجامع الأزهر تاريخه الأدبي الباهر. ولكن ظلت الفسطاط بعد ذلك عصورا تحتفظ بمكانتها الأدبية، ولبثت حلقاتها ولياليها الأدبية شهيرة بين أدباء المشرق والمغرب. وبدأ الجامع الأزهر ينافس المسجد الجامع في حلقاته ومجالسه الأدبية منذ عهد الخليفة العزيز بالله، إذ استأذن وزيره الشهير يعقوب بن كلس سنة 378 هـ أن ينظم بالأزهر على نفقته بعض مجالس القراءة والفقه. وفي خاتمة القرن الرابع، في عهد الحاكم بأمر الله، أنشئت دار الحكمة بالقاهرة ونظمت مجالسها، فكانت مثوى للمجالس العلمية الكلامية والفلسفية. ولسنا نتحدث عن القاهرة ومكانتها العلمية والأدبية بين الأمصار الإسلامية في العصور الوسطى، ولا عن أزهرها الذي غدا فيما بعد أعظم جامعة إسلامية، كذلك لسنا نتحدث عن دار الحكمة ومجالسها الشهيرة التي كانت تتخذها الخلافة الفاطمية أداة لتحقيق دعوات دينية فلسفية غامضة، فذلك ليس موضوعنا. وإنما نتتبع تاريخ الفسطاط الأدبي، بعد قيام القاهرة، منافستها العظيمة الفتية. فقدت الفسطاط أهميتها السياسية والرسمية، ولكنها احتفظت عصورا أخرى بأهميتها الاجتماعية والأدبية وفي فترات كثيرة كانت تتفوق على القاهرة بطابعها الأدبي. وهذا ما يشيد به أدباء المشرق والأندلس الوافدين على مصر في عصور مختلفة. ومن هؤلاء أمية (2/32) بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الذي وفد على مصر في أوائل القرن السادس الهجري في عهد الأفضل شاهنشاه. ودرس الحركة الفكرية والأدبية في مصر يومئذ كتب عنها رسالة لم يصلنا سوى شذور قليلة منها. وفي هذه الشذور يتحدث أبن أبي الصلت عن بعض أدباء مصر وعلمائها، ومجالسهم واجتماعاتهم بما يدل على أن الفسطاط كانت ما تزال مركزا هاما للحركة العلمية والأدبية. ووفد ابن سعيد الأندلسي إلى مصر بعد ذلك بنحو قرن، نحو سنة 637هـ (1240م)، ولبث بها أعواماً طويلة يدرس شئونها وأحوالها، فإذا بالفسطاط ما تزال تحتفظ بأهميتها الأدبية، وإذا بها ما تزال مثوى للأدباء ومركزاً لأبهاء الأدب، وإذا لياليها الأدبية ما تزال شهيرة. ويفرد أبن سعيد في كتابه (المغرب في حلى المغرب) فصلا كبيراً للفسطاط عنوانه: (كتاب الاغتباط في حلى الفسطاط) يتحدث فيه عن المدينة، وزياراته لها واجتماعاته بأدبائها، ولا سيما شاعرها الكبير جمال الدين أبي الحسن الجزار، أشهر شعراء مصر في هذا العصر، وما لقيه من كرم وفادته وشهده من رائع أدبه، وقد كان الشاعر الكبير يومئذ، على ما يظهر شاباً في عنفوان شاعريته لأنه توفي بعد ذلك بنحو أربعين سنة في (679هـ1282م) وهو صاحب الأرجوزة التاريخية الشهيرة المسماة (بالعقود الدرية في الأمراء المصرية) وفيها يستعرض ذكر أمراء مصر وملوكها منذ عمرو بن العاص إلى الملك الظاهر بيبرس، وكانت الفسطاط قد عادت يومئذ فاستعادت كثيراً من بهائها السالف، وأهميتها الاجتماعية القديمة بسبب قيام المدينة الملكية الجديدة التي أنشأها الملك الصالح في جزيرة الروضة المقابلة للفسطاط (638هـ) واتخاذها قاعدة للسلطنة، وانتقال البلاط والحاشية إليها، وسكن كثير من الأمراء والكبراء بالفسطاط في الضفة المقابلة لنهر النيل، وهو ما يشير إليه أبن سعيد في قوله، (وقد نفخ روع الاعتناء والنمو في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصالحية (جزيرة الروضة)، وكثير من الجند قد أنتقل إليها للقرب من الخدمة، وبني على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر). ويشير ابن سعيد في كتابه السالف الذكر إلى ليالي الفسطاط واجتماعاتها الشائعة في الليالي القمرية وأشهرها ما كان يعقد في القرافة مما يلي المقطم في قبة الإمام الشافعي التي كانت قد أنشئت على قبره. وكان المسجد الجامع قد عفت أهميته شيئاً فشيئاً مذ قام منافسه القوي، (2/33) الجامع الأزهر وغيره من المساجد والمدارس الجامعة بمدينة القاهرة، ولكننا نراه ما يزال حتى القرن السابع مثوى للأدب واجتماعاته، وبرغم عفائه وقدمه ونسيان أمره، كانت تعقد في عرصاته حلقات للقراءة والدرس، وهو ما يشير إليه ابن سعيد أيضاً خلال وصفه للمسجد الجامع في منتصف القرن السابع، بيد أن هذه الحلقات لم تكن من الأهمية والرونق والانتظام مثلما كانت عليه في القرون الأولى يوم كان المسجد الجامع مجتمع الأمراء وأقطاب التفكير والأدب. وكانت يومئذ أقرب إلى الصبغة المدرسية. ومع ذلك فقد بقي للمسجد الجامع حتى ذلك العصر كثير من ذكرياته الأدبية المجيدة. وهي كعبة الأدباء والشعراء. يجتمعون فيه كلما سنحت فرص الاجتماع لعقد الأسمار والمطارحات الأدبية. وإليك نموذجاً لهذه الاجتماعات الشهيرة أورده ابن فضل العمري في موسوعته الكبيرة (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في حديثه عن المسجد الجامع. (حكي على بن ظافر الازدي. قال: روى لي أن الأعز أبا الفتوح ابن قلاقس وابن المنجم اجتمعا في منار الجامع في ليلة فطر ظهر بها الهلال للعيون. وبرز في صفحة بحر النيل كالنون. ومعهما جماعة من غواة الأدب الذين ينسلون إليه من كل حدب. فحين رأوا الشمس فوق الليل غاربة. وإلى مستقرها جارية ذاهبة. وقد شمرت للمغرب الذيل. واصفرت خوفاً من هجمة الليل. والهلال في حمرة الشفق. كحاجب الشائب أو زورق الورق. فاقترحوا عليهما أن يصنعا في ذلك الوقت الزيه. على البديه. فصنع ابن قلاقس: انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق غابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق وللهلال، فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق؟ وصنع ابن المنجم: يا رب سامية في الجو فمت بها ... أمد طرفي في أرض من الأفق حيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق شمس نهارية للغرب زاهية ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق وللهلال إنعطافة كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقى في دم الشفق (وحكي على بن ظافر أيضاً، قال: أخبرني ابن المنجم الصواف بما معناه: قال، صعدت (2/34) إلى سطح الجامع بمصر في آخر رمضان مع جماعة فصادفت به الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم وشجاعا المغربي في جماعة من الأدباء. فانضمت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فكان ما صنعه نشو الملك: وعشى كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار قلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار اقرض الشرق صنوه الغرب دين ... ارا فأعطى الرهين نصف سوار وكان الذي صنعه ابن قلاقس: لا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا إنما الشرق اقرض الغرب دي ... نارا فأعطاه رهنه خلخالا ونحن نعرف أن الشاعر المصري الإسكندري الأشهر ابن قلاقس كان من شعراء النصف الأخير من القرن السادس الهجري (532 - 607 هـ) وكذلك ابن المنجم من شعراء هذا العصر. وإذن فقد كان المسجد الجامع، حتى أوائل القرن السابع منتدى لأكابر الأدباء والشعراء، وكانت الفسطاط لا تزال شهيرة بلياليها وحلقاتها الأدبية، حتى بعد ذلك بنحو نصف قرن على نحو ما يشير إليه ابن سعيد الأندلسي. ومنذ أواخر القرن السابع الهجري نرى الفسطاط تفقد أهميتها الاجتماعية والأدبية شيئاً فشيئاً ونرى المسجد الجامع وقد غمره النسيان والعفاء. وقلما نظفر في سير القرن الثامن بما ينبئ عن مكانة الفسطاط أو أهميتها الاجتماعية أو الأدبية. بل نرى الفسطاط في هذا العصر تنتهي إلى ضاحية متواضعة لمدينة القاهرة. ونرى القاهرة تغمر بعظمتها وبهائها وأهميتها العلمية والأدبية عاصمة الإسلام الأولى في مصر. ونراها مثوى كل حركة فكرية أو أدبية. ونرى الجامع الأزهر كعبة العلماء والأدباء لا في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي كله، على أن مؤرخ الآداب في مصر الإسلامية لا يسعه - حين يعالج تاريخ الآداب في عصور الإسلام الأولى - إلا أن يلاحظ أهمية الدور الكبير الذي أدته الفسطاط وحلقاتها ولياليها الأدبية، وأداه مسجدها الجامع في تطور الحركة الفكرية والأدبية في مصر. في الأدب العربي ابن خلدون في مصر للأستاذ محمد عبد الله عنان - 1 - ترددت خلال العام الماضي دعوة لأحياء ذكرى المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون لمناسبة انقضاء ستمائة عام على مولده، فاستجابت دوائر التفكير والأدب في جميع البلاد العربية لهذه الدعوة الكريمة، وأقيمت عدة حفلات علمية للإشادة بذكره وخالد آثاره، ولا سيما في تونس مسقط رأسه ومطلع مجده، وفي مصر مقام شيخوخته ومثوى رفاته؛ وحفلت المجلات والصحف حينا بمختلف البحوث عنه. ولكن ناحية من حياة المفكر الكبير لم تلق كبير عناية، تلك هي حقبة مقامه بمصر، وصلته بها، وأثره فيها؛ وهذا ما نريد أن نعنى به في هذا الفصل تحية لذكرى المؤلف والفيلسوف الاجتماعي الأشهر. غادر ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون تونس في منتصف شعبان سنة 784 هـ (أكتوبر سنة 1382م)، فوصل ثغر الإسكندرية في يوم عيد الفطر بعد رحلة بحرية شاقة، ويقول ابن خلدون في (تعريفه) عن نفسه، أنه قدم إلى مصر لينتظم منها في ركب الحاج، وأنه لبث بالإسكندرية شهرا يهيئ العدة لذلك، ولكن لم يتح له يومئذ أن يحقق هذه الغاية، فقصد إلى القاهرة، وكان قضاء الفريضة حجته الظاهرة في مغادرة تونس، واستئذان سلطانها أبي العباس في السفر إلى المشرق. ولكن ما يقصه ابن خلدون من الحوادث قبل ذلك يدل على أن مغادرته لتونس كانت فرارا؛ وكانت خشية من بطش سلطانها، وغدر بلاطها. وكان ابن خلدون قد أنفق نحو ربع قرن في خوض غمار السياسة ودسائس القصور، وتقلب في خدمة معظم سلاطين المغرب والأندلس، وذاق نعم الرياسة ومحن النقمة مرارا، وعانى مرارة السجن والأسر وخطر الهلاك غير مرة. ولم تهدأ نفسه المضطرمة بشغف المغامرة والنضال والدس الا في كهولته، يوم أعيته الحيل، وغلبته الأرزاء والمحن، وفقد عطف معظم القصور التي تقلب فيها، وأضحى يتبرم بقضاء تلك المهام السلطانية التي كان يتخذ قضاءها وسيلة للنفوذ والرياسة. عندئذ عافت نفسه غمر السياسة ودسائس القصر، فارتد في أواخر سنة 776هـ، إلى قلعة نائية منعزلة بناحية أولاد عريف بالمغرب الأوسط؛ (5/25) وهنالك أنقطع للبحث والتأليف مدى أربعة أعوام، وأخذ في كتابة تاريخه الضخم، وأنجز منه مقدمته الشهيرة وعدة مجلدات أخرى. ثم رأى أن يقصد إلى تونس ليستكمل مراجعه في مكاتبها، وكانت بينه وبين سلطانها وحشة؛ فاستأمنه وحصل على رضائه؛ وغادر مقامه النائي إلى تونس فوصل إليها في شعبان سنة 780. وهنالك اشتغل بإتمام مؤلفه بتكليف السلطان ورعايته حتى أتمه ورفعه إلى السلطان، ومدحه يومئذ بقصيدة طويلة أوردها في (تعريفه). وكان ذلك لنحو عامين من مقدمه إلى تونس (782 - 1380م). وهنا ألقى ابن خلدون نفسه في معترك جديد من الدسائس، وقصده رجال البطانة بالكيد والسعاية لدى السلطان، وأغروه أكثر من مرة باستصحابه إلى غزواته ومهامه الخطرة، فخشى ابن خلدون عاقبة السعاية، ولم يجد في تونس ما كان ينشده من هدوء وسكينة، فانتهز فرصة وجود السلطان في تونس، ووجود سفينة مصرية في مرساها تقصد الإسكندرية، فألح على السلطان في الإذن له بالسفر لقضاء الحج، وركب البحر بمفرده تاركا أسرته في تونس، فوصل الإسكندرية كما قدمنا في يوم عيد الفطر سنة 784. كان مقدم ابن خلدون إلى مصر إذا، نوعا من الفرار وخيفة البطش والمحنة، ولم يكن قضاء الفريضة قصده المباشر، بل كانت حجته الظاهرة. وكان يرجو بلا ريب أن يقضي بقية أيامه بمصر في هدوء ودعة، وأن ينعم بذلك الاستقرار الذي لم تهيئه له بالمغرب حياة النضال والمغامرة. وكان يومئذ في الثانية والخمسين من عمره، ولكنه كان وافر النشاط والقوة، يتطلع دائما إلى مراتب النفوذ والعزة؛ وكانت القاهرة يومئذ موئل التفكير الإسلامي في المشرق والمغرب، ولبلاطها شهرة واسعة في حماية العلوم والآداب، فكان يرجو أن ينال قسطه من هذه العناية والحماية. ووصل ابن خلدون إلى القاهرة في أول ذي القعدة سنة 84 - نوفمبر سنة 1382؛ فبهرته ضخامتها وعظمتها وبهاؤها كما بهرت سلفه ومواطنه الرحالة ابن بطوطة قبل ذلك بنصف قرن وكما بهرت على كر العصور كل من رآها من أعلام المشرق والمغرب. ولا غرو فان المؤرخ لم ير بالمغرب سوى تلك المدن الصخرية المتواضعة، ولم ير بالأندلس حيث قضا ردحا من الزمن، مدينة في عظمة القاهرة وروعتها. وهو يهتف للقاهرة اثر مقدمه ويحييها بحماسة تنم عن عميق إعجابه وسحره وتأثره، ويصفها في تلك الفقرة الرنانة: (فرأيت حاضرة الدنيا، وبستان العالم، (5/26) ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك؛ تلوح القصور والأواوين في جوه. وتزهو الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه؛ قد مثل بشاطئ النيل نهر، ومدفع مياه السماء، يسقيه العلل والنهل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثجة؛ ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. . .) ولم يكن ابن خلدون نكرة في مصر. فقد كان المجتمع القاهري يعرف الكثير عن شخصه وسيرته؛ وكانت نسخ من مؤلفه الضخم ولا سيما مقدمته الشهيرة قد ذاعت قبل ذلك بقليل في مصر وغيرها من بلدان المشرق، وأعجبت دوائر العلم والتفكير والأدب بطرافة مقدمته وجدتها وروعة مباحثها. فلم يكد يحل بالقاهرة حتى أقبل عليه العلماء والطلاب من كل صوب. يقول ابن خلدون في كبرياء وتواضع معا: (وأنثال عليّ طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا) وهذا ما تشير إليه التراجم المصرية؛ فيقول أبو المحاسن بن تغري بردي في ترجمته لابن خلدون: (واستوطن القاهرة وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة، واشتغل وأفاد) ويقول السخاوي: (وتلقاه أهلها (أي أهل مصر) وأكرموه وأكثروا ملازمته والتردد عليه، بل تصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة. . .). جلس ابن خلدون للتدريس بالأزهر، والظاهر أنه كان يدرس الحديث والفقه المالكي، ويشرح نظرياته في العمران والعصبية وأسس الملك ونشأة الدول؛ وغيرها مما عرض إليه في مقدمته. وكانت هذه الدروس خير إعلان عن غزير علمه، وشائق بحثه، وساخر بيانه. وكان ابن خلدون محدثا، بارعا رائع المحاضرة، يخلب لباب سامعيه بمنطقه وذلاقته. وهذا ما يحدثنا به جماعة من أعلام التفكير والأدب المصريين الذي سمعوه أو درسوا عليه؛ ومنهم المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي الذي سمعه ودرس عليه فتى وكذا الحافظ ابن حجر؛ فقد درس عليه وأنتفع بعلمه ووصفه بقوله: (وكان لسنا فصيحا، حسن الترسل وسط النظم؛ مع معرفة تامة بالأمور خصوصا متعلقات المملكة) ونقل السخاوي عن الجمال البشيشي أنه (كان فصيحا مفوها جميل الصورة) وعن الركراكي (أن محاضرته إليها المنتهى). وهكذا استطاع ابن خلدون لأول مقدمه أن يخلب الباب المجتمع القاهري، وأن يستثير (5/27) إعجابه وتقديره؛ ولكن صفاء الأفق من حوله لم يدم طويلا كما سنرى، وفي أثناء ذلك اتصل ابن خلدون بأمير من أمراء البلاط يدعى علاء الدين الطنبغا الجواني، فشمله برعايته، وساعده على التقرب من السلطان والاتصال به. وكان السلطان يومئذ الظاهر برقوق؛ وقد ولى الملك قبيل مقدم ابن خلدون بأيام قلائل (أواخر رمضان سنة 784)، فأكرم وفادة المؤرخ واهتم بأمره؛ يقول ابن خلدون: (فأبر مقامي. وانس الغربة ووفر الجراية من صدقاته، شأنه مع أهل العلم) وبذا تحققت أمنية المؤرخ من الاستقرار والمقام الهادئ في ظل أمير يحميه ويكفل رزقه، ولم يمض قليل على ذلك حتى خلا منصب للتدريس بالمدرسة (القمحية) بجوار جامع عمرو وهي من مدارس المالكية فعينه السلطان فيه. ويعني ابن خلدون في تعريفه، بوصف مجلسه الأول في هذا المعهد؛ فقد شهده جمع من الأكابر أرسلهم السلطان لشهوده؛ والتفوا حول المؤرخ. وألقى ابن خلدون في ذلك الحفل خطاباً بليغاً، يحرص على إيراده بنصه. وقد تكلم فيه بعد الديباجة عن فضل العلماء في شد أزر الدولة الإسلامية. وعن تغلب الدول. ثم أشاد بما لدى السلاطين المصرية من فضل في نصرة الإسلام، وإعزازه، ومن همم في إنشاء المساجد والمدارس، ورعاية العلم والعلماء والقضاة، ثم دعا للملك الظاهر، وأشاد بعزمه وعدله وعقله؛ وعطف بعدئذ على نفسه، وما أوليه من شرف المنصب في تلك العبارة الشعرية: (ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحة المشرق، وشجرة الملك التي اعتز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون يسقط علينا من غصنه المورق. . أولوني عناية وتشريفاً، وغمروني إحساناً ومعروفاً، وأوسعوا همتي إيضاحاً ونكرتي تعريفاً، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف. . . إلخ) خلدون في مصر للأستاذ محمد عبد الله عنان (2) وانه لمنظر شائق ذلك الذي يقدمه إلينا ابن خلدون عن مجلسه في ذلك اليوم ومن حوله العلماء والأكابر يشهدون الدرس الأول لذلك المفكر المبدع. وهو يحرص على تدوينه كما يحرص على تدوين الأثر الذي يعتقد أنه أحدثه إذ يقول: (وانفض ذلك المجلس وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار). وفي ذلك ما يدل على ما كان يشعر به ابن خلدون من كبرياء وثقة من أنه كان شخصية ممتازة تجب أحاطتها بمظاهر خاصة من التكريم والرعاية. ثم كانت الخطوة الثانية في ظفره بمناصب الدولة، وتعيينه قاضيا ًلقضاة المالكية في أواخر جمادى الآخرة سنة 786 (أغسطس 1384م) مكان القاضي المعزول جمال الدين بن خير السكندري. وكان ارتفاعه إلى هذا المنصب الذي هو رابع أربعة تعتبر من أهم مناصب الدولة إيذانا بوثوب العاصفة من حوله، واضطرام تلك الخصومات التي كدرت صفو مقامه، وادالت نفوذه، واقتلعته من المنصب غير مرة. يقول ابن خلدون في سخرية: (وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية. فعزله واستدعاني للولاية في مجلسه وبين أمرائه. فتفاديت من ذلك، وأبى الا مضاءه). وقد عرف ابن خلدون هذه (النزعات الملوكية)، وعرف أنها تبطن من الشر والنقم في معظم الأحيان أكثر مما تسبغ من العطف والنعم. ولكنه يريد أن نفهم أن ارتفاعه إلى منصب القضاء لم يكن نزعة ملوكية فقط. وإنما أختاره السلطان كما يقول (تأهيلا لمكانه وتنويهاً بذكره). ونستطيع أن نقدر أن ولاية ابن خلدون لخطة القضاء لم تكن حادثاً عادياً، فقد كان أجنبياً. وكان تقدمه في حظوة السلطان، وفي نيل الناصب سريعاً. وكانت مناصب التدريس والقضاء دائما ًمطمح جمهرة الفقهاء والعلماء المحليين؛ ولم يكن مما يحسن وقعه لديهم أن يفوز بها الأجانب الوافدون دونهم. وإذا فقد تولى العلامة المغربي منصبه في جو يشوبه كدر الخصومة والحسد. وجلس بمجلس الحكم في المدرسة الصالحية بحي بين القصرين، فلم يمض سوى قليل حتى ظهرت من حوله بوادر الحقد والسّعاية (6/34) ويقول لنا أبن خلدون في سبب هذه العاصفة التي ثارت حول توليه القضاء، كلاما طويلا عما كان يسود القضاء المصري يومئذ من فساد وأضطراب، وما يطبع الأحكام من غرض وهوى، وعما كان عليه معظم القضاة والمفتين والكتاب والشهود من جهل وفساد في الذمة؛ وأنه حاول إقامة العدل الصارم المنزه عن كل شائبة، وقمع الفساد بحزم وشدة، وسحق كل سعاية. وغرض: (فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق وتحري العدالة. . . . لا تأخذني في الله لومة. ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة، مسويا بين الخصمين، آخذ الحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبت في سماع البينات، والنظرة في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات؛ فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب متلبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم فيتجاوزون عما يظهر عليهم من هناتِهم. لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة، فأن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن وأئمة للصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة فيضنون بهم الخير، ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم؛ ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجب العقاب، ومؤلم النكال. . .) ثم يعدد نواحي الفساد التي شهدها، وجدّ في إصلاحها وقمعها، وكيف مضى في سبيله (من الصرامة وقوة الشكيمة) وكيف احتقر شفاعات الأعيان والأكابر خلافاً لما اصطلح عليه زملاؤه القضاة من قبولها، حتى ثار عليه السخط من كل ناحية، وسلقته جميع الألسن وكثرت في حقه السعاية لدى البلاط. وهذا التعليل الذي يقدمه لنا أبن خلدون عن سبب الحفيظة عليه، واضطرام الخصومة حوله، معقول يحمل طابع الصراحة والصدق. بل هذا ما تسلم به التراجم المصرية المعاصرة والقريبة من عصره. فيقول أبو المحاسن مثلاً مشيراً إلى ولايته للقضاء: (فباشره بحرمة وافرة، وعظمة زايدة، وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة، وشفاعات الأعيان، فأخذوا في التكلم في أمره. . .) ويقول ابن حجر والسخاوي: (فتنكر (أي ابن خلدون) للناس بحيث لم يقم لأحد من القضاة لما دخلوا للسلام عليه، مع اعتذاره لمن عيبه عليه في الجملة، وفتك في كثير من أعيان الموقعين والشهود، وصار يعزر بالصفع، وشبهة (6/35) الزج، فإذا غضب على إنسان، قال زجوه فيصفع حتى تحمر رقبته) وفيما ينقل السخاوي قصد إلى التعريض والانتقاص، وسنرى أنه شديد الوطأة على أبن خلدون يشتد في نقده وتجريحه؛ ولكن في قوله ما يؤيد أن ابن خلدون كان يصدر في قضائه عن نزاهة وحزم وصرامة؛ بل هو يشهد لابن خلدون بذلك صراحة، حينما يقول عنه في موضع آخر: (ولم يشتهر عنه في منصبه الا الصيانة. .). انقضت العاصفة على ابن خلدون إذا لأشهر قلائل من ولايته وكثر السعي في حقه والإغراء به حتى (أظلم الجو بينه وبين أهل الدولة) على حد تعبيره، وفقد حظوته وما كان يتمتع به من عطف ومؤازرة. وأصابته في ذلك الحين نكبة أخرى هي هلاك زوجه وولده وماله. وكان منذ مقدمه ينتظر لحاق أسرته به؛ ولكن سلطان تونس حجزها عن السفر ليرغمه بذلك على العودة إلى تونس فتوسل إلى السلطان الظاهر أن يشفع لديه في تخلية سبيل أسرته به، ففعل، وأطلق سراح الأسرة وركبت البحر إلى مصر. ويروي لنا ابن خلدون نبأ الفاجعة في قوله: (ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد. وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح، فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود؛ فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب) ولم يمض سوى قليل حتى أقيل المؤرخ من منصب القضاء، أو بعبارة اخرى، حتى عزل. بيد أنه يريد أن نفهم أن هذا العزل جاء محققاً لرغبته إذ يقول: (وشملتني نعمة السلطان أيده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت فيما زعموا مصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول وأنشطني من عقالها؛ فانطلقت حميد الأثرة مشيعاً من الكافة بالأسف والدعاء وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة، وتتناجى الآمال في العودة) والخلاصة أن ابن خلدون يؤكد لنا إن عزله كان نتيجة التحامل والحقد والسعاية فقط، وأنه أثار استياءً وأسفاً في المجتمع القاهري، وأنه غادر منصبه موفور الكرامة والهيبة. بيد أننا سنرى، حسبما يشير في قوله المتقدم، أنه كان يرمى بجهل الأحكام والإجراءات وأنه لم يكن بذلك أهلا لتولي القضاء، وانه كان مشغوفاً بالمنصب، أشد ما يكون حرصاً عليه. وكان عزل ابن خلدون عن منصب القضاء لأول مرة في السابع من جمادى الأولى سنة 787 هـ (يوليه 1385م)، أعفي لنحو عام فقط من ولايته، فأنقطع إلى الدرس والتأليف (6/36) كرة أخرى. على أن هذا العزل لم يكن إيذاناً بسخط السلطان ونقمته؛ فقد لبث ابن خلدون في منصب التدريس بالقمحية؛ ولم يمض سوى قليل حتى عينه السلطان أيضاً لتدريس الفقه المالكي بمدرسته الجديدة التي أنشأها في حي بين القصرين (المدرسة الظاهرية البرقوقية). واحتفل ابن خلدون كعادته بالدرس الأول، وألقى خطابا بليغا يدعو فيه للسلطان، ويعتذر عن قصوره في تواضع ظريف. وشغل بالدرس في المعهدين حتى كان موسم الحج عام تسعة وثمانين، فأعتزم عندئذ أداء الفريضة، وأذن له السلطان وغمره بعطائه، وغادر القاهرة في منتصف شعبان؛ وقصد إلى الحجاز بطريق البحر؛ ثم عاد بعد أداء الفريضة، بطريق البحر أيضاً حتى القصير؛ ثم أخترق الصعيد بطريق النيل، فوصل القاهرة في جمادى الأولى سنة تسعين (790 هـ)؛ وقصد السلطان تواً واخبره بأنه دعا له في الأماكن المقدسة، فتلقاه بالعطف والرعاية. ثم خلا كرسي الحديث بمدرسة صرغتمش فولاه السلطان إياه بدلا من تدريس الفقه بالمدرسة السلطانية؛ وجلس للتدريس فيها في المحرم سنة إحدى وتسعين، وألقى خطاب الافتتاح كعادته في حفل فخم، وأعلن أنه قد قرر للقراءة في هذا الدرس كتاب الموطأ للإمام مالك؛ ويعرفنا ابن خلدون بموضوع درسه الأول في ذلك اليوم، فقد تكلم فيه عن مالك ونشأته وحياته وكيفية ذيوع مذهبه، ثم يقول لنا في كبريائه المعهود: (وأنقض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، وأستشرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجا في ذلك الخاصة والجمهور). ابن خلدون في مصر للأستاذ محمد عبد الله عنان - 3 - ثم عين المؤرخ في وظيفة أخرى هي مشيخة (نظارة) خانقاه بيبرس، وهي يومئذ أعظم الخوانق أو ملاجئ الصوفية؛ فزادت جرايته، واتسعت موارده. ولكن أمد سكينته لم يطل، فقد نشبت فتنة خطيرة أودت بعرش الظاهر برقوق بطلها ومدبرها الأمير يلبغا الناصري نائب حلب؛ وكانت نظم البلاط القاهري وظروفه وما يضطرم به من الدسائس والخيانات مما يسمح بتكرار هذه الفتن؛ وكان يلبغا الناصري نائب السلطنة من قبل، وزعيم عصبة قوية من الأمراء والفرسان؛ وكان الظاهر برقوق من جملة أمرائه وتابعيه؛ ولكنه استطاع في فتنة سابقة (رمضان سنة 784) أن يظفر بالعرش دونه، وأن يجرده من سلطته ونفوذه، وأن يقصيه إلى الشام. ثم سنحت فرصة الخروج ليلبغا، فسار إلى القاهرة في أتباعه وتحول أنصار برقوق عنه، ففر من القلعة، ودخل يلبغا الناصري القاهرة، وأعاد الصالح حاجي السلطان المخلوع إلى العرش، وقبض على برقوق وأرسله سجينا إلى الكرك (جمادى الأولى سنة 791). ولكن ثورة أخرى نشبت بقيادة أمير آخر يدعى منطاش، فقبض على الناصري، وسار إلى دمشق لمحاربة برقوق الذي استطاع أن يفر من سجنه؛ فهزمه برقوق وعاد إلى القاهرة ظافراً منصوراً، واسترد عرشه في صفر سنة 92، لبضعة أشهر فقط من عزله. ويخصص ابن خلدون في (تعريفه) فصلاً لهذه الحوادث، ويمهد له بشرح فلسفي اجتماعي يتحدث فيه عن نهوض الدولة بقوة العصبية واتساع ملكها، ثم طغيان الحضارة والرفاهة عليها، وخروج الأقوياء منها عليها، وبثهم فيها روحاً جديداً من القوة، وتكرر هذه الظاهرة، ثم يطبق نظريته على دول المماليك المصرية منذ صلاح الدين، ويقص تاريخها باختصار. وهنا يبدو ابن خلدون كما يبدو في مقدمته، ذلك الفيلسوف الاجتماعي الذي يعنى بتعليل الظواهر والكائنات، واستقرائها في حوادث التاريخ. والظاهر أن ابن خلدون قد عانى من جراء هذه الفتنة، ففقد مناصبه وأرزاقه كلها أو بعضها بسقوط الحزب الذي يتمتع بعطفه ورعايته. فلما عاد الظاهر برقوق إلى العرش ردت إليه. يدل على ذلك قوله في التعليق على عود الظاهر: (ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح (7/32) عباده، وطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما أجراه من نعمته). ولبث ابن خلدون على ذلك أعواما ينقطع للبحث والدرس، وهو يقف بالتعريف بنفسه عند هذه المرحلة، حتى مستهل سنة سبع وتسعين (797) في الترجمة المتداولة الملحقة بتاريخه. ولكنه يمضي في هذا التعريف مراحل أخرى، في النسخة المخطوطة التي أتينا على ذكرها؛ ويفصل حوادث حياته حتى مختتم سنة 807، أعني قبل وفاته ببضعة أشهر. والنسخة المخطوطة أكثر تفصيلا وإسهاباً حتى فيما تتفق فيه مع النسخة المتداولة من مراحل الترجمة؛ ولهذا آثرنا الرجوع إليها إلى جانب النسخة المتداولة في كل ما هو أوفى وأتم مما تقدم ذكره من المراحل. غير أن النسخة المخطوطة ستكون منذ الآن وحدها مرجعنا فيما سيأتي من تفاصيل حياة المؤرخ حتى وفاته. ليس في حياة ابن خلدون في هذه الفترة ما يستحق الذكر سوى سعيه إلى عقد الصلات بين البلاط القاهري وسلاطين المغرب ويجمل ابن خلدون ذكر هذه الصلات الملوكية، ويصف المراسلة والمهاداة بين صلاح الدين وبني عبد المؤمن ملوك المغرب؛ وبين الناصر قلاوون وملوك بني مرين؛ ويصف الهدايا المصرية والمغربية؛ ثم يعطف على مساعيه في عقد الصلة بين الملك الظاهر وسلطان تونس؛ وملخصها أنه كتب إلى سلطان تونس بحثه على إهداء ملك مصر، فأرسل إليه هدية من الجياد النادرة، ولكنها غرقت مع السفينة التي كانت تحمل أسرة المؤرخ كما قدمنا. ورد الملك الظاهر بإهداء سلطان تونس؛ ثم بعث سنة تسع وتسعين إلى المغرب ليشتري عدداً من الجياد، فزود ابن خلدون الرسل بالإرشاد والتوصية. ولكنهم عادوا بهدية فخمة كان سلطان تونس قد أعدها وتأخر إرسالها؛ وعدة هدايا أخرى قدمها أمراء المغرب، ومنها خيل مسومة، وعدد وسروج ذهبية. ويصف لنا ابن خلدون يوم تقديم الهدايا وعرضها ثم يقول لنا إنه شعر يومئذ بالفخر وحسن الذكر بما (تناول بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الثابتة على الأبد). لبث ابن خلدون بعيداً عن منصب القضاء زهاء أربعة عشر عاما، يحول بينه وبين توليه، على قوله، ذلك الجناح من البلاط الذي شغب في حقه، وأغرى السلطان بعزله؛ فلما ضعف ذلك الحزب وانقرض رجاله، انتهز السلطان أول فرصة لرده إلى منصبه وكان ذلك في منتصف رمضان سنة إحدى وثمانمائة (مايو سنة 1398م) على أثر وفاة ناصر الدين (7/33) التنسي قاضي المالكية. وكان ابن خلدون عندئذ بالفيوم يعنى بضم قمح ضيعته التي يستحقها من أوقاف المدرسة (القمحية) فاستدعاه السلطان وولاه القضاء للمرة الثانية. ثم توفي السلطان بعدئذ بقليل؛ في منتصف شوال؛ فخلفه ولده الناصر فرج، وسرى الاضطراب إلى شئون الدولة، واضطرمت الفتن والثورات المحلية حينا. فلما استقرت الأمور نوعاً، استأذن المؤرخ في السفر إلى بيت المقدس، فأذن له؛ وجال ابن خلدون في المدينة المقدسة، يتفقد آثارها الخالدة؛ وشهد المسجد الأقصى، وقبر الخليل، وآثار بيت لحم، ولكنه أبى الدخول إلى كنيسة القيامة (قبر المسيح). يقول لنا (وبناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه) ثم عاد من رحلته ووافى ركاب السلطان أثر عوده من الشام في ظاهر مصر، ودخل معه القاهرة في أواخر رمضان سنة 802. وفي المحرم سنة ثلاث عزل ابن خلدون من منصب القضاء للمرة الثانية. وسترى أن هذا العزل كان نتيجة لسعي منظم من خصوم المؤرخ، وأن تكراره كان مظهراً بارزاً لذلك النضال الذي كان يضطرم بينه وبين خصومه داخل البلاد وخارجه. ولم يمض قليل على ذلك حتى جاءت الأنباء بأن تيمورلنك قد انقض بجيوشه على الشام واستولى على مدينة حلب في مناظر هائلة من السفك والتخريب (ربيع الأول سنة 803هـ - 1400م) ثم اخترق الشام جنوبا إلى دمشق. فروعت مصر لهذه الأنباء، واضطرب البلاط أيما اضطراب، وهرع الناصر فرج بجيوشه لملاقاة الفاتح التتري ورده، واصطحب معه القضاة الأربعة وجماعة من الفقهاء والصوفية ومنهم ابن خلدون. ولا ريب أن المؤرخ لم ترقه هذه المفاجأة التي ذكرته بما عاناه بالمغرب من تلك المهام السلطانية الخطرة؛ بل هو يقول لنا صراحة أنه حاول الاعتراض والتملص، لولا أن غمره يشبك حاجب السلطان (بلين القول، وجزيل الأنعام). ويفرد المؤرخ فصلا لحوادث تلك الحملة، ويمهد له بتعريف عن نشأة التتار والسلاجقة. وكان سفر الحملة في ربيع الثاني سنة 803، فوصلت إلى دمشق في جمادى الأولى، ونزل ابن خلدون مع جمهرة الفقهاء والعلماء في المدرسة العادلية، واشتبك جند مصر تواً مع جند الفاتح في معارك محلية ثبت فيها المصريون؛ وبدأت مفاوضات الصلح بين الفريقين. ولكن مؤامرة دبرها نفر من بطانة السلطان لخلعه (7/34) اضطرته للعودة سريعاً إلى مصر؛ فترك مصر لمصيرها، وأرتد مسرعاً إلى القاهرة فوصلها في جمادى الآخرة. وعلى أثر ذلك وقع خلاف بين القادة والرؤساء حول تسليم المدينة. وهنا تغلب المؤلف نزعة المغامرة كما تغلبه الأثرة. فقد خشي أن تقع المدينة في يد الفاتح، فيكون نصيبه الموت أو النكال؛ ورأى أن يعتصم بالجرأة، وأن يغادر جماعة المترددين إلى معسكر الفاتح، فيستأمنه على نفسه ومصيره. ويحدثنا المؤرخ عن ذلك بصراحة، فيقول على ما شجر بين القادة من خلاف (وبلغني الخبر، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج، أو التدلي من السور لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر). وانتهى المؤرخ بإقناع زملائه فأدلوه من السور، وألفى عند الباب جماعة من بطانة تيمورلنك وأبنه شاه ملك الذي عينه لولاية دمشق عند تسليمها فأنظم إليهم، والتمس مقابلة تيمور؛ فساروا به إلى المعسكر أدخل في الحال إلى خيمة الفاتح. ويصف لنا ابن خلدون ذلك اللقاء الشهير في قوله: (ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئاً على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه تشريها إلى عصب المغل، جلوساً أمام خيمته حلقاً حلقا. فلما دخلت عليه، فانحنيت بالسلام وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إليّ فقبلها؛ وأشار بالجلوس فجلست حيث إنتهت، ثم استدعا من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم فأقعده يترجم بيننا). المنهل الصافي لأبي المحاسن بن تغرى بردى للأستاذ عبد الله عنان من آثارنا التاريخية النفيسة كتاب (المنهل الصافي، والمستوفي بعد الوافي)، تأليف أبي المحاسن بن تغرى بردى المؤرخ المصري الكبير المتوفي سنة 874هـ (1469م) وهو معجم ضخم للتراجم يقع في ثلاثة مجلدات كبيرة، وتوجد منه نسختان خطيتان بدار الكتب المصرية. وفيه يترجم المؤلف أعلام الإسلام منذ أوائل الدولة التركية ويبدأ بالمعز أيبك التركماني زوج شجرة الدر وملك مصر (648 - 55هـ) أعني منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي إلى منتصف القرن الخامس عشر، ويفيض بوجه خاص في سير أعلام مصر والشام من ملوك وساسة وجند وعلماء وأد باء، ويترجم أيضاً بعض ملوك النصرانية وأمرائها في هذه العصور، مرتباً ذلك كله على حروف المعجم. وقد جعل أبو المحاسن مؤلفه تكملة أو ذيلاً لمعجم الصفدي الشهير (الوافي). ولهذا الأثر قيمة تاريخية خاصة، لأن مؤلفه وهو من أمراء البلاط القاهري في القرن التاسع الهجري لم يتأثر في وضعه بمؤثرات أو أهواء خاصة، ولا سيما فيما يتعلق بترجمة معاصريه، حسبما يشير إليه هو في مقدمته، إذ يقول إنه وضع كتابه (غير مستدعى إلى ذلك من أحد من أعيان الزمان، ولا مطالب به من الأصدقاء والأخوان ولا لتأليفه وترصيعه من أمير ولا سلطان). والمعنى الذي يقصده المؤلف بهذه الإشارة ظاهر؛ فقد كانت معظم التراجم في عصره توضع بوحي معين أو تحقيقاً لشهوات لخصومات السياسية والأدبية، التي جعلت من كتاب القرن التاسع ومؤرخيه أحزاباً أدبية متنافرة متخاصمة. ولكن أبا المحاسن يقدم لقارئه سيَّر معاصريه والقريبين من عصره في صور أكثر استقلالاً وحرية في التقدير والحكم. هذا الأثر المصري النفيس ما زال مخطوطاً لم ينشر، كمعظم آثارنا الأدبية. ولكن المستشرق المعروف الأستاذ (فييت) مدير دار الآثار العربية، أخرج لنا منذ عهدقريب بالفرنسية مجلداً ضخماً عن محتويات (المنهل الصافي) وسماه بنفس الأسم، ونشر ضمن مجموعة المجمع العلمي المصري، وكان ضمن مجلدات ثلاثة من وضعه قدمها أخيراً إلى جلالة الملك. والواقع أن كتاب مسيو فييت هذا لا يمثل كتاب (المنهل الصافي) لا في كثير (3/97) ولا قليل من محتوياته. فهو على رغم كونه يقع في 480 صفحة كبيرة، ليس أكثر من فهرس الكتاب الأصلي، يمهد له مسيو فييت بمقدمة صغيرة يصف فيها الكتاب ومحتوياته، ويحصي عدد التراجم التي يتضمنها (وعددها 2822ترجمة) حسب صفات أصحابها من أمراء وقادة وساسة وتجار وأدباء وعلماء. . ألخ، ثم يكتفي في كل ترجمة بذكر أسم صاحبها وتاريخ مولده ووفاته ورقم الورقة التي يشغلها من المخطوط الأصلي؛ ويذكر المراجع الأخرى التي تشير إلى هذه الترجمة، وأخصها كتاب النجوم الزاهرة لنفس المؤلف (أبي المحاسن) وخطط المقريزي، وإبن حجر، والسخاوي. . ألخ، ثم يذيل ذلك بفهرس أبجدي عام. وهذا مجهود له قيمته من الوجهة العلمية بلا ريب. ولكنا نلاحظ أن الفائدة التي تترتب عليه بالنسبة لكتاب المنهل الصافي ليست كبيرة، فهو كما قدمنا فهرس أو دليل فقط للبحث في الكتاب الأصلي. والتراجم التي يتضمنها الكتاب الأصلي مرتبة على حروف المعجم، ولم يكن عسيراً على الباحثين أن يستخرجوها منه. وليس مما يقدم البحث كثيراً أن يرشدنا مسيو فييت إلى أرقام المجلدات والصحائف، وأن يحيلنا في التراجم إلى مراجع يعرفها كل مشتغل بالتاريخ المصري. وكان خيراً لو أن مسيو فييت بذل هذا المجهود في نشر الكتاب نفسه أو جزء منه، لأن هذا الفهرس الضخم يقع في نحو الخمسمائة صفحة، أعني نحو نصف المخطوط الأصلي، وقد أنفق في إخراجه ما يكفي لإخراج مجلد ضخم على الأقل من المخطوط الأصلي. على أننا نرجو أن تتقدم لنشر هذا الأثر المصري النفيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، إلى جانب كتاب (السلوك في دول الملوك) الذي تشتغل الآن بطبعه فتسدي بذلك إلى التاريخ المصري وإلى البحث فيه خدمة جليلة. الأدَب العَرَبي ابن خلدون والتفكير المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان - 4 - قضى ابن خلدون في مصر ثلاثة وعشرين عاما (784 - 808 هـ) ولكنها كانت بين مراحل حياته أقلها حوادث وأقلها إنتاجا. فأما عن الحوادث فان الحياة السياسية العاصفة التي عاشها ابن خلدون بالمغرب، والتي جاز خلالها معتركا شاسعا من المغامرات والدسائس الخطرة، وعانى كثيراً من الخطوب والمحن، كما نعم مراراً بمراتب النفوذ والسلطان، والتي هي في الواقع صفحة قوية شائقة في تاريخ المغرب في أواسط القرن الثامن: هذه الحياة المضطرمة العاصفة، استبدلها المؤرخ في مصر بحياة أكثر هدوءا ودعة. وفي مصر يعيش ابن خلدون شخصية عادية لا علاقة لها بشئون الدولة العليا، بعد أن لبثت بالمغرب ربع قرن روح هذه الشئون، يتجرد من ثوب السياسي المغامر ليتشح بثوب العالم المقتدر، وليستوحي نفوذه المحدود من هذه الناحية. على أن المؤرخ لقى في هذه الفترة حادثين من أهم حوادث حياته، هما فقد أسرته. ولقاؤه للفاتح التتري تيمورلنك. وأما عن الإنتاج، فقد رأينا أن المؤرخ حقق أعظم أعمال حياته، أعني كتابة تاريخه الضخم ومقدمته الرائعة قبل مقدمه إلى مصر. ولا نعرف أن ابن خلدون وضع أثناء مقامه بمصر مؤلفاً جديداً. غير أن الذي لا ريب فيه هو أن وجوده بمصر على مقربة من المكاتيب والمراجع الشاسعة قد أتاح له فرصة التنقيح والتهذيب في التاريخ والمقدمة، خصوصا فيما تعلق فيهما بمصر والشرق، كذا استمر المؤرخ في كتابة ترجمة حياته أثناء إقامته بمصر، واستمر فيها إلى قبيل وفاته، وضمنها فصولا جديدة عن خواص دول المماليك المصرية، ونشأة التتار مما أشرنا إليه في موضعه. وكتب أثناء مقامه بالشام وصفاً لبلاد المغرب ورفعه إلى تيمورلنك كما قدمنا. كذلك لا ريب في أن ابن خلدون كان يعنى في دروسه ومجالسه ببث مذاهبه وآرائه الاجتماعية وشرحها. غير أن ابن خلدون لم يستطع على ما يظهر أن ينشئ له بمصر مدرسة حقيقية، يطبعها (9/38) بآرائه ومناهجه، وقد كان حريا أن ينشئ مثل هذه المدرسة في بلد انقطع فيه للبحث والدرس أعواما طويلة. نعم ان التفكير المصري المعاصر ليس خلواً من تأثير ابن خلدون كما سنرى، ولكن هذا التأثير الذي كان حريا أن يزدهر بمصر وأن ينبث في مدرستها التاريخية التي كانت يومئذ في أوج قوتها، كلن ضئيلا محدود المدى. ونستطيع أن نرجع ذلك إلى الروح الذي استقبل به المؤرخ من المجتمع المصري المفكر، وهو روح نفور وخصومة، فقد جاء ابن خلدون إلى مصر يسبقه حكمه على المصريين في مقدمته بأنهم قوم (يغلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب) ويورد ابن خلدون هذه الملاحظة في معرض كلامه عن أثر الهواء في أخلاق البشر ويعتبرها نتيجة لوقوع مصر في المنطقة الحارة. على أنه مهما اتخذت هذه الملاحظة سمة البحث العلمي فإنها لا يمكن أن تقابل ممن قيلت في حقهم بغير الاستياء والحفيظة. واكن طبيعيا أن يحدث هذا الغرض السيء أثره في شعور المجتمع المصري المفكر نحو المؤرخ. وكان هذا المجتمع نفسه يجيش عندئذ بكثير من عوامل الخصومة والمنافسة، وزعامته يطبعها لون من الجفاء والقطيعة. وكان اضطرام المنافسة بين أعلام التفكير والأدب يومئذ سواء في ميدان التفوق والنبوغ أو في تحصيل ما تسيغه الزعامة الأدبية من الجاه والرزق ظاهرة هذه الخصومة. وكان المجتمع القاهري الأدبي ينقسم عندئذ إلى شيع وطوائف تنحاز كل شيعة أو طائفة إلى زعيم أو جناح معين من الزعماء فتؤيد جهوده الأدبية وتناجز خصومه في ميدان الجدل. فلم يكن من السهل على أجنبي مثل ابن خلدون جاء ينتظم في سلك هذا المجتمع منافساً في طلب الجاه والرزق أن ينعم بصفاء الأفق، أو يلقى خالص المودة والصداقة، هذا إلى ما كان يغلب على خلاله من حدة وصرامة وكبرياء تزيد من حوله الجفاء والقطيعة. كان طبيعياً أن تلقى آراء ابن خلدون ودروسه في هذا الأفق الكدر من الإعراض والانتقاص أكثر ما تلقى من الإقبال والتقدير، وان تكون محدودة الذيوع والأثر. ومع ذلك فقد درس على ابن خلدون جمهرة من أعلام التفكير والأدب المصريين وانتفعوا بعلمه، وظهر أثره جليا في بعض ثمرات التفكير المصري المعاصر. وممن درس عليه وانتفع بعلمه الحافظ ابن حجر العسقلاني المحدث والمؤرخ الكبير فهو يقول لنا في كتابه (رفع الإصر عن قضاة مصر) إنه (اجتمع بابن خلدون مراراً وسمع من فوائده ومن تصانيفه خصوصاً في التاريخ) وإنه (9/39) (كان لسنا فصيحاً حسن الترسل وسط النظم مع معرفة تامة بالأمور خصوصا متعلقات المملكة). وإنه كان جيد النقد للشعر وإن لم يكن بارعا فيه. بيد أن ابن حجر يحمل على ابن خلدون بشدة، وينقل في ترجمته كثيراً مما قيل في ذمه وتجريحه. فهو يقول لنا في تاريخه أن ابن خلدون مؤرخ بارع (ولكنه لم يكن مطلعا على الأخبار على جليتها ولا سيما أخبار المشرق) ويعارض المقريزي في مدح المقدمة ويرى أنها لا تمتاز بغير (البلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية) وان محاسنها قليلة (غير أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يرى حسناً ما ليس بحسن) وأما ابن خلدون كقاض فان ابن حجر يقول لنا: (أنه باشر القضاء بعسف وبطريقة لم تألفها مصر. وانه لما ولي المنصب تنكر للناس وفتك في كثير من أعيان الموقعين والشهود، وانه عزل لأول مرة بسبب ارتكابه التدليس في ورقة ثم ينقل في هذا الموطن كثيراً مما قيل في ذم المؤرخ وتجريحه. من ذلك إن أهل المغرب لما بلغهم ولايته للقضاء تعجبوا ونسبوا المصريين إلى قلة المعرفة بحيث قال ابن عرفة: (كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب فلما وليها هذا عددناها بالضد من ذلك) ومن ذلك قول الركراكي أحد الكتاب الذين عملوا مع ابن خلدون (أنه عرى عن العلوم الشرعية) بل ينقل ابن حجر أيضاً بعض المطاعن الشخصية والأخلاقية التي قيلت في حق المؤرخ من ذلك ما نقله عن العينتابي وهو أنه كان يتهم بأمور قبيحة وما نقله عن كتاب القضاة للبشبيشي، وهو (أن ابن خلدون كان في أعوامه الأخيرة يشغف بسماع المطربات ومعاشرة الأحداث وأنه تزوج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط) وأنه كان (يكثر من الازدراء بالناس) وأنه (حسن العشرة إذا كان معزولا فقط فإذا ولى المنصب غلب عليهم الجفاء والنزق فلا يعامل بل ينبغي أن لا يرى) وهذه أقوال تنم عن خصومة مضطرمة ومبالغة في الانتقاص تنحدر إلى معترك السباب والقذف. وقد كان البشبيشي بلا ريب من ألد خصوم المؤرخ وأشدهم وطأة عليه. وقد دوَّن حملاته على المؤرخ في كتاب ألفه في تاريخ القضاة ولم يصل الينا، ولكن ابن حجر ينقل إلينا منه تلك الفقرات الشخصية اللاذعة. وأخيراً يقول ابن حجر من ابن خلدون وأثره يدعو إلى التأمل، فهو على رغم اتزانه واعتداله وعفة قلمه ينساق هنا إلى نوع من التجريح والانتقاص ليس مألوفا في كتاباته. ولا ريب أن في لهجته وأقواله مبالغة وتحامل، ولكن لا ريب أيضا أن لها قيمتها في تقدير (9/40) الرأي المصري المعاصر لأبن خلدون، بل نستطيع أن نعتبرها ممثلة لرأي الفريق المفكر الذي كان يخاصم المؤرخ ويشتد في تجريحه، والحملة عليه، وقد كان الفريق الأقوى بلا ريب لأنه كان يضم كثيراً من المفكرين والفقهاء البارزين مثل ابن حجر، والجمال البشبيشي، والركراكي، وبدر الدين العيني (العينتابي). وقد امتدت آثار هذه الخصومة الأدبية طوال القرن التاسع الهجري حتى جاء السخاوي في أواخر هذا القرن يردد كل ما ذكره ونقله شيخه ابن حجر في ذم ابن خلدون وتجريحه والانتقاص من أثره، ولكن في لهجة مرة لاذعة تنم عن الخبث، وقصد التشهير والهدم أكثر مما تنم عن قصد النقد الصحيح، وهذه الروح المرة اللاذعة تبدو في معجمه (الضوء اللامع) في معظم تراجم الشخصيات البارزة. بيد انه يعترف في كتاب آخر له (بنفاسة) مقدمة ابن خلدون ويبدو أكثر اعتدالا وتقديرا. في الأدب العربي ابن خلدون والتفكير المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان (5) على إن ابن خلدون كان من جهة أخرى يحظى بتقدير فريق قوي من الرأي المصري المفكر. وكان على رأس هذا الفريق المؤرخ العلامة تقي الدين المقريزي. فقد درس المقريزي في فتوته على ابن خلدون واعجب بغزير علمه، ورائع محاضراته، وطريف آرائه ونظرياته. ويتحدث المقريزي عن شيخه ابن خلدون بمنتهى الخشوع والإجلال وينعته (بشيخنا العالم العلامة الأستاذ قاضي القضاة) ويترجمه في كتابه (دور العقود الفريدة) بإسهاب وإعجاب، ويرتفع في تقدير مقدمته إلى الذروة فيقول: (لم يعمل مثلها، وانه لعزيز أن ينال مجتهد مثالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفهوم، توقف على كنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر الظيم، والطف من الماء سرى به النسيم). وهو تقدير يعارضه فيه ابن حجر كما قدمنا، ويأخذ ابن حجر وتلميذه السخاوي على المقريزي موقفه من ابن خلدون، ويرميانه بالمبالغة والإفراط في تعظيمه وإجلاله، ويقدم لنا ابن حجر تعليلا لهذا الموقف، وهو إن المقريزي كان ينتمي إلى الفاطميين وابن خلدون يجزم بإثبات نسبهم، ثم يقول لنا: إن المقريزي غفل في ذلك عن مراد ابن خلدون، فانه كان لانحرافه عن آل علي يثبت نسب الفاطميين إليهم، لما أشتهر من سوء معتقد الفاطميين وكون بعضهم نسب إلى الزندقة وادعى الألوهية. وقد تأثر المقريزي فوق تعظيمه وتقديره لابن خلدون بنظرياته تأثراً كبيراً. وظهر هذا الأثر واضحاً في كتابه (إغاثة الأمة بكشف الغمة) الذي انتهت إلينا نسخة وحيدة منه تحتفظ بها دار الكتب المصرية. ففي هذا الكتاب الذي يقول لنا المقريزي انه كتبه في ليلة واحدة من ليالي المحرم لسنة 808 والذي يتحدث فيه عن محن مصر منذ اقدم العصور إلى عصره، ينحو المقريزي في الشرح والتعليل منحى شيخه وأستاذه ابن خلدون في مقدمته. فيقدم لرسالته بمقارنة موجزة (10/33) بين الماضي والحاضر، وملخص لما جازته مصر من محن الغلاء والشَرَق منذ الطوفان إلى عصره، ثم ينفرد لنا فصلاً يتحدث فيه عن الأسباب التي نشأت عنها هذه المحن وأدت إلى استمرارها طوال هذه الأزمان، وفي هذا الفصل نرى منهج ابن خلدون في البحث والتعليل واضحاً، بل نرى المقريزي يستعمل ألفاظ شيخه وعباراته مثل (أحوال الوجود وطبيعة العمران وما إليها.) وفي رأي المقريزي إن أسباب الخراب والمحن، ترجع أولاً إلى توليه الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة، واستيلاء الظلمة والجهلاء عليها، وثانياً غلاء استئجار الأطيان، وزيادة نفقات الحرث والبذر والحصاد (نفقات الإنتاج) على الغلة، وثالثاً ذيوع النقد المنحط، ويتبع ذلك بنبذة في تاريخ العملة في الدول الإسلامية ومصر. ثم يتحدث عن طبقات المجتمع، وأوصاف الناس، ويقسم لنا المجتمع المصري إلى سبعة أقسام: _ (1) أهل الدولة. (2) أهل اليسار من التجار وأولي النعمة من ذوي الرفاهة. (3) الباعة وهم متوسطو الحال من التجار، وأصحاب المعاش وهم السوقة. (4) أهل الفلح وهم أرباب الزراعة والحرث وسكان الريف. (5) الفقراء وهم جل الفقهاء وطلاب العلم. (6) أرباب المصالح والأجر وأصحاب المهن. (7) ذوي الخصاصة والمسكنة الذين يتكففون الناس. ويذكر أحوال كل فريق بالتفصيل، ثم يتحدث عن أسعار عصره وبخاصة أسعار المواد الغذائية ويختتم بشرح رأيه في معالجة هذه المحن، وهو أن يغير نظام العملة، فلا يستعمل منها إلا المكين الثابت من ذهب وفضة، وهي فكرة تثبيت النقد بعينها. هكذا ينحو المقريزي في الشرح والتعليل، وهكذا نلمس أثر المؤرخ واضحاً في منهج تلميذه، ونستطيع أن نجد كثيراً من أوجه الشبه بين ما يعرضه المقريزي في رسالته، وبين ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن طبيعة الملك وعوامل فساده، وعن السكة، وعن أثر المكوس في الدولة، وأثر الظلم في خراب العمران، وكيف يسري الخلل إلى الدولة وتغلبها وفرة العمران والغلاء والقحط، وغير ذلك مما يتعلق بانحلال الدول وسقوطها بل نستطيع (10/34) أن نلمح مثل هذا الأثر في بعض ما كتبه السخاوي نفسه في كتابه (الإعلان بالتوبيخ) عن قيمة التاريخ وأثره في دراسة أحوال الأمم، فهنا يبدو السخاوي أيضاً على رغم خصومته لابن خلدون متأثراً بفكرته الفلسفية في شرح التاريخ وفهمه. وهنالك مؤرخ مصري أخر هو أبو المحاسن بن تغري بردي يشاطر شيخه المقريزي تقديره لابن خلدون ويشيد بمقدرته ونزاهته في ولاية القضاء ويقول لنا انه باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته. ويظهر اثر ابن خلدون أيضاً في اعتماد بعض أكابر الكتاب المصريين المعاصرين عليه والاقتباس من مقدمته وتاريخه، ومن هؤلاء أبو العباس القلشندي صاحب كتاب (صبح الأعشى) فانه يقتبس من ابن خلدون في مواضع شتى من موسوعته. (6) هذه صورة دقيقة شاملة لحياة ابن خلدون في مصر، وصلاته بحياتها العامة، وأثره في حركتها الفكرية المعاصرة. وهذه الحقبة من حياة المؤرخ، وهي حقبة طويلة امتدت ثلاثة وعشرين عاماً، تخالف في نوعها وظروفها حياته بالمغرب، ففي المغرب عاش ابن خلدون بالأخص سياسياً يتقلب في خدمة القصور المغربية، ويخوض غمر دسائس ومخاطرات لا نهاية لها. ولكنه عاش في مصر عالماً قاضياً وإذا استثنينا مفاوضاته مع تيمورلنك في حوادث دمشق، وسعيه إلى عقد الصلة بين بلاط القاهرة وسلاطين المغرب، فانه لم يتح له أن يؤدي في سير السياسة المصرية دوراً يذكر. وإذا كان ابن خلدون قد خاض في مصر، معترك الدسائس أيضاً، فقد كان هذا المعترك محلياً محدود المدى شخصياً في نوعه وغاياته. وكانت حياة ابن خلدونفي مصر اكثر استقراراً ودعة، وأوفر ترفاً ونعماء من حياته بالمغرب، ولكن الظاهر إن سحباً من الكآبةوالألم المعنوي كانت تغشى هذه الحياة الناعمة. فقد كان ابن خلدون في مصر غريباً بعيداً عن وطنه وأهله، وكان يعيش في جو يشوبه كدر الخصومة وجهد النضال، ونستطيع أن نلمس ألم البعاد في نفس المؤرخ في بعض المواطن، فهو يذكر غربته حين يتحدث عن اتصاله بالسلطان إثر مقدمه ويقول إن السلطان (أبر مقامه وآنس غربته). وهو يكشف لنا عن هذا الألم في قصيدة طويلة نقلت إلينا (10/35) التراجم المصرية منها هذه الأبيات المؤثرة: أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف غربتي ونحيبي وأبين يوم البين موقف ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب ولا ريب إن هلاك أسرة المؤرخ كانت عاملاً في إذكاء هذا الألم المعنوي، وهو يحدثنا عن هذه الفاجعة بلهجة الحزن واليأس حين يقول: (فعظم المصاب والجزع ورجح الزهد). وكان المؤرخ يؤثر حياة العزلة في فترات كثيرة، وهو يشير إلى ذلك في بعض المواطن، حيث يقول لنا انه: (لزم كسر البيت ممتعاً بالعافية لابساً برد العزلة). وتشير التراجم المصرية إلى هذه العزلة فيقول لنا السخاوي: (ولازمه (أي المؤرخ) كثيرون في بعض عزلاته، فحسن خلقه معهم وباسطهم ومازحهم). وكان المؤرخ يشتغل في هذه الفترات بمراسلة أصدقائه بالمغرب والأندلس من السلاطين والأمراء والفقهاء، وهو يشير إلى ذلك في عدة مواضع. وقد يكون من الشائق أن نعرف أين كان يقيم المؤرخ بالقاهرة، ولدينا عن ذلك نصان نقلهما ابن حجر عن الجمال البشبيشي ويقول الجمال في أولهما (انه كان يوماً بالقرب من الصالحية فرأى ابن خلدون وهو يريد التوجه إلى منزله وبعض نوابه أمامه. . .) (فيلوح من هذه الإشارة إن المؤرخ كان يقيم مدى حين على مقربة من الصالحية في الحي الذي تقع فيه هذه المدرسة اعني حي بين القصرين أو في أحد الأحياء القريبة منه، وذلك لأن مركز وظيفته كقاض للقضاة كان بهذه المدرسة ولأن إيوان الفقهاء المالكية كان يقع بجوارها. وأما في النص الثاني فيقول لنا الجمال ما يأتي مشيراً إلى ولاية ابن خلدون للقضاء عقب عوده من دمشق سنة ثلاث وثمإنمائة (إلا انه (أي ابن خلدون) تبسط بالسكن على البحر واكثر من سماع المطربات. . . الخ) ويستفاد من ذلك إن المؤرخ كان يقيم في هذا الحين في أحد الأحياء الواقعة على النيل ولعله جزيرة الروضة أو لعله بالضفة المقابلة من الفسطاط، حيث كانت لا تزال بقية من الأحياء الرفيعة التي قامت هنالك مذ خطت الروضة وعمرت وصارت منزل البلاط في أواسط القرن السابع، وسكن الكبراء والسراة في الضفة المقابلة لها من الفسطاط. ويرجح هذا الفرض إن المدرسة القمحية التي كان (10/36) يدرس فيها ابن خلدون بلا انقطاع كانت تقع على مقربة من هذا الحي. هذا وأما مثوى المؤرخ الأخير، فقد ذكر لنا السخاوي انه دفن (بمقابر الصوفية خارج باب النصر) ويحدثنا المقريزي عن موقع هذه المقابر وقد كانت تقع بين طائفة من الترب والمدافن التي شيدها الأمراء والكبراء في القرن الثامن خارج باب النصر في اتجاه الريدانية (العباسية) ومقبرة الصوفية هذه أنشأها صوفية الخانقاه الصلاحية في أواخر القرن الثامن في هذا المكان وخصصت لدفن الصوفية، وقد كان المؤرخ كما نذكر مدى حين شيخاً لخانقاه بيبرس. فهل يكشف لنا الزمن يوماً عن مثوى رفات المفكر العظيم فيغدو قبره أثراً جليلاً يحج إليه المعجبون برائع تفكيره وخالد آثاره؟ بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان وبينما قامت الدولة الإسلامية ثابتة وطيدة الدعائم، وقامت في جميع أقطار الخلافة حكومات محلية قوية ومجتمعات إسلامية مستنيرة، وجيوش غازية منظمة، إذا بمجتمع القبائل الجرمانية غزاة رومة من الشمال ما يزال إذا استثنينا مملكة الفرنج على حالته من البداوة والتجوال والتفرق. وكان الفرنج هم قادة القبائل الجرمانية في هذا الصراع الذي نشب في سهول فرنسا وآذن طوره الحاسم بعبور المسلمين إلى فرنسا في ربيع سنة 732، وكان سيل الفتح الإسلامي ينذر باجتياح فرنسا منذ عشرين عاما أعني مذ عبر المسلمون جبال البرنيه بقيادة موسى بن نصير لأول مرة واستولوا على سبتمانيا ثم اقتحموا بعد ذلك وادي الرون واكوتين أكثر من مرة. ولكن مملكة الفرنج كانت يومئذ تشغل بالمعارك الداخلية وتقتتل حول السلطان والرياسة حتى ظفر كارل مارتل بمنصب محافظ القصر، وأتفق أعواما أخرى في توطيد سلطانه؛ بينما كان خصمه ومنافسه أودو أمير أكوتين يتلقى وحده ضربات العرب. فلما استفحل خطر الفتح الإسلامي وانساب نحو الشمال حتى بورجونيا منذ ولاية الهيثم فزع الفرنج وهبت القبائل الجرمانية في أوستراسيا ونوستريا لتذود عن سلطانها وكيانها. وكان الخطر داهما حقيقيا في تلك المرة لأن المسلمين عبروا البرنيه عندئذ في أكبر جيش حشد وأتم أهبة اتخذت منذ الفتح. وكان على رأس الجيش الإسلامي قائد وافر الهمة والشجاعة والبراعة هو عبد الرحمن الغافقي وهو أعظم جندي مسلم عبر البرنيه. وكان قد ظهر ببراعته في القيادة منذ موقعة تولوشة حيث استطاع إنقاذ الجيش الإسلامي من المطاردة عقب هزيمته ومقتل قائده السمح والارتداد إلى سبتمانيا. وتبالغ الرواية الفرنجية في تقدير جيش عبد الرحمن وأهبته فتقدره بأربعمائة ألف مقاتل، هذا غير جموع حاشدة أخرى صحبها لاستعمار الأرض المفتوحة. وهو قول ظاهر المبالغة. وتقدره بعض الروايات العربية بسبعين أو ثمانين ألف مقاتل، وهو أقرب إلى الحقيقة والمعقول. بل لقد أثارت هذه الغزوة الإسلامية الشهيرة وهذا الجيش الفخم خيال الشاعر الأوربي الحديث، فنرى الشاعر الإنجليزي سوذي يقول في منظومته عن ردريك آخر ملوك القوط: (15/45) (جمع لا يحصى، من شام وبربر وعرب وروم خوارج. وفرس وقبط وتتر عصبة واحدة. يجمعها إيمان هائم راسخ الفتوة. وحمية مضطرمة واخوة مروعة. ولم يك الزعماء أقل ثقة بالنصر. وقد شمخوا بطول ظفر. يهيمون بتلك القوة الجارفة التي أيقنوا أنها كما اندفعت حيثما كانوا بلا منازع ستندفع ظافرة إلى الأمام حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق. يطأطيء الرأس إجلالاً لاسم محمد. وينهض الحاج من أقاصي المنجمد. ليطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة. المنتثرة فوق صحراء العرب وأراضي مكة الصلدة) ونفذ عبد الرحمن في جيشه الزاخر إلى فرنسا كما قدمنا في ربيع سنة 732م (أوائل سنة 114هـ) واقتحم وادي الرون وولاية اكوتين وشتت قوى الدوق أودوا طبق ما أسلفنا، وأشرف بعد هذا السير الباهر على ضفاف اللوار. وتقول بعض الروايات الكنسية أن أودو هو الذي استدعى عبد الرحمن إلى فرنسا ليعاونه على محاربة خصمه (كارل مارتل). ولكن هذه الرواية مردودة غير معقولة لما قدمنا من أن أودو هو الذي بادر إلى مقاومة عبد الرحمن ورده، وكانت مملكته وعاصمته أول غنم للمسلمين. وكان ملك الفرنج يومئذ تيودريك الرابع، ولكن ملوك الفرنج كانوا في ذلك العصر أشباحا قائمة فقط. وكان محافظ القصر كارل مارتل هو الملك الحقيقي يستأثر بكل سلطة حقيقية وعليه يقع عبء الدفاع عن ملكه وأمته، وكان منذ استفحل خطر الفتح الإسلامي يتخذ أهبته ويحشد قواه، ولكن عبد الرحمن نفذ إلى قلب فرنسا قبل أن يتحرك للقائه. وترد الرواية الإسلامية هذا البطء إلى خطة مرسومة مقصودة فتقول في هذا الموطن (فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارله وهذه سمة لملوكهم، فقالت له ما هذا الخزي الباقي في الاعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتو من مغربها استولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد يجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم. فقال لهم ما معناه: الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فانهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر) ونستطيع أيضا أن نعلل تمهل كارل مارتل بقصده إلى ترك خصمه ومنافسه أودو دون غوث حتى يقضي المسلمون على ملكه (15/46) وسلطانه فيتخلص بذلك من منافسته ومناوأته. وعلى أي حال فان عبد الرحمن كان قد اقتحم أكرتين وجنوب فرنسا كله، حينما تأهب كارك مارتل للسير إلى لقائه. وجاء الدوق أودو بعد ضياع ملكه وتمزيق قواته يطلب الغوث والنجدة من خصمه القديم أعني كارل مارتل. وكان كارل قد حشد جيشا ضخما من الفرنج ومختلف العشائر الجرمانية المتوحشة والعصابات المرتزقة فيما وراء الرين يمتزج فيه المقاتلة من أمم الشمال كلها، وجله جند غير نظاميين نصف عراة يتشحون بجلود الذئاب وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية. وسار زعيم الفرنجة في هذا الجيش الجرار نحو الجنوب لملاقاة العرب في حمى الهضاب والربى حتى يفاجئ العدو في مراكزه قبل أن يستكمل الأهبة لرده. وكان الجيش الإسلامي قد اجتاح عندئذ جميع أراضي أكوتين التي تقابل اليوم من مقاطعات فرنسا الحديثة جويان وبريجور وسانتونج وبواتو. وأشرف بعد سيره المظفر على مروج نهر اللوار الجنوبية حيثما يلتقي بثلاثة من فروعه هي (الكريز) (والفيين) (والكلين) ومن الصعب أن نعين بالتحقيق مكان ذلك اللقاء الحاسم في تاريخ الشرق والغرب والإسلام والنصرانية. ولكن المتفق عليه انه هو السهل الواقع بين مدينتي بواتييه وتور حول نهري (كلين) (وفيين) فرعي اللوار على مقربة من مدينة تور. والرواية الإسلامية مقلة موجزة في الكلام عن تلك الموقعة العظيمة وليس فيها لدينا من المصادر العربية عنها أي تفصيل شامل. وإنما وردت تفاصيل للرواية الإسلامية عن الموقعة نقلها إلينا المؤرخ الأسباني كوندي سنعود إليها بعد. وتفيض الرواية الفرنجية والكنسية بالعكس في حوادث الموقعة وتقدم إلينا عنها تفاصيل شائقة ولكن يحفها الريب وتنقصها الدقة التاريخية. وقد رأينا أن نجمل وصف الموقعة أولا بما لدينا من أقوال الروايتين ثم نورد كلتيهما بعدئذ بتفاصيلها. انتهى الجيش الإسلامي في زحفه إلى السهل الممتد بين مدينتي بواتييه وتور كما قدما، واستولى المسلمون على بواتييه ونهبوها وأحرقوا كنيستها الشهيرة، ثم هجموا على مدينة تور الواقعة على ضفة اللوار اليسرى واستولوا عليها وخربوا كنيستها أيضا. وفي ذلك الحين كان جيش الفرنج قد انتهى إلى اللوار دون أن يشعر المسلمون بمقدمه بادئ بدء، وأخطأت الطلائع الإسلامية تقدير عدده وعدته. فلما أراد عبد الرحمن أن يقتحم اللوار (15/47) لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجأه كارل مارتل بجموعه الجرارة. وألفى عبد الرحمن جيش الفرنج يفوقه في الكثرة فارتد من ضفاف النهر ثانية إلى السهل الواقع بين تور وبواتيه. وعبر كارل مارتل اللوار غرب تور وعسكر بجيشه إلى يسار الجيش الإسلامي بأميال قليلة بين نهري كلين وفيين فرعي اللوار. بلاط الشهداء بعد الف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عناق (2) وكان أثناء غاراته أو رحلاته في (اكوتين) قد اتصل بأميرها الدوق (أودو) وتفاهم معه، وكان الدوق مذ رأى خطر الفتح الإسلامي يهدد ملكه يسعى إلى مهادنة المسلمين، وقد فاوضهم فعلا، فأنتهز كارل مارتل محافظ القصر وزعيم الفرنج هذه الفرصة لإعلان الحرب على الدوق، وكان يخشى نفوذه واستقلاله، وغزا كوتين مرتين وهزم الدوق فكان أودو في الواقع بين نارين يخشى الفرنج من الشمال والعرب من الجنوب، وكانت جيوش كارل مارتل تهدده وتعيث في أرضه (سنة 731 م) في نفس الوقت الذي سعى فيه عثمان بن أبي لسعه لمحالفته والاستعانة به على تنفيذ مشروعه في الخروج على حكومة الأندلس والاستقلال بحكم الولايات الشمالية , فرحب الدوق بهذا التحالف وقدم ابنته الحسناء (لاميجيا) عروسا لعثمان، وفي بعض الروايات أن أبن أبي نسعة أسر ابنة الدوق في بعض غاراته على اكوتين ثم هام بها حبا وتزوج منها. وعلى أي حال فقد وثقت المصاهرة عرى التحالف بين الدوق والزعيم المسلم، ورأى ابن أبي نسعة كتمانا لمشروعه ان يسبغ على هذا الاتفاق صفة هدنة عقدت بينه وبين الفرنج، ولكن عبد الرحمن ارتاب في أمر الثائر ونياته، وأبى قرارالهدنة التي عقدها وأرسل إلى الشمال جيشا بقيادة ابن زيان للتحقق والتحوط لسلامة الولايات الشمالية، ففر ابن أبي نسعة من مقامه بمدينة الباب الواقعة على (البرنيه) إلى شعب الجبال الداخلية فطارده ابن زيان من صخرة إلى صخرة حتى أخذ وقتل مدافعا عن نفسه، وأسرت زوجه لاميجيا وأرسلت إلى بلاط دمشق حيث زوجت هناك من أمير مسلم. ولما رأى أودو ما حل بحليفه واستشعر الخطر الداهم تأهب للدفاع عن مملكته، وأخذ الفرنج والقوط في الولايات الشمالية يتحركون لمهاجمة المواقع الإسلامية، وكان عبد الرحمن يتوق إلى الانتقام لمقتل السمح وهزيمة المسلمين عند أسوار تولوشة، ويتخذ العدة منذ بدء ولايته لاجتياح مملكة الفرنج كلها، فلما رأى الخطر محدقا بالولايات الشمالية لم يرَ بداً من السير إلى الشمال قبل أن يستكمل كل أهبته، على انه استطاع ان يجمع أعظم جيش سيّره المسلمون إلى (غاليا) منذ الفتح، وفي أوائل سنة732م (أوائل سنة (13/37) 114هـ) سار عبد الرحمن إلى الشمال مخترقا أراغون (الثغر الأعلى) ونافار (بلاد البشكنس) ودخل فرنسا في ربيع سنة 732م، وزحف تواً على مدينة (آرل) الواقعة على نهر الرون لتخلفها عن أداء الجزية واستولى عليها بعد معركة عنيفة نشبت على ضفاف النهر بينه وبين قوات الدوق أودو، ثم زحف غرباً وعبر نهر الجارون وانقض المسلمون كالسيل على ولاية اكوتين يثخنون في مدنها وضياعها، فحاول أودو ان يقف زحفهم، والتقى الفريقان على ضفاف الدوردون فهزم الدوق هزيمة فادحة، ومزق جيشه شر ممزق، قال ايزيدور الباجي: (والله وحده يعلم كم قتل في تلك الموقعة من النصارى) وطارد عبد الرحمن الدوق حتى عاصمته بوردو (بردال) واستولى عليها بعد حصار قصير، وفر الدوق في نفر من صحبه إلى الشمال، وسقطت اكوتين كلها بيد المسلمين ثم ارتد عبد الرحمن نحو الرون كرّة أخرى، واخترق الجيش الإسلامي برجونيا واستولى على ليون وبيزانصون ووصلت سريّاته حتى صانص التي تبعد عن باريس نحو مائة ميل فقط، وارتد عبد الرحمن بعد ذلك غرباً إلى ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد إلى عاصمة الفرنج. وتم هذا السير الباهر. وافتتح نصف فرنسا الجنوبي كله من الشرق إلى الغرب في بضعة أشهر فقط. قال أدوار جيبون. (وامتد خط الظفر مدى ألف ميل من صخرة طارق إلى ضفاف اللوار. وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب إلى حدود بولونيا وربى ايكوسيا. فليس الراين بأمنع من النيل او الفرات، ولعل أسطولاً عربيا كان يصل إلى مصب التايمز دون معركة بحربة، بل ربما كانت أحكام القرآن تدرَّس الآن في معاهد أكسفورد وربما كانت منابرها تؤيد لمحمد صدق الوحي والرسالة). أجل كان اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، والشرق والغرب، على وشك الوقوع. وكان اجتياح الإسلام للعالم القديم سريعا مدهشا، فانه لم يمضِ على وفاة النبي العربي نصف قرن حتى سحق العرب دولة الفرس الشامخة، واستولوا على معظم أقطار الدولة الرومانية الشرقية من الشام إلى أقاصي المغرب، وقامت دولة الخلافة قوية راسخة الدعائم فيما بين السند شرقا والمحيط غربا، وامتدت شمالاً حتى قلب الأناضول، وكانت سياسة الفتح الإسلامي مذ توطدت دولة الإسلام ترمي إلى غاية أبعد من ضم الأقطار وبسطة السلطان والملك. فقد كان الإسلام يواجه في الأقطار التي افتتحها من العالم القديم، أنظمة (13/38) راسخة مدنية واجتماعية تقوم على أصول وثنية أو نصرانية، وكانت النصرانية قد سادت أقطار الدولة الرومانية منذ القرن الرابع، فكان على الخلافة ان تهدم هذا الصرح القديم وان تقيم فوق أنقاضه في الأمم المفتوحة نظما حديثة، تستمد روحها من الإسلام. وان تذلل النصرانية لصولة الإسلام سواء بنشر الإسلام بين الشعوب المفتوحة او بإخضاعها من الوجهة المدنية والاجتماعية لنفوذ الإسلام وسلطانه، وكان هذا الصراع بين الإسلام والنصرانية قصير الأمد في الشام ومصر وافريقية، فلم يمضِ نصف قرن حتى غيّر الإسلام هذه الأمم بسيادته ونفوذه، وقامت فيها مجتمعات إسلامية قوية شاملة، وغاضت الأنظمة والأديان القديمة ثم دفعت الخلافة فتوحها إلى أقاصي الأناضول من المشرق وجازت إلى إسبانيا من المغرب. فأما في المشرق فقد حاول الإسلام ان ينفذ إلى الغرب من طريق قسطنطينية، وبعثت الخلافة جيوشها وأساطيلها الزاخرة إلى عاصمة الدولة الشرقية مرتين: الأولى في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة 48هـ (668م) والثانية في عهد سليمان بن عبد الملك سنة 98هـ (717م) وكانت قوى الخلافة في كل مرة تبدي في محاصرة قسطنطينية غاية الإصرار والعزم والجلد ولكنها فشلت في المرتين وارتدت عن أسوار قسطنطينية منهوكة خائرة. بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان 3 وأخفق مشروع الخلافة في فتح الغرب من تلك الناحية ولقي الإسلام هزيمته الحاسمة في المشرق أمام سور بيزطية وقامت الدولة الشرقية في وجه الإسلام حصنا منيعا يحمي النصرانية من غزوه وسلطانه. ولكن جيوش الإسلام جازت إلى الغرب من طريق إسبانيا وأشرفت من هضاب البرنية على باقي أمم أوروبا النصرانية ولولا تردد الخلافة وخلاف الزعماء لاستطاع موسى ابن نصير أن ينفذ مشروعه في اختراق أوربا من المشرق إلى المغرب والوصول إلى دار الخلافة بطريق قسطنطينية ولكان من المرجح أن تلقى النصرانية ضربتها القاضية يومئذ وأن يسود السلام أمم الشمال كما ساد أمم الجنوب ولكن الفكرة قبرت في مهدها لتوجس الخلافة وترددها. على أن الفتوح التي قام بها ولاة الأندلس بعد ذلك في جنوب فرنسا كانت طورا آخر من أطوار ذلك الصراع بين الإسلام والنصرانية، فقد كانت مملكة الفرنج أعظم ممالك الغرب والشمال يومئذ، وكانت تقوم في الغرب بحماية النصرانية على نحو ما كانت الدولة الرومانية في الشرق بل كانت مهمتها في هذه الحماية أشق وأصعب، إذ بينما كان الإسلام يهدد النصرانية من الجنوب كانت القبائل الوثنية الجرمانية تهددها من الشمال والشرق؛ وكانت الغزوات الإسلامية تقف في المبدأ عند سبتمانيا ومدنها؛ ولكنها امتدت منذ ولاية السمح إلى اكوتين وضفاف الجارون، ثم امتدت إلى شمال الرون وولاية بورجونيا وشملت نصف فرنسا الجنوبي كله، وبهذا بدا الخطر الإسلامي على مصير الفرنج والنصرانية قويا ساطعا؛ وبدت طوالع ذلك الصراع الحاسم الذي يجب أن يتأهب لخوضه الفرنج والنصرانية كلها. كانت المعركة في سهول فرنسا أذن بين الإسلام والنصرانية. بيد أنها كانت من الجانب الآخر بين غزاة الدولة الرومانية والمتنافسين في اجتثاء تراثها؛. كانت بين العرب الذين اجتاحوا أملاك الدولة الرومانية في المشرق والجنوب؛ وبين الفرنج الذين حلوا في ألمانيا وغاليس. والفرنج هم شعبة من أولئك البربر الذين غزوا رومة وتقاسموا تراثها من (14/49) (واندال وقوط والان وشوابيين). فكان ذلك اللقاء بين العرب والفرنج في سهول فرنسا اكثر من نزاع محلي على غزو مدينة أو ولاية بعينها: كان هذا النزاع في الواقع أبعد ما يكون مدى وأثراً. إذ كان محوره تراث الدولة الرومانية العريض الشاسع؛ الذي فاز العرب منه بأكبر غنم ثم أرادوا أن ينتزعوا ما بقي منه بأيدي منافسيهم غزاة الدولة الرومانية من الشمال. وكانت هذه السهول الشمالية التي قدر لها أن تشهد موقعة الفصل بين غزاة الدولة الرومانية تضم مجتمعا متنافرا لم تستقر بعد قواعده ونظمه على أسس متينة. ذلك أن القبائل الجرمانية التي عبرت الرين وقضت على سلطان روما في الأراضي المفتوحة كانت مزيجا مضطربا من الغزاة الظمأى إلى تراث روما من الثروة والنعماء. وكان القوط قد احتاجوا شمال إيطاليا منذ القرن الخامس وحلوا في جنوب غاليس وإسبانيا؛ ولكن هذه الممالك البربرية لم تكن تحمل عناصر البقاء والاستقرار فلم يمض زهاء قرن آخر حتى غزا الفرنج فرنسا وانتزعوا نصفها الشمالي من يد حاكمه الروماني المستقل بأمره وانتزعوا نصفها الجنوبي من القوط وحلت في غاليس سلطة جديدة ومجتمع جديد. وكان الغزاة في كل مرة يقيمون ملكهم على القوة وحدها ويقتسمون السلطة في نوع من الاقطاع، فلا يمضي وقت طويل حتى تقوم في القطر المفتوح عدة إمارات محلية. ولم يعن الغزاة بإقامة مجتمع متماسك ذي نظم سياسية واجتماعية ثابتة ولم يعنوا بالأخص أن يندمجوا برعاياهم الجدد، فكان سكان البلاد المفتوحة من الرومان والغليين الذين لبثوا قرونا يخضعون لسلطان رومة ما تزال تسود فيهم لغة رومة وحضارتها. ولكن القبائل الجرمانية الغازية كانت تستأثر بالحكم والرياسة وتكون وحدها مجتمعا منعزلا لبثت تسوده الخشونة والبداوة أحقابا قبل أن يتأثر بمدنية رومة وتراثها الفكري والاجتماعي. وكان اعتناق الفرنج للنصرانية منذ عصر كلوفيس أكبر عامل في تطور هذه القبائل وتهذيب عقليتها الوثنية وتقاليدها الوحشية. ثم كان استقرارها بعد حين في الأرض المفتوحة؛ وتوطد سلطانها وتمتعها بالنعماء والثراء بعد طول المغامرة والتجول وشظف العيش وحرصها على حياة الدعة والرخاء، عوامل قوية في انحلال عصبيتها الحيوية وفتور شغفها بالغزو واذكاء رغبتها في الاستعمار والبقاء. وهكذا كانت القبائل الجرمانية التي عبرت الرين تحت لواء (14/50) الفرنج واستقرت في غالا قد تطورت في أوائل القرن الثامن إلى مجتمع مستقر متماسك نوعا. ولم تكن غاليس قد استحالت عندئذ إلى فرنسا ولكن جذور فرنسا المستقبلة كانت قد وضعت وهيأت الأسباب والعوامل لنشوء الامة الفرنسية. بيد أن هذا المجتمع رغم تمتعه بنوع من الاستقرار والتماسك كان وقت أن نفذ العرب الى فرنسا فريسة الانحلال والتفكك، وكان الخلاف يمزقه كما بينا وكانت اكوتين وباقي فرنسا الجنوبية في يد جماعة من الأمراء والزعماء المحليين الذين انتهزوا ضعف السلطة المركزية فاستقلوا بما في أيديهم من الأقاليم والمدن. ثم كانت القبائل الجرمانية الوثنية فيما وراء الرين من جهة أخرى تحاول اقتحام النهر من آن لآخر وتهدد بالقضاء على مملكة الفرنج. فكان الفرنج يشغلون برد هذه المحاولات ويقتحمون النهر بين أونة وأخرى لدرء هذا الخطر ولإرغام القبائل الوثنية على اعتناق النصرانية. فكانت المسألة الدينية أيضا عاملا قويا في هذا النضال الذي يضطرم بين قبائل وعشائر تجمعها صلة الجنس والنسب. ولم ينقذ مملكة الفرنج من ذلك الخطر سوى خلاف القبائل الوثنية وتنافسها وتفرق كلمتها. هكذا كانت مملكة الفرنج والمجتمع الفرنجي في أوائل القرن الثامن أعني حينما نفذ تيار الفتح الإسلامي من أسبانيا الى جنوب فرنسا. وكان قد قضى منذ وفاة النبي العربي الى عهد هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية (سنة 732م) مائة عام فقط، ولكن العرب كانوا خلال القرن قد افتتحوا جميع الأمم الواقعة بين السند شرقا والمحيط غربا واكتسحوا العالم القديم في وابل مدهش من الظفر الباهر، واستولوا على جميع أقطار الدولة الرومانية الجنوبية من الشام الى أقاصي المغرب وأسبانيا، وعبروا البرنيه الى أواسط فرنسا. هذا بينما أنفقت القبائل الجرمانية الشمالية أكثر من ثلاثة قرون في افتتاح أقطار الدولة الشمالية ومحاولة الاستقرار فيها. بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان وكان الجيش الإسلامي في حال تدعو إلى القلق والتوجس، فان الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التي يتألف منها معظم الجيش، وكانت تتوق إلى الانسحاب ناجية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون في الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا الجنوبية أثناء سيرهم المظفر ونهبوا جميع كنائسها وأديارها الغنية، وأثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى من الذخائر والغنائم والسبي فكانت هذه الأثقال النفيسة تحدث الخلل في صفوفهم وتثير بينهم ضروب الخلاف. وقدر عبد الرحمن خطر هذه الغنائم على نظام الجيش وأهبته وخشي مما تثيره في نفوس الجند من الحرص والانشغال وحاول عبثاً أن يحملهم على ترك شيء منها؛ ولكنه لم يشدد في ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة أخرى قد أنهكتهم غزوات أشهر متواصلة مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب تخلف حاميات عديدة منهم في كثير من القواعد والمدن المفتوحة. ولكن عبد الرحمن تأهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة. وبدأ القتال في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر منأكتوبر سنة 732م (أواخر شعبان سنة 114 هـ) فنشبت بين الجيشين معارك جزئية مدى سبعة أيام أو ثمانية احتفظ فيها كل بمراكزه. وفي اليوم التاسع نشبت بينهما معركة عامة فاقتتلا بشدة وتعادل حتى دخول الليل. واستأنفا القتال في اليوم التالي، وأبدا كلاهما منتهى الشجاعة والجلد حتى بدا الإعياء على الإفرنج ولاح النصر في جانب المسلمين. ولكن حدث عندئذ أن افتتح الفرنج ثغرة إلى معسكر الغنائم الإسلامى، وخشى عليه من السقوط في أيديهم، أو حدث كما تقول الرواية أن ارتفعت صيحة مجهول في المراكز الإسلامية بأن معسكرالغنائم يكاد يقع في يد العدو. فارتدت قوة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة إلى ما وراء الصفوف لحماية الغنائم، وتواثب كثير من الجند للدفاع عن غنائمه. فدب الخلل إلى صفوف المسلمين، وعبثا حاول عبد الرحمن أن يعيد النظام وان يهدئ روع الجند، وبينما يتنقل أمام الصفوف يقودها ويجمع شتاتها، إذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى بحياته، وسقط قتيلا من فوق جواده، وعم الذعر والاضطراب في الجيش الإسلامي، واشتدت وطأة الفرنج على المسلمين وكثر القتل في صفوفهم، ولكنهم صمدوا للعدو حتى جن الليل، وافترق الجيشان دون فصل. وكان (16/41) ذلك في اليوم الحادي والعشرين من أكتوبر سنة 732 م (أوائل رمضان سنة114 هـ) وهنا اضطرم الجدل والنزاع بين قادة الجيش الإسلامي، واختلف الرأي وهاجت الخواطر وسرى التوجس والفزع. ورأى الزعماء أن كل أمل في النصر قد غاض فقرروا الانسحاب على الأثر. وفي الحال غادر المسلمون مراكزهم وارتدوا في جوف الليل، وتحت جنح الظلام جنوبا، صوب قواعدهم في سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنما للعدو. وفي فجر الغد لاحظ كارل وحليفه أودو سكون المعسكرات العربية فتقدما منها بحذر وإحجام فألفياها خاوية خاليةالا من بعض الجرحى الذين لم يستطيعوا مرافقة الجيش المنسحب، فذبحوا على الأثر. وخشى كارل الخديعة والكمين فاكتفا بانسحاب العدو ولم يجرؤ على مطاردته وآثر العود بجيشه إلى الشمال. هذه هي أدق صورة لحوادث تلك الموقعة الشهيرة طبقا لمختلف الروايات. والآن نورد ما تقوله الرواية الإفرنجية الكنسية ثم الرواية الإسلامية. أما الرواية الإفرنجية الكنسية فيشوبها كثير من المبالغة والتحامل والتعصب، وهي تصف مصائب فرنسا والنصرانية من جراء غزوة العرب في صور مثيرة محزنة، وتفصل حوادث هذه الغزوة فتقول إحداها: (لما رأى الدوق أودو أن الأمير شارل (كارل) قد هزمه وأذله وأنه لا يستطيع الانتقام إذا لم يتلق النجدة من إحدى النواحي، تحالف مع عرب إسبانيا ودعاهم إلى غوثه ضد الأمير شارل وضد النصرانية. وعندئذ خرج العرب وملكهم عبد الرحمن من أسبانيا مع جميع نسائهم وأولادهم وعددهم وأقواتهم في جموع لا تحصى ولا تقدر، وحملوا كل ما استطاعوا من الأسلحة والذخائر كأنما عولوا على البقاء في أرض فرنسا. ثم اخترقوا مقاطعة جيروند واقتحموا مدينة بوردو وقتلوا الناس في الكنائس وخربوا كل البسائط وساروا حتى بواتيو. . .) وتقول أخرى: (ولما رأى عبد الرحمن أن السهول قد غصت بجموعه اقتحم الجبال ووطئ السهول بسيطها ووعرها، وتوغل مثخنا في بلاد الفرنج ومحق بسيفه كل شيء، حتى أن أودو حينما تقدم لقتاله على نهر الجارون وفرّ منهزماً أمامه لم يكن يعرف عدد القتلى سوى الله وحده. ثم طارد عبد الرحمن الكونت أودو، وحينما حاول أن ينهب كنيسة تور المقدسة ويحرقها التقى بكارل أمير إفرنج أوستراسيا وهو رجل حرب منذ فتوته، وكان أودو قد بادر بأخطاره وهنالك قضى الفريقان أسبوعا في التأهب واصطفا أخيرا للقتال ثم وقفت أمم (16/42) الشمال كسور منيع ومنطقة من الثلج لا تخترق وأثخنت في العرب بحد السيف). (ولما أن استطاع أهل أوستراسيا (الفرنج) بقوة أطرافهم الضخمة، وبأيديهم الحديدية التي ترسل من الصدر تواً ضرباتها القوية أن يجهزوا على جموع كبيرة من العدو، التقوا أخيرا بالملك (عبد الرحمن) وقضوا على حياته. ثم دخل الليل ففصل الجيشان والفرنج يلوحون بسيوفهم عالية احتقارا للعدو. فلما استيقظوا في فجر الغد ورأوا خيام العرب الكثيرة كلها مصفوفة أمامهم تأهبوا للقتال معتقدين أن جموع العدو جاثمة فيها ولكنهم حينما أرسلوا طلائعهم ألّفوا جموع المسلمين قد فرت صامتة تحت جنح الليل مولية شطر بلادها. على أنهم خشوا أن يكون هذا الفرار خديعة يعقبها كمين من جهات أخرى فأحاطوا بالمعسكر حذرين دهشين. ولكن الغزاة قد فروا. وبعد أن اقتسم الفرنج الغنائم والأسرى فيما بينهم بنظام عادوا مغتبطين إلى ديارهم). وأما الرواية الإسلامية فهي ضنينة في هذا الموطن كل الضن كما أسلفنا ويمر معظم المؤرخين المسلمين على تلك الحوادث بالصمت أو الإشارة الموجزة كما سنرى، غير أن المؤرخ الإسباني كوندي يقدم إلينا خلاصة من أقوال الرواية الأندلسية المسلمة عن غزو فرنسا وعن موقعة تور ننقلها مترجمة فيما يلي: - بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان (لما علم الفرنج وسكان بلاد الحدود الإسبانية بمقتل عثمان بن أبي نسعة وسمعوا بضخامة الجيش الإسلامي الذي سير اليهم، استعدوا للدفاع جهدهم وكتبوا إلى جيرانهم يلتمسون الغوث. وجمع الكونت سيد هذه الأنحاء (يريد أودو) قواته وسار للقاء العرب ووقعت معارك سجال. ولكن النصر كان إلى جانب عبد الرحمن بوجه عام فاستولى تباعا على كل مدن الكونت. وكان جنده قد نفخ فيهم حسن طالعهم المستمر فلم يكونوا يرغبون الا في خوض المعارك واثقين كل الثقة في شجاعة قائدهم وبراعته) (وعبر المسلمون نهر الجارون وأحرقوا كل المدن الواقعة على ضفافه وخربوا جميع الضياع وسبوا جموعا لا تحصى؛ وانقض هذا الجيش على البلاد كالعاصفة المخربة فأجتاحها، وأذكى اضطرام الجند نجاح غزواتهم واستمرار ظفرهم وما أصابوا من الغنائم). (ولما عبر عبد الرحمن نهر الجارون اعترضه أمير هذه الأنحاء ولكنه هزمه ففر أمامه وامتنع بمدينته. فحاصرها المسلمون ولم يلبثوا أن اقتحموها وسحقوا بسيوفهم الماحقة كل شيء. ومات الكونت مدافعا عن مدينته واحتز الغزاة رأسه. ثم ساروا مثقلين بالغنائم في طلب انتصارات أخرى، وارتجت بلاد الفرنج كلها رعباً لاقتراب جموع المسلمين، وهرع الفرنج إلى ملكهم قلدوس في طلب الغوث، وأخبروه بما يأتيه الفرسان المسلمون من العبث والسفك وكأنهم في كل مكان، وكيف أنهم احتلوا واجتاحوا كل أقاليم أربونة وتولوشة وبردال وقتلوا الكونت. فهدأ الملك روعهم ووعدهم بالغوث العاجل. وفي سنة 114 سار على رأس جموع لا تحصى للقاء المسلمين. وكان المسلمون قد اقتربوا عندئذ من مدينة تور، وهناك علم عبد الرحمن بأمر الجيش العظيم الذي سيلقى. وكان جيشه قد دب اليه الخلل لأنه كان مثقلا بالغنائم من كل صوب. ورأى عبد الرحمن وأولو الحزم من زملائه أن يحملوا الجند على ترك هذه الأثقال والاقتصار على أسلحتهم وخيولهم ولكنهم خشوا التمرد أو أن يثبطوا عزائم الجند واستسلموا لرأي الواثقين المستهترين. واعتمد عبد الرحمن على شجاعة جنده وحسن طالعه المستمر. ولكن الاضطراب خطر خالد على سلامة الجيوش. صحيح أن الجند يحملهم ظمأ الغنم أن يأتوا جهودا لم يسمع بها فطوقوا (17/39) مدينة تور وقاتلوا حصونها بشدة رائعة حتى سقطت في أيديهم أمام أعين الجيش القادم لإنقاذها وانقض المسلمون على أهلها كالضواري المفترسة وأمعنوا القتل فيهم. قالوا ولعل الله أراد أن يعاقب المسلمين على تلك الآثام، وكان طالعهم قد ولى). (وعلى ضفاف نهر الأوار (اللوار) اصطف رجال اللغتين والتقي المسلمون والنصارى وكلاهما جزع من الآخر، وكان عبد الرحمن ثقة منه بظفره المستمر هو البادئ بالهجوم فانقض بفرسانه على الفرنج بشدة وقابله الفرنج بالمثل. ودامت المعركة ذريعة مروعة طوال اليوم حتى جن الليل وفرق بين الجيشين. وفي اليوم التالي استؤنف القتال منذ الفجر بشدة، وشق بعض مقدمي المسلمين طريقهم إلى صفوف العدو وتوغلوا فيها. ولكن عبد الرحمن لاحظ والمعركة في أوج اضطرامها أن جماعة كبيرة من فرسانه غادرت الميدان بسرعة لحماية الغنائم المكدسة في المعسكر العربي، لأن العدو أخذ يهددها. فأحدثت هذه الحركة خللا في صفوف المسلمين، وخشي عبد الرحمن عاقبة هذا الاضطراب فأخذ يثب من صف إلى صف يحث جنوده على القتال، ولكنه ما لبث أن أدرك أنه يستحيل عليه ضبطهم فأرتد يحارب مع أشجع جنده حيثما استقرت المعركة، حتى سقط قتيلا مع جواده وقد أثخن طعانا. وهنا ساد الخلل في الجيش الإسلامي وأرتد المسلمون في كل ناحية ولم يعاونهم على الانسحاب من تلك المعركة الهائلة سوى دخول الليل) (واستفاد النصارى من هذا الظرف فطاردوا الجنود المنهزمة أياما عديدة، واضطر المسلمون أثناء انسحابهم أن يحتملوا عدة هجمات واستمر الصراع بين مناظر مروعة حتى أربونة). (وقد وقعت هذه الهزيمة الفادحة بالمسلمين وقتل قائدهم الشهير عبد الرحمن سنة115 هـ، ثم إن ملك فرنسا حاصر مدينة أربون. ولكن المسلمين دافعوا بشجاعة متناهية حتى أرغم على رفع الحصار وارتد داخل بلاده وقد أصابته خسائر كبيرة) وأورد المؤرخ كاردون من جهة أخرى في كلامه عن الموقعة فقرة، ذكر أنه نقلها عن ابن خلكان جاء فيها: (لما استولى العرب على قرقشونة خشي قارله (كارل) أن يتوغلوا في الفتح فسار لقتالهم في الأرض الكبيرة (فرنسا) في جيش ضخم وعلم العرب بقدومه وهم في لوذون (ليون) وأن جيشه يفوقهم بكثرة، فعولوا على الارتداد. وسار قارله حتى سهل (17/40) أنيسون دون أن يلقى أحدا. إذ احتجب العرب وراء الجبال امتنعوا بها، فطوق هذه الجبال دون أن يدري العرب ثم قاتلهم حتى هلك عدد عظيم منهم وفر الباقون إلى أربونة. فحاصر قارله أربونة مدة ولم يستطع فتحها فارتد إلى أراضيه وأنشأ قلعة وادي رذونه (الرون) ووضع فيها حامية قوية لتكون حدا بينه وبين العرب). ونعود بعد ذلك إلى الرواية الإسلامية فنقول ان المؤرخين المسلمين يمرون على حوادث هذه الموقعة الشهيرة أما بالصمت أو الإشارة الموجزة. ويجب أن نعلم بادئ بدء أن موقعة تور تعرف في التاريخ الإسلامي بواقعة البلاط أو بلاط الشهداء لكثرة من أستشهد فيها من أكابر المسلمين والتابعين. وفي هذه التسمية ذاتها، وفي تحفظ الرواية الإسلامية، وفي لهجة العبارات القليلة التي ذكرت بها الموقعة، ما يدل على أن المؤرخين المسلمين يقدرون خطورة هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، ويقدرون فداحة الخطب الذي نزل بالإسلام في سهول تور. ويدل على لون الموقعة الديني ما تردده الأسطورة الإسلامية من أن الآذان لبث عصوراً طويلة يسمع في بلاط الشهداء. ونستطيع أن نحمل تحفظ المؤرخين المسلمين في هذا المقام على أنهم لم يروا أن يبسطوا القول في مصاب جلل نزل بالإسلام ولا أن يفيضوا في تفاصيله المؤلمة، فاكتفوا بالإشارة الموجزة اليه، ولم يكن ثمة مجال للتعليق أيضا، ولا التحدث عن نتائج خطب لا ريب أنه كان ضربة للإسلام ولمطامع الخلافة ومشاريعها. وإذا استثنينا بعض الروايات الأندلسية التي كتبت عن الموقعة في عصر متأخر، والتي نقلناها فيما تقدم فان المؤرخين المسلمين يتفقون جميعا في هذا الصمت والتحفظ. وهذه طائفة من أقوالهم وإشاراتهم الموجزة: قال ابن عبد الحكم وهو من أقدم رواة الفتوح الإسلامية واقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي: - بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان قال ابن عبد الحكم وهو من اقدم رواة الفتوح الإسلامية وأقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي: (وكان عبيدة (يريد والي أفريقية) قد ولى عبد الرحمن بن عبد الله العكي على الأندلس وكان رجلا صالحا فغزا عبد الرحمن إفرنجة وهم أقاصي عدو الأندلس فغنم غنائم كثيرة وظفر بهم. . ثم خرج إليهم غازيا فاستشهد وعامة أصحابه، وكان قتله فيما حدثنا يحيي عن الليث في سنة خمسة عشر ومائة). ولم يذكر الواقدي والبلاذري والطبري وهم أيضا من أقدم رواة الفتوح شيئاً عن الموقعة وقال ابن الأثير في حوادث سنة ثلاثة عشر ومائة مرددا لرواية ابن عبد الحكم (ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله فغزا إفرنجة وتوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، ثم خرج غازيا ببلاد الفرنج في هذه السنة (اعني 113هـ) وقتل سنة أربع عشرة ومائة وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء) وينسب ابن خلدون الموقعة خطأ لأبن الحبحاب والي مصر وأفريقية فيقول: (وقدم معه (أي بعد الهيثم) محمد بن عبد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا إفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة، فولي سنتين) ولدينا من الرواية الأندلسية ما قاله صاحب (أخبار مجموعة) عند ذكر ولاة الأندلس وهو (ثم (أي وليها) عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي وعلى يده استشهد أهل البلاط الشهداء، واستشهد معهم واليهم عبد الرحمن) ونقل الظبي في ترجمة عبد الرحمن ما ذكره ابن عبد الحكم عن الموقعة. وقال ابن عذارى المراكشي (ثم ولي الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 بموضع يعرف ببلاط الشهداء) وقال في موضع آخر، ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا (أي الغافقي) ثانية وكان جلوسه لها في صفر سنة 112، فأقام واليا سنتين وسبعة اشهر وقيل وثمانية اشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة 114. وقال المقري فيما نقل (ثم قدم عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا الإفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في (18/47) رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة (ونقل في موضع آخر) وذكر انه قتل (والإشارة هنا خطأ إلى السمح ابن مالك) في الواقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد. قال ابن حيان، فيقال أن الآذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن (ونقل عن ابن حيان) قال دخل الأندلس (أي عبد الرحمن) حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة وغزا الإفرنج، فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة 114 في موضع يعرف ببلاط الشهداء، قال ابن بشكوال (وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط) هذه الفقرات والإشارات الموجزة التي تكاد تتفق جميعها في اللفظ والمعنى هي ما ارتضت الرواية الإسلامية أن تقدمه إلينا في هذا المقام، وان كان في تحفظها ذاته ما ينم كما قدمنا عن تقديرها لرهبة الحادث وخطورته، وبعد آثاره. وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تمليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور فان الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة كارل مارتل إلى السماكين. وتذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا ثلاثمائة وخمس وسبعين ألفا في حين انه لم يقتل من الفرنج سوى الف وخمسمائة. ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا كريكوري الثاني يصف فيها حوادث الوقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها. بيد أنها ليست سوى محض خرافة فإن الجيش الإسلامي كله لم يبلغ حين دخوله إلى فرنسا على أقصى تقدير اكثر من مائة الف والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة، ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة يقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم. ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية (18/48) ولكن مثل هذه الخسائر لا يمكن أن تعدو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة الف. وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنج وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية، فلو أن الجيش الإسلامي انتهى إلى أنقاض ممزقة لبادر الفرنج بمطاردته والإجهاز عليه، ولكنه كان ما يزال من القوة والكثرة إلى حد يخيف العدو ويرده. على أن خسارة المسلمين كانت بالأخص فادحة في نوعها تتمثل في مقتل عبد الرحمن ونفر كبير من زعماء الجيش وقادته؛ بل كان مقتل عبد الرحمن أفدح ما في هذه الخسارة، فقد كان خير ولاة الأندلس وكان أعظم قائد عرفه الإسلام في الغرب، وكان الرجل الوحيد الذي استطاع بهمته وقوة خلاله أن يجمع كلمة الإسلام في إسبانيا فكان مقتله في هذا المأزق العصيب ضربة شديدة لمثل الإسلام ومشاريع الخلافة في افتتاح الغرب. ويعلق النقد الحديث على هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية أهمية كبرى، وينوه بخطورة آثاره وبعد مداها في تغيير مصاير النصرانية وأمم الغرب، ومن ثم تغيير تاريخ العالم كله. واليك طائفة مما يقوله أكابر مؤرخي الغرب ومفكريه في هذا المقام: قال ادوار جيبون: (إن حوادث هذه الموقعة أنقذت آبائنا البريطانيين وجيراننا الغاليين (الفرنسيين) من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وأخرت استعباد قسطنطينية، وشدت بأزر النصرانية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والعطب). ويعتبر المؤرخ آرنولد الموقعة (إحدى هاته المواقف الرهيبة لنجاة الإنسانية وضمان سعادتها مدى قرون). بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام - 8 - ويقول السير إدوارد كريزي: (إن النصر العظيم الذي ناله كارل مارتل على العرب سنة 732 وضع حداً حاسماً لفتوح العرب في غرب أوربا، وأنقذ النصرانية من الإسلام، وحفظ بقايا الحضارة القديمة وبذور الحضارة الحديثة، ورد التفوق القديم للأمم الهندية الأوربية على الأمم السامية) ويقول فون شليجل في كلامه عن الإسلام والإمبراطورية العربية: (ما كاد العرب يتمنون فتح أسبانيا حتى تطلعوا إلى فتح غاليا وبورجونيا. ولكن النصر الساحق الذي غنمه بطل الفرنج كارل مارتل بين تور وبواتيه وضع لتقدمهم حدا، وسقط قائدهم عبد الرحمن في الميدان مع زهرة جنده، وبذا أنقذ كارل مارتل بسيفه أمم الغرب النصرانية من قبضة الإسلام الفاتكة الهدامة إلى الذروة) ويقول رانكه: (إن فاتحة القرن الثامن من أهم عصور التاريخ، ففيها كان دين محمد ينذر بامتلاك إيطاليا وغاليا، وقد وثبت الوثنية كرة أخرى إلى ما وراء الرين، فنهض إزاء ذلك الخطر فتى من عشيرة جرمانية هو كارل مارتل، وأيد هيبة النظم النصرانية المشرفة على الفناء بكل ما تقتضيه غريزة البقاء من عزم، ودفعها إلى بلاد حديثة). ويقول زيلر (كان هذا الانتصار بالأخص انتصار الفرنج والنصرانية، وقد عاون هذا النصر زعيم الفرنج على توطيد سلطانه لا في غاليا وحدها ولكن في جرمانيا التي أشركها في نصره): (على أن هناك فريقاً من مؤرخي الغرب لا يذهب إلى هذا الحد في تقدير نتائج الموقعة وآثارها، ومن هذا الفريق المؤرخان الكبيران سسموندى وميشليه. فهما لا يعلقان كبير أهمية على ظفر كارل مارتل. ويقول جورج فنلى: (إن أثرة الكتاب الغاليين قد عظمت من شأن تغلب كارل مارتل على حملة ناهبة من عرب أسبانيا، وصَّورته كانتصار باهر ونسبت خلاص أوربا من نير العرب إلى شجاعة الفرنج في حين أن حجابا ألقي على عبقرية ليون الثالث إمبراطور (قسطنطينية) وعزمه مع أنه نشأ جنديا يبحث وراء طالعه ولم يكد يجلس على العرش حتى احبط خطط الفتح التي أنفق الوليد سليمان طويلاً في تدبيرها) ونحن مع الفريق الأول نكبر شأن بلاط الشهداء أيما إكبار، ونرى أنها كانت أعظم لقاء حاسم بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب، ففي سهول تور وبواتيه فقد العرب سيادة العالم بأسره وتغيرت مصائر العالم القديم كله وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية كما ارتد قبل ذلك بأعوام أمام أسوار (19/36) قسطنطينية وأخفقت بذلك آخر محاولة بذلتها الخلافة لافتتاح أمم الغرب وإخضاع النصرانية لصولة الإسلام، ولم تتح للإسلام المتحد فرصة أخرى لينفذ إلى قلب أوربا في مثل كثرته وعزمه واعتزازه يوم مسيره إلى بلاط الشهداء. ولكنه أصيب قبل وبعد بتفرق الكلمة، وبينما شغلت إسبانيا المسلمة بمنازعاتها الداخلية، إذ قامت فيما وراء البرنيه إمبراطورية فرنجية عظيمة موحدة الكلمة تهدد الإسلام في الغرب وتنازعه السيادة والنفوذ. محمد عبد الله عنان المستشرق برجستريسر 5 أبريل سنة 1886 - 18 أغسطس سنة 1933 للدكتور إسرائيل ولفنسون. مدرس اللغة العبرية بكلية الآداب وقع نظري أثناء مطالعتي في الجرائد اليومية التي وصلتني من ألمانيا على خبر لم يوضع في مكان بارز كأنه ليس من الأهمية في شيء، ورد فيه نعي جوتهلف برجستريسر أستاذ اللغات السامية بجامعة ميونيخ، سقط أثناء رحلة رياضية في جبال الألب من قمة جبل جلوكنر إلى هاوية توفى فيها على الفور، لو وقع هذا الحادث منذ سنوات قليلة لكان قد وضع في مكان أبرز، وعلى حالة تلفت القراء أكثر مما هو في جرائد هذه الأيام، لأن ألمانيا الحالية ليس فيها من يعبأ كثيراً بمن توفي من العلماء المستشرقين، ولكني روعت لهذا الخبر الذي أدمى قلبي وملأه حزناً وأسى. كان علم الاستشراق قد قطع شوطاً بعيداً في أواخر القرن الماضي في جامعات أوربا على العموم، وفي ألمانيا خاصة حتى وصل ببحوث نولدكه وجولدسيهرويت ويستنفلد وليتش وغيرهم إلى أوج مجده ثم أخذ بعد انتهاء الحرب العظمى ينحدر من قمة الجبال إلى بطون الوهاد ويتضاءل شيئا فشيئا. ويجب أن يلاحظ أن الحرب العالمية قد أدت إلى انحطاط العلم على العموم في أوربا، لأن التفكير الجدي والقراءة الدقيقة انقطع عنهما الشباب الذي أخذ يميل إلى البحوث السطحية وإلى اكتساب العلم عن طريق الراديو والسينما، كما انتشر في الجامعات توغل جمهرة الطلبة في الشؤون السياسية والحزبية اكثر من توغلهم في البحوث العلمية. (19/37) وقد توفي من خيرة الأساتذة المستشرقين (جولدسهر ونولدكه شبيجلبرج وبيجر وهورديتس) دون أن يأتي غيرهم فيملأ الفراغ الذي تركوه في شتى العلوم التي كانوا يضحون حياتهم في سبيلها. وأما الآن فنجد عدداً غير قليل من الأساتذة يملئون أروقة الجامعات في ألمانيا وهم من الذين يناصرون الحزب الذي يقبض الآن على ناصية الحكم في البلاد. . . هذه الأفكار أخذت تقلق بالي في تلك اللحظات التي قرأت في الجرائد الألمانية عن وفاة العالم برجستريسر. نشأ الأستاذ برجستريسر في أسرة ألمانية مسيحية بروتستانتية وكان أبوه وجده قسيسين في مدينة بلون من أعمال زكسن بألمانية، ومن هنا يسهل فهم سبب عناية والديه بتربيته الدينية في المدرسة الابتدائية والثانوية، إذ أراد أن يحقق أمنيتهما حتى يكبر تقياً ويصبح صالحاً لرداء الكهنوت ويكون خير خلف لخير سلف، ولكن جوتهلف برجستريسر مال عن هذه الرغبة إلى البحث في اللغات السامية والعلوم الإسلامية حين دخل في جامعة ليبزيج في سنة 1904 وقد درس آداب اللغة العربية عند العالم أوجست فيشر الذي يعتبر إلى يومنا الحالي من قادة النقاد لدى جمهرة المستشرقين، وقد أثرت روح النقد في جستريسر حتى أضحت على كر الزمن من مميزاته البارزة لا في الكتابة وإلقاء المحاظرات فحسب، بل أثناء محادثاته العادية مع محدثيه، كانت لا تفوته كبيرة أو صغيرة دون أن يتعرض لها إذا وجد مجالا للمعارضة أو الانتقاد. ونذكر بهذه المناسبة إن فيشر، شيخ النقاد، كان على الدوام ينتقد بكل شدة مؤلفات المستشرقين حتى هابه عظماء العلماء في العصر الحاضر، على إن فيشر لم يؤلف المؤلفات الكبيرة كما فعل العلماء الذين انتقد مصنفاتهم بل كان يكتفي بوضع المقالات، وأخذ بعض العلماء يهزءون به ويقولون أن فيشر لا يحب أن ينشر كتبا خوفا من شبح النقد وانتقام النقاد، ومن أكبر عيوب أوجست فيشر أنه بدأ يدون جملة كتب في موضوعات شتى منذ سنين كثيرة ولم ينته منها، إذ من المعلوم انه يعمل منذ ثلاثين سنة في تأليف قاموس عربي علمي دقيق للشعر العربي القديم لم يطبع إلى الآن، وكذلك بدأ في مراجعة جملة مخطوطات لكتاب المغازي للواقدي منذ أمد بعيد وإلى الآن لم ينته منه أيضاً. وكان (19/38) كاتب هذه السطور قد التقى بالأستاذ فيشر في مدينة فينا في مؤتمر المستشرقين في سنة 1930 فعرض عليه أن يتم مراجعة بقية الأجزاء من كتاب المغازي للواقدي، فلما سمع فيشر اقتراحه بدا اضطراب على وجهه وسكت طويلا كأنه لم يتمكن من أن يبوح بكلمة، ثم أجاب بعد تفكير طويل: أمهلني حتى أفكر ملياً في هل أكمل الكتاب أم أقدمه إليك مع جميع المخطوطات والصفحات التي بدأت بمراجعتها. . . فلما قصصت حكاية المقابلة مع فيشر للأستاذ يرجستريسر ابتسم ابتسامته الحلوة قال: فيشر لن يرسل إليك الصفحات التي راجعها أبداً كما لن يخبر أنه عزم على أن لا يتم الكتاب. . . على أن فيشر كان قد درب في جامعة ليبزيج تحت أشرافه عددا لا يستهان به من العلماء حتى أصبحوا من فحول المستشرقين فيما بعد، وكان بينهم الأستاذ جوتهلف برجستريسر. وبعد أن أتم برجستريسر دراسته الجامعية وقدم رسالة عن حروف النفي وأسماء الاستفهام في القرآن الكريم في سنة 1911 قام برحلة إلى الأقطار الشرقية في سنة 1913 فزار الأناضول وسورية وفلسطين ومصر وما كاد يصل إلى ألمانيا من هذه الرحلة المباركة حتى بدأت الحرب العظمى فدعي إلى ساحة القتال، وظل متنقلا مع الجيش الألماني في أرض بلجيكا وفرنسا إلى أن دعته الحكومة التركية في سنة 1915 لإلقاء محاضرات في جامعة الأستانة، وكان أول عهده يلقب أستاذ، وقد بلغ حينئذ العام الثلاثين من حياته، ولما ذاع صيته دعي لإلقاء محاضرات في جامعات ألمانيا في العلوم الإسلامية واللغات السامية كانت أولها جامعة كونسبرج في سنة 1919 وفي عام 1922 انتقل إلى جامعة برسلو ومنها إلى جامعة هيدلبرج في سنة 1924 ثم دعي إلى مدينة ميونيخ، سنة 1926 التي ظل يدرس بها إلى أن أدركته المنية. تنقسم مؤلفات برجستريسر إلى أربعة أنواع أصلية، نوع يشتمل كتبه عن اللغة العربية وعلم اللغات السامية، ونوع آخر يبحث في الآرامية ولهجاتها، ونوع ثالث يحتوي على مصنفاته ومطبوعاته في الآداب العربية والعلوم الاسلامية، وأما النوع الرابع فيشمل مقالاته عن علوم اللغة التركية. على العموم تمتاز كتابة برجستريسر بدقة الجمل القليلة في ألفاظها، الكثيرة في معناها، يعبر عما يجول في خاطره بعد تفكير طويل، وبعد إحاطة بالموضوع من جميع نواحيه، (19/39) وإلمام شاق بجميع المراجع الكبيرة والصغيرة مع استعمال الأدلة العلمية الدقيقة، مما يجعل القارئ يحتاج إلى قراءة الكتاب بأناة حتى يقف على النظريات الغزيرة. ومن أهم ما دون برحستريسر في حياته: كتابه عن قواعد اللغة العبرية، ومما لا شك عندنا أنه اخطر كتاب في موضوعه منذ بدأ البحث في علوم الأمم الشرقية على الطريقة العلمية المألوفة عند الإفرنج، وقد أظهر المؤلف في هذا المصنف أنه وقف على جميع النظريات التي الفت في هذه المادة في جميع العصور بين كتب ومقالات معروفة ومهجورة، وهذا المام يندر أن يوجد بين علماء اليهود أنفسهم. ومع أن كتابه هذا وضع لجمهرة الطلبة في الجامعات فانه لم يستعمل كثيراً بين هؤلاء لأنهم لم يتمكنوا من فهمه وإدراكه حق الإدراك، لذلك اصبح كتاباً للأساتذة والمدرسين في المعاهد العليا كما هو شأن جميع كتب برحستريسر التي انحصر تداولها بين أيدي الذين نضجت عقولهم وتمرنوا على مطالعة الموضوعات العويصة والكتب الفنية الدقيقة. وله كتاب آخر سمى المدخل إلى اللغات السامية ويجب أن يلاحظ أنه بعد أن نشر مصنف نولدكه عن اللغات السامية، وكتاب بروكلمان الكبير عن الموازنة بين قواعد اللغات السامية جاء برجستريسر وأضاف كتاباً جديداً في هذه المادة، وكان الناس يتوقعون أنه لا يأتي بجديد، ولكن ظهور الكتاب أزال كل أثر لتلك المخاوف، إذ جاء جديداً في اسلوبه، فياضاً في نظرياته، ثائراً على القديم، يلقي أحكامه الجديدة ويهدم قضايا مألوفة ومعروفة. وله كذلك كتاب في جغرافية اللغة في سورية وفلسطين وضعه لاغراض عملية لرجال الجيش الألماني في البلدان العربية أثناء الحرب العظمى. وقد ذكرنا رحلة الأستاذ برجستريسر إلى البلدان الشرقية، وكان قد أقام مدة من الزمن في دمشق بحث فيها بحثاً علمياً دقيقاً عن اللهجة العامية في دمشق، كما وجه عناية شديدة إلى البقية الباقية من الأرهاط السريانية التي تقطن في المعلولة وهي ضاحية من ضواحي دمشق. وصنف رسالتين إحداهما عن اللهجة السريانية عند أهل معلولة والأخرى عن الروايات الخرافية الجديدة عند الآراميين. على أن الأستاذ برجستريسر وجه جل عنايته إلى البحث في العلوم الإسلامية والعربية، وكانت باكورة مصنفاته في هذه المواد رسالته عن حنين بن اسحق ومدرسته، ومما لا شك (19/40) فيه أن اللذين يكتبون عن الفلسفة اليونانية وأثرها في الفلسفة الإسلامية وعن حركة الترجمة والنقل من اليونانية إلى العربية بواسطة السريان، يجدون في هذا السفر مادة غزيرة لا يمكنهم أن يستغنوا عنها مطلقاً. وله كتاب آخر وهو عظيم الخطر في العلوم الإسلامية أعني به ما كتبه عن مصاحف القرآن الكريم. كان الأستاذ نولدكه قد ألف في أواسط النصف الثاني من القرن التاسع عشر كتاباً عن تاريخ القرآن كان له الدوي العظيم والأثر البعيد في أندية العلماء في أوربا، ولما احتاج الكتاب إلى تنقيح وزيادات وكان الأستاذ نولدكه قد توغل في بحوث أخرى تناوله الأستاذ شوللى واخرج الطبعة الثانية من كتاب تاريخ القرآن الكريم مع زيادات وملاحظات كثيرة، ولم يكن الكتاب كمل بعد، لذلك أتم برجستريسر ما بدأ به نولدكه وشوللي فدون الجزء الثالث من تاريخ القرآن الكريم وهو كتابه عن المصاحف، وقد رأى الأستاذ برجستريسر أن يبحث في قراءات القرآن وهي مادة لم يكن ليشتغل فيها غيره من كبار المستشرقين، فقضى سنين طويلة يراجع بصبر وأناة كل ما دون في أمهات المصنفات الإسلامية في هذه المادة من كتب مطبوعة ومخطوطة، وكانت نتيجة هذه الأبحاث الطويلة أنه طبع (1) كتاب غاية النهاية في طبقات القراء لشمس الدين أبي الخير محمد الجزري المتوفى سنة 832 هـ (2) كتاب شواذ القراءات لابن خالويه (3) رسالة باللغة الألمانية عن القراءات القرآنية الشاذة في كتاب المحتسب لابن وهو آخر مصنف وضعه الأستاذ برجستريسر في حياته، ومما يلفت الأنظار أن هذا الكتاب مقدم إلى الدكتور طه حسين. ويجب ألا يغيب عن البال إن الأستاذ برجستريسر قد أتقن ما عدا اللغات السامية: الفارسية والتركية أيضاً، وقد وضع جملة مقالات عن آداب هاتين اللغتين نشرت في مجلات المستشرقين في مناسبات شتى كان الأستاذ أنوليتمان المستشرق الشهير صاحب المدونات عن الكتابات العربية قبل الإسلام، المعروفة بالخطوط الثمودية واللحيانية (راجع كتاب تاريخ اللغات السامية لكاتب هذه السطور ص 175 - 188) بعد أن ألقى محاضرات في الجامعة المصرية في السنة الدراسية 1928 - 1929 ولم يستطع الرجوع إلى الجامعة بعد ذلك الحين أشار على الهيئات الرسمية بالجامعة (19/41) المصرية بأن يدعو الأستاذ برجستريسر لإلقاء محاضرات في الجامعة المصرية. وقد قوبل الاقتراح ولبى الأستاذ برجستريسر دعوة الجامعة وحضر إلى القطر المصري وكان مجيء برجستريسر حادثاً خطيراً في حياة الجامعة المصرية إذ كان الأساتذة والمدرسون يقبلون عليه ويحضرون مع الطلاب محاضراته النفسية، وكان يلقي في ذلك العام (1930) محاضرات عن التطور النحوي للغة العربية. وكان في محاضراته الأولى كثير العجمة والإبهام في لغته العربية، وكان يقرأ المحاضرة من الورقة المكتوبة التي كانت أمامه، ثم أخذ بعد جملة أسابيع يتحرر شيئاً فشيئاً من الكراس، وأخذ يرتجل الجمل ارتجالاً ويفصح في الكلام افصاحاً، ثم رجع في سنة 1932 إلى مصر وألقى محاضراته عن اللهجات العامية في الموصل. كان يفيض كالبحر الزاخر بلغة عربية فصيحة كانت مفهومة واضحة لجمهرة الطلبة ويجب أن يقال بكل صراحة إن عدد الحاضرين عند برحستريسر كان في بادئ الأمر كبيراً، ثم أخذ ينقص على كر الزمان إلى أن انحصر الحاضرون في طلبة قسم اللغات السامية فقط، والسبب في ذلك يرجع إلى أن محاضرات برجستريسر كانت فنية قبل كل شيء أي إن الذين لم يدرسوا اللغات السامية لم يفهموا كثيراً مما كان يلقي الأستاذ، وفوق ذلك فأن عقلية برجستريسر كانت دقيقة وعميقة وكانت محاضراته موجهة إلى أصحاب الثقافة الراقية قبل كل شيء. لم يكن برجستريسر أكبر الأساتذة سنا، ولكنه كان أعلاهم مقاما وأغزرهم علما وكانوا يوجهون إليه الأسئلة حتى يقفوا على آرائه في كثير من الموضوعات ومن هنا ادخل برجستريسر في هيئة التحرير في المجلة العلمية الشهيرة في أدبيات وكان مدة من الزمن رئيس التحرير في المجلة الألمانية للعلوم السامية. كان الأستاذ برجستريسر يسرف في إجهاد نفسه حتى أضناه العمل لأنه كان فوق البحث والفحص لتنظيم محاضراته لطلبة الجامعة المصرية، يمضي ثلاثة أيام كاملة من الصباح إلى الغروب في المكتبة الملكية يجلس إلى مائدة في غرفة منفردة ويراجع مخطوطات في قراءات القرآن، ثم اضطر إلى ملازمة الفراش، فعنفه الأطباء على اجتهاده المفرط الذي ينذر بالخطر وأشاروا عليه بترك العمل في المطالعة والتأليف ولكنه لم يحفل بهم. وكان برجستريسر يحب الجبال، والرياضة في الجبال، يتنزه أسابيع كاملة على خلوة (19/42) بنفسه، وفي اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس المنصرم صعد جبل جلوكز الشامخ فحدثت الفجيعة العظمى إذ زلت قدماه من ذروة الجبل الشاهق وسقط إلى هاوية فتوفي على الأثر وكان قد بلغ الثامنة والأربعين من عمره حين قضى نحبه. • في الأدب العربي ابن خلدون ومكيافيللي للأستاذ محمد عبد الله عنان بعد وفاة ابن خلدون بأكثر من قرن، وضع نيكولو ميكافيللي المؤرخ والسياسي الإيطالي كتاباً يتبوء في التفكير الغربي مكانه كتلك التي تتبوأها مقدمة ابن خلدون في التفكير الإسلامي. ذلك هو كتاب (الأمير) وهو كأثر ابن خلدون قطعة بديعة من التفكير السياسي والاجتماعي، تمتاز بكثير من القوة والطرافة والابتكار الفائق. وإذا لم يك بين الأثرين كثير من أوجه الشبه المادي، فان بينهما كثيراً من أوجه الشبه المعنوي، وبين الذهنين بالأخص مشابهة قوية من حيث الظروف والبيئة التي تكون كل فيها، ومن حيث فهمه للتاريخ والظواهر الاجتماعية، ومن حيث قوة العرض والاستدلال بشواهد التاريخ. ونستطيع أن نرجع كثيراً من أسباب هذه المشابهة بين المفكرين العظيمين إلى تماثل عجيب في العصر والظروف السياسية والاجتماعية التي عاش كل منهما فيها. فقد كانت الإمارات والجمهوريات الإيطالية التي عاش ميكافيللي في ظلها تعرض في إيطاليا نفس الصور والأوضاع السياسية التي تعرضها الممالك المغربية أيام ابن خلدون، من حيث اضطرام المنافسات والخصومات فيما بينها، وطموح كل منها إلى افتتاح الاخرى، وتقلب إماراتها ورياساتها بين عصبة من الزعماء والمتغلبين. وقد اتصل ميكافيللي بهذه الدول، وقضى عصراً في خدمة إحداها وهي وطنه فلورنسا (فيرنتزا) وانتدب لمهام سياسية مختلفة؛ واستطاع أن يدرس عن كثب كثيراً من الحوادث والتطورات السياسية التي تعاقبت في عصره، وان يجعل من هذا الدرس مادة لتأملاته عن الدولة والأمير، كما جعل ابن خلدون من الحوادث التي عاصرها واشترك فيها مادة لدرسه وتأملاته. على أن المفكر المسلم أغزر مادة وأوسع آفاقاً من المفكر الإيطالي. ذلك أن ابن خلدون يتخذ من المجتمع كله وما يعرض فيه من الظواهر مادة لدرسه، ويحاول أن يفهم هذه الظواهر وأن يعللها على ضوء التاريخ، وأن يرتب على سيرها وتفاعلها قوانين اجتماعية عامة. ولكن ميكافيللي يدرس الدولة فقط، أو يدرس أنواعاً معينة من الدول، هي التي يعرضها التاريخ اليوناني والروماني القديم، وتاريخ إيطاليا في عصره، ويدرس شخصية (19/44) الأمير والمتغلب الذي يحكم الدولة، وما يلحق بها من الخلال الحسنة أو السيئة، وما يعرض لها من وسائل الحكم. وهذه الدراسة المحدودة المدى تكون جزءاً صغيراً فقط من دراسة ابن خلدون الشاسعة، وهو الفصل الثالث من الكتاب الأول من المقدمة، وهو الذي يدرس فيه أحوال الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية. وحتى في هذا المدى المحدود يتفوق ابن خلدون على ميكافيللي تفوقاً عظيماً. ويبتدع هنا نظرية العصبية، ونظرية إعمار الدول، ويتناول خواص الدولة من الناحية الاجتماعية وإن كان ميكافيللي من جهة أخرى يتفوق على ابن خلدون في سلاسة المنطق، ودقة العرض والتدليل، ورواء الأسلوب. كتب ميكافيللي كتابه (الأمير) سنة 1513 وأهداه إلى لورنزو دى مديتشي (الأفخم) أمير فلورنسا، وهو يشير إلى غرضه من وضع كتابه في قوله للأمير في خطاب الإهداء: (ومع أني أعتبر هذا المؤلف غير خليق بمطالعة محياك، فإني اعتمد جل الاعتماد على عطفك ورقتك في قبوله، فلست أستطيع في إهدائك خيراً من أن اقدم إليك فرصة لتفهم في أقصر الأوقات كل ما عرفته خلال أعوام طويلة، وفي غمار من المتاعب والأخطار) وفي قوله: (فتناول يا ذا الفخامة هذه الهدية الصغيرة بنفس الروح الذي أرسلها به، وإنك إذا قرأته بإمعان وتأمل، فسوف تعرض خالص رغبتي في أن تظفر بهذه العظمة التي يمنى بها حسن الطالع وتمنى بها خلالك) وإذن فقد أراد ميكافيللي أن يقدم كتابه (الأمير) مرشداً لأمراء عصره يرشدهم إلى أمثل طرق الحكم، وأمثل الوسائل لسيادة الشعوب التي يحكمونها. وميكافيللي يستمد آراءه ونظرياته من حوادث التاريخ القديم. وبالأخص من حوادث عصره التي شهدها وخبرها. ويرتب عليها أحكاماً وقواعد عامة، كما يرتب ابن خلدون مثل هذه الأحكام والقواعد على دراسته للمجتمع. ويبسط ميكافيللي دراسته في بحوث موجزة ويبدأ بالحديث عن أنواع الإمارات، ووسائل اكتسابها، وعن الوسائل التي تحكم بها المدن أو الإمارات التي كانت تعيش في ظل قوانينها قبل أن تغلب، وعن الإمارات التي تقوم بالفتح وكفايات الأمير الشخصية، وعن تلك التي تغنم على يد آخرين أبطرق الحظ، أو تلك التي تغنم بالغدر والخيانة. وعن الإمارات المدنية والدينية، وعن أنواع الجيوش والجنود المرتزقة، وما يجب أن يعرفه الأمير عن فن الحرب. ثم يتناول بعد ذلك شخصية الأمير، وما يحمد فيه من الخلال وما يذم، وعن الكرم والشح، والرأفة (19/45) والقسوة وعن الطريقة التي يجب أن يحفظ بها الأمراء وعودهم، وعما يجب عليهم لتجنب بغض الشعب واحتقاره، وما يجب عليهم لاكتساب الشهرة والمجد، وأخيراً يتحدث عن حجاب الأمير (سكرتارية) وعن وجوب تجنب الملق، وعن الأسباب التي فقد بها أمراء إيطاليا دولهم، وعما يمكن أن يؤديه حسن الطالع في سير الشؤون البشرية؛ ثم يختتم بالحث على تحرير إيطاليا من نير الأجانب أو غزوات البرابرة كما يسميهم. تلك هي المباحث التي جعلها ميكافيللي قوام فلسفته عن الدولة والأمير. ويبدو بالأخص مما كتبه عن (الأمير) انه يعالج موضوعاً عالجه المفكرون المسلمون قبل ابن خلدون بعصور طويلة، هو موضوع (السياسة الملكية) وهو موضوع يجري منذ القرن الثالث الهجري في التفكير الإسلامي مع بحث أو علم خاص هو علم السياسة على نحو ما بينا في فصل سابق. وقد رأينا مما تقدم أن (السياسة) كانت تفهم عند العرب في العصور الأولى بمعنى ضيق جداً هو شرح الخلال الحسنة التي يجب أن يتصف بها الأمير، والعيوب التي يجب أن يبرأ منها لكي يصلح لرآسة الدولة وتبوء الملك؛ ولكي يستطيع الحكم بأهلية وكفاية. ثم توسع المفكرون المسلمون في فنهم معنى (السياسة) وقسموها إلى عدة أنواع؛ وتناولوا (السياسة الملكية) من الناحية الفقهية وكذا من الناحية الإدارية وبحثوا مركز الأمير من الناحية الشرعية وتحدثوا عن الخطط السلطانية، وظاهر ما يتناوله المفكر الإيطالي من خواص الأمير وخلاله وواجباته هو ضرب مما تناوله المفكرون المسلمون منذ أواخر القرن الثالث الهجري. ومن ذلك ما كتبه ابن قتيبة في كتاب (عيون الأخبار) والماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) والطرطوشي في كتاب (سراج الملوك) والغزالي في كتاب (التبر المسبوك)، ثم ابن الطقطقي في كتاب (الآداب السلطانية). وهو موضوع تناوله ابن خلدون فيما تناوله من أحوال الدول العامة والملك، إذ يتحدث هنا عن حقيقة الملك وأصنافه، وعن معنى الخلافة والامامة، وعن مختلف المذاهب والآراء في حكم الإمامة ثم عن الخطط السلطانية، وحديثه في ذلك يمتاز عن حديث أسلافه بما يتخلل بحثه وتدليله من الملاحظات والتأملات الاجتماعية التي لم يوفق إليها باحث قبله. على أن ميكافيللي يمتاز في بحثه بروح عملية جافة. وبينما يتحدث المفكرون المسلمون (19/46) عن الأمير أو الحاكم كما يجب أن يكون، وعن خلاله المثلى كما يجب أن يكون، إذا بالمفكر الإيطالي ينظر إلى الأمير الأمثل نظرة عملية محضة. فيصفه كما هو في الواقع، ويتصور خلاله المثلى فيما هو حادث بالفعل، ويرتب تدليله ونتائجه على ما أحرز الأمير وأحرزت خلاله من النجاح أو الفشل دون تأثر بما إذا كانت هذه الصور والخلال تتفق مع مبادئ الأخلاق المثلى كما فهمت خلال العصور. ومن هنا تستمد فلسفة ميكافيللي لونها القاتم، وتوصم آراءه ونظرياته السياسية بتلك الصرامة والقسوة والخبث التي جعلتها حتى عصرنا مضرب الأمثال للسياسة الغادرة التي لا ضمير لها ولا وازع، والتي جردت من كل نزاهة وعفة، وتغاضت عن كل المثل الإنسانية والأخلاقية. وإلى القارئ بعض نماذج من تلك الآراء التي طبعت فلسفة ميكافيللي، وأميره الأمثل بذلك الطابع الأسود. الأدب العربي ابن خلدون وميكيافيللي للأستاذ محمد عبد الله عنان 1. (ليس على الأمير أن يجزع لما يناله من لوم على تلك الرذائل التي لا يمكن دونها إنقاذ الدولة إلا بصعوبة، ذلك أنه إذا بحث كل شيء بعناية، ألفينا أن شيئا يبدو كالفضيلة، إذا اتبع فإنه يؤدي إلى خرابه (أي الأمير)، وألفينا شيئا آخر يبدو كالرذيلة، إذا اتبع فإنه مع ذلك يؤدي إلى سلامه ورخائه). 2. (ليس أكثر تبديدا للمال من الجود والبذخ إذ سرعان ما تعجز عن مزاولتهما، وتعدو إما فقيرا أو محتقرا، أو تغدو إذا أردت أن تجتنب الفقر، جشعا مكروها. ويجب على الأمير أن يحرص قبل كل شيء على أن لا يكون محتقرا أو مكروها. وإذن فخير أن يشتهر الأمير بالوضاعة التي تثير اللوم دون بغض من أن يرغم الإنسان من طريق البحث عن الشهرة بالجود، أن يوصم بالجشع الذي يثير اللوم والبغض). 3. (كان بورجيا يعتبر قاسيا، ومع ذلك فإن قسوته أرضت رومانيا (من الولايات البابوية) ووحدتها، وردت إليها السلام والولاء. ولو تأملت ذلك حق التأمل لرأيت أنه كان أكثر رحمة من الشعب الفلورنسي، الذي أراد أن يتجنب الشهرة بالقسوة فترك بستويا حتى خربت. وإذن فما دام الأمير قادرا على الاحتفاظ لشعبه بالوحدة والولاء، فليس عليه أن يهتم بوصمة القسوة لأنه بذلك يكون أكثر رحمة من أولئك الذي يفرطون في استعمال الرحمة، فتثور القلاقل، ويعقبها القتل والنهب). 4. (وهنا يبدو سؤال: أخير أن يحب الإنسان من أن يرهب أو يرهب من أن يحب؟ ويمكن أن نجيب بأنه من المرغوب أن يكون الآنسان محبوبا مرهوبا، ولكن ما دام اجتماعهما في شخص واحد غير ممكن، فإنه خير وأكثر سلامة أن يرهب الإنسان من أن يحب إذا وجب أن يتصف بإحدى الصفتين). 5. (لا يستطيع الأمير العاقل ولا يجب عليه أن يحفظ العهد إذا كان مثل هذا الوفاء قد ينقلب ضده، وإذا لم يبق للأسباب التي حملته على قطعه وجود). 6. (وإذن فليس من الضروري أن يتصف الأمير بالخلال الحسنة التي ذكرتها، ولكن من (20/40) الضروري أن يبدو كأنه يتصف بها. . . ولا يستطيع الأمير، ولا سيما الأمير الجديد، أن يراعي كلالأمور التي يقدر الناس من أجلها، لأنه كثيرا ما يرغم، لكي يحفظ الدولة، على أن يتصرف بغير ما يقضي به الإخلاص، والصداقة، والإنسانية، والدين. وإذن فمن الضروري أن يكون عقله متأهبا ليعمل طبقا لتقلب الريح والحظ). 7. وقال مشيرا إلى سياسة ملك إسبانيا فرديناند الكاثوليكي ضد المسلمين عقب سقوط غرناطة: (إنه ينتحل الدين دائما عذرا للقيام بأعمال عظيمة، وقد ثابر بقسوة صالحة على إخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وليس ثمة أبدع من هذا العمل وأندر منه). نستطيع من هذه النماذج الموجزة أن نفهم روح الفلسفة المكيافيللية في تصوير الدولة والأمير. وهي فلسفة تقوم على الحقائق العملية. وتحل هذه الحقائق على رغم جفائها وروعتها المكان الأول في بناء الدولة، وفي سياسة الأمير. فالنفاق والشح والوضاعة، والقسوة والإرهاب، والغدر والنكث بالعهد. وإهدار الإخلاص والصداقة والأمانة والدين، وما إليها مما ينافي المثل الفاضلة وتأباه الأخلاق والإنسانية، ليس مما تنكره الفلسفة المكيافيللية، ولا مما يشين السياسة التي تقوم عليها. ومن ثم كان الأمير أو السياسي الأمثل في نظر مكيافيللي طاغية لجأ في تأييد سلطانه إلى أروع الوسائل وأشنعها مثل البابا اسكندر السادس، وابنه شيزاري بورجيا (دوق فالنتينو). ويتناول مكيافيللي طرفا من حياة شيزاري بورجيا الذي عرفه واتصل به في رسالة خاصة، ويبدي إعجابه بتلك الخطوط والوسائل الدموية التي ابتدعها ودبرها شيزاري للبطش بخصومه من الأمراء والقادة وقتلهم غدراً وغيلة. ومن ثم كان ذلك الطابع الاسود الذي ما يزال يدمغ (السياسة المكيافيللية) إلى عصرنا. بيد أنه من الحق أن يقال أن المفكر الإيطالي يبدي في صوغ فلسفته كثيرا من القوة والبراعة وبعد النظر، وأن هذه النظريات والمبادئ التي قد يحكم عليها من الوجهة النظرية الخالصة، كانت وما زالت على كر العصور قوام السياسات الظافرة، وما تزال إلى يومنا عنوان السياسة العملية القوية. (2) يتناول ابن خلدون كما قدمنا موضوع الدولة والملك بإفاضة ويبحثه من نواح أوسع وأبعد مدى، ويتفوق على مكيافيللي تفوقا عظيما في معالجته من الناحية الاجتماعية. ويلتقي (20/41) المفكران العظيمان في مواطن كثيرة. مثال ذلك ما يقوله ابن خلدون في فاتحة مقدمته عن قيمة التاريخ في درس أحوال الأمم، ثم أقواله عن آثار البطش والسياسة العاسفة في نفوس الشعب، وعن خلال الأمير وتطرفه أو توسطه فيها، وعن حماية الدولة وأعطيات الجند، وعن منافسة الأمير للرعية في التجارة والكسب؛ وعن تطلع الأمير إلى أموال الناس وأثر ذلك في حقد الشعب عليه، وعن تطرق الخلل إلى الدولة وامتداد يد الجند إلى أموال الرعية، وكذا ما يقوله عن كتبهَ (سكرتارية) السلطان فهذه كلها نقط أو موضوعات يعالجها مكيافيللي أو يقترب منها سواء في كتاب الأمير أو في كتاب آخر له هو (تاريخ فلورنس) تتخلله تأملات فلسفية واجتماعية كثيرة. وقد لا يتفق مكيافيللي مع ابن خلدون دائما في الرأي، أو في منحى التفكير، ولكن كثيرا مما يقوله المفكر العربي يتردد صداه فيما يقول المفكر الإيطالي. فابن خلدون هو بحق أستاذ هذه الدراسة السياسية الاجتماعية التي تناول مكيافيللي بعده بنحو قرن بعض نواحيها؛ وهو بالأخص صاحب الفضل الأول في فهم الظواهر الاجتماعية وفي فهم التاريخ وحوادثه وتعليلها، وترتيب القوانين الاجتماعية عليها بهذا الأسلوب العلمي الفائق. قال العلامة الاجتماعي جمبلوفتش: (إن فضل السبق يرجع بحق إلى العلامة الاجتماعي العربي (ابن خلدون) فيما يتعلق بهذه النصائح التي أسداها مكيافيللي بعد ذلك بقرن إلى الحكام في كتابه (الأمير). وحتى في هذه الطريقة الجافة لبحث المسائل، وفي صبغتها الواقعية الخشنة، كان من المستطاع أن يكون ابن خلدون نموذجاً للإيطالي البارع الذي لم يعرفه بلا ريب) وقال استفانو كلوزيو مقارناً ابن خلدون بمكيافيللي؛ (إذا كان الفلورنسي العظيم (مكيافيللي) يعلمنا وسائل حكم الناس، فإنه يفعل ذلك كسياسي بعيد النظر، ولكن العلامة التونسي (ابن خلدون) استطاع أن ينفذ إلى الظواهر الاجتماعية كاقتصادي وفيلسوف راسخ، مما يحمل بحق على أن نرى في أثره من سمو النظر ومن النزعة النقدية ما لم يعرفه عصره). وقد نتساءل أخيرا، هل وقف المفكر الإيطالي على شيء من تراث ابن خلدون واسترشد به، أم وقف على شيء من آثار المفكرين المسلمين قبله في موضوع السياسة الملكية وانتفع بها؟ نعتقد مع العلامة جمبلوفتش أن مكيافيللي لم يعرف حين كتابة (الأمير) شيئا عن ابن (20/42) خلدون أو عن آثاره، ولم يعرف من جهة أخرى شيئا من آثار المفكرين المسلمين في موضوعه. صحيح أن بعض نواحي التفكير الإسلامي كانت معروفة في إيطاليا قبل مكيافيللي وفي عصره، وكانت ثمة علائق فكرية قديمة بين مسلمي الأندلس وشمال أفريقية، وبين المجتمعات الفكرية في إيطاليا، وكانت آثار إسلامية كثيرة قد ترجمت يومئذ إلى اللاتينية. ولكنا لا نلمح في أثر مكيافيللي شيئا يدل على أنه عرف ابن خلدون أو أي مفكر مسلم في موضوعه. وإذا كانت ثمة وجوه شبه كثيرة بين المفكرين من حيث فهم التاريخ وتحليله، واستقراء الحوادث، وترتيب القوانين الاجتماعية، فذلك يرجع كما قدمنا إلى تقارب عظيم بين الذهنين، وإلى تماثل في العصر والظروف التي عاش فيهما كل منهما، وإلى تماثل في الخبرة السياسية التي اكتسبها كل منهما بخوض حوادث عصره والاتصال بأمرائه وساسته. وربما يكون ميكافيللي قد عرف شيئاً عن أبن خلدون ومقدمته في أواخر حياته بعد أن وضع كتاب (الأمير) بنحو عشرة أعوام أعني حوالي سنة 1523 أو 1524. ففي ذلك الحين كان الكاتب الأندلسي المنتصر الحسن بن محمد الوزان المعروف بأسم ليو الأفريقي يقيم في رومة ويتجول في المدن الإيطالية الشمالية وهو غرناطي ولد حوالي سنة 1495 م. ونشأ في فاس وتولى لبلاطها بعض المهام السياسية، ثم حج إلى مكة سنة 1516، وعاد بطريق قسطنطينية، وفي أثناء ركوبه البحر إلى المغرب أسّرته عصابة من لصوص البحر الصقليين، فأخذ إلى رومه فنصره البابا بأسم (يوهانس ليو) أو يوحنا الأسد. أنقطع للبحث والتأليف، وألف قاموساً عربياً لاتينياً، وألف كتابه الشهير في وصف أفريقية وترجمه بعد ذلك إلى الإيطالية. وكان في مدينة بولونيا بشمال إيطاليا على مقربة من فلورنس سنة 1524 حسبما يقرر في خاتمة قاموسه اللاتيني، الذي توجد منه نسخة في الاسكوريال. ومن الممكن بل لعله من المرجح أن يكون ابن الوزان قد التقى بمكيافيللي وعرفه في رومه باعتباره علما من أعلام التفكير والكتابة يومئذ. وكان مكيافيللي بالفعل في رومه سنة 1525، قصدها ليرفع كتابه (تاريخ فلورنس) إلى صديقه وحاميه البابا كليمنضوس السابع (جوليا نودي مديتشي) ولو صح هذا اللقاء والتعارف، لكان ثمة مجال للقول بأن مكيافيللي قد وقف على شيء من آثار التفكير الإسلامي التي لا بد أن يكون ابن الوزان قد أذاعها وتحدث عنها بين أصدقائه الإيطاليين، ومن المرجح أن يكون ابن خلدون (20/43) في مقدمة المفكرين المسلمين الذين يشملهم مثل هذا الحديث، لا سيما وقد كان صيته ما يزال قويا ذائعا في أفريقية والمغرب حيث نشأ ابن الوزان ودرس، على أنه مهما كان من شأن هذه الفروض، فلسنا نستطيع أن نقول أن مكيافيللي قد انتفع في صوغ فلسفته السياسية والاجتماعية بشيء من آثار التفكير الإسلامي، فلسنا نلمح في كتابه أثراً لهذا التفكير، ومكيافيللي ذهن مبتدع مبتكر بلا ريب، كما كان ابن خلدون ذهنا مبتكراً مبتدعا. وقد شق كلا المفكرين العظيمين طريقه لنفسه، وألهم وحي نفسه، وكان كتاب (الأمير) فتحاً عظيما في تفكير عصر الإحياء الأوربي، كما كانت مقدمة ابن خلدون فتحاً عظيما في التفكير الإسلامي. الصهيونية نشأتها وتطورها 1. قبل عهد بلفور للأستاذ محمد عبد الله عنان لفتت حوادث فلسطين الأخيرة أنظار العالم مرة أخرى إلى ذلك النظام السياسي الاجتماعي الغريب الذي فرض على فلسطين تحقيقا لمشاريع السياسة الاستعمارية. ففي فلسطين أمة عربية تعيش في ذلك الوطن منذ آماد بعيدة. ولكنها تجد اليوم نفسها أمام خطر داهم على كيانها القومي، وترى اليهودية تمكن من غزو هذا الوطن بطريقة منظمة مستمرة، تنفيذا لعهد قطعته بريطانيا العظمى على نفسها إبان الحرب الكبرى، بأن تعاون على إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. وفكرة الوطن القومي اليهودي قديمة ترجع إلى العصور الوسطى. ولكنها لم تكن في تلك العصور التي كانت بالنسبة لليهودية (عصرها الحديدي) أو عصر الاضطهاد الشنيع أكثر من مثل أعلى أو أمنية مقدسة غامضة. ولكنها منذ القرن الثامن عشر تغدو نظرة سياسية اجتماعية ترمى إلى غايات عملية. وكان أقطاب اليهودية في ذلك العصر وعلى رأسهم رجال ممتازون مثل مندلزون ولسنج يرون أن تتخذ القومية اليهودية صيغة محلية، فيغدو اليهود من أبناء البلد الذي استوطنوه مع احتفاظهم بتراثهم الروجي. ولكن هذه القومية المعتدلة التي أملى بها جو التسامح الذي نعمت به اليهودية يومئذ لم تلق كبير تأييد، ولم يطل أمدها، واستمرت الفكرة القديمة على قوتها وتأثلها. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر نجد يهود إنكلترا يعملون على تقويتها وتلمس السبل لتنفيذها بالدعوة إلى إحياء التراث اليهودي وإنشاء المستعمرات اليهودية في فلسطين. ومن ذلك الحين تتجه اليهودية ببصرها إلى فلسطين؛ وتتكرر جهودها لإقناع السياسة البريطانية بإمكان قيام وطن قومي يهودي في فلسطين تحت الحماية البريطانية، وأن قيامه يغدو ضمانا قويا لتأمين طريق الهند البري وهنا تتخذ فكرة القومية اليهودية صبغة سياسية واضحة؛ وتبدو الفكرة الصهيونية في شكلها الحديث. والصهيونية هي القومية اليهودية. اشتقت من (سيون) العبرية أو صهيون وهي (22/41) الأكمة أو المعقل. وقد أطلقت أولاً على موقع التل الذي بني عليه الهيكل ثم أطلقت على بيت المقدس؛ ثم على الأمة اليهودية كلها، وتراثها الروحي؛ وأصبح معناها الحديث عود القومية اليهودية واستردادها لتراثها الغابر. وبهذا تفهم الصهيونية في عصرنا ولهذا تعمل. وإذا فالصهيونية الحديثة ترجع إلى أواسط القرن التاسع عشر. وفي هذا الحين نفسه تلقى الصهيونية مادتها وقوتها: ذلك أن خصومة السامية أو نزعة التعصب ضد اليهود قد اضطرمت يومئذ بفورة جديدة في معظم الدول الأوربية، وأسفرت عن مذابح مروعة في روسيا والمجر. وعصفت باليهود في ألمانيا ثم عصفت بهم في فرنسا حيث بلغت الحركة ذروتها في قضية دريفوس الشهرية (سنة 1896). ورأت اليهودية أنها رغم حصولها على الحقوق المدنية والسياسية في معظم الدول الغربية، مازالت عرضة للبغض القديم الذي أصبح تقليداً راسخا في المجتمعات الغربية. عندئذ بدت فكرة الوطن القومي اليهودي ضرورة يجب تحقيقها لخير اليهودية وسلامها. وأخذ أقطاب اليهودية على إذاعة الفكرة واتخاذ الخطوات العملية الأولى في سبيل تحقيقها. فألفت جمعية لإنشاء المستعمرات اليهودية وزودت بالمال. وبدأت مساعي الماليين اليهود لدى الباب العالي لإنشاء هذه المستعمرات في فلسطين. ثم لقيت الفكرة روحها المضطرم في كاتب يهودي نمسوي فتى هو تيودور هرتسل. وقد ولد هرتسل ببودابست سنة 1860 وظهر في الصحافة والتأليف المسرحي وظهر بالأخص بكتاباته القوية الملتهبة في سبيل القضية اليهودية. وكان هرتسل يرى أن الوطن القومي ضرورة لليهودية لا أمنية فقط، وفي سنة 1896 أخرج رسالته الشهيرة (الدولة اليهودية) يعرض فيها فكرة الوطن القومي عرضا قوياً، ويرى أن يتخذ هذا الوطن صورة دولة يهودية في فلسطين تكون تحت سيادة الباب العالي وتؤدي له الجزية وتكون البقاع المقدسة منطقة مستقلة ذات نظام خاص، فكان لدعوته وقع عظيم في اليهودية بأسرها، وأيده أقطاب المفكرين اليهود مثل مكس نورداو وإسرائيل زنجويل وغيرهما. وكانت اليهودية على إثر ما عانته من اضطهاد الخصومة السامية في معظم البلاد تتحفز يومئذ للذود عن نفسها، وتستجمع جهودها للقيام بحركة إيجابية منتجة. وسرعان ما انتظمت هذه الحركة تحت لواء هرتسل وزعامته، وفي أغسطس سنة 1897 عقد مؤتمر يهودي عام في بازل (سويسرا) برآسة هرتسل وفيه (22/42) وضع برنامج الصهيونية الرسمي وعرفت غايتها ووسائلها على النحو الآتي: (تسعى الصهيونية لتحقق للشعب اليهودي إنشاء وطن في فلسطين، يتمتع بالضمانات التي قررها القانون العام، لكي يمكن تحقيق هذه الغاية، يرى المؤتمر الوسائل الآتية: 1. أن يشجع استعمار فلسطين بواسطة الزراع والعمال والصناع التشجيع الواجب. 2. أن ينظم العالم اليهودي بأسره وأن يحشد في المجتمعات المحلية أو العامة طبقا لقوانين البلاد المختلفة. 3. أن تقوى لدى اليهود عواطف الكرامة القومية والاعتزاز بالجنس. 4. أن تبذل المساعي التمهيدية اللازمة للحصول على التصريحات الحكومية الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية.) ثم توالت المؤتمرات الصهيونية في كل عام وبدأت مساعي اليهودية العملية واتصل هرتسل بالباب العالي، فاظهر نحو الفكرة ميلا في البداية باعتقاد أن تأييدها يكسبه نفوذا جديدا، حاول أن يجعل من ذلك وسيلة لحل المسألة الأرضية بشروط عرضها على اليهود الإنكليز ولكنه أخفق في هذه المحاولة. وزار هرتسل السلطان عبد الحميد في سنتي 1901و 1902 فآنس منه إعراضا وأخفق في سعيه. فاتجه هرتسل إلى إنجلترا وعرض أن ينشأ الوطن القومي اليهودي في أية منطقة من البلاد الواقعة تحت النفوذ البريطاني، واقترحت خلال ذلك منطقة سيناء المصرية ثم منطقة في الشرق افريقا البريطاني. ولكن أغلبية المؤتمر الصهيوني (سنة 1903) رفضت فكرة التحول عن فلسطين إلى غيرها وعدتها تراجعا وهزيمة للفكرة القومية الأهلية، ثم توفي هرتسل سنة 1904 في عنفوان قوته وجهوده فكانت وفاته ضربة قوية للحركة الصهيونية، ولم تجد الحركة من بعده مدى أعوام من يقودها بمثل قوته ونفوذه. وتزعمها مدى حين فولفزون المالي الألماني، وإسرائيل زنجويل الكاتب الإنكليزي، وجددت المساعي لدى الباب العالي، ولكن اضطراب الأحوال السياسية في تركيا حال دون كل مسعى. وجددت المساعي لدى إنكلترا. واقترحت أثناء ذلك برقة أو الجزيرة في العراق لتكون مركزا، للوطن القومي، ولكن هذه المساعي أخفقت أيضا ففت هذا الفشل المتكرر في عضد الصهيونية وخبت حماستها، فترت جهودها حنى نشوب الحرب الكبرى. (22/43) وفي أثناء الحرب سعت اليهودية إلى غايتها بجد ومثابرة، وقدمت إلى الحلفاء كل معونة ممكنة فامدتها بالقروض المالية، والفت فرق يهودية عسكرية تحارب إلى جانبهم. وتولى الزعماء اليهود: لورد روتشيلد والدكتور ويزمان ومسيو سوكولوف تنظيم هذه الحركة والسعي لدى دول الحلفاء وبخاصة إنجلترا في تحقيق مشروع الوطن القومي، وأسدى الدكتور ويزمان، وهو علامة كيمائي ومخترع بارع إلى إنجلترا أثناء الحرب خدمات جلية، بتولي المباحث الكيميائية في المعامل الإنجليزية: واختراع مادة جديدة للمفرقعات القوية. وأسندت إليه منذ سنة 1917 رآسة الهيئة الصهيونية العالمية. وكانت إنجلترا تجد يومئذ هجومها على فلسطين، وأمل اليهودية يبدو على وشك التحقيق. وكانت فرنسا أول من تقدم من الحلفاء لتأييد مشروع الوطن القومي اليهودي بصفة رسمية: ففي يونيه سنة 1917 وجه مسيو كامبون وزير الخارجية الفرنسية إلى مسيو سوكولوف رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية يؤكد فيه عطف الحكومة الفرنسية على القضية اليهودية والوطن القومي، وفي 2 نوفمبر سنة 1917 أصدرت الحكومة البريطانية عهدها الشهير بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وعرف هذا العهد باسم اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية يومئذ؛ وتلى في مجلس العموم البريطاني في النصف الثاني من نوفمبر في خطاب رسمي وجه إلى اللورد روتشيلد كبير اليهودية الإنجليزية وهذا نصه: عزيزي اللورد روتشيلد: يسرني أعظم السرور أن أوجه إليك باسم الحكومة البريطانية التصريح الآتي بالعطف على الأماني الصهيونية اليهودية وهو تصريح عرض على الحكومة البريطانية وأقرته وهو: (أن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين: وسوف تبذل ما في وسعها لتحقيق هذه الغاية. ومن المفهوم أنه لن يعمل شيء مما قد يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهدوية الموجودة في فلسطين ولا بالحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر) الصهيونية نشأتها وتطورها 2 - بعد عهد بلفور للأستاذ محمد عبد الله عنان أصدرت الحكومة البريطانية عهدها بإنشاء الوطن القومي اليهودي (عهد بلفور) في الثاني من نوفمبر سنة 1917 كما قدمنا، بينما كانت القوات البريطانية بقيادة لورد اللنبي في طريقها إلى بيت المقدس. وفي التاسع من ديسمبر استولى الإنكليز على بيت المقدس؛ وبدأت سيادة إنكلترا على فلسطين من ذلك التاريخ، وبدأ تنفيذ مشروع الوطن القومي اليهودي بصورة عملية. وتلا عهد بلفور صدور تصريحات ووقائع رسمية من مختلف دول الحلفاء بتأييد أماني الصهيونية، ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين وفي مؤتمر سان ريمو سنة 1920 وزع (الانتداب) على بلاد الشرق الأدنى التي سلخت عن تركيا. فكانت فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب بريطانيا العظمى. وفي سبتمبر سنة 1922 صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب على فلسطين متضمنا في ديباجته المصادقة على عهد بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي؛ ونص فيه على إنشاء هيئة يهودية ذات صفة رسمية يحق لها أن تسدي الرأي لحكومة فلسطين وتتعاون معها في جميع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح اليهود في فلسطين، وتتخذ بالاتفاق مع الحكومة البريطانية جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق التعاون بين جميع اليهود الذين يريدون الإشتراك في إنشاء الوطن القومي اليهودي (المادة الرابعة). ونص على تسهيل الهجرة اليهودية واستعمار اليهود للأراضي (المادة الخامسة) كما نص على جعل اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين إلى جانب العربية والإنكليزية (المادة الثانية والعشرون) واستثنيت منطقة شرق الأردن وجعلت منطقة خاصة لا يطبق عليها شيء من النصوص المتعلقة بالوطن القومي اليهودي. وفي سنة 1923 تنازلت تركيا في معاهدة لوزان عن كل حق على فلسطين وغيرها من الأراضي التي وضعت تحت الانتداب، واعترفت بالانتداب البريطاني على فلسطين، وتمت بذلك سلسلة الوثائق الدولية التي تؤيد السيادة البريطانية على فلسطين، وتؤيد إنشاء (23/30) الوطن القومي اليهودي فيه. ولنر الآن كيف عملت الصهيونية في فلسطين بعد أن مكنت من غزوها، وكيف نفذ مشروع الوطن القومي اليهودي، والى أين وصل وإلام ينتهي اليوم؟ كان برنامج مؤتمر بازل الذي أتينا على ذكره دستور الصهيونية عملت على تنفيذه في فلسطين عن طريقين: الأول الاستعمار الزراعي والاقتصادي، والثاني إحياء تراث اليهودية الروحي والفكري. والأول سلاح اليهودية المادي لغزو فلسطين والاستقرار بها. وقد بدأت بإعداده واستعماله منذ بعيد. فمنذ أواخر القرن الماضي أنشئت في فلسطين بعض المحلات والمستعمرات الزراعية اليهودية بسعي بعض الماليين اليهود. . . ومنذ سنة 1901 أنشئ (الاعتماد القومي اليهودي) في لندن ليجمع الأموال من اليهود في جميع أنحاء العالم. ومنذ عهد بلفور يسير الاستعمار اليهودي لفلسطين بخطوات سريعة. وتعتمد الصهيونية في ذلك على هيئتين ماليتين قوميتين الأولى (الاعتماد القومي اليهودي) المذكورة، ومهمتها شراء الأراضي الزراعية في فلسطين. والثاني (الكرن هيسود) ومهمتها أن تقدم الأموال اللازمة للمهاجرين لتسهيل الاستعمار والاستقرار والتربية وما يتعلق بها. وتطبيقا لعهد بلفور وصك الانتداب فتح الإنكليز أبواب فلسطين على مصاريعها للهجرة اليهودية، فوفد عليها اليهود آلافا مؤلفة من جميع أنحاء العالم، واشترى اليهود مساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء فلسطين، وأقيمت عليها المستعمرات اليهودية الزراعية والصناعية. وقامت (اللجنة التنفيذية الصهيونية) في بيت المقدس لتنظم الاستعمار اليهودي بمعاونة حكومة فلسطين تطبيقا للمادة الرابعة من صك الانتداب، واستأثرت لدى الحكومة بكل نفوذ، واستولى اليهود على معظم المناصب الهامة؛ وعلى الجملة استطاع اليهود في أعوام قليلة أن يستأثروا بأعظم قسط من مرافق فلسطين الجوهرية اقتصادية وغيرها هذا، وقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة لأحياء تراث اليهودية الفكري والروحي، فأنشئت في ظاهر بيت المقدس منذ سنة 1925 جامعة عبرية كبيرة تعمل على إحياء هذا التراث؛ وأنشئت مكتبة يهودية عظيمة، كما أنشئت طائفة كبيرة من المدارس اليهودية في جميع أنحاء فلسطين، جعل التعليم بها باللغة العبرية؛ واتخذت العبرية إلى جانب العربية (23/31) والإنكليزية لغة رسمية للتخاطب والمعاملات، وأنشئت عدة صحف يهودية عبرية، وبذلت على العموم مجهودات عظيمة لأحياء الثقافة والتقاليد اليهودية وهكذا سارت الصهيونية في إنشاء الوطن القومي اليهودي بفلسطين بخطوات سريعة تسدد كل خطوة منها الملايين الطائلة، والسياسة الإنكليزية من ورائها تؤيد جهودها وتحمي مرافقها ومشروعاتها. وقد بلغ الاحتشاد اليهودي في فلسطين مبلغا عظيما؛ فقبل عهد بلفور لم يكن عدد اليهود بفلسطين يزيد على بضعة آلاف معظمهم من اليهود المحليين، ولكن عددهم حسب إحصاء سنة 1922 بلغ 87، 794 من مجموع قدره 757 ألفا؛ وبلغ حسب إحصاء سنة 1929 - 149، 554 من مجموع قدره 794، 906 آلاف - ويبلغ اليوم حوالي مائتي ألف من مجموع قدره مليون نفس. وأعظم احتشاد يهودي في (مدينة) تل أفيف وهي مدينة يهودية محضة أنشئت على الطراز الأوربي، ويبلغ سكانها اليوم زهاء ستين ألفا. والهجرة اليهودية ما زالت تتدفق على فلسطين بنسبة مزعجة ولا سيما عقب حوادث ألمانيا الأخيرة، حيث اضطرمت خصومة السامية من جديد ولقي اليهود نوبة اضطهاد جديدة شاملة. وقد يلوح مما تقدم أن الصهيونية قد أحرزت نجاحا لا شك فيه، وان الوطن القومي اليهودي يقوم اليوم في فلسطين على أسس ثابتة، وان حلم هرتسل في قيام دولة يهودية موحدة يسير نحو التحقيق. ذلك أن الصهيونية قد استطاعت من الوجهة الدولية أن تحصل على العهود والمواثيق اللازمة للاعتراف بالوطن القومي اليهودي كوحدة سياسية ذات وجود، وعلى الضمانات الكفيلة بتأييده وحمايته، واستطاعت من الوجهة المادية أن تقوم في فلسطين بطائفة كبيرة من الجهود المادية والإنشائية لإقامة هذا الوطن القومي طبق ما فصلنا. ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الحركة الصهيونية تقوم من الوجهة التاريخية والدولية على أسس وبواعث فاسدة مضطربة، وجهودها في سبيل إنشاء الوطن القومي اليهودي تسيرها في الواقع عوامل مصطنعة. ثم هي بعد هذه الجهود كلها لا تستطيع أن تطمئن لمصيرها في فلسطين، ولا تستطيع أن تغفل إرادة العرب بعد أن تجلت هذه الإرادة أكثر من مرة قوية متقدمة بتحطيم هذا الصرح اليهودي المصطنع. ذلك أن الصهيونية الحديثة لم تكن مستقلة النشأة، وإنما كانت بالأخص نتيجة لخصومة السامية أو حركات الاضطهاد ضد (23/32) اليهود في أوربا، وكانت وما زالت تتبع هذه الخصومة قوة وضعفا، فإذا اضطرمت خصومة السامية، اضطرمت الصهيونية بفورة مؤقتة من الحماسة، وإذا خبت فتر روح الصهيونية المعنوية. وفكرة الوطن القومي اليهودي تقوم من الوجهة التاريخية على أن أرض فلسطين كانت قبل ألفي عام وطن الشعب اليهودي ومهاد مجده، وإنها ما زالت برغم كر الأحقاب مثوى تراثه الروحي وذكرياته المقدسة. وهي فكرة ظاهرة الخطل والإغراق؛ ففلسطين عربية إسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ولم تعرف خلال هذه الآماد الطويلة من أثر اليهودية سوى ذكرى التاريخ؛ ولو كانت ذكرى التاريخ تصح سندا لاستعادة الأوطان الغابرة لما كان لشعب أن يبقى اليوم في الأرض التي يحتلها. واليهودية لا وطن لها منذ ألفي عام؛ وقد استقرت منذ الحقب أشتاتا في سائر أنحاء الأرض، وفقدت لغتها وكثيرا من خواصها ومميزاتها القومية؛ ولم تبق اليهودية جنسا موحدا، وإنما هي دين فقط. وقد كان مزجها بين فكرة الدين والجنس من أهم عوامل اضطهادها، لأنها برغم نزولها في مختلف الأوطان وتأثرها بمؤثرات الإقليم والوسط، تأبى إلا أن تعيش دائما في معزل، وتنكر دائما جنسيتها المكتسبة بتعاقب القرون، وتتخذ دائما من الدين جنسية مستقلة. وقد كان هذا الفهم الخاطئ لنظرية الجنسية موضع الإنكار والنقد من بعض مفكري اليهودية الممتازين مثل مندلزون ولسبخ، فقد رأوا أن تتخذ اليهودية أوطانها القومية حيثما حلت مع احتفاظها بتراثها الروحي. هذا، ومن جهة أخرى فان الصهيونية لم تحسب حساب العرب؛ وقد رأت بالأدلة المادية أن التأييد المسلح الذي أخذته بريطانيا على نفسها لا يكفي لسلامة الوطن القومي اليهودي، وان إرادة العرب أصحاب البلاد يجب أن يحسب لها أكبر حساب. وقد ظهرت هذه الإرادة قوية مضطرمة في حوادث أغسطس سنة 1929؛ ثم ظهرت في حوادث فلسطين الأخيرة التي جاءت أقطع حجة على أن فلسطين العربية ما زالت تجيش بقوى معنوية لا تقدر. وهذه الانفجارات القومية القوية التي تضطرم بها فلسطين من وقت لآخر هي وثبات شعب يريد الذود عن حياته وكيانه. فقد رأينا كيف نزعت أراضي العرب من أيديهم، وكيف سلبوا كل مرافقهم ومصالحهم الجوهرية، وكيف فتحت بلادهم لتلقي سيل الهجرة اليهودية تنفيذا لعهد بلفور وصك الانتداب. وقد أقرت لجنة التحقيق البريطانية التي انتدبت على أثر حوادث (23/33) سنة 1929 عدالة كثير من المظالم التي نزلت بالعرب، ولا سيما مسألة الأراضي ومسألة الهجرة اليهودية. ولكن السياسة البريطانية لم تغير شيئا من مسلكها، وما زالت تؤيد غزو الصهيونية لفلسطين بكل قواها. وقد وصل اقتناء اليهود لأراضي العرب في العهد الأخير ووصلت الهجرة اليهودية إلى حدود خطرة، وشعر العرب بالضغط عليهم وعلى مرافقهم يشتد إلى الغاية، فكان الانفجار الأخير؛ وكان أن أثبتت فلسطين مرة أخرى أنها ستقاوم هذا الغزو البربري المنظم بكل ما وسعت من قوة؛ وشعرت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي إنما هو لعبة خطرة لا تزال تنقصها كل عناصر السلامة والطمأنينة؛ وكان لحوادث فلسطين الأخيرة وقع عميق في العالم العربي والإسلامي كله؛ فعرفت اليهودية مرة أخرى أن فلسطين لا تقف وحيدة في ميدان النضال، وان من ورائها الأمم العربية والإسلامية كلها تشد أزرها بجميع قواها المعنوية؛ وعرفت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي لا يقوم في قلب فلسطين فقط، وإنما يقوم في قلب العالم العربي والإسلامي كله على بركان من الخصومة المشتركة، وان عليها إذا أرادت البقاء في فلسطين أن تتأهب لمنازلة العالم العربي والإسلامي كله. الحركة القومية الارلندية منذ نشأتها إلى اليوم للأستاذ محمد عبد الله عنان. - 1 - المسألة الارلندية من أخطر واعقد مشاكل الإمبراطورية البريطانية. وخطورتها اليوم تبدو بنوع خاص، حيث تتأهب ارلنده لتحقيق الغاية التي تعمل لها منذ أحقاب. وهي التحرر من كل فروض التبعية البريطانية وإعلان نفسها جمهورية حرة موحدة، وأيرلندة اليوم من الوجهة الدولية دولة مستقلة ذات سيادة، ونعتها الدولي هو: (دولة ارلنده الحرة) ولكنها ما زالت طبق نصوص المعاهدة التي أنشأتها دولة حرة، تدين ببعض فروض الولاء والتبعية لبريطانيا العظمى. وإذا كانت ارلنده تعتبر من الوجهة الجغرافية إحدى الجزر البريطانية، وتجاور إنكلترا واسكتلنده مجاورة قوية، فهي مع ذلك وحدة جنسية وتاريخية مستقلة. فالشعب الارلندي لا يمت بنسب أو صلة للشعب الإنكليزي، بل يرجع إلى أصول جنسية أخرى، وله خواصه ومميزاته وتقاليده الخاصة. وله أيضاً لغته الخاصة الجايلقية أو الارلندية القديمة التي غدت لغة رسمية لدولة ارلنده الحرة، وعاطفة الاستقلال قديمة راسخة في الشعب الارلندي. فمنذ القرن الحادي عشر كانت ارلنده مملكة مستقلة قوية تهدد جيرانها بالغزو والسيادة ولكن إنكلترا أدركت منذ البداية خطر استقلال ارلنده وقوتها على استقلالها وكيانها، وعملت الملكية الإنكليزية منذ أواخر القرن الثاني عشر على فتح هذه الجزيرة القوية واستعمارها، فغزاها هنري الثاني وافتتحها (1172م) وبدأ الإنكليز باستعمارها؛ وتوالت حملات ملوك إنكلترا على الجزيرة الثائرة لاستقلالها. ولكن ارلنده لم تهدأ لها من ذلك الحين ثائرة. وتاريخ ارلنده حافل منذ القرن السادس عشر بأخبار هذه الثورات القومية العديدة التي كان الشعب الارلندي يضرم لظاها من آن لآخر طلباً لحريته واستقلاله، والتي كانت إنكلترا تسحقها دائماً بمنتهى الشدة والقسوة. وكانت إنكلترا تحكم ارلنده طوال هذه القرون بيد من حديد، ولكن لم تفلح قط في كسب محبة الشعب الارلندي أو التأثير في عواطفه الوطنية وصرفه عن طلب استقلاله. ولما رأت السياسة الإنكليزية بعد عدة قرون أن وسائل الشدة فشلت نهائياً في حكم هذا (24/16) الشعب العريق في وطنيته واستقلاله جنحت إلى نوع من اللين والمودة. وفي سنة 1800، أصدرت الحكومة البريطانية قانون الاتحاد الارلندي، وبمقتضاه اعتبرت ارلنده جزءاً من (المملكة المتحدة) (بريطانيا العظمى) تمثل في البرلمان البريطاني بثمانية وعشرين عيناً وأربعة أساقفة، ومائة عضو في مجلس العموم. وتدفع ارلنده للخزينة البريطانية مبلغاً معيناً. ولها حرية التجارة، وحرية الاحتفاظ بنظمها القضائية والتنفيذية الخاصة. وكان لهذه الخطوة أثرها في تهدئة الشعب الارلندي. ولكن الحركة الاستقلالية لبثت قوية تتحين فرص العمل. ولم يصف قط كدر العلائق بين بريطانيا وارلنده. على أن حركة قومية جديدة معتدلة ظهرت: قوامها المطالبة بالحكم الذاتي أو الحكم الداخلي لارلنده وقويت هذه الحركة في أواخر القرن التاسع عشر بقيادة الزعيم الوطني بارنل، وغلب هذا الاتجاه في الحركة الوطنية الارلندية حيناً. وحاول حزب الأحرار أن ينتهز هذه الفرصة المعتدلة لتحقيق الأماني الارلندية وكسب صداقة الشعب الارلندي، فقدم غلادستون رئيس الحكومة يومئذ إلى البرلمان مشروع الحكم الذاتي الارلندي، ولكنه رفض مرتين (سنة 1886 و 93)، وعاد الأحرار لاستئناف السعي قبيل الحرب، فقدم مستر اسكويث رئيس الوزارة مشروع الحكم الذاتي الارلندي وصودق عليه سنة 1914. ولكن نشوب الحرب الكبرى حال دون تنفيذه. وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حركة الاستقلال الارلندية. - 2 - وفي بداية الحرب بذل الزعماء الارلنديون وعلى رأسهم (جون ردموند) كل جهد لمعاونة بريطانيا العظمى، وتطوع كثير من الارلنديين في الجيش البريطاني. ولكن الأحقاد القومية القديمة ما لبثت أن اضطرمت، ووثبت الحركة الاستقلالية مرة أخرى، وقامت ثورة أيرلندية جديدة في سنة 1916 كان مدبرها حزب (السين فين) الجمهوري الذي أسس قبل ذلك بقليل ليعمل على استقلال ارلنده، فأخمدها الإنكليز بشدة، وفي نهاية الحرب توفي جون ردموند، فزادت علائق البلدين سوءاً واضطراباً، وقامت الجمعيات السرية الاستقلالية في جميع أنحاء ارلنده، وبرز حزب السين فين في الطليعة. وهنا نقف قليلاً للتعريف بحزب السين فين هذا الذي غدا روح الحركة القومية الأرلندية، وكتب لنفسه في سير الجهاد الوطني صحفاً خالدة. ففي سنة 1915 أسس فريق من (24/17) الزعماء الارلنديين حزباً أو هيئة وطنية جمهورية باسم (السين فين) ومعناها (نحن فقط)؛ وغايتها تحرير ارلنده تحريراً مطلقاً، وفصلها عن بريطانيا العظمى فصلاً تاما. وكان شعار هذه الحركة منذ البداية الجرأة، والتضحية. فأعلن (السين فين) انهم (الحكومة المؤقتة للجمهورية الارلندية) وانشئوا قوة وطنية أطلق عليها (المتطوعة الارلنديون) ونظموا ثورة سنة 1916. ولبث (السين فين) أثناء الحرب يناصبون بريطانيا العداء. ولكن إنكلترا استمرت أثناء الحرب تحكم ارلنده بمنتهى الشدة، وتطارد الحركة القومية بمنتهى العنف. ولكن دعوة (السين فين) ما زالت تزداد قوة وانتشاراً حتى عمت سواد الشعب الارلندي. وظهرت قوة الحركة في انتخابات سنة 1918 إذ سقط معظم الزعماء القدماء أنصار فكرة التوفيق والحكم الذاتي؛ وفاز السين فين فوزاً باهراً. ورأت السياسة البريطانية نفسها في مأزق حرج لأن السين فين رفضوا مشروع الحكم الذاتي بقوة وتمسكوا بالاستقلال التام، وانشئوا (حكومة الجمهورية الارلندية) والبرلمان الارلندي الوطني. وهنا تدخل المسألة الارلندية في طور جديد، وتضطر السياسة الإنكليزية مرة اخرى للبحث عن سبيل لإرضاء ارلنده، أو بعبارة أخرى لتخدير حركتها القومية. وكان الحكم يومئذ ما يزال في يد الأحرار، وهم الذين سعوا إلى حل المسألة الارلندية بمنح الحكم الذاتي لارلنده. ففي سنة 1920 اتخذت الحكومة البريطانية برآسة لويد جورج في المسألة الارلندية خطوتها الجديدة فأصدرت (قانون الحكومة الارلندية) بمنح الاستقلال الذاتي لارلنده الجنوبية واستثنيت ألصتر أو ارلنده الشمالية لاختيارها البقاء مع بريطانيا العظمى. ولكن السين فين رفضوا هذا القانون ورفضه البرلمان الارلندي الوطني (الديل ايران) بقوة واضطرمت ارلنده بثورة جديدة، وشهر السين فين على إنكلترا حرباً عنيفة، ونظموا العصابات المسلحة في أنحاء ارلنده، وتوالت حوادث الفتك والاغتيال على كبار الإنكليز والموالين لهم في ارلنده، وأبدى رجال السين فين بسالة وتضحية نادرتين. وقابل الإنكليز الاعتداء بمثله وارتكبت حوادث قسوة عديدة، وهلك من الفريقين في تلك الحوادث عدد من الزعماء والرجال البارزين. ولم تبد الحركة الارلندية قط بمثل هذا العنف، ورأت الحكومة البريطانية رجالها وجندها يسقطون تباعاً في ارلنده، ورأى فريق من الزعماء الارلنديين (24/18) ان العنف صائر بالبلاد إلى الخراب والدمار، فاتفق الفريقان بعد نحو عام من تلك الحرب المضطرمة على عقد هدنة يحاولان خلالها التفاهم والمفاوضة، فهدأت البلاد حيناً، وعقدت عدة مؤتمرات للمفاوضة بين ممثلي السين فين وممثلي إنكلترا، وانتهت في ديسمبر سنة 1921 بعقد معاهدة عرفت بمعاهدة لندن؛ وبمقتضاها اعترفت إنكلترا باستقلال ارلنده الجنوبية ومنحها نظام الدومنيون (الأملاك المستقلة) مع احتفاظ بريطانيا ببعض رسوم السيادة على ارلنده: كفرض يمين الطاعة للعرش، وجعل استئناف الأحكام النهائي امام مجلس الملك الخاص، وتعيين حاكم يمثل التاج. ووافق البرلمان الارلندي (الديل) على المعاهدة في يناير سنة 1922، ولكنها لم تصادف قبولاً من الجناح الجمهوري المتطرف الذي يقوده الزعيم دي فاليرا، فرفض المعاهدة واستقال دي فاليرا من رآسة البرلمان احتجاجاً عليها، فخلفه آرثر جريفث في رآسة البرلمان وأتم مع زميله ميخائيل كولنس المفاوضات مع إنكلترا. وعلى اثر عقد المعاهدة انسحبت القوات البريطانية من ارلنده الجنوبية، وأقيمت حكومة مؤقتة برآسة ميخائيل كولنس، وقامت دولة ارلنده الحرة طبقاً لنصوص المعاهدة. وأجريت في يونيه انتخابات جاءت بأغلبية في صف المعاهدة، ولكن الجناح الجمهوري المتطرف لبث على موقفه يعارض المعاهدة بكل شدة، ودب الخلاف في صفوف (السين فين)، واخذ كل فريق يرمي الأخر بالمروق والخيانة، واستعملت الحكومة الجديدة العنف في قمع خصومها، فرد هؤلاء بالعنف والعدوان، واغتيل كولنس في أغسطس وتوفي جريفيث قبله بأيام، فتولى الزعيم كوزجريف رآسة الجمهورية، وشدد على الجمهوريين ووضع الدستور الارلندي الجديد في دائرة معاهدة لندن، ونص على أن الشعب الارلندي هو مصدر جميع السلطات، وعلى أن البرلمان قوامه الملك ومجلسان هما (الديل) ومجلس الشيوخ، وعلى أن اللغة الارلندية (الجايلقية) هي لغة الدولة. وأنشئ جيش ايرلندي وطني. وعين الزعيم الارلندي هيلي حاكماً عاماً (ثم خلفه الزعيم ماكنيل) ليمثل حقوق التاج. - 3 - استطاعت السياسة البريطانية ان تجعل من المعاهدة الارلندية أداة لتمزيق الحركة القومية الارلندية، وشطر السين فين إلى فريقين خصيمين وفق ما قدمنا، ولبث فريق الأغلبية وهو الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية 1 - كيف نشأت بعد الحرب للأستاذ محمد عبد الله عنان شهدت أوربا في العصر الأخير طائفة من الحركات والثورات القوية، السياسية والاجتماعية، التي قلبت نظم الحكم والمجتمع، وغيرت مناحي التفكير والعواطف، وأثرت في سير السياسة الدولية اعظم تأثير ولا ريب أن الثورة الفاشستية الإيطالية، والثورة الوطنية الاشتراكية الألمانية أو الحركة الهتلرية أو النازية، هما اعظم هذه الحركات والثورات البعيدة المدى والآثار في مصاير أوربا القديمة والمجتمع الأوربي القديم. والثانية وليدة الأولى في معنى من المعاني، وشبيهتا في بعض الغايات وفي كثير من الوسائل والإجراءات. ولكنها تختلف عنها في البواعث والظروف التي نشأت فيها، وفي الغايات الجوهرية التي تعمل لها، ثم تختلف عنها في طوالعها، وفي الآثار التي أحدثتها ومازالت تحدثها في سير السياسة الدولية وفي الرأي العالمي ولعل اعظم ما تتفق فيه الحركتان الإيطالية والألمانية انهما عملتا معا لسحق الشيوعية، ولتحطيم النظم الدستورية والديمقراطية كلها، والقضاء على الحريات العامة وكثير من الحريات الفردية بوسائل متماثلة ولغايات متماثلة. وقد كان تفاقم الفوضى الاشتراكية والشيوعية في إيطاليا عقب الحرب الكبرى اكبر عامل في وثوب الفاشستية الإيطالية. ولكن اكبر عامل في وثوب الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية هو معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) وما فرضته على ألمانيا من صنوف التمزيق والذلة والمغارم، وما بثته شروطها وفروضها الفادحة في الشعب الألماني من يأس وتفكك وانحلال. ويكفي أن نذكر أن معاهدة فرساي قضت باقتطاع الألزاس واللورين، ووادي السار، وسيليزيا العليا، ودانتزج، وقسما من شلزقيج من ألمانيا؛ وقضت بإنشاء الممر البولوني داخل أرضها ليمزق بروسيا الشرقية إلى شطرين؛ وقضت بتجريد ألمانيا من سلاحها وسحق عسكريتها التاريخية، وتحطيم أسطولها الضخم وجعلها من حيث الدفاع القومي كأصغر دولة ثانوية؛ وقضت على ألمانيا بتحمل مسئولية الحرب الكبرى ومن ثم بإلزامها بتعويضات مالية فادحة استنزفت مواردها (26/29) وقوى شعبها، واحتل الحلفاء من اجل ذلك بعض مناطق الرين الألمانية مدى أعوام، وجردت ألمانيا من جميع مستعمراتها. واستمر الحلفاء بعد الحرب مدى أعوام يعاملون ألمانيا بمنتهى العسف والشدة والكبرياء؛ ولم يكن لألمانيا في تلك الأعوام العصيبة سلاح تشهره للمقاومة أو الاحتجاج المجدي ولم يكن في وسعها إلا التسليم واللاذعان في معظم الأحوال لبثت ألمانيا مدى أعوام وهي تتخبط في غمر من الصعاب والأزمات الفادحة. ثم كانت نكبة هبوط المارك سنة 1923، وجاء التضخم النقدي كالسيل فقضى على معظم الثروات، وقضى على الطبقات الوسطى بنوع خاص، ودفعها إلى حضيض البؤس والفاقة، وبث إلى التعامل فوضى لم يسمع بها؛ وهبت على الشعب الألماني ريح قوية من الدمار واليأس كادت تذهب بما بقى له من أمل وقوى معنوية وكانت الدعوات الثورية التي تثب دائماً في غمر اليأس والانحلال تعمل من جهة أخرى عملها، فاشتد ساعد الشيوعية، واخذ شبح البلشفية يساور ألمانيا ويهدد مصايرها، وكان الشعب الألماني في تلك الأيام السود يعيش في نوع من الاستسلام لا يكاد يرى طريقا للخلاص من هذه المصائب المتعاقبة والظلمات الكثيفة ولكن ألمانيا استطاعت منذ سنة 1924 أن تشعر بشيء من الأمل والثقة، ذلك أن الحلفاء أنفسهم أدركوا أن العمل عل إرهاق ألمانيا وخرابها لا يعاون ألمانيا على الوفاء بشروط الصلح بل يدفعها إلى براثن البلشفية المتحفزة. والبلشفية خطر داهم على كل الدول الغربية. وألمانيا هي حاجزه من الشرق. ثم أن فرنسا اقتنعت مذ أقدمت على احتلال وادي الروهر في خريف سنة 1923 لكي ترغم ألمانيا على أداء أقساط التعويضات، أنها ارتكبت خطأ فادحا ولم تفعل سوى أن أثارت في المانيا التي جنحت عندئذ إلى المقاومة السلبية روحا جديدا من النضال والتضامن، وان باقي الحلفاء ولاسيما إنجلترا لا يؤيدونها في هذه السياسة العنيفة، وإنها ستتحمل وحدها تبعات سياسة خطرة، وهنا تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ألمانيا المعاصر، وتنحسر الظلمات من حولها نوعا، وتجد في تلك الآونة العصبية رجلها المنقذ في شخص الدكتور جوستاف شتريزمان الذي تولى رآسة الحكومة عندئذ (أغسطس سنة 1923) ثم غادر الرآسة بعد قليل ليتولى وزارة الخارجية في (26/30) الحكومات المتعاقبة مدى أعوام. وكان شتريزمان سياسيا وافر البراعة، استطاع أن يقود ألمانيا خلال هذه الغمار الكثيفة بذكاء وجلد، وان يحررها من كثير من فروض معاهدة الصلح، وكانت مسألة مسئولية الحرب التي سجلت على ألمانيا في معاهدة فرساي واتخذت أساسا لفرض التعويضات والمغارم الفادحة علها موضع الجدل المستفيض، وكانت الوثائق والمذكرات والبحوث المختلفة في ألمانيا وإنجلترا وأمريكا تلقي عليها الضياء تباعا، ويبدو للرأي العالمي شيئا فشيئاً ان القول بمسئولية ألمانيا وحدها عن إثارة الحرب، نظرية خاطئة مغرضة، فكان الأساس الذي بني عليه إلزام ألمانيا بتعويضات الحرب ينهار شيئا فشيئاً، وبذا أعيد النظر في مسألة التعويضات وسويت لأول مرة بمشروع داوز ثم بمشروع يونج، وكانت ألمانيا تظفر في كل خطوة بتخفيضات وتسهيلات جديدة، ولكن المغارم التي بقي على ألمانيا أن تؤديها لبثت مع ذلك فاتحة تحطم موارد أغنى الشعوب. وفي سنة 1925، انتهت جهود شتريزمان الجلدة إلى عقد ميثاق لوكارنو بين ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبلجيكيا وبه ضمنت سلامة فرنسا وحدود ألمانيا الغربية كما قررتها معاهدة الصلح ضمانا متبادلا تشترك في تأييده كل الدول الموقعة، أكدت ألمانيا بذلك إنها تركت التفكير نهائيا في مسألة الألزاس واللورين وصفا الأفق الدولي بذلك نوعا، ودخلت ألمانيا عصبة الأمم في سبتمبر سنة 1926 - وجلست في كرسيها الدائم إلى جانب أعدائها بالأمس، وبدأ عهد جديد من التفاهم والتقرب من بين فرنسا وألمانيا، وكان شتريزمان رجل ألمانيا في تلك المراحل، كما كان استريد بريان رجل فرنسا. وكان كلا السياسيين العظيمين يؤمن بقضية السلام وعقد الوفاق والتفاهم بين الأمتين. واستمرت هذه السياسة حتى توجت بظفر جديد لشتريزمان: هو حمل فرنسا على الجلاء عن مناطق الرين المحتلة في خريف سنة 1929 قبل الموعد الذي حددته المعاهدة. وكان ذلك آخر ظفر للسياسي العظيم، إذ توفي بعده بقليل في أكتوبر سنة 1929 وكانت وفاة شتريزمان خسارة فادحة لألمانيا إذ فقدت بذهابه اعظم سياسي أخرجته بعد الحرب وضربة جديدة لسياسة الوفاق والتفاهم التي جرت ألمانيا عليها مدى أعوام وجنت ثمارها كما تقدم. وقد حاول الساسة الذين خلقوا شتريزمان في تولي مصاير ألمانيا مثل فون ملير زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ثم بريننج، ان يتابعوا سياسته ولكن دون نجاح. (26/31) أولا لان حالة الاستقرار النسبي الذي تمتعت به ألمانيا بضعة أعوام اخذ يضطرب نظراً لاشتداد ساعد الحركات والأحزاب المعارضة لهذه السياسة، وتفكك الأحزاب التي تناصرها، ونهوض الحركة الوطنية الاشتراكية بالاخص، وثانيا لان نفوذ بريان في فرنسا اخذ في الضعف، أخذت الجبهة التي كانت تناصره تشعر بعقم سياسته أخذت الجبهة العسكرية القوية من جهة أخرى تقاوم كل تساهل جديد مع ألمانيا، وتندد بخطر هذه السياسة على سلامة فرنسا. وتفي بريان بعد ذلك بعامين (أوائل سنة 1933) وكان اضطراب أفق السياسة الأوربية يزداد شيئاً فشيئاً. وظهرت ميول ألمانيا قوية في التحرر من أغلال معاهدة الصلح في مسألة التعويضات. ونزع السلاح، ومسائل الحدود التي تعتبرها ألمانيا جوهرية، لسلامتها، أصرت فرنسا على التمسك بنصوص المعاهدة بحجة المحافظة على سلامتها، وبدأ عهد من النضال الواضح بين الدولتين هو الذي نشهده اليوم في ذروة عنفه وأهميته. هذه خلاصة موجزة لتاريخ ألمانيا بعد الحرب، وهذه هي نفس الحوادث والظروف التي نشأت في مهادها الحركة الوطنية الاشتراكية. فمنذ نوفمبر سنة 1918، أعني مذ نشبت الثورة التي انتهت بإعلان الجمهورية واختفاء الإمبراطورية من الميدان. وقيام الحكومة الشعبية الأولى برآسة ايبرت لتقبل شروط الهدنة؛ ومذ عقدت الجمعية الوطنية في فيمار (6 فبراير سنة 1919) لتضع دستوراً ديمقراطيا لالمانيا؛ ظهرت في الميدان أقلية تصم بالخيانة العظمى تلك الكتلة الاشتراكية الديمقراطية التي أيدت الثورة واستولت على مقاليد الحكم، وقبلت الهدنة ثم معاهدة الصلح. وكان قوام هذه الأقلية بالأخص جمع من القادة والضباط القدماء أنصار الإمبراطورية: وكانت أثناء تلك الأزمات العصيبة التي غدت ألمانيا فيها فريسة الحرب الأهلية بين الديمقراطيين والشيوعيين بينما كان العدو الظافر يملي عليها شروطه ويثقل كاهلها بفروضه وأغلاله، ترقب مصاير ألمانيا في غمر من الحسرات واليأس؛ ولم تكن يومئذ قوية ولا ومنظمة، ولكنها كانت منذ الساعة الأولى تتلمس السبل لإنقاذ ألمانيا مما اعتقدت أنه منحدر الخطر والانحلال. وكان مركزها بالأخص في بافاريا، في مدينة ميونيخ التي لم يجرفها تيار الدعوة الاشتراكية كما جرف العاصمة البروسية (برلين). وكان التمزق الذي يسود جبهة اليسار (الديمقراطية (26/32) والشيوعية) يفسح بعض الأمل لهذه الجبهة (الوطنية) الناشئة. ففي مارس سنة 1920 بدأت أول محاولاتها على يد الجنرال فون لتفتز والدكتور فون كاب واستولت على مقاليد الحكم، ولكنها لم تثبت سوى أيام قلائل؛ وفشلت هذه الوثيقة الأولى ولكنها كانت بداية ذلك الصراع الذي شهرته الجبهة الوطنية المحافظة على الجمهورية الفتية؛ وكانت بالأخص دليلا على أن الجمهورية ليست من المناعة بحيث يستحيل غزوها وتحطيمها. وكان بين الجماعات الوطنية المحافظة التي اتخذت ميونيخ مركزاً لها، حفنة من الرجال المغمورين عرفت باسم (حزب العمال الألماني) وزعيمها صف ضابط فتى يدعى (ادولف هتلر). وكانت تضم ستة رجال فقط في سنة 1919 حين انضم إليها هتلر. ويقول لنا هتلر في كتابه (جهادي)، انه حين هبط ميونيخ في ذلك الحين لم يكن ينوي أن ينظم إلى أي حزب قائم، بل كان يريد أن يؤسس لنفسه حزبا جديداً، ولكنه انضم إلى هذه الجماعة المتواضعة، وغدا منظمها وزعيمها ومن ذلك الحين يظهر اسم هتلر على مسرح التاريخ الألماني المعاصر، كزعيم وداعية وطني متطرف، وتسير عصبته المغمورة إلى ميدان الحوادث والظهور، وتزداد في العدد والنفوذ بسرعة، وتشق طريقها بعزم وجلد ويجب قبل أن نتقدم في تتبع هذه الحركة الوطنية المحافظة أن نعرف القارئ بادولف هتلر، ذلك الفتى المغمور الذي شاء القدر أن يغدو اليوم زعيم المانيا، وسيدها المسيطر على مصايرها ولد أودلف هتلر سنة 1889 في بلدة براونا ومن أعمال النمسا العليا على مقربة من الحدود البافارية في أسرة نمسوية متواضعة، فهو إذن نمسوي الجنس والنشأة. وكان أبوه موظفا صغيراً في الجمارك، فتلقى تربية عادية. وتوفي والداه قبل أن يتجاوز الحداثة. وفي السابعة عشرة ألقت به يد القدر إلى العاصمة النمسوية فنزل بها وحيداً بائساً لا عائل له، أو على قوله: (لا يحمل سوى حقيبة من الملابس، ولكن يحمل في قلبه عزما لا يقهر) وأراد هتلر أن يدرس التصوير فلم يوفق لفقره؛ ورمت به المقادير إلى صناعة البناء يدرسها ويكسب منها قوته: فاشتغل مدى حين صبي بناء يعيش في ضعة ومسغبة، فلما لم يبسم له الحظ في العاصمة النمسوية، نزح إلى ميونيخ يبحث وراء طالعه؛ ولما نشبت الحرب الكبرى التحق بفرقة بافارية بإذن خاص من حكومته. وقاتل مع الجيش الألماني في (26/33) الميدان الغربي، وظهر بأقدامه وشجاعته وكوفئ بوسام (الصليب الحديدي). وأصيب في أواخر الحرب من الغازات الخانقة فحمل عليلا إلى ألمانيا: ولزم فراشه حتى انتهت الحرب وعقدت الهدنة. ويقول لنا هتلر انه بكى حزنا وتأثرا حينما سمع بخبر الهدنة. كما أنه شكر الله حين نشبت الحرب، وما كاد يبرأ من علله حتى عاد إلى ميونيخ وانضم إلى أولئك الستة الذين أطلقوا على أنفسهم (حزب العمال الألماني)، فلم يلبث أن غدا قائدهم وزعيمهم، واتخذ للجماعة اسما آخر هو (حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني) All content in the above text box is licensed under the Creative Commons Attribution-ShareAlike license Version 4 and was originally sourced from https://ar.wikisource.org/w/index.php?diff=prev&oldid=288630.
![]() ![]() This site is not affiliated with or endorsed in any way by the Wikimedia Foundation or any of its affiliates. In fact, we fucking despise them.
|